10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

يوليو 2026

جريمة الغش في المبيع في القانون الأردني

جريمة الغش في المبيع

جريمة الغش في المبيع في القانون الأردني

 

أركانها، وعقوبتها، وأحدث اجتهادات محكمة التمييز

 

مقدمة

 

تُعد جريمة الغش في المبيع من الجرائم التي تمس الثقة الواجبة في المعاملات المالية والتجارية، إذ لا يقتصر أثرها على الإضرار بالمشتري فحسب، وإنما يمتد ليزعزع الثقة في الأسواق ويقوض مبدأ حسن النية الذي يقوم عليه التعامل بين الأفراد.

فكل عملية بيع تفترض أن يقدم البائع للمشتري المبيع بالحالة التي اتفق عليها، وأن يمتنع عن كل وسيلة من شأنها تضليل المتعاقد الآخر أو إخفاء حقيقة المبيع أو صفاته الجوهرية.

وقد أدرك المشرع الأردني خطورة هذا السلوك، فجرّمه في قانون العقوبات، وفرض عليه عقوبات سالبة للحرية ومالية، إدراكاً منه أن الحماية المدنية المتمثلة في فسخ العقد أو التعويض لا تكفي وحدها لمواجهة صور الغش التي تقوم على الخداع وسوء النية.

كما أوجد تشريعات خاصة، كقانون المواصفات والمقاييس، لمواجهة بعض صور الغش الفني أو الصناعي أو التجاري التي تتعلق بسلامة المنتجات ومطابقتها للقواعد الفنية.

ولم يقف القضاء الأردني عند حدود التطبيق الحرفي للنصوص، بل أسهم من خلال اجتهادات محكمة التمييز في رسم معالم هذه الجريمة، فحدد أركانها، وبيّن كيفية إثبات القصد الجرمي، وفرق بينها وبين التدليس المدني وضمان العيب الخفي، كما عالج حالات إخفاء العيوب، والغش في بيع المركبات، ومسؤولية الأشخاص المعنويين، والعلاقة بين النصوص العامة في قانون العقوبات والنصوص الخاصة الواردة في التشريعات الاقتصادية.

وتكتسب هذه الجريمة أهمية عملية متزايدة في ظل التطور الكبير الذي شهدته التجارة التقليدية والإلكترونية، وتنوع صور الغش التي قد تقع في بيع المركبات، والعقارات، وغيرها، الأمر الذي يجعل الإحاطة بأحكامها ضرورة لكل محامٍ وقاضٍ وتاجر ومستثمر ومستهلك.

وتستهدف هذه المقالة تقديم دراسة قانونية متخصصة لجريمة الغش في المبيع في القانون الأردني، من خلال تحليل النصوص التشريعية، واستعراض أحدث المبادئ التي استقرت عليها محكمة التمييز الأردنية، مع بيان التطبيقات العملية والدفوع القانونية التي تثار بشأنها.

 

 

أولاً: ماهية جريمة الغش في المبيع

 

يقوم عقد البيع على مبدأ جوهري يتمثل في تطابق إرادة المتعاقدين بشأن محل العقد وصفاته الأساسية، بحيث يقدم البائع للمشتري المبيع بالحالة التي اتفق عليها دون تضليل أو إخفاء للحقيقة.

فإذا تعمد البائع إظهار المبيع على خلاف حقيقته، أو كتم عيباً جوهرياً يعلم بوجوده وكان من شأنه التأثير في قرار المشتري بالتعاقد، انتقل الأمر من مجرد إخلال بالتزام مدني إلى سلوك يجرمه القانون متى توافرت عناصر الجريمة.

ومن هذا المنطلق، فإن الغش في المبيع لا يقصد به كل إخلال بالعقد أو كل عيب يصيب المبيع، وإنما هو سلوك احتيالي يصدر عن البائع بقصد تضليل المشتري بشأن حقيقة المبيع أو صفاته الجوهرية أو نوعه أو مصدره أو كميته، بما يدفعه إلى إبرام الصفقة أو الاستمرار فيها.

وتتجسد خطورة هذه الجريمة في أنها تمس الثقة العامة في التعاملات التجارية، لذلك لم يجعلها المشرع مجرد سبب لفسخ العقد أو التعويض، وإنما رتب عليها مسؤولية جزائية مستقلة حمايةً للمصلحة العامة واستقرار المعاملات.

 

 

ثانياً: الأساس التشريعي لجريمة الغش في المبيع

 

نظم المشرع الأردني هذه الجريمة في المادة (431) من قانون العقوبات، التي تنص على أن:

“كل من غش آخر سواء في كمية الشيء المسلم أو ماهيته إذا كانت هذه الماهية هي السبب الدافع لهذه الصفقة يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبالغرامة من عشرة دنانير إلى خمسين ديناراً أو بإحدى هاتين العقوبتين.”

كما ورد نص مماثل في المادة (433) وفق الصياغة التي تناولتها محكمة التمييز في عدد من أحكامها، والتي وسعت صور الغش لتشمل الغش في طبيعة البضاعة وصفاتها الجوهرية وتركيبها ونوعها ومصدرها متى كان ذلك هو السبب الرئيس للتعاقد.

 

ويتكامل هذا التنظيم مع نصوص أخرى في التشريعات الأردنية، أهمها:

 

  • قانون المواصفات والمقاييس فيما يتعلق بطرح منتجات غير مطابقة للقواعد الفنية أو خلط المحروقات أو خداع المستهلك.
  • القانون المدني فيما يتعلق بالتدليس وضمان العيب الخفي والتعويض عن الفعل الضار.
  • قانون حماية المستهلك في الحدود التي يوفر فيها حماية إضافية للمستهلك من الممارسات التجارية المضللة.

 

 

ثالثاً: التمييز بين الغش في المبيع والتدليس والعيب الخفي

 

يعد الخلط بين هذه المفاهيم من أكثر الإشكالات التي تواجه التطبيق العملي، لذلك حرص القضاء الأردني على التفرقة بينها.

 

1- الغش في المبيع

هو جريمة جزائية تقوم على تعمد البائع تضليل المشتري أو إخفاء الحقيقة بشأن المبيع، ويتطلب توافر القصد الجرمي المتمثل في العلم والإرادة.

ويترتب عليه:

  • العقوبة الجزائية.
  • التعويض المدني إذا ثبت الضرر.
  • إمكانية الجمع بين الدعوى الجزائية والادعاء بالحق الشخصي.

