حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي
حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي
إعداد: مكتب العبادي للمحاماة
أولًا: إشكالية البحث
أفرز التطور التقني المتسارع وانتشار وسائل الاتصال الحديثة واقعًا جديدًا في مجال الجريمة، حيث لم تعد الجرائم تُرتكب بالوسائل التقليدية فحسب، بل أصبحت تُنفَّذ وتُدار وتُوثَّق عبر الوسائل الإلكترونية، الأمر الذي فرض على العدالة الجزائية التعامل مع نوع مستحدث من الأدلة يُعرف بالدليل الإلكتروني.
وتتمثل الإشكالية الجوهرية لهذا البحث في التوتر القائم بين أمرين متعارضين ظاهريًا هما:
1- حاجة القضاء الجزائي إلى الاستفادة من الدليل الإلكتروني بوصفه أداة فعّالة لكشف الحقيقة وتحقيق الردع العام والخاص.
2- وضرورة احترام الضمانات الدستورية والقانونية المتعلقة بحرمة الحياة الخاصة، وسرية الاتصالات، ومشروعية إجراءات جمع الأدلة.
وتبرز الإشكالية بشكل خاص عند التساؤل عن:
مدى حجية التسجيلات الصوتية، والمحادثات الإلكترونية، ورسائل التطبيقات الذكية في الإثبات الجزائي، وفق قانون الجرائم الإلكترونية الأردني.
سبب قبول بعض الأدلة الإلكترونية – كالتسجيلات الصوتية المرسلة بإرادة الجاني – ورفض غيرها – كالمكالمات الهاتفية المسجلة دون إذن.
حدود مشروعية الدليل الإلكتروني، وأثر بطلان إجراء الحصول عليه على قوته الثبوتية.
مدى كفاية النصوص التشريعية الحالية في تنظيم الإثبات الإلكتروني في الدعوى الجزائية.
وعليه، تتمحور إشكالية البحث حول السؤال الرئيس الآتي:
إلى أي مدى يتمتع الدليل الإلكتروني بالحجية في الإثبات الجزائي، وما هي الضوابط القانونية التي تحكم قبوله أو استبعاده في ضوء التشريع والاجتهاد القضائي؟
ثانيًا: أسباب اختيار موضوع البحث
جاء اختيار هذا الموضوع للأسباب العلمية والعملية الآتية:
1- حداثة الموضوع وأهميته المتزايدة
إذ يُعد الإثبات الإلكتروني من أكثر موضوعات القانون الجزائي المعاصر تطورًا وإثارةً للجدل، لا سيما في ظل اتساع نطاق الجرائم الإلكترونية.
2- كثرة الإشكالات العملية أمام المحاكم الجزائية
حيث تواجه المحاكم يوميًا نزاعات تتعلق بحجية:
أ- التسجيلات الصوتية
ب- رسائل تطبيقات التواصل الاجتماعي
ج- المحررات الإلكترونية
دون وجود معايير تشريعية تفصيلية واضحة في بعض الحالات.
3- تفاوت الاجتهاد القضائي
مما أدى إلى اختلاف الأحكام بشأن قبول أو رفض الدليل الإلكتروني، تبعًا لمصدره وطريقة الحصول عليه، وهو ما يستوجب دراسة تحليلية نقدية.
4- الارتباط الوثيق بين الموضوع وحقوق الإنسان
وبخاصة الحق في الخصوصية وسرية المراسلات، الأمر الذي يمنح البحث بعدًا دستوريًا وحقوقيًا عميقًا.
5- القيمة التطبيقية للبحث
إذ يشكّل هذا الموضوع مرجعًا عمليًا للمحامين والقضاة وأجهزة التحقيق، وليس مجرد دراسة نظرية.
ثالثًا: أهمية الدراسة
تتجلى أهمية هذه الدراسة في جانبين متكاملين:
1- الأهمية العلمية
الإسهام في إثراء المكتبة القانونية العربية بدراسة متخصصة في الإثبات الإلكتروني الجزائي.
تحليل النصوص القانونية ذات الصلة تحليلًا منهجيًا يربط بين القواعد العامة للإثبات والمستجدات التقنية.
وضع إطار قانوني منضبط يميز بين:
– الدليل الإلكتروني المشروع،
– والدليل الإلكتروني غير المشروع،
– والدليل القابل للإبطال.
2- الأهمية العملية
مساعدة القضاء الجزائي على **ضبط معايير قبول الأدلة الإلكترونية.
تمكين المحامين من:
– بناء دفوع صحيحة تتعلق ببطلان الدليل، أو التمسك بحجيته وفق الأسس القانونية السليمة.
– تعزيز حماية الحقوق والحريات الفردية دون الإخلال بمتطلبات العدالة الجنائية.
رابعًا: المنهج العلمي المتبع في البحث
اعتمد هذا البحث على منهج علمي متكامل يقوم على المزج بين عدة مناهج، على النحو الآتي:
1- المنهج التحليلي
من خلال تحليل:
– النصوص القانونية المنظمة للإثبات الإلكتروني،
– القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات الجزائية،
– النصوص الخاصة بالجرائم الإلكترونية والمعاملات الإلكترونية.
2- المنهج الوصفي
وذلك بعرض:
صور الدليل الإلكتروني، وآليات جمعه، وطبيعته الفنية والقانونية، ومراحل تقديمه أمام القضاء.
3- المنهج النقدي
عبر تقييم:
مدى كفاية التشريعات القائمة، أوجه القصور أو الغموض التشريعي، التناقضات المحتملة في التطبيق القضائي.
4- المنهج التطبيقي (القضائي)
من خلال دراسة:
الأحكام القضائية الصادرة في موضوع الدليل الإلكتروني، وتحليل اتجاهات القضاء في قبول أو استبعاد هذا الدليل.
