تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن 2026
تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن 2026
دراسة قانونية يقدمها المحامي محمد زهير العبادي، تحت عنوان:
عدم تنفيذ عقوبة الإعدام: بين الحق في الحياة وتحقيق العدالة الجنائية
مقدمة
أعاد تنفيذ أحكام الإعدام في الأردن بتاريخ 21 حزيران 2026 الجدل القانوني والإنساني حول مكانة هذه العقوبة في السياسة الجنائية الحديثة، وحدود التوفيق بين حق المجتمع في الأمن والقصاص العادل من مرتكبي الجرائم الخطيرة، وبين الحق الأصيل للإنسان في الحياة وضرورة صون الكرامة الإنسانية، حتى في مواجهة من ثبتت مسؤوليته عن ارتكاب أفعال بالغة الجسامة.
وقد أعلنت الحكومة الأردنية تنفيذ حكم الإعدام شنقًا بحق ستة مدانين في قضايا إرهابية وجنائية أفضت إلى استشهاد عدد من أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أثناء قيامهم بواجبهم.
وأوضحت أن الأحكام اكتسبت الدرجة القطعية واستُكملت بشأنها الإجراءات الدستورية والقانونية، ونُفذت تحت إشراف النائب العام لمحكمة أمن الدولة، تطبيقًا لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية.
ولا يمكن، عند مناقشة هذه القضية، تجاهل جسامة الجرائم المرتكبة أو التقليل من تضحيات الشهداء ومعاناة أسرهم، كما لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام إلى خطاب يتعاطف مع الجاني ويتجاهل الضحية.
غير أن احترام الضحايا وتحقيق العدالة لهم لا يمنعان من طرح سؤال قانوني وأخلاقي مشروع:
هل تتطلب العدالة بالضرورة إنهاء حياة المحكوم عليه، أم يمكن تحقيق الحماية والردع والمساءلة بعقوبات صارمة تحافظ في الوقت ذاته على الحق في الحياة؟
أولاً: التصريحات الحكومية بشأن تنفيذ أحكام الإعدام
صرح وزير الاتصال الحكومي، الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، بأن عدد المحكوم عليهم بالإعدام الموجودين في السجون الأردنية يزيد على مائة محكوم، وأن أحكام الإعدام ستُنفذ بحقهم تباعاً وعلى دفعات.
وجاء التصريح الرسمي واضحاً في أن تنفيذ الأحكام الستة كان جزءاً من مجموعة أحكام قضائية سيجري تطبيقها لاحقاً.
كما أعلن رئيس الوزراء توجه الحكومة إلى تعديل التشريعات بما يسمح بتطبيق عقوبة الإعدام على نطاق أوسع بحق كبار تجار ومهربي المخدرات المرتبطين بالعصابات الخارجية.
وتثير هذه التصريحات مسألتين منفصلتين ينبغي عدم الخلط بينهما:
الأولى هي تنفيذ أحكام قضائية قطعية صدرت وفق التشريعات النافذة واستكملت مراحل الطعن والإجراءات الدستورية.
أما الثانية فهي تحويل تنفيذ الإعدام إلى توجه عقابي واسع ومعلن مسبقًا، بالتزامن مع التفكير في توسيع الجرائم التي يجوز الحكم فيها بهذه العقوبة.
فالحكم القضائي القطعي لا يعني أن تنفيذه أصبح حتمياً في كل الأحوال؛ إذ تظل هناك مساحة قانونية ودستورية للعفو الخاص أو إبدال العقوبة أو تأجيل التنفيذ.
كما أن الإعلان عن تنفيذ أحكام يزيد عددها على مائة حكم تباعاً يثير مخاوف من أن تتحول المسألة من دراسة فردية دقيقة لكل حالة إلى سياسة تنفيذ جماعية أو متتابعة تغلب عليها اعتبارات الردع العام والرسائل السياسية والأمنية.
ولا يعني ذلك التشكيك في نزاهة القضاء أو في قطعية الأحكام، وإنما يعني أن عقوبة لا يمكن التراجع عنها بعد تنفيذها يجب أن تخضع لأعلى درجات الفحص الفردي، وألا تُعامل الأحكام الصادرة بها باعتبارها كتلة واحدة متجانسة.
ثانياً: الحق في الحياة ومكانته في القانون الدولي
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل إنسان حقاً أصيلاً في الحياة، وأن هذا الحق يجب أن يحميه القانون، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً.
