10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

مارس 2026

التحول الوصفي للجريمة الإلكترونية

التحول الوصفي للجريمة الإلكترونية

التحول الوصفي للجريمة الإلكترونية من جنحة إلى جناية في القانون الأردني

 

قراءة قانونية في ضوء قانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات الأردني

 

أدى التطور التقني المتسارع إلى انتقال جانب كبير من الأنماط الإجرامية من المجال التقليدي إلى البيئة الرقمية، فلم تعد الجريمة الإلكترونية محصورة في صور الاختراق الفني أو الاعتداء على البيانات والأنظمة المعلوماتية، بل اتسع نطاقها ليشمل أفعالاً تمس السمعة، والحرية الشخصية، والخصوصية، والعرض، والثقة العامة، والسلم المجتمعي، بل والأمن الوطني.

من هو افضل محامي جرائم الكترونية في الاردن

جاء قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023 ليعكس هذا التحول، فتبنّى سياسة عقابية أكثر تشدداً، سواء من خلال استحداث نصوص جديدة، أو رفع العقوبات، أو إدخال ظروف مشددة تكشف عن إرادة تشريعية واضحة في محاصرة صور الاعتداء الرقمي المتزايدة.

غير أن فهم هذا القانون على نحو صحيح لا يستقيم إذا قُرئ بمعزل عن قانون العقوبات الأردني؛ لأن التشريع الخاص لا ينشئ منظومة جزائية مستقلة بالكامل، بل يعمل في إطار تكاملي مع القواعد العامة التي تحكم أوصاف الجرائم والعقوبات.

ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لا يتمثل في مجرد كون الفعل قد ارتُكب بواسطة الإنترنت أو الهاتف أو منصة تواصل اجتماعي، وإنما في تحديد ما إذا كانت أركان الفعل وظروفه والنتيجة المترتبة عليه والعقوبة المقررة له تضعه في نطاق الجنحة أو الجناية.

وهذه المسألة ليست نظرية فحسب، بل تنعكس بصورة مباشرة على الاختصاص القضائي، والإجراءات، وآثار التنازل وإسقاط الحق الشخصي، ومركز النيابة العامة، وحدود سلطة المحكمة في التكييف وإعادة التكييف.

 

 

المعيار القانوني في التفرقة بين الجنحة والجناية:

 

يرد الأساس القانوني للتفرقة بين الجناية والجنحة في قانون العقوبات الأردني، الذي يميز بين الجناية والجنحة.

فالعقوبات الجنائية تشمل، من بينها، الإعدام، والأشغال المؤبدة، والاعتقال المؤبد، والأشغال المؤقتة، والاعتقال المؤقت، بينما تقوم العقوبات في الجنح على الحبس والغرامة.

كما أن المادة (55) من قانون العقوبات تقرر قاعدة بالغة الأهمية، مؤداها أن وصف الجريمة يُستخلص من الحد الأعلى للعقوبة الأشد المنصوص عليها قانوناً.

وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في الجرائم الإلكترونية؛ لأنها تمنع الخلط بين وسيلة ارتكاب الجريمة وبين وصفها القانوني.

من هو افضل محامي جرائم الكترونية في الاردن

فليس كل فعل ارتكب إلكترونياً يعدّ جناية، كما أن استخدام التقنية لا ينقل الجريمة بذاته من وصف إلى آخر.

إنما العبرة الحقيقية تكون لنوع العقوبة التي قررها المشرّع، ولطبيعة الحق أو المصلحة المعتدى عليها، وللنص الأشد الواجب التطبيق إذا وقع تداخل بين قانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات.

ويُعزز هذا الفهم ما قررته المادة (30) من قانون الجرائم الإلكترونية من أن تطبيق العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون لا يحول دون الحكم بأي عقوبة أشد ورد النص عليها في أي قانون آخر.

وهذه المادة تكشف بوضوح أن قانون الجرائم الإلكترونية ليس قاطعاً مانعاً لتطبيق قانون العقوبات، بل يفتح الباب لتغليب النص الأشد متى توافرت شروطه.