المقدمة
يشكّل الإثبات الجزائي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدعوى الجزائية، إذ لا تقوم المسؤولية الجنائية ولا ينهض الحكم بالإدانة إلا إذا تأسّس على دليل مشروع، صحيح، ومقنع، يطمئن إليه وجدان القاضي، ويُبنى وفقًا لقواعد قانونية دقيقة تكفل تحقيق العدالة الجنائية، مع صون حقوق الأفراد وحرياتهم الدستورية.
وقد ظلّ نظام الإثبات في المجال الجزائي تقليديًا مرتبطًا بوسائل مادية مباشرة، كالشهادة، والاعتراف، والمعاينة، والتقارير الفنية، إلى أن فرض التطور التكنولوجي المتسارع واقعًا جديدًا غيّر من طبيعة الجريمة ووسائل ارتكابها وإثباتها على حد سواء.
ومع الانتشار الواسع لاستخدام الشبكة المعلوماتية، وتقنيات الاتصالات الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي، برزت أنماط جديدة من الجرائم تُرتكب في الفضاء الرقمي أو من خلاله، عُرفت بالجرائم الإلكترونية، الأمر الذي أفرز نوعًا جديدًا من الأدلة وهو الدليل الإلكتروني، الذي بات يشكّل في كثير من القضايا الجزائية المعاصرة الوسيلة الأساسية – وربما الوحيدة – لإثبات الجريمة ونسبتها إلى فاعلها.
غير أن هذا التحول الجذري في طبيعة الدليل أوجد إشكاليات قانونية عميقة، تتعلّق بمدى مشروعية الدليل الإلكتروني، وشروط قبوله، وضوابط حجيته في الإثبات الجزائي، وحدود التعارض بين متطلبات مكافحة الجريمة من جهة، وضمانات الحقوق والحريات الفردية من جهة أخرى، ولا سيما الحق في الخصوصية، وسرية الاتصالات، وحرمة الحياة الخاصة.
وقد تعامل المشرّع الأردني مع هذه التطورات من خلال إقرار تشريعات خاصة، في مقدمتها قانون الجرائم الإلكترونية وقانون المعاملات الإلكترونية، إلى جانب القواعد العامة الواردة في قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، إلا أن التطبيق العملي والقضائي لهذه النصوص أظهر تباينًا في تفسيرها، وتفاوتًا في تقدير حجية الدليل الإلكتروني، لا سيما فيما يتعلق بالتسجيلات الصوتية، والمراسلات الرقمية، والمحتوى الإلكتروني، ووسائل الإثبات المستمدة من التطبيقات الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.
ومن هنا، تبرز أهمية دراسة حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي دراسة علمية معمّقة، تسعى إلى تحليل الإطار القانوني المنظّم لهذا النوع من الأدلة في التشريع الأردني، وبيان شروط قبوله وصحته، وضوابط الاعتماد عليه أمام القضاء الجزائي، مع الوقوف على الاتجاهات القضائية الحديثة، ومدى انسجامها مع المبادئ الدستورية والقواعد العامة للإثبات الجنائي.
وتسعى هذه الدراسة إلى معالجة الإشكاليات النظرية والعملية التي يثيرها الدليل الإلكتروني، من خلال تحليل النصوص القانونية ذات الصلة، واستقراء الاجتهادات القضائية، وبيان أوجه القصور التشريعي – إن وُجدت – وتقديم مقترحات علمية من شأنها الإسهام في تعزيز اليقين القانوني، وتحقيق التوازن المنشود بين فعالية العدالة الجنائية وحماية الحقوق والحريات الأساسية.
الفصل الأول: مفهوم الدليل الإلكتروني
تمهيد الفصل
أدى التطور المتسارع في تقنيات الاتصال والمعلومات إلى إحداث تحوّل جوهري في أنماط السلوك الإجرامي ووسائل ارتكاب الجريمة، الأمر الذي انعكس بالضرورة على وسائل الإثبات الجنائي.
فقد انتقلت الجريمة من صورتها التقليدية المادية إلى فضاء رقمي غير ملموس، تُرتكب فيه الأفعال الإجرامية عبر الشبكات المعلوماتية والأنظمة الإلكترونية، مما استدعى ظهور نوع جديد من الأدلة يُعرف بالدليل الإلكتروني.
ويُعد هذا الدليل من أكثر وسائل الإثبات إثارة للجدل في المجال الجزائي، نظرًا لخصوصيته التقنية، وطبيعته غير المادية، وقابليته للتغيير أو العبث، فضلًا عن تعلّقه المباشر بحقوق وحريات أساسية كحرمة الحياة الخاصة وسرية الاتصالات.
ولفهم حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي، لا بد ابتداءً من تأصيله نظريًا، وبيان مفهومه، وخصائصه، وصوره، وطبيعته القانونية، وهو ما يتناوله هذا الفصل.
المبحث الأول: ماهية الدليل الإلكتروني
المطلب الأول: تعريف الدليل الإلكتروني
لم يضع الفقه الجنائي تعريفًا جامعًا مانعًا للدليل الإلكتروني، وذلك نتيجة حداثة هذا المفهوم وتطوره المستمر بتطور الوسائل التقنية.
ومع ذلك، يمكن استخلاص تعريفه من خلال الجمع بين عناصره القانونية والتقنية.
فالدليل الإلكتروني هو:
كل معلومة ذات قيمة إثباتية، يتم إنشاؤها أو تخزينها أو معالجتها أو نقلها بواسطة وسيلة إلكترونية، ويمكن استخراجها بوسائل فنية، ويُستدل بها على واقعة ذات صلة بالدعوى الجزائية.
ويشمل هذا الدليل البيانات الرقمية، والمراسلات الإلكترونية، والتسجيلات الصوتية والمرئية، والسجلات الإلكترونية، وبيانات الاستخدام، وأي أثر رقمي يتركه النشاط الإجرامي في البيئة الإلكترونية.