وفي الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، لا يجيز العهد تطبيقها بصورة مطلقة، وإنما يقصرها على (أشد الجرائم خطورة)، وبموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة، مع كفالة حق المحكوم عليه في طلب العفو أو إبدال العقوبة.
وبذلك، فإن القانون الدولي لم يقرر حتى الآن حظراً عالمياً مطلقاً لعقوبة الإعدام بالنسبة إلى جميع الدول، لكنه وضع مساراً واضحاً نحو تضييق نطاقها تمهيداً لإلغائها، ومنع التوسع فيها أو استخدامها باعتبارها عقوبة اعتيادية.
وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تعليقها العام رقم 36 المتعلق بالحق في الحياة، أن الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام مطالبة بتفسير مفهوم (أشد الجرائم خطورة) تفسيراً ضيقاً، وأن العقوبة لا يجوز أن تطبق إلا على الجرائم البالغة الخطورة التي تتضمن قتلاً عمدياً.
كما اعتبرت اللجنة أن إلغاء عقوبة الإعدام أمر مرغوب فيه وضروري لتعزيز الكرامة الإنسانية والتمتع التدريجي بالحق في الحياة.
ومن هنا يثور التساؤل حول مدى توافق التوجه إلى توسيع الإعدام في جرائم المخدرات مع الاتجاه الحديث في تفسير المادة السادسة من العهد الدولي؛ فالاتجار بالمخدرات، مهما بلغت خطورته وآثاره الاجتماعية والأمنية، لا يتضمن في كل صوره قتلاً عمدياً مباشراً.
ويختلف الأمر بطبيعة الحال عندما تقترن الجريمة بقتل رجال الأمن أو المواطنين؛ ففي هذه الحالة لا تكون العقوبة مقررة لمجرد الاتجار بالمخدرات، وإنما لجريمة أفضت إلى إزهاق الأرواح.
ولذلك يجب التفريق تشريعياً وقضائياً بين الاتجار المجرد، وبين القتل العمد أو الأفعال الإرهابية أو مقاومة رجال الأمن التي تفضي إلى الوفاة.
ثالثاً: الاتجاه العالمي نحو إلغاء عقوبة الإعدام أو وقف تنفيذها
تشير أحدث الإحصائيات المنشورة عن عام 2025 إلى أن 113 دولة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة إلى جميع الجرائم، بينما بلغ عدد الدول التي ألغتها قانوناً أو توقفت عن تنفيذها عملياً 145 دولة.
وهذا يعني أن أكثر من ثلثي دول العالم اتجهت، بدرجات مختلفة، إلى الابتعاد عن عقوبة الإعدام، سواء بإلغائها من التشريعات، أو بقصرها على جرائم استثنائية، أو بالامتناع عن تنفيذها مدة طويلة تكشف عن قيام وقف عملي لتنفيذ العقوبة.
وفي المقابل، نُفذ خلال عام 2025 ما لا يقل عن 2707 أحكام إعدام في 17 دولة فقط، دون احتساب آلاف الإعدامات التي يُعتقد أنها نُفذت في الصين بسبب اعتبار بياناتها من أسرار الدولة.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة مهمة: عدد الإعدامات المسجلة ارتفع بصورة كبيرة، لكن عدد الدول التي تنفذ العقوبة ظل محدوداً للغاية.
أي إن ارتفاع العدد العالمي لا يعكس عودة أغلبية الدول إلى الإعدام، وإنما يعكس تكثيف استخدامه داخل مجموعة صغيرة من الدول.
كما أيدت 130 دولة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 17 كانون الأول 2024 والداعي إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام، مقابل معارضة 32 دولة وامتناع 22 دولة عن التصويت.
وعلى الرغم من أن قرارات الجمعية العامة في هذا المجال لا تفرض التزاماً مباشراً بإلغاء العقوبة، فإنها تعكس اتجاهاً دولياً متزايداً نحو وقف التنفيذ بوصفه خطوة تسبق الإلغاء التشريعي.
ولا يجوز قراءة هذه الإحصائيات باعتبارها دليلاً قاطعاً بذاته على أن جميع الدول التي ألغت الإعدام قد نجحت في القضاء على الجريمة، كما لا يجوز القول إن بقاء العقوبة في عدد من الدول يجعلها منسجمة بالضرورة مع العدالة الحديثة.
لكنها تكشف بوضوح أن الأردن، عند التوسع في التنفيذ، يتحرك بعكس الاتجاه العالمي الغالب نحو التضييق والوقف والإلغاء.
