استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية
استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية
دراسة قانونية مقارنة في ضوء الفقه والقضاء
تُعد رابطة السببية الركن الأساسي في الجرائم غير المقصودة، فلا يكفي مجرد ثبوت خطأ المتهم حتى تقوم مسؤوليته الجزائية، وإنما يجب أن يكون هذا الخطأ هو السبب القانوني المنتج للنتيجة الجرمية.
ومن هنا برزت نظرية مهمة في الفقه والقضاء مفادها أن خطأ المجني عليه قد يبلغ من الجسامة حداً يستغرق معه خطأ الجاني، فيقطع رابطة السببية ويؤدي إلى انتفاء المسؤولية الجزائية والمدنية معاً.
وتظهر أهمية هذه النظرية بصورة خاصة في قضايا حوادث السير، والأخطاء الطبية، وحوادث العمل، وغيرها من الجرائم غير العمدية التي قد تتداخل فيها أخطاء عدة أطراف، ويتمسك بها محامي الدفاع في القضايا الجزائية.
أولاً: المقصود باستغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني
يقصد باستغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني أن يكون سلوك المجني عليه هو السبب الحقيقي والمباشر والحاسم في وقوع النتيجة الإجرامية، بحيث يصبح خطأ الجاني ثانوياً أو عديم الأثر في إحداثها.
فلا يكفي أن يكون المجني عليه قد أخطأ، وإنما يجب أن يكون خطؤه:
- مستقلاً.
- جسيماً.
- غير متوقع.
- كافياً وحده لإحداث النتيجة.
وعندئذ تنقطع رابطة السببية بين فعل الجاني والنتيجة، فتنتفي المسؤولية الجزائية.
ثانياً: الأساس القانوني للنظرية
الأصل في المسؤولية الجزائية أنها تقوم على ثلاثة أركان:
- الخطأ.
- النتيجة.
- علاقة السببية.
فإذا ثبت أن النتيجة لم تكن ثمرة خطأ المتهم وإنما كانت نتيجة مباشرة لخطأ المجني عليه، فإن أحد أركان الجريمة ينهار، وهو رابطة السببية.
ولذلك فإن القضاء لا يبرئ المتهم لعدم وجود الخطأ، وإنما لأنه لا يمكن قانوناً نسبة النتيجة إليه.
ثالثاً: قضاء محكمة النقض المصرية
من أبرز الأحكام التي أرست هذه القاعدة الحكم الصادر عن محكمة النقض المصرية بتاريخ 8 نوفمبر 1932، والمنشور في مجموعة القواعد القانونية، الجزء 83، رقم 22، ص 32، قانون العقوبات، والذي قرر:
“كلما كان خطأ المجني عليه جسيماً إلى درجة يتلاشى معه خطأ الفاعل، وإلى حد انتفاء المسؤوليتين الجنائية والمدنية معاً، فإن خطأ المجني عليه يستوعب خطأ الفاعل الأقل جسامة.”
ويعد هذا الحكم من الأحكام المؤسسة لنظرية استغراق خطأ المجني عليه، إذ قرر أن مجرد وجود خطأ من جانب المتهم لا يكفي للحكم بإدانته متى كان خطأ المجني عليه هو السبب الحقيقي في النتيجة.
رابعاً: موقف القضاء الفرنسي
سبقت محكمة النقض الفرنسية إلى تقرير هذه الفكرة في حكمها الشهير الصادر بتاريخ 30 نوفمبر 1916.
وتتلخص وقائع القضية في أن:
طفلاً حاول عبور الطريق ليلاً بصورة مفاجئة، كان السائق يقود سيارته بسرعة معتدلة، كانت أنوار السيارة مضاءة، ثبت لاحقاً أن السائق لا يحمل رخصة قيادة، ورغم مخالفة السائق لقانون السير بقيادته دون رخصة، قضت المحكمة ببراءته من جريمة القتل الخطأ، لأن:
- عدم حمل الرخصة لم يكن سبب الحادث.
- السبب الحقيقي للوفاة هو عبور الطفل للطريق بصورة مفاجئة.
- السائق لم يكن يستطيع تلافي الحادث.
- ومن ثم اقتصرت مسؤوليته على مخالفة القيادة بدون رخصة، دون مساءلته عن وفاة الطفل.
ويبرز هذا الحكم قاعدة مهمة مفادها:
ليس كل مخالفة قانونية تؤدي إلى قيام المسؤولية عن النتيجة، وإنما يجب أن تكون تلك المخالفة سبباً مباشراً لها.
خامساً: شروط استغراق خطأ المجني عليه
لا يؤدي خطأ المجني عليه إلى قطع رابطة السببية إلا إذا توافرت عدة شروط، أهمها:
- أولاً: أن يكون الخطأ جسيماً
أي يبلغ درجة من الخطورة تجعل النتيجة متولدة عنه وحده.
أما الأخطاء البسيطة أو العادية فلا تقطع رابطة السببية.
- ثانياً: أن يكون مستقلاً
بمعنى ألا يكون ناشئاً عن فعل المتهم نفسه.