 

2- التدليس

التدليس هو أحد عيوب الإرادة في القانون المدني، ويقوم على استعمال وسائل احتيالية لحمل المتعاقد على إبرام العقد.

ويختلف عن الغش في المبيع في أن:

  • التدليس يهدف إلى حماية رضا المتعاقد.
  • أما الغش في المبيع فيحمي أيضاً الثقة العامة في المعاملات ويترتب عليه عقاب جزائي.

وقد يجتمع التدليس مع الغش في المبيع في واقعة واحدة، كما قد يتحقق أحدهما دون الآخر بحسب ظروف كل حالة.

 

3- العيب الخفي

ضمان العيب الخفي التزام مدني يفرضه القانون على البائع، ويقوم متى كان بالمبيع عيب قديم وخفي ومؤثر، سواء كان البائع حسن النية أم سيئها.

أما جريمة الغش في المبيع فلا تقوم بمجرد وجود العيب، وإنما يشترط أن يثبت أن البائع:

  • كان يعلم بالعيب.
  • وتعمد إخفاءه أو تضليل المشتري بشأنه.

ومن ثم فإن كل غش في المبيع قد يتضمن عيباً خفياً، ولكن ليس كل عيب خفي يشكل جريمة غش.

 

 

رابعاً: الحكمة من تجريم الغش في المبيع

 

يتجاوز الهدف من تجريم الغش مجرد حماية المشتري الفرد، إذ يسعى المشرع إلى تحقيق جملة من المصالح العامة، من أهمها:

  • حماية الثقة في المعاملات التجارية.
  • ضمان نزاهة الأسواق.
  • حماية الاقتصاد الوطني.
  • مكافحة الممارسات التجارية غير المشروعة.
  • حماية المستهلك من التضليل.

ولهذا السبب اعتبرت المحاكم أن المسؤولية الجزائية في هذه الجريمة مستقلة عن الحقوق المدنية الناشئة عن عقد البيع، فلا يمنع وجود دعوى مدنية أو حق في التعويض من قيام المسؤولية الجنائية متى توافرت أركانها.

 

 

خامساً: صور الغش في المبيع

 

لا يقتصر الغش في المبيع على صورة واحدة، وإنما قد يتحقق بعدة صور، من أبرزها:

  • الغش في طبيعة المبيع.
  • الغش في الصفات الجوهرية.
  • الغش في التركيب أو المكونات.
  • الغش في الكمية.
  • الغش في العناصر المفيدة.
  • الغش في النوع.
  • الغش في المصدر أو بلد المنشأ إذا كان محل اعتبار في التعاقد.
  • إخفاء العيوب الجوهرية.
  • إعادة برمجة أو تعديل المنتج لإخفاء الأعطال.
  • تغيير بيانات المنتج أو أوصافه بما يخالف الحقيقة.
  • خلط المواد أو المنتجات بما يؤدي إلى إظهارها على خلاف حقيقتها.

 

ولم يعد الغش في المبيع مقتصراً على السلوك الإيجابي، بل استقر القضاء الأردني على أن الامتناع المتعمد عن الإفصاح عن العيب الجوهري قد يشكل الركن المادي للجريمة متى اقترن بسوء النية وكان من شأنه تضليل المشتري.

وهذا ما ظهر بوضوح في أحكام محكمة التمييز المتعلقة ببيع المركبات، عندما اعتبرت أن إخفاء الأعطال الفنية، ومنع المشتري من فحص المركبة قبل البيع، وإعادة برمجتها لإخفاء الأعطال، كلها قرائن يمكن أن تدل على قيام الغش في المبيع.

 

 

سادساً: أركان جريمة الغش في المبيع

 

تُعد أركان الجريمة حجر الأساس في قيام المسؤولية الجزائية، إذ لا يكفي ثبوت وجود مبيع معيب أو غير مطابق للمواصفات لإدانة البائع، وإنما يجب أن تتوافر جميع الأركان التي تطلبها القانون، وهو ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في العديد من أحكامها، حيث شددت على أن جريمة الغش في المبيع من الجرائم العمدية التي لا تقوم إلا إذا ثبتت أركانها كافة بصورة يقينية، وأن القصد الجرمي فيها لا يفترض وإنما يجب أن يقام الدليل عليه.

 

ويمكن تقسيم أركان الجريمة إلى أربعة عناصر رئيسة هي: الركن المفترض، ومحل الجريمة، والركن المادي، والركن المعنوي.

 

1- الركن المفترض (وجود عقد بيع)

يتميز جرم الغش في المبيع عن كثير من الجرائم الاقتصادية بوجود ركن مفترض يسبقه، يتمثل في وجود علاقة تعاقدية بين الجاني والمجني عليه، إذ لا يمكن تصور الغش في المبيع دون وجود عملية بيع يكون محلها انتقال ملكية شيء مقابل ثمن.

وقد استقر القضاء الأردني على أن المقصود بلفظ “العاقد” الوارد في المادة (431) من قانون العقوبات هو وجود عقد بيع بين الطرفين، ولا يشترط أن يكون هذا العقد مكتوباً، بل يكفي ثبوت انعقاد البيع بأي وسيلة من وسائل الإثبات المقبولة قانوناً.

وتتجلى أهمية هذا الركن في أنه يميز جريمة الغش في المبيع عن جرائم الاحتيال أو الغش التجاري أو الجرائم الواقعة على الأموال، إذ إن مناط التجريم هنا هو إخلال أحد المتعاقدين بالثقة التي قامت عليها عملية البيع.

كما أن القضاء الأردني أكد أن قيام البيع فعلاً هو الذي يفتح المجال لتطبيق النص الجزائي، أما إذا انتفت العلاقة التعاقدية أو عجز الادعاء عن إثباتها، فإن الركن المفترض ينهار، وبالتالي تنتفي الجريمة من أساسها.

 

2- محل الجريمة

محل الجريمة هو البضاعة أو الشيء الذي انصب عليه عقد البيع، سواء كان منقولاً أو منتجاً صناعياً أو مادة غذائية أو مركبة أو محروقات أو أجهزة إلكترونية أو غير ذلك من الأموال التي تصلح لأن تكون محلاً للبيع.

ولا يشترط أن يكون المبيع جديداً، كما لا يشترط أن يكون منتجاً صناعياً، وإنما يكفي أن يكون الشيء محل العقد هو الذي وقع عليه الغش.