رابعاً: هل تحقق عقوبة الإعدام الردع العام؟
يستند مؤيدو الإعدام إلى أن شدة العقوبة يمكن أن تمنع الجناة المحتملين من ارتكاب الجرائم، وأن حماية المجتمع تقتضي إيقاع العقوبة الأشد بمن يتعمد قتل الأبرياء أو رجال الأمن أو تنفيذ الأعمال الإرهابية.
وهذا الرأي مفهوم من الناحية الاجتماعية، لا سيما في أعقاب الجرائم التي تصدم الرأي العام.
لكن الردع الجنائي لا يقوم على شدة العقوبة وحدها؛ بل يعتمد بصورة أكبر على سرعة اكتشاف الجريمة، واحتمال القبض على مرتكبها، وكفاءة التحقيق والمحاكمة، ويقين الجاني بأنه لن يفلت من العقاب.
فقد يرتكب الجاني الجريمة تحت تأثير التطرف أو المخدرات أو الانفعال أو الاعتقاد بأنه لن يُقبض عليه، فلا تكون المقارنة العقلانية بين الإعدام والسجن المؤبد حاضرة في ذهنه وقت ارتكاب الفعل.
كما أن من الصعب إثبات أن الإعدام يحقق ردعاً يفوق بصورة مؤكدة الردع الناتج عن السجن المؤبد المشدد أو غير القابل للإفراج، وقد أشارت مناقشات الأمم المتحدة إلى عدم وجود دليل حاسم يثبت قيمة ردعية استثنائية لعقوبة الإعدام مقارنة بالعقوبات السالبة للحرية طويلة المدة.
إن مكافحة الإرهاب والمخدرات لا تتحقق أساساً بإعدام المحكوم عليهم بعد سنوات من ارتكاب الجرائم، وإنما تبدأ بتجفيف مصادر التمويل، وضبط الحدود، وملاحقة الشبكات المنظمة، وتعزيز الاستخبارات الجنائية، وحماية رجال إنفاذ القانون، وتسريع المحاكمات العادلة، ومكافحة غسل الأموال والفساد الذي يوفر الحماية للجريمة المنظمة.
خامساً: استحالة إصلاح الخطأ القضائي بعد تنفيذ الإعدام
يمثل احتمال الخطأ القضائي أحد أقوى الاعتراضات على عقوبة الإعدام؛ فجميع النظم القضائية، مهما بلغت كفاءتها، تظل عملاً بشرياً يمكن أن يتأثر بشهادة غير صحيحة، أو اعتراف منتزع، أو خبرة فنية خاطئة، أو قصور في الدفاع، أو دليل يظهر بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية.
وقد ينص القانون على إعادة المحاكمة عند ظهور وقائع أو أدلة جديدة تثبت براءة المحكوم عليه، لكن هذا الطريق يفقد غايته العملية إذا كان الحكم قد نُفذ.
فالسجن الخاطئ يمكن إنهاؤه، ويمكن رد الاعتبار والتعويض عنه ولو بصورة غير مكتملة، أما الإعدام فلا يترك مجالاً لتدارك الخطأ.
وهذه الطبيعة غير القابلة للرجوع تفرض على الدولة قدراً من التحفظ يتجاوز ما يُطلب عند تنفيذ سائر العقوبات.
ولا يكفي القول إن الحكم مر بجميع درجات التقاضي؛ لأن تعدد درجات المحاكمة يقلل احتمال الخطأ لكنه لا يلغيه نهائياً.
ومن ثم، فإن وقف التنفيذ لا يشكل انتقاصاً من هيبة القضاء، بل يمثل ضمانة احتياطية في مواجهة النتيجة التي يستحيل إصلاحها.
سادساً: بين حقوق الضحايا وحقوق المحكوم عليهم
من الخطأ تقديم النقاش حول عقوبة الإعدام على أنه صراع بين حقوق الجاني وحقوق الضحية؛ فالعدالة الجنائية الحقيقية يجب أن تحمي الاثنين دون مساواة أخلاقية بين موقفيهما.
فالضحية تستحق الاعتراف بما وقع عليها، ومحاكمة المسؤول، وفرض عقوبة تتناسب مع جسامة الفعل، وتعويض أسرتها، وضمان عدم تكرار الجريمة.