فإذا دفع المتهم المجني عليه إلى التصرف الخاطئ فلا يمكن الاحتجاج بخطأ المجني عليه.
- ثالثاً: أن يكون السبب المباشر للنتيجة
أي أن النتيجة كانت ستقع حتى لو لم يوجد خطأ المتهم.
فإذا بقي خطأ المتهم مؤثراً في إحداث النتيجة فلا مجال لاستغراق الخطأ.
- رابعاً: أن يكون غير متوقع
فالفاعل يلتزم بتوقع السلوك المعتاد للأشخاص.
أما السلوك الشاذ أو المفاجئ بصورة لا يمكن توقعها، فإنه قد يقطع رابطة السببية.
سادساً: تطبيقات عملية
من التطبيقات التي كثيراً ما يثار بشأنها هذا الدفع:
- السير داخل المكان المخصص للباص السريع.
- عبور شخص للطريق السريع من مكان غير مخصص للمشاة بصورة مفاجئة.
- إلقاء شخص نفسه أمام مركبة متحركة.
- دخول طفل فجأة إلى مسار السيارة دون إمكانية لتفاديه.
- قيام عامل بإزالة وسائل السلامة رغم التحذير منها.
- استعمال شخص لجهاز بطريقة مخالفة بصورة جسيمة رغم التنبيه.
في جميع هذه الصور، يكون السؤال الأساسي أمام المحكمة:
هل كان خطأ المتهم سبباً في النتيجة، أم أن خطأ المجني عليه استقل بإحداثها؟
سابعاً: الفرق بين استغراق الخطأ والمساهمة في الخطأ
ينبغي التمييز بين حالتين:
الحالة الأولى: مساهمة المجني عليه في الخطأ
- وهنا يبقى خطأ المتهم منتجاً للنتيجة.
- فتظل المسؤولية الجزائية قائمة.
- أما المسؤولية المدنية فقد يخفف التعويض بسبب مساهمة المضرور.
الحالة الثانية: استغراق خطأ المجني عليه
وهنا يصبح خطأ المجني عليه وحده هو السبب المنتج للنتيجة.
فتنتفي المسؤولية الجزائية.
كما تنتفي المسؤولية المدنية الناشئة عن النتيجة ذاتها.
ثامناً: موقف الفقه
استقر جانب كبير من الفقه الجنائي على أن رابطة السببية لا تقوم بمجرد سبق الخطأ للنتيجة، وإنما يشترط أن يكون الخطأ منتجاً لها.
فإذا تدخل سبب أجنبي مستقل يستغرق خطأ الفاعل، فإن النتيجة القانونية تنسب إلى السبب الجديد وحده.
ويعد خطأ المجني عليه أحد أهم صور السبب الأجنبي متى بلغ من الجسامة ما يجعله السبب الوحيد في وقوع الضرر.
تاسعاً: مدى تطبيق النظرية في القضاء الأردني
رغم عدم وجود نص خاص في التشريع الأردني يتناول استغراق خطأ المجني عليه، إلا أن القواعد العامة في المسؤولية الجزائية، وخاصة ما يتعلق برابطة السببية، تسمح للمحاكم بالأخذ بهذه النظرية متى ثبت أن النتيجة لم تكن ثمرة لخطأ المتهم.
وقد استقر الاجتهاد الأردني على أن المسؤولية الجزائية في الجرائم غير المقصودة لا تقوم إلا إذا ثبت أن خطأ المتهم كان السبب المنتج للنتيجة، وأن رابطة السببية تنتفي إذا تدخل سبب مستقل يستغرق أثر ذلك الخطأ.
ومن ثم فإن الدفع باستغراق خطأ المجني عليه يعد من الدفوع الموضوعية المهمة التي يجوز التمسك بها متى كانت وقائع الدعوى تؤيده.
خاتمة
إن نظرية استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني تمثل إحدى أهم التطبيقات العملية لرابطة السببية في القانون الجزائي، فهي تحقق التوازن بين حماية المجتمع وعدم تحميل الشخص مسؤولية نتيجة لم يكن خطؤه سبباً حقيقياً في وقوعها.
ولا يكفي لإدانة المتهم مجرد ثبوت ارتكابه مخالفة أو خطأ، بل يجب أن تثبت المحكمة أن هذا الخطأ هو الذي أحدث النتيجة الإجرامية.
فإذا ثبت أن المجني عليه قد ارتكب خطأً جسيماً ومستقلاً استأثر بإحداث النتيجة، انقطعت رابطة السببية، وانتفت المسؤولية الجزائية والمدنية عن تلك النتيجة.
وتؤكد أحكام القضاء المقارن، وعلى رأسها حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 8 نوفمبر 1932، وحكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 30 نوفمبر 1916، أن العدالة الجنائية لا تقوم على مجرد وجود الخطأ، وإنما على إقامة علاقة سببية حقيقية بين فعل الجاني والنتيجة، وهو ما يجعل نظرية استغراق خطأ المجني عليه إحدى الضمانات الأساسية لتحقيق العدالة في الجرائم غير العمدية.
مكتب العبادي للمحاماة
الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين.
هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604