 

وقد بينت التطبيقات القضائية أن الغش قد يقع في:

  • بيع المركبات المستعملة مع إخفاء الأعطال الجوهرية.
  • بيع المحروقات المختلطة بالماء.
  • بيع المواد الغذائية المغشوشة.
  • بيع مستحضرات التجميل غير المطابقة للمواصفات.
  • بيع المنتجات التي تحمل بيانات مضللة بشأن مصدرها أو نوعها.

ومن ثم فإن محل الجريمة يتسع لكل ما يصلح أن يكون محلاً للبيع متى كان الغش متعلقاً بخصائصه أو صفاته الجوهرية.

 

3- الركن المادي

يعد الركن المادي أهم أركان الجريمة، لأنه يمثل السلوك الخارجي الذي يترجم الإرادة الإجرامية إلى واقع ملموس.

وقد جاءت المادة (431) من قانون العقوبات بصياغة مرنة تسمح باستيعاب صور متعددة من الغش، وهو ما عززه القضاء الأردني من خلال تفسيره الواسع لهذا الركن.

 

أ- الغش في ماهية المبيع

ويقصد به تقديم المبيع على أنه شيء يختلف عن حقيقته، ومن أمثلته:

  • بيع مادة على أنها أصلية وهي مقلدة.
  • بيع منتج على أنه من علامة تجارية معينة خلافاً للحقيقة.
  • بيع وقود على أنه مطابق للمواصفات وهو مخالف لها.

ويتحقق الغش هنا لأن المشتري تعاقد بناءً على حقيقة غير موجودة.

 

ب- الغش في الصفات الجوهرية

الصفة الجوهرية هي كل وصف كان له أثر جوهري في قرار المشتري بإبرام العقد، ولا يشترط أن تكون هذه الصفة منصوصاً عليها كتابة، وإنما يكفي أن تكون محل اتفاق أو مستقرة في العرف أو مما جرى التعامل على اعتباره أساساً للبيع.

ومن التطبيقات العملية على ذلك:

  • إخفاء تعرض المركبة لحادث جسيم.
  • إخفاء تلف المحرك.
  • إخفاء وجود صدأ هيكلي.
  • إخفاء إصلاحات جوهرية في البناء.

 

ج- الغش في التركيب أو المكونات

ويقصد به تغيير العناصر التي يتكون منها المنتج أو خلطها بما يفقدها حقيقتها.

ومن أمثلته:

  • خلط المحروقات بالماء.
  • خلط الأغذية بمواد غير مطابقة.
  • خلط الزيوت بمواد أقل جودة.
  • إضافة مواد تغير طبيعة المنتج.

وقد أكدت أحكام القضاء أن هذا النوع من الغش قد يندرج في بعض الحالات تحت النصوص الخاصة الواردة في قانون المواصفات والمقاييس إذا كان الفعل يشكل مخالفة لتلك النصوص.

 

د- الغش في الكمية

يتحقق عندما يسلم البائع كمية تختلف عما تم الاتفاق عليه.

ومن ذلك:

  • إنقاص الوزن.
  • إنقاص الحجم.
  • إنقاص العدد.
  • إنقاص المحتوى الحقيقي للمنتج.

ويشترط أن يكون هذا النقص مؤثراً في محل العقد.

 

ه- الغش في النوع أو المصدر

قد تكون السلعة صحيحة من حيث طبيعتها، إلا أن البائع ينسبها إلى:

  • بلد منشأ مختلف.
  • شركة مصنعة مختلفة.
  • نوع أعلى جودة.

وفي هذه الحالة لا تقوم الجريمة إلا إذا كان تعيين النوع أو المصدر سبباً رئيسياً لإبرام البيع، وهو ما نص عليه القانون صراحة.

 

 

4- الغش بالفعل الإيجابي والغش بالامتناع

من أهم المبادئ التي أرستها محكمة التمييز الأردنية أن الركن المادي لا يتحقق بالفعل الإيجابي فقط، وإنما قد يتحقق كذلك بالفعل السلبي.

ويقصد بالفعل الإيجابي كل تصرف يصدر عن البائع بقصد تضليل المشتري، مثل:

  • تغيير بيانات المنتج.
  • إعادة برمجة المركبة لإخفاء الأعطال.
  • تغيير عداد المركبة.
  • تغيير بلد المنشأ.
  • وضع بيانات غير صحيحة على المنتج.

أما الفعل السلبي، فيتمثل في الامتناع عن الإفصاح عن حقيقة يعلمها البائع وكان من شأنها أن تؤثر في قرار المشتري.

 

وقد طبقت محكمة التمييز في قرارها رقم 2023/2020 هذا المبدأ في إحدى القضايا المتعلقة ببيع مركبة، حيث ثبت أن البائع كان على علم بالأعطال الجوهرية بموجب تقرير فني سابق، ومع ذلك امتنع عن إطلاع المشتري عليها، بل رفض تمكينه من فحص المركبة قبل إتمام البيع، ثم عمد إلى إعادة برمجتها لإخفاء الأعطال.

واعتبرت المحكمة أن هذا السلوك يشكل صورة واضحة للغش في المبيع، لأن الامتناع عن الإفصاح كان مقصوداً ويهدف إلى تضليل المشتري.

ويُعد هذا الاجتهاد من أهم التطبيقات القضائية التي وسعت مفهوم الركن المادي، إذ أكدت أن السكوت لا يكون محايداً متى اقترن بواجب قانوني بالإفصاح وبسوء نية البائع.

 

 

سابعاً: الركن المعنوي (القصد الجرمي)

 

لا يكفي تحقق الغش مادياً حتى تقوم الجريمة، وإنما يجب أن يثبت أن البائع قد ارتكب فعله عن علم وإرادة، وهو ما يعرف بالقصد الجرمي.

وقد عرفت المادة (63) من قانون العقوبات القصد الجرمي بأنه إرادة ارتكاب الجريمة كما عرفها القانون، وهو يتكون من عنصرين متلازمين:

 

1- العلم

ويعني أن يكون البائع عالماً بالحقيقة التي يخفيها عن المشتري، فيجب أن يعلم مثلاً:

  • أن المركبة تعرضت لحادث جسيم.
  • أن المنتج مغشوش.
  • أن الوقود مختلط بالماء.
  • أن الجهاز لا يحمل المواصفات المعلن عنها.
  • أن بلد المنشأ غير صحيح.