وفي الوقت نفسه، يظل المحكوم عليه إنساناً يتمتع بالحد الأدنى من الحقوق التي لا تسقط بالإدانة، وفي مقدمتها الحق في محاكمة عادلة وعدم التعرض للتعذيب والمعاملة المهينة، والحق في طلب العفو أو تخفيف العقوبة.
ولا ينبغي اختزال إنصاف أسر الضحايا في مشاهدة إعدام الجاني.
فالعدالة لأسر الشهداء تشمل الرعاية المادية والنفسية الدائمة، وتخليد تضحيات ذويهم، ومحاسبة جميع المشاركين والمحرضين والممولين، والكشف الكامل عن أوجه القصور التي سمحت بوقوع الجريمة، واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرارها.
أما جعل الإعدام الصورة الوحيدة للقصاص، فقد يؤدي إلى إغلاق الملف الجنائي دون معالجة الأسباب المؤسسية والاجتماعية والأمنية التي ساعدت على وقوع الجريمة.
سابعاً: نقد الإعلان عن تنفيذ أكثر من مائة حكم تباعاً
إن أخطر ما في التصريح الحكومي ليس مجرد تأكيد وجود أكثر من مائة محكوم بالإعدام؛ فهذا رقم يتعلق بأحكام قضائية صادرة وموجودة فعلًا.
وإنما تكمن الخطورة في الإعلان العام والمسبق عن تنفيذ هذه الأحكام (تباعاً وعلى دفعات).
فعقوبة الإعدام يجب أن تظل، حتى في الأنظمة التي تحتفظ بها، استثناءً فردياً بالغ الضيق، لا برنامجاً تنفيذياً واسعاً.
وقد تختلف أوضاع المحكوم عليهم اختلافاً جوهرياً؛ فمنهم من أُدين بالقتل العمد، ومنهم من ارتبطت قضيته بأعمال إرهابية، ومنهم من صدر الحكم عليه بموجب صور قانونية مختلفة من الاشتراك أو التدخل أو التحريض.
كما قد تختلف ظروف المحاكمات والأدلة والأوضاع الصحية والعقلية ومدد البقاء في جناح الإعدام.
لذلك فإن الحديث عن أكثر من مائة حكم بصورة جماعية قد يُضعف الانطباع بأن كل حالة ستخضع لدراسة إنسانية وقانونية مستقلة قبل اتخاذ قرار التنفيذ.
كما أن ربط تنفيذ العقوبة بإرسال (رسالة) إلى المجتمع يثير تساؤلاً حول الغاية الأساسية للعقوبة.
فتنفيذ الأحكام يجب أن يقوم على العدالة الفردية والتناسب، لا على استخدام حياة المحكوم عليه وسيلة لإيصال رسائل سياسية أو أمنية، مهما كانت مشروعية هدف حماية المجتمع.
ثامناً: عدم جواز الإعلان المسبق عن أسماء المحكوم عليهم بالإعدام
يقتضي التعامل مع أحكام الإعدام أعلى درجات التحفظ والسرية، ولذلك لا ينبغي للجهات الرسمية الإعلان مسبقاً عن أسماء الأشخاص الذين يُعتزم تنفيذ عقوبة الإعدام بحقهم، ولا نشر قوائم بأسمائهم قبل استكمال جميع الإجراءات الدستورية والقانونية واتخاذ القرار النهائي في كل حالة على حدة.
فصدور حكم قطعي بالإعدام لا يعني أن التنفيذ أصبح حتمياً أو فورياً؛ إذ يبقى الحكم خاضعاً للإجراءات الدستورية المقررة، فضلاً عن إمكان طلب العفو الخاص أو إبدال العقوبة وظهور أسباب قانونية أو إنسانية قد تحول دون التنفيذ.
ومن ثم، فإن الإعلان المبكر عن اسم المحكوم عليه قد يوحي بأن مصيره قد حُسم نهائياً قبل انتهاء جميع مراحل المراجعة، وقد يحول الإجراءات اللاحقة إلى مجرد إجراءات شكلية في نظر الرأي العام.
كما أن نشر الأسماء مسبقاً قد يخلق ضغطاً اجتماعيًا وإعلامياً على الجهات المختصة، ويحد من القدرة على دراسة كل ملف بصورة فردية وهادئة، ولا سيما أن المحكوم عليهم بالإعدام لا يمثلون فئة قانونية واحدة، بل تختلف أفعالهم ودرجات مساهمتهم في الجرائم وظروفهم الشخصية والأدلة التي صدرت الأحكام استناداً إليها.