ويتميّز هذا التعريف باتساعه، بما يسمح باستيعاب التطورات التقنية المستقبلية، دون حصر الدليل الإلكتروني في صور محددة قد تصبح متجاوزة بمرور الزمن.
المطلب الثاني: خصائص الدليل الإلكتروني
يختلف الدليل الإلكتروني عن الأدلة التقليدية بعدد من الخصائص الجوهرية التي تميّزه، وتؤثر في طريقة التعامل معه قانونًا وقضائيًا، ومن أبرز هذه الخصائص:
أولًا: الطبيعة غير المادية
فالدليل الإلكتروني لا يتخذ شكلًا ماديًا ملموسًا، بل يوجد في صورة بيانات رقمية مخزنة على وسائط إلكترونية، مما يجعل إدراكه واستيعابه متوقفًا على استخدام أدوات تقنية متخصصة.
ثانيًا: القابلية العالية للتعديل أو الإتلاف
إذ يمكن للدليل الإلكتروني أن يُعدّل أو يُحذف أو يُزوّر بسهولة، ما لم تُتخذ إجراءات فنية دقيقة لحمايته وتوثيقه، الأمر الذي يثير إشكاليات تتعلق بسلامته وحجيته.
ثالثًا: الاعتماد على الخبرة الفنية
فهم الدليل الإلكتروني وتحليله واستخلاص دلالاته يتطلب في الغالب خبرة فنية متخصصة، مما يمنح الخبير دورًا محوريًا في الدعوى الجزائية.
رابعًا: الامتداد العابر للحدود
غالبًا ما يكون الدليل الإلكتروني مرتبطًا بأنظمة أو خوادم تقع خارج الإقليم الجغرافي للدولة، مما يثير إشكالات الاختصاص والتعاون القضائي الدولي.
المطلب الثالث: تمييز الدليل الإلكتروني عن الأدلة التقليدية
يختلف الدليل الإلكتروني عن الأدلة التقليدية من حيث:
المصدر: فمصدر الدليل الإلكتروني هو نظام معلومات أو وسيلة تقنية، بخلاف الأدلة التقليدية التي تستند إلى أفعال بشرية مباشرة.
طريقة الاستخلاص: إذ يتطلب استخلاص الدليل الإلكتروني إجراءات فنية وتقنية، لا تكفي معها القواعد التقليدية في الضبط والمعاينة.
أسلوب التقدير القضائي: حيث يعتمد القاضي في تقدير الدليل الإلكتروني بدرجة كبيرة على تقرير الخبرة الفنية، إلى جانب سلطته التقديرية.
ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف لا يعني خروج الدليل الإلكتروني عن القواعد العامة للإثبات الجزائي، بل يظل خاضعًا لها مع مراعاة خصوصيته التقنية.
المبحث الثاني: صور الدليل الإلكتروني في المجال الجزائي
المطلب الأول: الرسائل والمحادثات الإلكترونية
تُعد الرسائل النصية والمحادثات عبر التطبيقات الإلكترونية من أكثر صور الدليل الإلكتروني شيوعًا في القضايا الجزائية، لاسيما في جرائم الذم والقدح، والابتزاز، والتهديد، والاحتيال الإلكتروني.
وتثور بشأن هذه الأدلة إشكاليات تتعلق:
بنسبة الرسالة إلى مرسلها.
سلامة محتواها من التعديل.
مدى مشروعية الحصول عليها.
المطلب الثاني: التسجيلات الصوتية والمرئية
تشمل هذه الفئة التسجيلات الصوتية، ومقاطع الفيديو، والملاحظات الصوتية، وهي من أخطر صور الدليل الإلكتروني، نظرًا لما تثيره من تعارض مباشر مع الحق في الخصوصية وسرية الاتصالات.
وقد استقر الفقه والقضاء على التفرقة بين:
التسجيل المشروع القائم على الإرادة الحرة.
التسجيل غير المشروع الذي يتم خفية ودون سند قانوني.
المطلب الثالث: المحررات والسجلات الإلكترونية
تشمل السجلات الإلكترونية، وملفات الدخول، وسجلات المعاملات، وقواعد البيانات، وتكتسب هذه الأدلة أهمية خاصة في الجرائم الاقتصادية والمالية والإدارية.
المطلب الرابع: البيانات التقنية (الأدلة الرقمية البحتة)
وتشمل عناوين بروتوكول الإنترنت (IP)، وبيانات المواقع، وملفات الاستخدام، وهي أدلة فنية بحتة لا يمكن فهمها إلا عبر الخبرة الفنية، لكنها تُعد من أقوى الأدلة في ربط الجريمة بمرتكبها.
المبحث الثالث: الطبيعة القانونية للدليل الإلكتروني
المطلب الأول: هل الدليل الإلكتروني دليل مستقل؟
ثار خلاف فقهي حول ما إذا كان الدليل الإلكتروني يُعد دليلًا مستقلاً بذاته، أم مجرد امتداد للأدلة التقليدية.
ويرجّح الاتجاه الراجح اعتباره دليلًا ذا طبيعة خاصة، يخضع للقواعد العامة للإثبات مع مراعاة خصوصيته التقنية.
المطلب الثاني: خضوع الدليل الإلكتروني للقواعد العامة في الإثبات الجزائي
يبقى الدليل الإلكتروني خاضعًا لمبادئ:
– مشروعية الدليل.
– حرية القاضي في الاقتناع.
– افتراض البراءة.
– بطلان الدليل غير المشروع.
ولا يكتسب حجيته لمجرد طبيعته التقنية، بل لسلامة استخلاصه واتصاله بالواقعة محل الدعوى.
