جريمة تهريب الأموال إضرارًا بالدائنين
جريمة تهريب الأموال إضرارًا بالدائنين في القانون الأردني
قراءة معمّقة في النص الجزائي والتطبيق القضائي
بقلم المحامي محمد زهير العبادي
محامي وباحث في القانون الجزائي
مقدمة
تمثّل جريمة تهريب الأموال إضرارًا بالدائنين إحدى أخطر صور الاعتداء على الضمان العام للدائنين، لما تنطوي عليه من إساءة استعمال للحق في التصرف بالأموال، وتحويل التصرفات المدنية المشروعة في ظاهرها إلى وسائل احتيال وغش في حقيقتها.
وقد تنبّه المشرّع الأردني مبكرًا إلى خطورة هذا السلوك، فنظّم أحكامه في المادتين (419) و(441) من قانون العقوبات، واضعًا إطارًا جزائيًا يوازن بين حرية التصرف المالي من جهة، وحماية حقوق الدائنين والتنفيذ الجبري من جهة أخرى.
غير أن الإشكال العملي لم يكن في النصوص بقدر ما كان في التكييف القانوني الصحيح، وحدود التفرقة بين المادتين، وهو ما تولّى القضاء الأردني حسمه عبر اجتهادات متراكمة شكّلت معًا نظرية قضائية متكاملة لجريمة تهريب الأموال.
أولًا: الأساس التشريعي لجريمة تهريب الأموال
1- المادة (419) من قانون العقوبات – الاحتيال على الدائنين
تتناول هذه المادة حالة المدين الذي يقوم:
بهبة أو إفراغ أو رهن أمواله، أو ببيع أو نقل أمواله بعد صدور حكم أو خلال سنة سابقة له، بقصد الاحتيال على دائنيه.
ويُستفاد من هذا النص أن المشرّع استهدف:
التصرفات القانونية الناقلة للملكية، التي تتم في فترة زمنية قريبة من صدور الحكم، متى ثبت أن القصد منها هو الاحتيال على الدائنين.
2- المادة (441) من قانون العقوبات – الغش إضرارًا بالدائنين
أما المادة (441) فقد جاءت أوسع نطاقًا، إذ جرّمت كل فعل يقوم به المدين:
بقصد إضاعة حقوق الدائنين، أو منع التنفيذ على أمواله،
سواء تمثل ذلك في:
كتم الأموال أو تهريبها، بيعها أو إتلافها أو تعييبها، أو اصطناع ديون وسندات وهمية.
وهنا لا يقتصر التجريم على البيع أو النقل، بل يشمل كل سلوك يؤدي عمليًا إلى تعطيل التنفيذ.
ثانيًا: الفرق الجوهري بين المادتين (419) و(441)
أظهرت التطبيقات القضائية أن الخلط بين المادتين يؤدي إلى خطأ في التكييف، وقد استقر القضاء الأردني على معايير واضحة للتفرقة بينهما:
المادة (419) تُعالج حالة الاحتيال المرتبط بالتصرفات الناقلة للملكية، وغالبًا ما تقع قبل مرحلة التنفيذ أو قبيلها مباشرة.
المادة (441) تُعالج الغش والإضرار المرتبط مباشرة بمنع التنفيذ أو تعطيله، وتشمل أفعالًا أوسع نطاقًا، سواء كانت إيجابية أم سلبية.
والعبرة في التكييف ليست بشكل التصرف، بل بأثره الواقعي على إمكانية الدائن في التنفيذ.
ثالثًا: أركان جريمة تهريب الأموال في ضوء القضاء
1- الركن المفترض: وجود المديونية
يشترط لقيام الجريمة ثبوت وجود دين في ذمة المدين، ويكفي لذلك:
حكم قضائي قطعي، أو دعوى حقوقية قائمة، أو مديونية ثابتة بأوراق رسمية.