ولا تقتصر آثار النشر على المحكوم عليه وحده، بل تمتد إلى أسرته وأطفاله وذويه الذين لا يتحملون مسؤولية الجريمة، وقد يتعرضون بسبب الإعلان المسبق للوصم الاجتماعي أو التهديد أو الإساءة أو التشهير.
ومن المبادئ الإنسانية المستقرة أن العقوبة شخصية، فلا يجوز أن تتحول تسمية المحكوم عليه والتشهير به إلى عقوبة اجتماعية غير مباشرة تقع على أفراد أسرته.
وفوق ذلك، فإن الإعلان المسبق عن الأسماء قد يحول تنفيذ العقوبة إلى مشهد إعلامي أو وسيلة لإثارة الرأي العام وإيصال رسائل الردع، بينما ينبغي أن تظل إجراءات التنفيذ، ما دامت العقوبة قائمة، محكومة بالوقار والضرورة والتناسب، وألا تُستخدم حياة المحكوم عليه مادةً للإثارة الإعلامية أو التعبئة الشعبية.
لذلك فإن الموقف الأكثر اتزاناً يقتضي عدم نشر أسماء الأشخاص المقرر تنفيذ حكم الإعدام بحقهم قبل التنفيذ، والاكتفاء عند الضرورة ببيان رسمي عام يوضح عدد الأحكام وطبيعة الجرائم واستكمال الإجراءات القانونية، دون الكشف عن الهوية إلا بعد التنفيذ، وبالقدر الذي تقتضيه المصلحة العامة، ومع مراعاة حقوق أسر الضحايا والمحكوم عليهم وذويهم.
فالشفافية لا تعني الكشف المسبق عن كل تفصيل، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقرار نهائي لا يمكن الرجوع عنه، وإنما تعني بيان الأساس القانوني والإجراءات والضمانات التي سبقت التنفيذ، دون تحويل أسماء المحكوم عليهم إلى موضوع للتداول أو التشهير أو الضغط الجماهيري.
تاسعاً: مخاطر التوسع في الإعدام بقضايا المخدرات
لا خلاف على أن الاتجار المنظم بالمخدرات يشكل تهديداً خطيراً للمجتمع والدولة، وأن العصابات العابرة للحدود قد ترتبط بتهريب الأسلحة وتمويل الجماعات الإجرامية والاعتداء على أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
لكن خطورة الظاهرة لا تعني أن الإعدام هو الأداة الأكثر كفاءة لمواجهتها.
ففي الجرائم المنظمة، يكون المنفذ الذي يُقبض عليه في كثير من الأحيان حلقة قابلة للاستبدال، بينما يبقى الممول والمنظم والمستفيد الحقيقي بعيداص عن المساءلة.
كما أن إعدام بعض المتورطين قد يؤدي إلى فقدان مصادر معلومات يمكن أن تساعد في تفكيك الشبكات الكبرى والوصول إلى قياداتها وأموالها.
والأجدى هو بناء نظام عقابي وتحقيقي يفرق بين كبار المنظمين والممولين، وبين الناقلين والمروجين وصغار المتورطين، ويتيح تخفيف العقوبة مقابل التعاون الحقيقي الذي يؤدي إلى ضبط الشبكات والأموال والأسلحة.
أما النصوص الواسعة التي تسمح بالإعدام لمجرد وصف الشخص بأنه (كبير تجار المخدرات)، دون ربط العقوبة بحصول وفاة عمدية، فقد تتعارض مع التفسير الدولي الضيق لمفهوم أشد الجرائم خطورة.
عاشراً: بدائل تحقق الحماية دون إزهاق الحياة
لا يعني وقف تنفيذ الإعدام إطلاق سراح مرتكبي الجرائم الخطيرة أو التساهل معهم، بل يمكن استبدال العقوبة بالسجن المؤبد المشدد، مع وضع ضوابط صارمة للإفراج المشروط في الجرائم الإرهابية والقتل العمد المقترن بظروف مشددة.
ويمكن للسياسة الجنائية الأردنية أن تعتمد مجموعة من البدائل، من أهمها:
- وقف تنفيذ أحكام الإعدام مدة محددة، مع إبقاء العقوبة في التشريعات خلال مرحلة انتقالية.
- تشكيل لجنة قضائية وقانونية وطبية مستقلة لمراجعة كل حكم إعدام بصورة فردية.
- إبدال الأحكام بعقوبة الأشغال المؤبدة أو السجن المؤبد المشدد في الحالات التي لا تتضمن قتلاً عمدياً مباشراً.