خلاصة الفصل الأول
خلص هذا الفصل إلى أن الدليل الإلكتروني أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله في الإثبات الجزائي، وأن خصوصيته التقنية لا تعفيه من الخضوع للضوابط القانونية العامة، بل تستوجب تنظيمًا دقيقًا وتفسيرًا قضائيًا متوازنًا يحقق العدالة دون المساس بالحقوق والحريات.
الفصل الثاني: حجية الدليل الإلكتروني وشروط قبوله في الإثبات الجزائي
تمهيد الفصل
إذا كان الفصل الأول قد عالج الإطار مفهوم الدليل الإلكتروني، فإن هذا الفصل يُعنى ببيان القيمة القانونية (الحجية) التي يتمتع بها هذا الدليل في المجال الجزائي، والضوابط التي تحكم قبوله والاحتجاج به أمام القضاء.
وتكمن أهمية هذا الفصل في أن الإثبات الجزائي لا يقوم على مجرد وجود دليل، بل على مشروعية هذا الدليل وصلاحيته للإقناع القضائي، خاصة عندما يكون هذا الدليل إلكترونيًا، لما يثيره من إشكاليات تتعلق بالخصوصية، وسلامة البيانات، واحترام الضمانات الدستورية.
المبحث الأول: مفهوم حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي
المطلب الأول: المقصود بحجية الدليل في المجال الجزائي
يقصد بحجية الدليل في الإثبات الجزائي القيمة القانونية التي يقرّها القانون للدليل، والتي تجعله صالحًا للاحتجاج به أمام القاضي، وتؤهله لأن يكون أساسًا لتكوين القناعة القضائية بشأن ثبوت الجريمة أو نفيها.
ويختلف مفهوم الحجية في المجال الجزائي عنه في المجال المدني، إذ يقوم الإثبات الجزائي على مبدأ حرية القاضي في الاقتناع، دون التقيد بوسيلة إثبات معينة، ما لم يرد نص خاص، على خلاف الإثبات المدني الذي تحكمه قواعد شكلية صارمة.
وبالتالي، فإن الحجية في الإثبات الجزائي ليست مطلقة، بل حجية تقديرية، تخضع لتقدير المحكمة في ضوء ظروف الدعوى وسلامة الدليل.
المطلب الثاني: حجية الدليل الإلكتروني كوسيلة من وسائل الإثبات الجزائي
يثور التساؤل حول ما إذا كان الدليل الإلكتروني يتمتع بذات الحجية التي تتمتع بها الأدلة التقليدية، أم أنه دليل ثانوي أو استثنائي.
وقد استقر الاتجاه الحديث في الفقه الجنائي على أن الدليل الإلكتروني يُعد وسيلة إثبات كاملة، متى استوفى شروطه القانونية والفنية، ولا يجوز استبعاده لمجرد كونه إلكترونيًا.
ويستند هذا الاتجاه إلى الاعتبارات التالية:
1- أن التطور التقني فرض نفسه على الواقع الإجرامي.
2- أن إقصاء الدليل الإلكتروني يؤدي إلى إفلات العديد من الجرائم من العقاب.
3- أن العبرة ليست بشكل الدليل، بل بمشروعية الحصول عليه وسلامته الفنية.
وعليه، فإن الدليل الإلكتروني يتمتع بحجية قانونية، شأنه شأن باقي الأدلة، شريطة استيفائه لشروط القبول.
المبحث الثاني: شروط قبول الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي
المطلب الأول: شرط المشروعية
أولًا: مضمون شرط المشروعية
يُعد شرط المشروعية من أهم شروط قبول الدليل الإلكتروني، ويقصد به أن يتم الحصول على الدليل بوسيلة لا تنتهك نصًا قانونيًا أو مبدأً دستوريًا.
فلا يجوز قبول دليل إلكتروني تم الحصول عليه عن طريق:
انتهاك حرمة الحياة الخاصة.
اختراق الأجهزة دون إذن قانوني.
تسجيل المحادثات دون رضا أو سند قضائي.
التجسس الإلكتروني غير المشروع.
ويُعد هذا الشرط تطبيقًا مباشرًا لمبدأ بطلان الدليل غير المشروع في الإثبات الجزائي.
ثانيًا: أثر عدم مشروعية الدليل الإلكتروني
إذا ثبت أن الدليل الإلكتروني قد تم الحصول عليه بطريقة غير مشروعة، فإن أثر ذلك يتمثل في:
– استبعاده من الدعوى.
– عدم التعويل عليه في تكوين القناعة القضائية.
– بطلان ما يترتب عليه من أدلة لاحقة متى كان ثمرة له.
ويأتي ذلك انسجامًا مع مبدأ حماية الحقوق والحريات الفردية.
المطلب الثاني: شرط السلامة الفنية للدليل الإلكتروني
أولًا: المقصود بالسلامة الفنية
يقصد بالسلامة الفنية أن يكون الدليل الإلكتروني محفوظًا ومُستخرجًا بطريقة تضمن عدم العبث بمحتواه أو تغييره، وأن يمكن التحقق من أصالته ومصدره.
ويتحقق هذا الشرط من خلال:
– توثيق الدليل.
– الحفاظ على السجل الإلكتروني دون تعديل.
– إثبات سلسلة الحيازة (Chain of Custody).
ثانيًا: دور الخبرة الفنية في التحقق من السلامة
تلعب الخبرة الفنية دورًا محوريًا في التحقق من سلامة الدليل الإلكتروني، إذ يتولى الخبير:
– فحص الوسائط الإلكترونية.
– التحقق من عدم التلاعب بالبيانات.
– بيان طريقة الاستخلاص.
– تحديد نسبة الدليل إلى صاحبه.
وتُعد الخبرة في هذا المجال وسيلة مساعدة للقاضي، لا تُقيّد سلطته التقديرية.