ولا يكفي مجرد الظن أو الإهمال، بل يجب أن يكون العلم ثابتاً بصورة يقينية أو مستخلصاً من قرائن قوية.

 

2- الإرادة

ويقصد بها اتجاه إرادة الجاني إلى تضليل المتعاقد الآخر، أي أنه رغم علمه بالحقيقة:

  • يواصل البيع.
  • أو يخفي المعلومات.
  • أو يقدم بيانات غير صحيحة.
  • أو يمنع المشتري من اكتشاف الحقيقة.

فتتجه إرادته إلى إتمام الصفقة على أساس معلومات مضللة.

 

3- القصد الجرمي غير مفترض

من أهم المبادئ التي استقر عليها القضاء الأردني، أن القصد الجرمي في جريمة الغش بالمبيع لا يفترض.

فلا يكفي لإدانة البائع لمجرد كونه مالكاً للمبيع أو كونه تاجراً أو وقوع الضرر، أو ثبوت وجود عيب، بل يجب أن تثبت النيابة العامة أن المشتكى عليه كان يعلم بالغش وتعمد إخفاءه أو تضليل المشتري بشأنه.

وهذا المبدأ يمثل ضمانة أساسية لاحترام قرينة البراءة، ويمنع تحويل المسؤولية الجزائية إلى مسؤولية مفترضة، وهو ما ينسجم مع المبادئ العامة في قانون العقوبات.

وبذلك يتبين أن جريمة الغش في المبيع ليست من الجرائم التي تقوم بمجرد وقوع الضرر أو وجود مخالفة فنية، وإنما هي جريمة عمدية دقيقة البنيان، لا تتحقق إلا باجتماع جميع أركانها، وهو ما يفسر اختلاف النتائج التي انتهت إليها محكمة التمييز في القضايا التي عرضت عليها بحسب توافر الدليل على كل ركن من هذه الأركان.

 

 

ثامناً: إثبات جريمة الغش في المبيع

 

تُعد مسألة الإثبات من أكثر المسائل أهمية في جريمة الغش في المبيع، لأن وجود عيب في المبيع أو عدم مطابقته للمواصفات لا يكفي وحده للحكم بالإدانة، وإنما يتعين على المحكمة أن تقتنع، استناداً إلى أدلة قانونية جازمة، بأن جميع أركان الجريمة قد توافرت، وعلى وجه الخصوص الركن المعنوي المتمثل بعلم البائع بالغش واتجاه إرادته إلى تضليل المشتري.

وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية مراراً أن الأحكام الجزائية تبنى على الجزم واليقين، لا على الشك والتخمين، وأن قرينة البراءة تبقى ملازمة للمتهم إلى أن يقدم الدليل القانوني الكافي على ارتكابه الجريمة.

ومن خلال استقراء الأحكام القضائية، يمكن استخلاص أهم وسائل الإثبات في جريمة الغش في المبيع.

 

1- الخبرة الفنية

تعد الخبرة الفنية من أهم وسائل الإثبات، ولا سيما إذا تعلق الغش بأمور فنية لا يستطيع القاضي أو الخصوم إدراكها بالخبرة العامة.

وتظهر أهميتها في القضايا المتعلقة بأعطال المركبات والأجهزة الإلكترونية وغيرها من المنتجات والسلع.

ففي إحدى القضايا المتعلقة ببيع مركبة، استندت المحكمة إلى التقرير الفني الصادر عن الوكيل المعتمد للمركبة، والذي أثبت وجود أعطال جوهرية كان البائع قد اطلع عليها قبل البيع، وعدّته قرينة قوية على علمه بالعيوب واتجاه إرادته إلى إخفائها.

وفي قضية أخرى تتعلق بالمحروقات، اعتمدت المحكمة على تقارير مؤسسة المواصفات والمقاييس التي أثبتت اختلاط البنزين بالماء وعدم مطابقته للقواعد الفنية.

ومن ثم، فإن الخبرة لا تقتصر على إثبات وجود العيب، وإنما قد تسهم أيضاً في إثبات علم البائع به إذا دلت ظروف الدعوى على أنه كان قد أُبلغ به أو سبق له إصلاحه أو الاطلاع عليه.

 

2- المستندات الفنية

قد يكون المستند الفني أقوى من الشهادة الشخصية، ومن أمثلته، تقارير الوكلاء المعتمدين، تقارير الصيانة وفواتير الإصلاح، تقارير الفحص الفني، تقارير مؤسسة المواصفات والمقاييس.

وقد اعتمد القضاء الأردني في بعض القضايا على تقرير الصيانة السابق للبيع لإثبات أن البائع كان يعلم بوجود العيب قبل إبرام العقد.

 

3- الشهادة

تظل الشهادة من وسائل الإثبات المهمة متى كانت متفقة مع باقي الأدلة، وصادرة عن شاهد عاين الواقعة، ومنسجمة مع ظروف الدعوى.

إلا أن محكمة التمييز أكدت أن الشهادة وحدها قد لا تكفي إذا تعارضت مع الأدلة الفنية أو شابها التناقض.

 

 

4- القرائن القضائية

لا يشترط دائماً وجود اعتراف صريح بالغش، بل قد تستخلص المحكمة القصد الجرمي من مجموعة من القرائن المترابطة، ومن أهم القرائن التي اعتمدتها محكمة التمييز في قرارها رقم 2022/3967:

  • منع المشتري من فحص المبيع.
  • رفض تسليم المركبة قبل إتمام البيع.
  • إعادة برمجة المركبة لإخفاء الأعطال.
  • تغيير عداد المركبة.
  • تغيير بيانات المنتج.
  • وجود تقرير فني سابق يثبت علم البائع بالعيب.
  • قيام البائع بإخفاء المستندات المتعلقة بالمبيع.
  • تغيير بلد المنشأ أو العلامة التجارية.

ولا تنظر المحكمة إلى كل قرينة بمعزل عن غيرها، وإنما تستخلص القصد الجرمي من مجموعها.

 

5- عبء الإثبات

الأصل أن عبء إثبات الجريمة يقع على عاتق النيابة العامة أو المشتكي في حدود الادعاء الشخصي، ولا يلتزم المتهم بإثبات براءته.

ومن المبادئ التي استقرت عليها محكمة التمييز، لا يكفي وجود العيب لإثبات الغش، او وقوع ضرر او ان يكون المبيع غير مطابق للمواصفات، بل يجب إقامة الدليل على وجود عقد بيع ووقع غش من البائع واتجهة إرادته إلى تضليل المشتري.