ومن هنا يظهر أن التحول من الجنحة إلى الجناية قد يتحقق أحياناً بنص خاص داخل قانون الجرائم الإلكترونية نفسه، كما في المادة (18/ب)، وقد يتحقق أحياناً أخرى بفعل الإحالة إلى النص الأشد في قانون العقوبات، إذا كان الفعل في حقيقته يمس العرض أو الأمن الوطني أو ينطوي على احتيال أو تهديد أو إكراه أو نتيجة إجرامية أشد.

 

 

أولاً: اغتيال الشخصية الإلكتروني وبقاؤه في نطاق الجنحة

 

استحدث المشرّع الأردني في المادة (16) من قانون الجرائم الإلكترونية تجريماً خاصاً لما يمكن تسميته بـ اغتيال الشخصية الإلكتروني، فنص على معاقبة كل من أشاع أو عزا أو نسب قصداً ودون وجه حق إلى أحد الأشخاص، أو ساهم في ذلك، عبر الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي، أفعالاً من شأنها اغتيال شخصيته.

ويعكس هذا النص اتجاهاً تشريعياً جديداً يتجاوز المفهوم التقليدي للذم والقدح، إذ لم يعد الاعتداء محصوراً في إسناد واقعة مهينة أو مشينة، بل اتسع ليشمل الهدم المنهجي لصورة الشخص ومكانته الاجتماعية والاعتبارية في المجال الرقمي.

ومع ذلك، فإن هذا النص يبقى في نطاق الجنحة؛ لأن العقوبة المقررة فيه هي الحبس أو الغرامة أو كلتاهما، دون أن تبلغ مرتبة العقوبات الجنائية.

غير أن بقاء الفعل في نطاق الجنحة لا يعني أن خطورته محدودة دائماً، بل قد يكون اغتيال الشخصية مدخلاً لتكييف أشد إذا اقترن بأحد الأوصاف الأخرى، كأن يتضمن تحريضاً على الكراهية أو إثارة الفتنة أو المساس بالسلم المجتمعي أو استهداف مؤسسة عامة أو موظف عام.

ففي هذه الحالة، لا يكون الانتقال إلى وصف أشد قائماً على المادة (16) وحدها، بل على التداخل بين هذه المادة وبين النصوص الأخرى في قانون الجرائم الإلكترونية أو قانون العقوبات.

ومن زاوية التقاطع مع قانون العقوبات، فإن هذا النوع من الأفعال يتصل عضوياً بالنصوص المنظمة للذم والقدح والتحقير، ومنها المواد التي تعالج شروط العلنية وصور التحقير والذم والقدح في القانون العام.

وهذا يعني أن المادة (16) لا تلغي هذه المنظومة، بل تكملها وتضيف إليها صورة أكثر حداثة وخطورة في البيئة الرقمية.

 

 

ثانياً: الابتزاز والتهديد الإلكتروني كنموذج صريح لتحول الجريمة من جنحة إلى جناية

 

تعد المادة (18) من قانون الجرائم الإلكترونية من أوضح النصوص التي تكشف عن التحول الوصفي للجريمة الإلكترونية من جنحة إلى جناية.

فقد نصت الفقرة (أ) منها على معاقبة كل من ابتز أو هدد شخصاً آخر لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه أو للحصول على منفعة جراء ذلك، من خلال استخدام نظام المعلومات أو الشبكة المعلوماتية أو موقع إلكتروني أو منصة تواصل اجتماعي أو بأي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات، بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة محددة.

وبهذه الصورة تبقى الجريمة جنحة، لأن العقوبة المقررة ما زالت تدخل في نطاق الحبس والغرامة.

لكن الفقرة (ب) من المادة ذاتها تمثل نقطة التحول الحقيقية، إذ قررت أن تكون العقوبة الأشغال المؤقتة والغرامة إذا كان التهديد بارتكاب جريمة، أو كان مصحوباً بطلب صريح أو بإسناد أمور خادشة للشرف أو الاعتبار، وكان ذلك بقصد حمل المجني عليه على القيام بعمل أو الامتناع عنه.