المطلب الثالث: شرط نسبة الدليل إلى المتهم
لا يكفي وجود دليل إلكتروني لإدانة المتهم، بل يجب نسبة هذا الدليل إليه نسبة يقينية أو راجحة.
وتُعد نسبة الدليل من أعقد الإشكاليات، خاصة في ظل:
– إمكانية استخدام الحسابات من قبل الغير.
– انتحال الهوية الرقمية.
– تعدد مستخدمي الجهاز الواحد.
ويتعين على المحكمة التحقق من:
– سيطرة المتهم على الوسيلة.
– صلته بالحساب أو الجهاز.
– عدم وجود احتمال جدي لاستعمال الغير.
المطلب الرابع: شرط القابلية للإقناع القضائي
حتى مع توافر المشروعية والسلامة الفنية، يبقى الدليل الإلكتروني خاضعًا لسلطة القاضي في تقدير قوته الاقناعية.
فقد ترى المحكمة:
أن الدليل كافٍ للإدانة، أو أنه قرينة تحتاج إلى دعم، أو أنه لا يرقى إلى درجة الجزم واليقين.
ويُعد هذا الشرط تجسيدًا لمبدأ حرية القاضي في تكوين قناعته.
المبحث الثالث: مدى حجية الدليل الإلكتروني في تكوين القناعة القضائية
المطلب الأول: الدليل الإلكتروني كدليل مباشر
يكون الدليل الإلكتروني دليلًا مباشرًا إذا دلّ بذاته على ارتكاب الجريمة، كالتسجيل الصريح، أو الاعتراف الإلكتروني، أو المعاملة الرقمية الموثقة.
وفي هذه الحالة، يجوز للمحكمة أن تبني حكمها عليه متى اطمأنت إليه.
المطلب الثاني: الدليل الإلكتروني كقرينة
قد يكون الدليل الإلكتروني مجرد قرينة، تحتاج إلى دعمها بأدلة أخرى، خاصة في حال وجود شك في نسبته أو سلامته.
خلاصة الفصل الثاني
خلص هذا الفصل إلى أن حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي ليست مطلقة ولا منعدمة، بل تقوم على توافر شروط دقيقة، في مقدمتها المشروعية، والسلامة الفنية، ونسبة الدليل، وقابليته للإقناع القضائي.
وبذلك يُشكّل الدليل الإلكتروني أداة فعالة لتحقيق العدالة الجنائية، متى أُحسن التعامل معه قانونًا وتقنيًا.
الفصل الثالث: موقف التشريع والقضاء الأردني من الدليل الإلكتروني
تمهيد الفصل
أضحى الدليل الإلكتروني عنصرًا محوريًا في الإثبات الجزائي المعاصر، لا سيما في ظل تصاعد الجرائم المرتكبة عبر الوسائل التقنية.
وقد فرض هذا الواقع على المشرّع الأردني والقضاء الوطني التعامل مع هذا النوع من الأدلة، سواء من خلال النصوص التشريعية المستحدثة أو عبر الاجتهادات القضائية التي أسست لقواعد عملية في القبول والتقدير.
ويهدف هذا الفصل إلى بيان الإطار التشريعي الأردني المنظّم لحجية الدليل الإلكتروني في إثبات الجرائم الإلكترونية، ثم تحليل موقف القضاء الأردني من حيث القبول والاستبعاد والتقدير، وصولًا إلى تقييم مدى التوازن بين مقتضيات العدالة الجنائية وضمانات الحقوق والحريات.
المبحث الأول: موقف التشريع الأردني من الدليل الإلكتروني
المطلب الأول: الإطار العام لحجية الدليل الإلكتروني في التشريع الأردني
لم يرد في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني نص صريح يُنظم الدليل الإلكتروني باعتباره وسيلة إثبات مستقلة، إلا أن هذا الفراغ لم يمنع من الاعتداد به، وذلك استنادًا إلى:
– مبدأ حرية الإثبات في المواد الجزائية.
– النصوص الخاصة الواردة في التشريعات ذات الصلة.
– القواعد العامة في قانون المعاملات الإلكترونية.
وعليه، فإن التشريع الأردني لم يُقصِ الدليل الإلكتروني، بل فتح المجال للاعتداد به ضمن ضوابط قانونية محددة.
المطلب الثاني: الدليل الإلكتروني في قانون المعاملات الإلكترونية
يُعد قانون المعاملات الإلكترونية لسنة 2015 الإطار التشريعي الأهم في تنظيم المفاهيم الأساسية المتعلقة بالأدلة الرقمية، إذ أقرّ صراحة:
– الاعتراف بالسجل الإلكتروني.
– الاعتراف برسائل المعلومات.
– إضفاء الحجية القانونية على المحررات والتواقيع الإلكترونية متى استوفت شروطها.
وقد قرر المشرّع أن السجل الإلكتروني يمكن أن يُنتج ذات الآثار القانونية المترتبة على المحرر التقليدي، متى توافرت شروط:
– القابلية للحفظ.
– سلامة المحتوى.
– إمكانية تحديد المنشئ.
– عدم قابلية التعديل دون كشفه.
ورغم أن هذا القانون وُضع أساسًا لتنظيم المعاملات المدنية والتجارية، إلا أن القضاء الجزائي الأردني أفاد من أحكامه كمصدر تفسيري ومعياري عند تقييم الدليل الإلكتروني.
المطلب الثالث: الدليل الإلكتروني في قانون الجرائم الإلكترونية
جاء قانون الجرائم الإلكترونية ليؤكد عمليًا اعتماد المشرّع الأردني على الوسائل الإلكترونية، سواء من حيث:
– تجريم أفعال تُرتكب عبر الوسائط الرقمية.
– الاعتداد بالمحتوى الإلكتروني محل الجريمة.
– إسناد عبء الإثبات إلى وسائل تقنية حديثة.