 

 

تاسعا: عقوبة جريمة الغش في المبيع

حرص المشرع الأردني على تجريم الغش في المبيع وفرض عقوبة جزائية على مرتكبه حمايةً للثقة في المعاملات التجارية.

حيث نصت المادة (431) من قانون العقوبات على معاقبة كل من يغش غيره في كمية الشيء المسلم أو في ماهيته إذا كانت هذه الماهية هي السبب الدافع للصفقة، بالحبس مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر إلى سنة، وبالغرامة من عشرة دنانير إلى خمسين ديناراً، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وتجدر الإشارة إلى أن مجرد ثبوت وجود عيب في المبيع لا يكفي لتوقيع هذه العقوبة، إذ يتعين أن تثبت المحكمة توافر جميع أركان الجريمة، وعلى وجه الخصوص القصد الجرمي المتمثل في علم البائع بالغش واتجاه إرادته إلى تضليل المشتري.

وهو ما أكدت عليه محكمة التمييز الأردنية في العديد من أحكامها، باعتبار أن القصد الجرمي في هذه الجريمة لا يفترض، وإنما يجب إثباته بأدلة قانونية جازمة

 

 

عاشراً: المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي

 

لم تعد الجرائم الاقتصادية تقتصر على الأشخاص الطبيعيين، بل قد ترتكب باسم الشركات والمؤسسات التجارية.

ولهذا نظم المشرع الأردني في المادة (74) من قانون العقوبات مسؤولية الشخص المعنوي، عندما نص على مسؤوليته عن الأفعال التي يرتكبها مديروه أو ممثلوه أو العاملون لديه باسمه أو بإحدى وسائله.

وقد أكدت محكمة التمييز بصفتها الجزائية في قرارها رقم 2022/3758 أن تطبيق هذا النص يقتضي أولاً التحقق من الطبيعة القانونية للمنشأة، فيما إذا كانت:

شركة مساهمة.

شركة ذات مسؤولية محدودة.

شركة تضامن.

جمعية أو مؤسسة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، جاز مساءلتها وفق أحكام المادة (74)، أما إذا كانت:

مؤسسة فردية، فإنها لا تتمتع بشخصية معنوية مستقلة، وتبقى ذمة المنشأة وذمة مالكها ذمة واحدة، فلا تطبق عليها أحكام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي.

وقررت المحكمة أن إغفال التحقق من هذه المسألة يشكل قصوراً في التعليل وفساداً في الاستدلال يوجب نقض الحكم.

 

 

حادي عشر: العلاقة بين جريمة الغش في المبيع وقانون المواصفات والمقاييس

 

من أكثر المسائل التي تثير الإشكال في التطبيق العملي التداخل بين جريمة الغش في المبيع المنصوص عليها في قانون العقوبات، وبين الجرائم الواردة في قانون المواصفات والمقاييس، ولا سيما الجرائم المتعلقة بطرح منتجات غير مطابقة للقواعد الفنية أو خداع المستهلك أو خلط المحروقات.

وقد حسمت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية في قرارها رقم 19 لسنة 2020 هذه المسألة في عدد من أحكامها، عندما قررت أن جريمة الغش في المبيع تمثل النص العام، بينما تمثل الجرائم المنصوص عليها في قانون المواصفات والمقاييس النصوص الخاصة.

ويترتب على ذلك تطبيق القاعدة المقررة في المادة (57) من قانون العقوبات، والتي تقضي بأنه إذا انطبق على الفعل وصف عام ووصف خاص، وجب الأخذ بالوصف الخاص.

 

وقد طبقت المحكمة هذا المبدأ في قضية اختلاط البنزين بالماء، إذ رأت أن الواقعة تشكل جريمتي:

  • طرح منتجات غير مطابقة للقواعد الفنية.
  • خداع المستهلك من خلال خلط المحروقات.

ولم تطبق في المقابل أحكام المادة (431) من قانون العقوبات، باعتبار أن النصوص الخاصة الواردة في قانون المواصفات والمقاييس تستوعب الواقعة محل الدعوى.

ولا يعني ذلك أن المادة (431) أصبحت معطلة أو غير قابلة للتطبيق، وإنما يقتصر الأمر على الحالات التي يوجد فيها نص خاص يعالج الفعل ذاته بصورة مباشرة، أما إذا لم يوجد مثل هذا النص، فإن أحكام قانون العقوبات تبقى واجبة التطبيق متى توافرت أركان جريمة الغش في المبيع.

ومن جهة أخرى، يلاحظ وجود اختلاف جوهري بين النظامين من حيث الركن المعنوي؛ فجرائم المواصفات والمقاييس قد تقوم في بعض صورها بمجرد تحقق المخالفة وعدم الالتزام بالقواعد الفنية، في حين أن جريمة الغش في المبيع لا تقوم إلا إذا ثبت القصد الجرمي المتمثل في علم البائع بالغش واتجاه إرادته إلى تضليل المشتري.

وهذا التمييز له أثر عملي بالغ، إذ قد تثبت مسؤولية الفاعل وفق قانون المواصفات والمقاييس، بينما تنتفي مسؤوليته عن جريمة الغش في المبيع لعدم كفاية الدليل على القصد الجرمي.

 

 

ثاني عشر: المسؤولية المدنية الناشئة عن جريمة الغش في المبيع

قد يترتب على جريمة الغش في المبيع مسؤوليتان متلازمتان:

  • المسؤولية الجزائية.
  • المسؤولية المدنية.

ورغم أن كلتيهما تنشآن عن الواقعة ذاتها، إلا أن أساس كل منهما يختلف عن الآخر.

فالمسؤولية الجزائية تقوم على مخالفة النص العقابي، أما المسؤولية المدنية فتقوم على الفعل الضار الذي ألحق ضرراً بالمجني عليه.

وقد أكدت محكمة التمييز أن المحكمة الجزائية، متى ثبتت لديها الجريمة، تملك الحكم بالتعويض إذا تقدم المجني عليه بادعاء بالحق الشخصي وأثبت عناصر المسؤولية المدنية، وتتمثل هذه العناصر في:

 

1- الفعل غير المشروع

ويتمثل في الجريمة ذاتها، أي فعل الغش في المبيع.