وهذه الصياغة تعني أن المشرّع لم يعد أمام مجرد تهديد أو ابتزاز بسيط، بل أمام صورة مشددة تنطوي على إكراه معنوي بالغ الخطورة، واستغلال للفضاء الرقمي في المساس بحرية الإرادة والاعتبار الشخصي معاً.

وتتجلى أهمية هذه الفقرة في أنها لا تشدد مقدار العقوبة فحسب، بل تنقل الفعل ذاته إلى وصف الجناية، لأن الأشغال المؤقتة هي من العقوبات الجنائية في قانون العقوبات الأردني.

ومن هنا، فإن المادة (18/ب) تمثل المثال الأوضح على أن الجريمة الإلكترونية قد تتحول إلى جناية بنص خاص صريح داخل قانون الجرائم الإلكترونية ذاته، دون حاجة ابتداءً إلى إحالة خارجية.

وعند قراءة هذا النص في ضوء قانون العقوبات، يتبين أنه يتقاطع مع النصوص المتعلقة بالتهديد والابتزاز والإكراه.

فالتشريع الجزائي العام يعرف صوراً من التهديد والابتزاز، ولا سيما إذا انطوى التهديد على فضح أمر أو إسناد أمور شائنة أو جلب منفعة غير مشروعة.

ومن ثم، فإن المادة (18) لا تعمل في فراغ، بل تُعد تطويراً رقمياً لصور معروفة في قانون العقوبات، مع تشديد ملحوظ عندما يقع التهديد عبر وسائل التقنية الحديثة.

 

 

ثالثاً: نشر الصور والتسجيلات الخاصة بين الجنحة المشددة وإمكان التداخل مع الجرائم الواقعة على العرض

 

نظمت المادة (20) من قانون الجرائم الإلكترونية إحدى أكثر صور الاعتداء الرقمي انتشاراً وخطورة، وهي استخدام الوسائل التقنية لنشر صورة أو تسجيل أو فيديو مما يحرص الشخص على صونه وعدم إظهاره أو كتمانه عن العامة، بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة من جراء ذلك، حتى ولو كان الجاني قد حصل على تلك المادة بصورة مشروعة.

كما شددت الفقرة (ب) من المادة نفسها العقوبة إذا قام الفاعل بإجراء تركيب أو تعديل أو معالجة على التسجيل أو الصورة أو المشهد أو الفيديو بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة.

وتكشف هذه المادة عن تحوّل نوعي في الحماية القانونية للخصوصية؛ فالمشرّع لم يعد يجرم فقط الحصول غير المشروع على البيانات أو الصور، بل أيضاً إساءة استخدام ما تم الحصول عليه ولو كان أصلاً مشروعاً.

كما أنه شدد الحماية في حالة “الفبركة” أو التعديل أو الاصطناع الرقمي، بما يعكس إدراكاً لخطورة الوسائل الحديثة في خلق وقائع كاذبة أو مشاهد ملفقة تمس الشخص في اعتباره أو مركزه الاجتماعي أو النفسي.

ومع ذلك، فإن المادة (20) ، في أصلها، لا تنقل الفعل بذاته إلى وصف الجناية، لأن العقوبة المقررة فيها، رغم شدتها وارتفاع غراماتها، ما تزال حبساً وغرامة، وليست من العقوبات الجنائية.

من هو افضل محامي جرائم الكترونية في الاردن

ولذلك يمكن وصف هذه الصورة بأنها جنحة مشددة، لا جناية.

غير أن هذا لا يمنع من أن تكون المادة (20) نقطة عبور إلى تكييف أشد في بعض الحالات.

فإذا تعلّق الأمر بصور أو تسجيلات ذات طبيعة جنسية، أو تضمنت اعتداءً على العرض، أو استغلالاً لقاصر، أو اقترن النشر بابتزاز أو إكراه أو تهديد، فإن الفعل قد يخرج من حدود المساس بالخصوصية والسمعة إلى نطاق الجرائم الواقعة على العرض أو الحرية الجنسية الواردة في قانون العقوبات.