ويُفهم من ذلك أن المشرّع قد افترض ضمنًا حجية الدليل الإلكتروني، إذ لا يُتصوّر تطبيق نصوص التجريم دون الاعتراف بالأدلة الرقمية كوسيلة إثبات.
غير أن هذا الاعتراف بقي مقيدًا بشرط المشروعية واحترام الضمانات الدستورية.
المبحث الثاني: موقف القضاء الأردني من الدليل الإلكتروني
المطلب الأول: قبول الدليل الإلكتروني أمام القضاء الجزائي
اتجه القضاء الأردني، في غالبية أحكامه، إلى قبول الدليل الإلكتروني من حيث المبدأ، وعدم استبعاده لمجرد كونه مستمدًا من وسيلة تقنية.
وقد استند هذا الاتجاه إلى:
– مبدأ حرية القاضي الجزائي في الاقتناع.
– طبيعة الجرائم الإلكترونية التي لا يمكن إثباتها إلا بوسائل رقمية.
– التطور الاجتماعي والتقني.
وعليه، أصبح الدليل الإلكتروني مقبولًا من حيث الشكل، متى لم يتعارض مع نص قانوني صريح.
المطلب الثاني: موقف القضاء من مشروعية الدليل الإلكتروني
يُظهر التطبيق القضائي الأردني تشددًا واضحًا في مسألة مشروعية الحصول على الدليل الإلكتروني، حيث استبعدت المحاكم الأدلة التي تم الحصول عليها من خلال:
– تسجيل المكالمات الهاتفية دون إذن قانوني.
– اختراق الحسابات أو الأجهزة الخاصة.
– انتهاك الخصوصية دون مسوغ قانوني.
وفي المقابل، قبلت المحاكم:
– الرسائل الصوتية أو النصية المرسلة بإرادة صاحبها.
– المحتوى الذي سلّمه أحد أطراف الدعوى طوعًا.
– الأدلة الناتجة عن تفتيش إلكتروني مأذون به قضائيًا.
ويُلاحظ أن معيار الإرادة والرضا شكّل عنصرًا حاسمًا في قبول الدليل أو استبعاده.
المطلب الثالث: تقدير القضاء الأردني لقوة الدليل الإلكتروني
لم يمنح القضاء الأردني الدليل الإلكتروني حجية مطلقة، بل أخضعه لسلطته التقديرية، شأنه شأن باقي الأدلة الجزائية.
فقد اعتبرته المحاكم في بعض القضايا:
– دليلًا مباشرًا كافيًا للإدانة.
– أو قرينة تحتاج إلى تعزيز بأدلة أخرى.
– أو دليلًا ضعيفًا لا ينهض وحده للحكم.
ويُستخلص من ذلك أن الدليل الإلكتروني لا يُقيّد القاضي، وإنما يُعد عنصرًا من عناصر تكوين القناعة القضائية.
المبحث الثالث: تقييم موقف التشريع والقضاء الأردني
المطلب الأول: الإيجابيات
يمكن رصد عدد من الإيجابيات في الموقف الأردني، أبرزها:
– المرونة في قبول الدليل الإلكتروني.
– احترام الضمانات الدستورية.
– مواكبة التطور التقني دون إفراط.
– عدم التضييق الشكلي على وسائل الإثبات.
المطلب الثاني: أوجه القصور
في المقابل، يُلاحظ:
– غياب نص جزائي صريح يُنظم الدليل الإلكتروني.
– الاعتماد الواسع على الاجتهاد القضائي.
– عدم توحيد المعايير الفنية لقبول الدليل.
– الحاجة إلى تنظيم أوضح لسلسلة الحيازة الرقمية.
خلاصة الفصل الثالث
خلص هذا الفصل إلى أن التشريع الأردني قد اعترف ضمنيًا بحجية الدليل الإلكتروني، بينما اضطلع القضاء بدور محوري في رسم ضوابط قبوله وتقديره، محققًا توازنًا نسبيًا بين مقتضيات مكافحة الجريمة وحماية الحقوق والحريات.
غير أن الحاجة لا تزال قائمة لتدخل تشريعي أكثر دقة، يُنظم الدليل الإلكتروني في المجال الجزائي تنظيمًا صريحًا وشاملًا.
الفصل الرابع: التطبيقات القضائية والاجتهادات العملية للدليل الإلكتروني في الأردن
تمهيد الفصل
بعد أن عالجت الدراسة في الفصول السابقة الإطار النظري لمفهوم الدليل الإلكتروني وحجيته وشروط قبوله، ثم موقف التشريع والقضاء الأردني منه، يهدف هذا الفصل إلى الانتقال من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي، من خلال تحليل التطبيقات القضائية الفعلية والاجتهادات العملية التي أرستها المحاكم الأردنية في التعامل مع الأدلة الإلكترونية.
ويُبرز هذا الفصل كيفية توظيف القضاء الأردني للأدلة الرقمية في الإثبات الجزائي، وحدود الاعتماد عليها، والتمييز بين الدليل المشروع وغير المشروع، وصولًا إلى استخلاص المبادئ القضائية الحاكمة لهذا النوع من الأدلة.
المبحث الأول: التطبيقات القضائية للدليل الإلكتروني أمام المحاكم الجزائية
المطلب الأول: التطبيقات القضائية في جرائم الذم والقدح والتحقير الإلكترونية
تُعد جرائم الذم والقدح والتحقير المرتكبة عبر الوسائل الإلكترونية من أكثر الجرائم التي برز فيها استخدام الدليل الإلكتروني أمام القضاء الأردني.
وقد استقر القضاء على قبول:
الرسائل النصية.
التسجيلات الصوتية المرسلة عبر تطبيقات التواصل.
المنشورات والتعليقات الإلكترونية.
شريطة أن تكون:
1- صادرة بإرادة حرة من المشتكى عليه.
