إبتداءً أن النيابة العامة قد أثارت عدداً من الدفوع الشكلية لرد الدعوى قبل الدخول في موضوعها وهي الدفع بعدم الخصومة بالنسبة للمستدعى ضدهماالاول والثاني ؛ لأن العمل المطعون به قد صدر عن المستدعى ضده الثالث ، وكذلك الدفع بانتفاء المصلحة بالنسبة للمستدعي الثاني كونه قد تم اعادة انتخابة عضوا ً في اللجنة الادارية ، والدفع بعدم اختصاص محكمتنا في نظر هذه الدعوى؛ لأن ما هو مطعون فيه صادر عن المكتب التنفيذي في مجلس النواب ولا يشكل قرارا ً اداريا ً قابلا ً للطعن .
وقبل البحث في تلك الدفوع جميعها تجد محكمتنا انه يتعين البحث في الدفع المتعلق بعدم اختصاص محكمتنا بنظر هذه الدعوى اولا ً قبل البحث في بقية الدفوع ، ذلك ان البحث في هذا الدفع المتعلق بعدم الاختصاص مقدم على البحث في بقية الدفوع الاخرى في الدعوى الادارية .
وعن الدفع بعدم اختصاص محكمتنا بخصوص القرار الطعين كونه من الأعمال البرلمانية، ومن الرجوع للمادة (5/أ) من قانون القضاء الإداري رقم 27 لسنة 2014 يتبين أن القضاء الإداري يختص بالقرارات الإدارية النهائية، باعتباره القاضي الطبيعي في المنازعات الإدارية.
ومن ناحية أخرى إن المسلم به فقها وقضاء أن القرار الإداري يتميز عن غيره من الأعمال القانونية الأخرى يعتمد على معيارين رئيسيين هما المعيار الشكلي المتعلق بالجهة مصدرة القرار دون النظر لموضوع العمل، والمعيار الموضوعي الذي يعتمد على موضوع ومضمون العمل بصرف النظر عن الجهة التي أصدرته، فالمنازعات الإدارية هي التي تنتج لأول وهلة عن نشاط وأعمال السلطات الإدارية سواء كانت مركزية كالحكومة ووزرائها أو سلطات لا مركزية وهي المؤسسات العامة والبلديات.
ومن الرجوع لأحكام الدستور الأردني في المواد (24- 27) يتبين أن الدستور الأردني أخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، بمعنى انها تتكامل وتتعاون مع بعضها في وكل سلطة تراقب الأخرى في حدود الرقابة الدستورية المسموح بها.
وبناءً عليه فإن القضاء الإداري لا يختص بالأعمال التشريعية كالقوانين، ومن ثم فإن المنازعات التي تتولد عن الأعمال التشريعية تخرج عن اختصاصه أيضاً، فهو ليس مختصاً بالرقابة على دستورية القوانين بعد إنشاء المحكمة الدستورية.
ومن المعروف في القضاء الإداري المقارن أن الأعمال التشريعية التي لا يختص بها القضاء الإداري هي الأعمال التي تصدر عن السلطة التشريعية وفقاً للدستور، وهي تشمل نوعين من الأعمال القوانين والأعمال البرلمانية.
والمقصود بالقانون الذي يخرج عن اختصاص القضاء الإداري هو القانون بمعناه الشكلي لا الموضوعي، فالأعمال التي تصدر عن البرلمان في أدائه لوظيفته التشريعية طبقاً للدستور لا يجوز أن تكون موضوعاً لدعوى إلغاء وتطبيقاً لذلك قضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المصري بقولها (إن فقه القانون العام وقضاء مجلس الدولة في فرنسا ومصر قد جريا على الأخذ بالمعيار الشكلي لا الموضوعي في التفرقة بين العمل التشريعي الذي هو بمنأى عن الإلغاء والعمل الإداري القابل للإلغاء أي العبرة بالجهة التي أصدرته، فإن كان صادراً عن السلطة التنفيذية أعتبر قراراً إدارياً أيا كانت طبيعته).
(انظر الحكم بتاريخ 24/6/1957 مجموعة المبادئ التي قررتها محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المصري، السنة الحادية عشرة بند 361 ص 581).
وبخصوص الأعمال وإجراءات البرلمان في رقابته السياسية على الحكومة فإنها أيضاً تعتبر أعمالا برلمانية لا يختص القضاء الإداري بالطعن بها، وهذا ما جرى عليه مجلس الدولة الفرنسي ومجلس الدولة المصري.
(انظر كتاب القضاء الإداري- الكتاب الأول- للدكتور محمد رفعت عبد الوهاب- ط2003 منشوراتالحلبي الحقوقية ص264 وما بعدها).
وبخصوص الأعمال الأخرى التي تصدر عن البرلمان والتي تسمى بالأعمال البرلمانية فهي تعتبر بالمعيار الشكلي مثل القوانين أعمالاً تشريعية لا يختص القضاء الإداري بالطعن فيها وهي تنقسم إلى القرارات التي تتعلق بالتنظيم الداخلي للبرلمان مثل القرار الصادر بوضع النظام الداخلي لمجلس النواب والقرارات الصادرة بتشكيل لجان المجلس المختلفة، أو لإسقاط عضوية أحد النواب عن خطأ مسلكي، أو القرار الصادر عن البرلمان برفع الحصانة البرلمانية عن أحد النواب، بمعنى أن مثل هذه القرارات لا تقبل الطعن أمام القضاء الإداري بالإلغاء أو التعويض.
وعليه واستناداً لما تقدم وأخذاً بالمعيار الشكلي فإن إعادة تشكيل اللجنة الإدارية موضوع الدعوى الماثلة تعتبر أعمالاً برلمانية لأنها صادرة عنه في مسائل تنظيمية، وتتعلق بأعضائها بصفتهم نواب، وهي من اللجان الدائمة التي نص عليها النظام الداخلي لمجلس النواب، ومن طبيعة مهامها النظر في مشاريع القوانين التي يحيلها البرلمان إليها، وهي التي تكتب تقريرها للمجلس بشأنها، والتي يجري عليه التصويت النهائي من قبل المجلس، وعليه تعتبر أعمالها تشريعية بموجب المواد (40/ه) و(45) و(61-73) من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2013 وتعديلاته.
ويخرج عن المعيار الشكلي القرارات البرلمانية التي تمس المركز القانوني لموظفيه، فهي لا تعتبر أعمالً برلمانية وإنما أعمالا إدارية عادية تخضع بالتالي لرقابة القضاء الإداري، وهنا يتعطل المعيار الشكلي في شأن تلك القرارات على سبيل الاستثناء، ويتدخل في شأنها المعيار الموضوعي الذي يعتد بطبيعة العمل ذاته دون النظر لجهة إصداره، وعليه فقرارات رئيس المجلس والمكتب التنفيذي في شأن موظفي مجلس النواب هي أعمال من طبيعة إدارية ولا تعتبر أعمالاً برلمانية لعدم ارتباطها بوظائف المجلس البرلمانية الدستورية، وعلى هذا جرى العمل في القضاء الإداري.
(انظر قرار محكمة القضاء الإداري المصرية جلسة 1/12/1948 مجموعة المبادئ التي قررتها محكمة القضاء الإداري، السنة الثالثة- بند 26 ص 106)( وقرار مجلس شورى الدولة اللبناني رقم 1322 تاريخ 24/12/1962 السنة السابعة ص 92).