- قصر عقوبة الإعدام تشريعياً، ما دامت باقية، على أضيق نطاق ممكن من جرائم القتل العمد الأشد خطورة.
- عدم إدخال جرائم المخدرات المجردة ضمن نطاق العقوبة، مع تشديد العقوبات المالية ومصادرة الأموال وتتبع الشبكات المنظمة.
- توفير دفاع قانوني متخصص وفعّال منذ مرحلة التحقيق لكل متهم يواجه احتمال الحكم بالإعدام.
- منح طلبات العفو وإبدال العقوبة دراسة فردية حقيقية، وعدم التعامل معها باعتبارها إجراءً شكلياً.
- تعزيز حقوق أسر الضحايا من خلال التعويض والرعاية المستمرة والمشاركة في إجراءات العدالة.
حادي عشر: موقف مقترح للسياسة الجنائية الأردنية
يمكن للأردن أن يتبنى موقفاً متدرجاً لا يصطدم بصورة مفاجئة مع الرأي العام ولا يتجاهل التحديات الأمنية التي تواجه الدولة.
وتبدأ الخطوة الأولى بإعلان وقف مؤقت لتنفيذ أحكام الإعدام، دون إلغائها مباشرة من النصوص التشريعية.
وخلال مدة الوقف، تُجرى مراجعة شاملة لأثر العقوبة ومدى تحقيقها للردع، وتُدرس الملفات الصادرة فيها الأحكام، وتُقارن التجربة الأردنية بتجارب الدول التي استبدلت الإعدام بالسجن المؤبد.
كما ينبغي فتح حوار وطني تشارك فيه السلطة القضائية ومجلس الأمة ونقابة المحامين والجامعات ومؤسسات حقوق الإنسان وأسر الضحايا وخبراء الأمن وعلم الاجتماع وعلم الجريمة.
فالقضية أكبر من أن تُحسم برد فعل عاطفي عقب جريمة مؤلمة، أو بتصريح حكومي، أو بحملة حقوقية منعزلة عن مخاوف المجتمع.
إنها قضية ترتبط بفلسفة الدولة في العقاب، وحدود سلطة الإنسان في إنهاء حياة إنسان آخر باسم القانون.
خاتمة
إن معارضة تنفيذ عقوبة الإعدام لا تعني تبرئة المجرمين، ولا تعني إنكار حق الدولة في حماية المجتمع، ولا الانتقاص من تضحيات الشهداء أو مشاعر أسر الضحايا.
بل تعني البحث عن عدالة قوية لا تتخلى عن إنسانيتها، وعن سياسة جنائية تعاقب مرتكب الجريمة وتحمي المجتمع، دون أن تجعل إنهاء الحياة الخيار العقابي الأول.
وقد أعلنت الحكومة الأردنية أن أكثر من مائة محكوم بالإعدام موجودون في السجون، وأن الأحكام ستنفذ بحقهم تباعاً، بالتزامن مع توجه إلى توسيع نطاق العقوبة.
وفي المقابل، تكشف الإحصائيات الدولية أن 145 دولة ألغت الإعدام قانوناً أو توقفت عن تنفيذه عملياً، وأن التنفيذ الفعلي للعقوبة خلال عام 2025 انحصر في 17 دولة فقط.
وهذه المقارنة تستوجب التوقف والمراجعة قبل المضي في تنفيذ عدد كبير من الأحكام التي يستحيل التراجع عنها.
إن قوة الدولة لا تقاس بعدد من تنفذ فيهم عقوبة الإعدام، بل بقدرتها على منع الجريمة، وكشف مرتكبيها، وإجراء محاكمات عادلة، وحماية رجال الأمن والمواطنين، وإنصاف الضحايا، وإصلاح مواطن الخلل، مع الحفاظ على سيادة القانون وكرامة الإنسان.
ومن ثم، فإن الخيار الأكثر اتزاناً يتمثل في وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، ومراجعة الأحكام بصورة فردية، واستبدالها بعقوبات سالبة للحرية بالغة الصرامة، مع قصر أي بقاء تشريعي مؤقت للعقوبة على أضيق نطاق ممكن، تمهيداً للانضمام إلى الاتجاه العالمي الذي يرى أن العدالة تستطيع أن تكون حازمة دون أن تسلب الإنسان حياته.
مكتب العبادي للمحاماة
الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.
هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962 ، 064922183