2- قابلة للتفريغ الفني.
3- غير ناتجة عن اختراق أو تسجيل غير مشروع.
وأرست المحاكم قاعدة مفادها أن الرسالة الصوتية أو النصية التي يرسلها المتهم طوعًا تُعد دليلاً مشروعًا، ولا تُعد اعتداءً على حرمة الاتصالات، لانتفاء عنصر الخفاء أو الإكراه.
المطلب الثاني: التطبيقات القضائية في قضايا الابتزاز والتهديد الإلكتروني
في جرائم الابتزاز الإلكتروني، اعتمد القضاء الأردني بصورة أساسية على:
محادثات التطبيقات الإلكترونية.
التسجيلات الصوتية المرسلة.
الصور أو المقاطع الرقمية محل التهديد.
وقد اعتبرت المحاكم أن:
الدليل الإلكتروني في هذه الجرائم غالبًا ما يكون الدليل المباشر الوحيد.
حجية هذا الدليل تتعزز إذا اقترنت بتقارير فنية صادرة عن الجهات المختصة.
إنكار المتهم لا ينال من الحجية متى ثبتت نسبة الدليل إليه.
ويُلاحظ أن القضاء توسّع في قبول الدليل الإلكتروني في هذه القضايا، نظرًا لخصوصية الجريمة وطبيعتها التقنية.
المطلب الثالث: التطبيقات القضائية في الجرائم الواقعة على العرض والحياء عبر الوسائل الإلكترونية
في الجرائم الماسة بالعرض والحياء، أظهر القضاء الأردني حذرًا مضاعفًا عند التعامل مع الأدلة الإلكترونية، مراعيًا:
خطورة الاتهام، وجسامة الأثر الاجتماعي، وضرورة التحقق الدقيق من سلامة الدليل.
وقد قبلت المحاكم:
– التسجيلات الصوتية المرسلة بإرادة الجاني.
– الرسائل ذات المحتوى الجنسي أو المخالف للحياء العام.
– الأدلة المستخرجة بإذن قضائي.
وفي المقابل، استبعدت:
– أي دليل تم الحصول عليه بطريق غير مشروع.
– التسجيلات السرية دون إذن قانوني.
المبحث الثاني: الاجتهادات القضائية المستقرة بشأن الدليل الإلكتروني
المطلب الأول: اجتهاد القضاء في معيار مشروعية الدليل الإلكتروني
استقر الاجتهاد القضائي الأردني على أن مشروعية الدليل الإلكتروني شرط جوهري لقبوله، ويُقاس ذلك بـ:
طريقة الحصول عليه، ومدى احترام الخصوصية، ووجود إذن قضائي عند الاقتضاء.
وقد طبّق القضاء قاعدة:
ما بُني على باطل فهو باطل، على الأدلة الإلكترونية غير المشروعة، ولو كانت كاشفة للحقيقة.
المطلب الثاني: اجتهاد القضاء في معيار الإرادة والرضا
من أبرز الاجتهادات العملية التي انفرد بها القضاء الأردني اعتماده معيار الإرادة كفاصل بين الدليل المشروع وغير المشروع.
ففرّق بين:
– تسجيل مكالمة هاتفية دون علم الطرف الآخر (غير مشروع).
– رسالة صوتية أو نصية مرسلة طوعًا عبر تطبيق إلكتروني (مشروع).
ويُعد هذا التمييز من أهم الإسهامات القضائية الأردنية في مجال الإثبات الإلكتروني.
المطلب الثالث: اجتهاد القضاء في تقدير القوة الثبوتية للدليل الإلكتروني
أكدت المحاكم الأردنية أن:
الدليل الإلكتروني لا يتمتع بقوة إلزامية مطلقة.
يخضع لتقدير القاضي شأنه شأن باقي الأدلة.
يمكن أن يكون:
دليلاً كاملاً، أو قرينة، أو عنصرًا معززًا لأدلة أخرى.
وبذلك، حافظ القضاء على مبدأ حرية القاضي الجزائي في تكوين قناعته.
المبحث الثالث: التطبيقات العلمية والعملية للدليل الإلكتروني
المطلب الأول: دور الخبرة الفنية في تعزيز حجية الدليل الإلكتروني
أبرزت التطبيقات العملية أهمية:
– تقارير وحدة الجرائم الإلكترونية.
– الخبرة الفنية في التفريغ والتحليل.
– التحقق من سلامة الدليل وعدم العبث به.
وقد اعتبر القضاء أن الخبرة الفنية:
لا تُنشئ الدليل، لكنها تُعزز سلامته ونسبته.
المطلب الثاني: أثر التطور التقني على توجّه القضاء الأردني
أظهر القضاء الأردني مرونة ملحوظة في مواكبة:
تطور وسائل التواصل، وتنوع التطبيقات الرقمية، وتعدد صور الجرائم الإلكترونية.
وهو ما انعكس في توسع نطاق قبول الأدلة الرقمية دون التفريط بالضمانات القانونية.
خلاصة الفصل الرابع
خلص هذا الفصل إلى أن القضاء الأردني قد لعب دورًا رياديًا في تنظيم الدليل الإلكتروني عمليًا، من خلال:
ترسيخ معايير المشروعية، واعتماد الإرادة معيارًا حاسمًا، وإخضاع الدليل الإلكتروني لسلطته التقديرية.
كما أثبتت التطبيقات القضائية أن الدليل الإلكتروني أصبح ركيزة أساسية في الإثبات الجزائي، لا غنى عنها في العصر الرقمي.
الخاتمة: النتائج والتوصيات التشريعية والقضائية
أولًا: الخاتمة العامة
تناولت هذه الرسالة بالدراسة والتحليل موضوع حجية الدليل الإلكتروني في الإثبات الجزائي في القانون الأردني، بوصفه أحد أكثر الموضوعات القانونية حداثةً وحساسيةً في ظل التحول الرقمي المتسارع، وما رافقه من توسّع غير مسبوق في الجرائم المرتكبة عبر الوسائل الإلكترونية.