 

2- الضرر

ويجب أن يكون الضرر محققاً ومباشراً، وحالاً أو مؤكداً في المستقبل، وقد يكون الضرر مادياً، كتكاليف الإصلاح أو انخفاض قيمة المبيع، معنوياً، كالضرر الأدبي الناتج عن الخداع أو المساس بالاعتبار المالي.

 

3- علاقة السببية

يجب أن يثبت أن الضرر كان نتيجة مباشرة لفعل الغش، بحيث لا يتدخل سبب أجنبي يقطع هذه العلاقة.

 

وقد طبقت محكمة التمييز هذه القواعد في إحدى القضايا المتعلقة ببيع مركبة، فقضت بإلزام البائع بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية بعد أن ثبت أن الأعطال المخفية هي السبب المباشر في الضرر الذي لحق بالمشتري.

وفي المقابل، إذا انتهت المحكمة إلى عدم ثبوت الجريمة أو إلى عدم مسؤولية المتهم عنها، فإن المحكمة الجزائية قد تقضي برد الادعاء الشخصي لعدم الاختصاص، ويبقى للمتضرر حق اللجوء إلى القضاء المدني إذا توافرت شروط المسؤولية المدنية.

 

 

ثالث عشر: أهم الدفوع القانونية في جريمة الغش في المبيع

 

تكشف التطبيقات القضائية أن نجاح الدفاع في هذا النوع من القضايا يعتمد على مناقشة أركان الجريمة من الناحية القانونية والفنية، ومن أبرز الدفوع التي يمكن إثارتها:

 

1- انتفاء الركن المفترض

ويتحقق إذا عجز الادعاء عن إثبات وجود عقد بيع بين الطرفين، أو أثبت المتهم أن العلاقة القانونية تختلف عن البيع.

 

2- انتفاء نسبة المبيع إلى المتهم

من المبادئ المهمة التي أرستها محكمة التمييز أنه لا يكفي ضبط منتج مغشوش، بل يجب إثبات أن المنتج المضبوط يعود إلى المتهم أو أنه هو من قام بإنتاجه أو تعبئته أو طرحه للتداول، وعند غياب هذه الرابطة، تنتفي المسؤولية الجزائية.

 

3- انتفاء القصد الجرمي

وهو من أكثر الدفوع شيوعاً، ويقوم على إثبات أن المتهم:

  • لم يكن يعلم بالعيب.
  • أو لم يعلم بعدم مطابقة المنتج.
  • أو لم يتعمد تضليل المشتري.

وقد أكدت محكمة التمييز أن القصد الجرمي لا يفترض، وإنما يجب إثباته بأدلة يقينية.

 

4- حسن النية

قد يثبت البائع أنه:

  • اشترى المنتج من مصدر موثوق.
  • لم يكن يعلم بوجود العيب.
  • بادر إلى معالجة المشكلة فور اكتشافها.

ولا يؤدي حسن النية دائماً إلى انتفاء المسؤولية في التشريعات الخاصة، إلا أنه قد يؤدي إلى انتفاء جريمة الغش في المبيع إذا انتفى عنصر العلم.

 

5- عدم كفاية الدليل

يعد هذا الدفع من أهم الضمانات الجزائية، فإذا كانت الأدلة:

  • متناقضة.
  • غير منتجة.
  • قائمة على الاحتمال.

وجب إعلان براءة المتهم، لأن الأحكام الجزائية تبنى على اليقين لا على الشك.

 

6- تطبيق النص الخاص

إذا كانت الواقعة تخضع لنص خاص، كما في قانون المواصفات والمقاييس، جاز الدفع بعدم تطبيق المادة (431) من قانون العقوبات، تطبيقاً للمادة (57) من قانون العقوبات.

 

 

النتائج

من خلال دراسة النصوص التشريعية واجتهادات محكمة التمييز الأردنية، يمكن استخلاص النتائج الآتية:

  • جريمة الغش في المبيع من الجرائم العمدية التي لا تقوم إلا بتوافر القصد الجرمي.
  • وجود عيب في المبيع لا يعني بالضرورة قيام الجريمة، ما لم يثبت علم البائع به وتعمده إخفاءه.
  • الغش قد يتحقق بالفعل الإيجابي كما قد يتحقق بالامتناع عن الإفصاح عن العيوب الجوهرية متى اقترن ذلك بسوء النية.
  • الخبرة الفنية والتقارير المتخصصة تمثلان من أهم وسائل الإثبات في هذا النوع من الجرائم.
  • القصد الجرمي لا يفترض، وعبء إثباته يقع على جهة الاتهام.
  • الشخص المعنوي قد يسأل جزائياً عن جريمة الغش في المبيع متى توافرت شروط المادة (74) من قانون العقوبات.
  • إذا وجد نص خاص يعالج الواقعة، كما في قانون المواصفات والمقاييس، فإنه يقدم على النص العام الوارد في قانون العقوبات.
  • يجوز للمحكمة الجزائية الحكم بالتعويض إذا ثبتت الجريمة وتوافرت عناصر المسؤولية المدنية.

 

 

التوصيات

انطلاقاً من التطبيقات القضائية الحديثة، نوصي بما يلي:

  • تطوير النصوص العقابية بما يتلاءم مع صور الغش المستحدثة في التجارة الإلكترونية والبيع عبر المنصات الرقمية.
  • تشديد الرقابة الفنية على المنتجات المتداولة في الأسواق، ولا سيما المركبات المستعملة والمنتجات التقنية.
  • تعزيز التوعية القانونية لدى التجار بواجب الإفصاح عن العيوب الجوهرية للمبيع.
  • إنشاء قاعدة بيانات وطنية للأحكام القضائية المتعلقة بالغش التجاري والغش في المبيع، بما يسهم في توحيد الاجتهاد القضائي.
  • تعزيز التعاون بين القضاء والجهات الفنية المختصة، لضمان سرعة الفصل في القضايا التي تتطلب خبرة فنية متخصصة.

 

الخاتمة

تمثل جريمة الغش في المبيع إحدى أهم صور الحماية الجزائية للثقة في المعاملات التجارية، فهي لا تستهدف حماية المشتري الفرد فحسب، وإنما تحمي استقرار السوق ونزاهة النشاط الاقتصادي.

وقد كشف استقراء اجتهادات محكمة التمييز الأردنية عن اتجاه قضائي مستقر يوازن بين حماية المتعاملين وبين صون قرينة البراءة، فلا يقضي بالإدانة إلا إذا ثبتت أركان الجريمة كافة، وعلى رأسها القصد الجرمي.