وعندها لا تقف المحكمة عند حدود المادة (20) ، بل تنتقل إلى النص الأشد، عملاً بالمادة (30) من قانون الجرائم الإلكترونية، ووفقاً لمعيار العقوبة الأشد في قانون العقوبات.

ومن هنا، فإن المادة (20) تُظهر بوضوح أن التشديد في قانون الجرائم الإلكترونية قد يبقى أحياناً في إطار الجنحة، لكنه قد يتحول إلى جناية إذا كانت الوقائع الحقيقية تكشف عن اعتداء أعمق يمس قيماً محمية بأشد العقوبات في النظام الجزائي العام.

 

 

رابعاً: جمع الأموال والمحافظ الإلكترونية والاحتيال الرقمي

 

تمثل المادة (22) من قانون الجرائم الإلكترونية بُعداً آخر من أبعاد الجرائم الرقمية، إذ تعالج إنشاء أو إدارة موقع إلكتروني أو محفظة إلكترونية لتلقي أو جمع أموال من الجمهور بقصد استثمارها أو إدارتها أو التصرف بها دون ترخيص.

ويكشف هذا النص عن اهتمام المشرّع بمواجهة صور الاحتيال المالي التي ترتدي ثوباً تقنياً، بحيث لا تقتصر الجريمة على الاعتداء على شخص بعينه، بل قد تمتد إلى عدد كبير من المجني عليهم وتمس الثقة العامة في التعاملات المالية الرقمية.

وفي ظاهر الأمر، تعالج المادة (22) فعلاً مستقلاً يتمثل في جمع الأموال أو إدارتها دون ترخيص، لكن القراءة الأعمق تكشف عن تقاطعها المباشر مع النصوص العامة في قانون العقوبات، ولا سيما جرائم الاحتيال.

فإذا ثبت أن الجاني لم يقتصر على تلقي الأموال دون ترخيص، بل استعمل طرقاً احتيالية أو مشروعاً كاذباً أو أرباحاً وهمية أو بيانات مضللة لإيقاع المجني عليهم في الغلط والاستيلاء على أموالهم، فإن التكييف قد ينتقل إلى نصوص الاحتيال في قانون العقوبات.

وهنا يتضح أن الفضاء الإلكتروني ليس سوى وسيلة جديدة لممارسة أنماط احتيال قديمة في جوهرها، لكن أكثر اتساعاً وأشد خطراً بسبب سرعة الانتشار وإمكان استهداف أعداد كبيرة من الأشخاص في وقت قصير.

ومن ثم، فإن المادة (22) قد تبقى في بعض الحالات نصاً مستقلاً، وقد تكون في حالات أخرى مجرد مقدمة لتطبيق النص الأشد في قانون العقوبات متى توافرت عناصر الاحتيال كاملة.

 

 

اقرأ عن حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي

 

 

خامساً: الجرائم الإلكترونية الماسة بالنظام العام والسلم المجتمعي

 

لا تقف خطورة الجرائم الإلكترونية عند حدود المساس بالمصلحة الفردية، بل قد تتجاوز ذلك إلى الإخلال بالنظام العام أو تهديد السلم المجتمعي أو خدمة مصالح تنظيمات غير مشروعة أو دول أجنبية.

وهنا تظهر أهمية المواد التي تعاقب على نشر المحتوى المؤدي إلى إثارة الفتنة أو النعرات أو الحض على الكراهية أو الدعوة إلى العنف، كما تظهر أهمية المادة (28) من قانون الجرائم الإلكترونية التي تضاعف العقوبات في حالات معينة، ومنها إذا ارتكبت الجريمة لمصلحة دولة أجنبية أو تنظيم غير مشروع.

وتكمن أهمية هذا المحور في أن المصلحة المحمية فيه لم تعد مصلحة فردية قابلة للتنازل أو الإسقاط بسهولة، بل أصبحت مصلحة عامة تمس المجتمع أو الدولة.