وقد سعت الدراسة إلى الجمع بين التحليل النظري والتطبيق القضائي العملي، من خلال استقراء النصوص التشريعية ذات الصلة، وتتبع اتجاهات القضاء الأردني، وتحليل الاجتهادات القضائية المستقرة، بما يحقق فهمًا متكاملًا لطبيعة الدليل الإلكتروني ومكانته في منظومة الإثبات الجزائي.
وتوصلت الدراسة إلى أن الدليل الإلكتروني لم يعد دليلًا استثنائيًا أو ثانويًا، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية للإثبات الجزائي، خاصة في الجرائم الإلكترونية، شريطة التزامه بالضوابط القانونية والضمانات الدستورية التي تحمي الحقوق والحريات الفردية.
ثانيًا: النتائج العامة للدراسة
خلصت الدراسة إلى جملة من النتائج الجوهرية، يمكن إجمالها فيما يلي:
1- اعتراف المشرّع الأردني بالدليل الإلكتروني.
أقرّ المشرّع الأردني صراحةً بحجية الدليل الإلكتروني من خلال قانون الجرائم الإلكترونية وقانون المعاملات الإلكترونية، مانحًا المحررات والرسائل الإلكترونية قيمة قانونية متى استوفت شروطها.
2- ترسيخ القضاء الأردني لمبدأ مشروعية الدليل الإلكتروني
استقر القضاء الأردني على أن مشروعية الدليل تُعد شرطًا جوهريًا لقبوله، وأن أي دليل إلكتروني يتم الحصول عليه بوسيلة غير مشروعة يُستبعد ولو كان كاشفًا للحقيقة.
3- اعتماد معيار الإرادة والرضا
ميّز القضاء الأردني بوضوح بين التسجيلات السرية غير المشروعة، وبين الرسائل الصوتية أو النصية المرسلة بإرادة حرة، معتبرًا الأخيرة دليلًا مشروعًا صالحًا للإثبات.
4- تأكيد السلطة التقديرية للقاضي الجزائي
أكدت التطبيقات القضائية أن الدليل الإلكتروني يخضع لسلطة القاضي التقديرية في وزنه وتقديره، شأنه شأن باقي وسائل الإثبات، دون أن تكون له حجية قاطعة بذاته.
5- الدور المحوري للخبرة الفنية
أظهرت الدراسة أن التقارير الفنية الصادرة عن الجهات المختصة تُعد عنصرًا مكملًا ومُعززًا لحجية الدليل الإلكتروني، لا منشئة له.
6- مرونة القضاء الأردني في مواكبة التطور التقني
برزت قدرة القضاء الأردني على التكيّف مع التطور التكنولوجي، من خلال قبول صور متعددة ومتجددة من الأدلة الرقمية دون الإخلال بالضمانات القانونية.
ثالثًا: التوصيات التشريعية
في ضوء ما تقدم، توصي الدراسة المشرّع الأردني بما يلي:
1- إفراد نصوص إجرائية خاصة بالدليل الإلكتروني
يُستحسن إدراج نصوص واضحة ومفصلة في قانون أصول المحاكمات الجزائية تنظم:
إجراءات جمع الدليل الإلكتروني، وطرق حفظه، آليات فحصه واعتماده.
2- تحديد ضوابط أوضح لمشروعية التسجيلات الإلكترونية
.من خلال النص صراحة على الحالات التي يجوز فيها التسجيل أو التفريغ الإلكتروني، وشروط الإذن القضائي، منعًا لاجتهادات متعارضة.
3- تنظيم إجراءات التفريغ الفني
بوضع إطار قانوني يحدد الجهة المختصة بالتفريغ، وضمان سلامة السلسلة الرقمية للدليل (Chain of Custody) .
4- تحديث التشريعات الجزائية دوريًا
لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة، خصوصًا فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، وانتحال الهوية الرقمية.
رابعًا: التوصيات القضائية
توصي الدراسة السلطة القضائية بما يلي:
1- توحيد المبادئ القضائية المتعلقة بالدليل الإلكتروني
من خلال تكريس اجتهادات مستقرة صادرة عن محكمة التمييز بصفتها الجزائية.
2- تعزيز التخصص القضائي
عبر تخصيص قضاة مدربين في الجرائم الإلكترونية والإثبات الرقمي، نظرًا لتعقيد هذا النوع من القضايا.
3- التوسع المدروس في قبول الدليل الإلكتروني
مع المحافظة الصارمة على مبدأ المشروعية وحماية الخصوصية.
4- تعزيز دور الخبرة الفنية المستقلة
لضمان الحياد والدقة الفنية في فحص الأدلة الرقمية.
خامسًا: الخلاصة النهائية
تؤكد هذه الرسالة أن الدليل الإلكتروني أصبح حقيقة قانونية وقضائية لا يمكن تجاوزها في نظام العدالة الجزائية، وأن نجاح منظومة الإثبات الإلكتروني لا يتحقق إلا من خلال توازن دقيق بين:
مقتضيات كشف الحقيقة، وضمانات الحرية الشخصية، واحترام الخصوصية الرقمية.
وهو توازن نجح القضاء الأردني – إلى حدٍّ كبير – في تحقيقه، مما يجعله نموذجًا متقدمًا في التعامل مع الإثبات الإلكتروني على المستوى الإقليمي.
إعداد: مكتب العبادي للمحاماة
المكتب الرئيسي: مجمع عقاركو التجاري – شارع الملك حسين – العبدلي – عمان – الأردن.
الهاتف المتنقل: 00962798333357 الهاتف: 064922183
البريد الإلكتروني: info@alabbadilawfirm.com