كما أبرزت هذه الاجتهادات أن الحدود الفاصلة بين الغش في المبيع، والتدليس المدني، وضمان العيب الخفي، والجرائم المنصوص عليها في قانون المواصفات والمقاييس، ليست حدوداً نظرية فحسب، بل يترتب عليها آثار عملية تمس التكييف القانوني والعقوبة وعبء الإثبات والتعويض.

ومن ثم، فإن الفهم الدقيق لهذه الأحكام يعد ضرورة لكل ممارس للعمل القانوني، ويسهم في تحقيق التطبيق السليم للقانون وحماية الثقة في المعاملات التجارية، وهي الغاية التي قصد إليها المشرع الأردني من تجريم هذا السلوك.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962 ، 064922183

جريمة الغش في المبيع

تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن 2026

تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن

تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن 2026

 

دراسة قانونية يقدمها المحامي محمد زهير العبادي، تحت عنوان:

 

عدم تنفيذ عقوبة الإعدام: بين الحق في الحياة وتحقيق العدالة الجنائية

مقدمة

أعاد تنفيذ أحكام الإعدام في الأردن بتاريخ 21 حزيران 2026 الجدل القانوني والإنساني حول مكانة هذه العقوبة في السياسة الجنائية الحديثة، وحدود التوفيق بين حق المجتمع في الأمن والقصاص العادل من مرتكبي الجرائم الخطيرة، وبين الحق الأصيل للإنسان في الحياة وضرورة صون الكرامة الإنسانية، حتى في مواجهة من ثبتت مسؤوليته عن ارتكاب أفعال بالغة الجسامة.

وقد أعلنت الحكومة الأردنية تنفيذ حكم الإعدام شنقًا بحق ستة مدانين في قضايا إرهابية وجنائية أفضت إلى استشهاد عدد من أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أثناء قيامهم بواجبهم.

وأوضحت أن الأحكام اكتسبت الدرجة القطعية واستُكملت بشأنها الإجراءات الدستورية والقانونية، ونُفذت تحت إشراف النائب العام لمحكمة أمن الدولة، تطبيقًا لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ولا يمكن، عند مناقشة هذه القضية، تجاهل جسامة الجرائم المرتكبة أو التقليل من تضحيات الشهداء ومعاناة أسرهم، كما لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام إلى خطاب يتعاطف مع الجاني ويتجاهل الضحية.

 

غير أن احترام الضحايا وتحقيق العدالة لهم لا يمنعان من طرح سؤال قانوني وأخلاقي مشروع:

هل تتطلب العدالة بالضرورة إنهاء حياة المحكوم عليه، أم يمكن تحقيق الحماية والردع والمساءلة بعقوبات صارمة تحافظ في الوقت ذاته على الحق في الحياة؟

 

 

أولاً: التصريحات الحكومية بشأن تنفيذ أحكام الإعدام

 

صرح وزير الاتصال الحكومي، الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، بأن عدد المحكوم عليهم بالإعدام الموجودين في السجون الأردنية يزيد على مائة محكوم، وأن أحكام الإعدام ستُنفذ بحقهم تباعاً وعلى دفعات.

وجاء التصريح الرسمي واضحاً في أن تنفيذ الأحكام الستة كان جزءاً من مجموعة أحكام قضائية سيجري تطبيقها لاحقاً.

كما أعلن رئيس الوزراء توجه الحكومة إلى تعديل التشريعات بما يسمح بتطبيق عقوبة الإعدام على نطاق أوسع بحق كبار تجار ومهربي المخدرات المرتبطين بالعصابات الخارجية.

 

وتثير هذه التصريحات مسألتين منفصلتين ينبغي عدم الخلط بينهما:

الأولى هي تنفيذ أحكام قضائية قطعية صدرت وفق التشريعات النافذة واستكملت مراحل الطعن والإجراءات الدستورية.

أما الثانية فهي تحويل تنفيذ الإعدام إلى توجه عقابي واسع ومعلن مسبقًا، بالتزامن مع التفكير في توسيع الجرائم التي يجوز الحكم فيها بهذه العقوبة.

 

فالحكم القضائي القطعي لا يعني أن تنفيذه أصبح حتمياً في كل الأحوال؛ إذ تظل هناك مساحة قانونية ودستورية للعفو الخاص أو إبدال العقوبة أو تأجيل التنفيذ.

كما أن الإعلان عن تنفيذ أحكام يزيد عددها على مائة حكم تباعاً يثير مخاوف من أن تتحول المسألة من دراسة فردية دقيقة لكل حالة إلى سياسة تنفيذ جماعية أو متتابعة تغلب عليها اعتبارات الردع العام والرسائل السياسية والأمنية.

ولا يعني ذلك التشكيك في نزاهة القضاء أو في قطعية الأحكام، وإنما يعني أن عقوبة لا يمكن التراجع عنها بعد تنفيذها يجب أن تخضع لأعلى درجات الفحص الفردي، وألا تُعامل الأحكام الصادرة بها باعتبارها كتلة واحدة متجانسة.

 

 

ثانياً: الحق في الحياة ومكانته في القانون الدولي

 

ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل إنسان حقاً أصيلاً في الحياة، وأن هذا الحق يجب أن يحميه القانون، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً.

وفي الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، لا يجيز العهد تطبيقها بصورة مطلقة، وإنما يقصرها على (أشد الجرائم خطورة)، وبموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة، مع كفالة حق المحكوم عليه في طلب العفو أو إبدال العقوبة.

وبذلك، فإن القانون الدولي لم يقرر حتى الآن حظراً عالمياً مطلقاً لعقوبة الإعدام بالنسبة إلى جميع الدول، لكنه وضع مساراً واضحاً نحو تضييق نطاقها تمهيداً لإلغائها، ومنع التوسع فيها أو استخدامها باعتبارها عقوبة اعتيادية.

وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تعليقها العام رقم 36 المتعلق بالحق في الحياة، أن الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام مطالبة بتفسير مفهوم (أشد الجرائم خطورة) تفسيراً ضيقاً، وأن العقوبة لا يجوز أن تطبق إلا على الجرائم البالغة الخطورة التي تتضمن قتلاً عمدياً.

كما اعتبرت اللجنة أن إلغاء عقوبة الإعدام أمر مرغوب فيه وضروري لتعزيز الكرامة الإنسانية والتمتع التدريجي بالحق في الحياة.