ولذلك، فإن إسقاط الحق الشخصي في هذه الجرائم يفقد كثيراً من أثره، لأن الملاحقة لا تعود مرتبطة فقط بإرادة المجني عليه، بل تقوم على حماية السلم العام والنظام العام.

كما أن اقتران الجريمة بهدف سياسي أو تنظيمي أو عدائي يفتح الباب لتطبيق نصوص أشد في قانون العقوبات تتصل بأمن الدولة الداخلي أو بجرائم النظام العام.

ومن هنا، فإن هذه الفئة من الجرائم تعد من أكثر المجالات التي يكون فيها الانتقال من الجنحة إلى الجناية أقرب وأيسر، لأن طبيعة المصلحة المعتدى عليها وتداخل النصوص الخاصة مع النصوص العامة يدفعان نحو تفعيل النص الأشد، خاصة في ضوء المادة (30) من قانون الجرائم الإلكترونية.

 

 

سادساً: أثر الظروف المشددة في المادة (28) وحدودها في تغيير الوصف

 

نصت المادة (28) من قانون الجرائم الإلكترونية على مضاعفة العقوبات المنصوص عليها في القانون في أحوال أربع:

إذا ارتكب الجاني جريمته مستغلاً وظيفته أو عمله أو صلاحياته، أو إذا تعدد المجني عليهم، أو إذا تكرر ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في القانون، أو إذا ارتكب الجاني جريمته لمصلحة دولة أجنبية أو تنظيم غير مشروع.

وهذه المادة تعكس بوضوح فلسفة تشريعية قائمة على تشديد العقاب كلما كشفت الظروف عن خطورة أكبر في الفاعل أو في الباعث أو في اتساع الضرر.

إلا أن هذه المادة، من الناحية الفنية، لا تعني أن كل جنحة مضاعفة تصبح جناية تلقائياً؛ لأن العبرة لا تزال لنوع العقوبة لا لمجرد مضاعفة مدتها أو مقدارها.

فإذا كان النص الأصلي ينص على الحبس، فإن مضاعفة الحبس تبقى في الأصل تشديداً في إطار الجنحة، ما لم يؤدِّ التداخل مع نص آخر أو مع طبيعة الفعل إلى استدعاء وصف جنائي أشد.

أما إذا كان النص الأصلي قد قرر بالفعل عقوبة جنائية، كما هو الحال في المادة (18/ب)، فإن تطبيق المادة (28) يؤدي إلى مزيد من التشديد داخل دائرة الجناية نفسها.

وعليه، فإن المادة (28) هي أداة تشديد مهمة، لكنها ليست بذاتها معياراً مستقلاً لتحويل كل جريمة إلى جناية، وإنما يجب قراءتها دائماً في ضوء نوع العقوبة الأصلية، وطبيعة الفعل، والنص الأشد الواجب التطبيق.

 

 

اقرأ عن الجرائم الإلكترونية والأسباب المخففة

 

 

سابعاً: أهمية التكييف القانوني في العمل الجزائي

 

تكشف النصوص المتقدمة أن جوهر النزاع في كثير من القضايا الإلكترونية لا يتمثل في مجرد إثبات الواقعة، بل في تكييفها القانوني.

فقد يكون الفعل الواحد قابلاً لأن يوصف، بحسب ظروفه، بأنه اغتيال شخصية، أو ذم إلكتروني، أو ابتزاز جنحي، أو ابتزاز جنائي، أو نشر لمحتوى خاص، أو اعتداء على العرض، أو احتيال إلكتروني، أو تحريض يهدد السلم المجتمعي.

ومن هنا، فإن التكييف القانوني ليس مسألة شكلية أو ثانوية، بل هو قلب العمل الجزائي، لأنه الذي يحدد ما إذا كان المتهم يواجه جنحة أم جناية، وما إذا كانت العقوبة المتوقعة في حدود الحبس أو في نطاق الأشغال المؤقتة، وما إذا كان أثر التنازل أو إسقاط الحق الشخصي محدوداً أو جوهرياً.