وقد أكدت المحاكم أن الحكم القضائي يشكّل قرينة قوية على توافر هذا الركن دون حاجة لإثبات إضافي.
2- الركن المادي: الفعل المؤدي إلى تعطيل التنفيذ
يتحقق الركن المادي بكل فعل من شأنه:
إنقاص أموال المدين، أو إخراجها من متناول الدائن، أو تعطيل التنفيذ عليها.
ومن أبرز الصور التي اعتمدها القضاء:
البيع بثمن بخس لا يتناسب مع القيمة السوقية، تنظيم وكالات غير قابلة للعزل بعد صدور الأحكام، نقل الملكية أثناء أو قبيل الحجز، التصرف الصوري ولو استوفى الشكل القانوني.
3- الركن المعنوي: القصد الجرمي
تُعدّ جريمة تهريب الأموال من الجرائم القصدية، ويتطلب ثبوتها:
قصد عام يتمثل بعلم المدين بوجود الدين وبأثر تصرفه، وقصد خاص يتمثل باتجاه إرادته إلى إضاعة حق الدائن أو منع التنفيذ.
وقد استقر القضاء على أن القصد لا يُشترط فيه الاعتراف الصريح، بل يُستخلص من القرائن والملابسات، كالتوقيت، وقيمة التصرف، وسلوك المدين قبل التنفيذ.
رابعًا: وسائل إثبات الجريمة
اعتمدت المحاكم الأردنية وسائل إثبات متنوعة، من أهمها:
توقيت التصرف بالنسبة لصدور الحكم أو مباشرة التنفيذ، عدم منطقية الثمن مقارنة بالقيمة الحقيقية للأموال، علم المتصرف إليه بوجود الدعوى أو الحكم، الصورية ولو في عقد مستكمل للشروط الشكلية، قيام المدين بحرمان الدائن من الضمان العام رغم وجود بدائل.
وأكد القضاء أن:
تقديم أموال أخرى أو عرض السداد لا ينفي الجريمة متى ثبت أن التصرف محل الدعوى عطّل التنفيذ فعليًا.
خامسًا: الاشتراك الجرمي في تهريب الأموال
لا تقتصر المسؤولية الجزائية على المدين وحده، بل تمتد إلى كل من:
شاركه في الفعل، أو استفاد من التصرف، وكان عالمًا بالمديونية أو الحكم.
وقد أدين الشركاء، بمن فيهم المشترون أو المستفيدون من الوكالات، متى ثبت علمهم ومشاركتهم في تعطيل التنفيذ.
سادسًا: سقوط الدعوى الجزائية والتقادم
حسمت محكمة التمييز الجدل حول التقادم، وقررت أن:
مدة سقوط دعوى الحق العام تُحتسب من تاريخ وقوع الجريمة، لا من تاريخ علم الدائن بها، ولا عبرة بالعلم الشخصي للمتضرر.
ويُعدّ التقادم مسألة قانونية خالصة تخضع لرقابة محكمة التمييز.
خاتمة
يتبيّن من استقراء النصوص والاجتهادات القضائية أن جريمة تهريب الأموال إضرارًا بالدائنين تشكّل أداة حماية جوهرية للثقة في المعاملات والتنفيذ الجبري، وأن القضاء الأردني انتهج في تفسيرها نهجًا واقعيًا يغلّب الجوهر على الشكل، ويمنع التحايل تحت غطاء التصرفات المدنية.
كما يظهر بوضوح أن التفرقة بين المادتين (419) و(441) ليست مسألة شكلية، بل مسألة تكييف حاسمة يترتب عليها مصير الدعوى الجزائية من حيث الإدانة أو البراءة أو السقوط.
مكتب العبادي للمحاماة
المكتب الرئيسي: مجمع عقاركو التجاري – شارع الملك حسين – العبدلي – عمان – الأردن.
الهاتف المتنقل: 00962798333357 الهاتف: 064922183
الموقع الإلكتروني: www.alabbadilawfirm.com