ولهذا فإن العمل الدفاعي المحترف في هذا النوع من القضايا ينصرف إلى فحص النص الصحيح الواجب التطبيق، وبيان ما إذا كانت العناصر المشددة متوافرة فعلاً أم لا، والطعن في قيام القصد الجرمي الخاص عند الاقتضاء، وتفكيك رابطة الإكراه أو التهديد أو المنفعة أو الاحتيال التي قد تكون أساس الانتقال من صورة بسيطة إلى صورة مشددة.

ففي جريمة الابتزاز، قد يكون الفارق بين الفقرة (أ) والفقرة (ب) من المادة (18) فاصلاً بين جنحة وجناية.

وفي جريمة نشر الصور، قد يكون الفارق بين مجرد تطبيق المادة (20) وبين التكييف وفق نصوص العرض في قانون العقوبات فاصلاً بين جنحة مشددة وجناية.

وفي جرائم جمع الأموال، قد يكون الفارق بين مخالفة تنظيمية مشددة وبين احتيال كامل العناصر فارقاً في الوصف وفي خطورة العقوبة.

 

 

اقرأ أيضا القضايا الجزائية في الأردن الإجراءات والعقوبات

 

 

خاتمة في القراءة المتكاملة لقانون الجرائم الإلكترونية

 

يتبين من القراءة المتكاملة لقانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، في ضوء قانون العقوبات الأردني، أن الجريمة الإلكترونية لا تتحول إلى جناية لمجرد ارتكابها بوسيلة تقنية أو عبر منصة رقمية، وإنما تتحول إلى جناية عندما يقرر القانون لها أو للنص الأشد المتقاطع معها عقوبة جنائية بالمعنى الفني الذي حدده قانون العقوبات.

وبناءً على ذلك، فإن المادة (18/ب) تمثل المثال الأوضح على انتقال الوصف من الجنحة إلى الجناية، لأنها رتبت عقوبة الأشغال المؤقتة.

أما المادة (20) ، فرغم شدتها وارتفاع غراماتها، فإنها تبقى في أصلها ضمن إطار الجنحة المشددة ما لم تقترن بوقائع تنقلها إلى نصوص أشد، ولا سيما النصوص المتعلقة بالعرض أو الحرية الجنسية.

كما أن المادة (16) الخاصة باغتيال الشخصية تظل جنحة في بنيتها الأصلية، وإن كانت قابلة للتداخل مع نصوص أخرى إذا اتسع أثر الاعتداء إلى النظام العام أو السلم المجتمعي.

وتأتي المادة (22) لتبرز كيف قد يتحول النشاط الرقمي المالي غير المشروع إلى مجال لتطبيق نصوص الاحتيال في قانون العقوبات.

أما المادة (28) ، فهي أداة تشديد مهمة، لكنها لا تغيّر الوصف القانوني تلقائياً في كل صورة، بل يجب أن تُقرأ في ضوء نوع العقوبة الأصلية ومعيار المادة (55) من قانون العقوبات.

وأخيراً، تؤكد المادة (30) أن المرجع الحاسم عند التزاحم هو النص الأشد.

وعليه، فإن المعيار الحاسم في التفرقة بين الجنحة والجناية في الجرائم الإلكترونية هو نوع العقوبة الأشد الواجبة التطبيق، وطبيعة المصلحة القانونية المعتدى عليها، ومدى توافر الظروف المشددة والنتيجة الجرمية، لا مجرد كون السلوك قد تم عبر الشبكة المعلوماتية أو الهاتف أو منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه النتيجة ذات أثر عملي مباشر في بناء الاتهام، وصياغة الدفاع، وتحديد المرجع القضائي، وتقدير أثر التنازل وإسقاط الحق الشخصي، وحدود سلطة المحكمة في إعادة التكييف.

 

 

مكتب العبادي للمحاماة، مكتب محاماة في الأردن

 

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

اتصل بنا على رقم هاتف: 798333357 00962 ، 0799999604.

التحول الوصفي للجريمة الإلكترونية