ومن هنا يثور التساؤل حول مدى توافق التوجه إلى توسيع الإعدام في جرائم المخدرات مع الاتجاه الحديث في تفسير المادة السادسة من العهد الدولي؛ فالاتجار بالمخدرات، مهما بلغت خطورته وآثاره الاجتماعية والأمنية، لا يتضمن في كل صوره قتلاً عمدياً مباشراً.

ويختلف الأمر بطبيعة الحال عندما تقترن الجريمة بقتل رجال الأمن أو المواطنين؛ ففي هذه الحالة لا تكون العقوبة مقررة لمجرد الاتجار بالمخدرات، وإنما لجريمة أفضت إلى إزهاق الأرواح.

ولذلك يجب التفريق تشريعياً وقضائياً بين الاتجار المجرد، وبين القتل العمد أو الأفعال الإرهابية أو مقاومة رجال الأمن التي تفضي إلى الوفاة.

 

 

ثالثاً: الاتجاه العالمي نحو إلغاء عقوبة الإعدام أو وقف تنفيذها

 

تشير أحدث الإحصائيات المنشورة عن عام 2025 إلى أن 113 دولة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة إلى جميع الجرائم، بينما بلغ عدد الدول التي ألغتها قانوناً أو توقفت عن تنفيذها عملياً 145 دولة.

وهذا يعني أن أكثر من ثلثي دول العالم اتجهت، بدرجات مختلفة، إلى الابتعاد عن عقوبة الإعدام، سواء بإلغائها من التشريعات، أو بقصرها على جرائم استثنائية، أو بالامتناع عن تنفيذها مدة طويلة تكشف عن قيام وقف عملي لتنفيذ العقوبة.

وفي المقابل، نُفذ خلال عام 2025 ما لا يقل عن 2707 أحكام إعدام في 17 دولة فقط، دون احتساب آلاف الإعدامات التي يُعتقد أنها نُفذت في الصين بسبب اعتبار بياناتها من أسرار الدولة.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة مهمة: عدد الإعدامات المسجلة ارتفع بصورة كبيرة، لكن عدد الدول التي تنفذ العقوبة ظل محدوداً للغاية.

أي إن ارتفاع العدد العالمي لا يعكس عودة أغلبية الدول إلى الإعدام، وإنما يعكس تكثيف استخدامه داخل مجموعة صغيرة من الدول.

كما أيدت 130 دولة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 17 كانون الأول 2024 والداعي إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام، مقابل معارضة 32 دولة وامتناع 22 دولة عن التصويت.

وعلى الرغم من أن قرارات الجمعية العامة في هذا المجال لا تفرض التزاماً مباشراً بإلغاء العقوبة، فإنها تعكس اتجاهاً دولياً متزايداً نحو وقف التنفيذ بوصفه خطوة تسبق الإلغاء التشريعي.

ولا يجوز قراءة هذه الإحصائيات باعتبارها دليلاً قاطعاً بذاته على أن جميع الدول التي ألغت الإعدام قد نجحت في القضاء على الجريمة، كما لا يجوز القول إن بقاء العقوبة في عدد من الدول يجعلها منسجمة بالضرورة مع العدالة الحديثة.

لكنها تكشف بوضوح أن الأردن، عند التوسع في التنفيذ، يتحرك بعكس الاتجاه العالمي الغالب نحو التضييق والوقف والإلغاء.

 

 

رابعاً: هل تحقق عقوبة الإعدام الردع العام؟

 

يستند مؤيدو الإعدام إلى أن شدة العقوبة يمكن أن تمنع الجناة المحتملين من ارتكاب الجرائم، وأن حماية المجتمع تقتضي إيقاع العقوبة الأشد بمن يتعمد قتل الأبرياء أو رجال الأمن أو تنفيذ الأعمال الإرهابية.

وهذا الرأي مفهوم من الناحية الاجتماعية، لا سيما في أعقاب الجرائم التي تصدم الرأي العام.

لكن الردع الجنائي لا يقوم على شدة العقوبة وحدها؛ بل يعتمد بصورة أكبر على سرعة اكتشاف الجريمة، واحتمال القبض على مرتكبها، وكفاءة التحقيق والمحاكمة، ويقين الجاني بأنه لن يفلت من العقاب.

فقد يرتكب الجاني الجريمة تحت تأثير التطرف أو المخدرات أو الانفعال أو الاعتقاد بأنه لن يُقبض عليه، فلا تكون المقارنة العقلانية بين الإعدام والسجن المؤبد حاضرة في ذهنه وقت ارتكاب الفعل.

كما أن من الصعب إثبات أن الإعدام يحقق ردعاً يفوق بصورة مؤكدة الردع الناتج عن السجن المؤبد المشدد أو غير القابل للإفراج، وقد أشارت مناقشات الأمم المتحدة إلى عدم وجود دليل حاسم يثبت قيمة ردعية استثنائية لعقوبة الإعدام مقارنة بالعقوبات السالبة للحرية طويلة المدة.

إن مكافحة الإرهاب والمخدرات لا تتحقق أساساً بإعدام المحكوم عليهم بعد سنوات من ارتكاب الجرائم، وإنما تبدأ بتجفيف مصادر التمويل، وضبط الحدود، وملاحقة الشبكات المنظمة، وتعزيز الاستخبارات الجنائية، وحماية رجال إنفاذ القانون، وتسريع المحاكمات العادلة، ومكافحة غسل الأموال والفساد الذي يوفر الحماية للجريمة المنظمة.

 

 

خامساً: استحالة إصلاح الخطأ القضائي بعد تنفيذ الإعدام

 

يمثل احتمال الخطأ القضائي أحد أقوى الاعتراضات على عقوبة الإعدام؛ فجميع النظم القضائية، مهما بلغت كفاءتها، تظل عملاً بشرياً يمكن أن يتأثر بشهادة غير صحيحة، أو اعتراف منتزع، أو خبرة فنية خاطئة، أو قصور في الدفاع، أو دليل يظهر بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية.

وقد ينص القانون على إعادة المحاكمة عند ظهور وقائع أو أدلة جديدة تثبت براءة المحكوم عليه، لكن هذا الطريق يفقد غايته العملية إذا كان الحكم قد نُفذ.

فالسجن الخاطئ يمكن إنهاؤه، ويمكن رد الاعتبار والتعويض عنه ولو بصورة غير مكتملة، أما الإعدام فلا يترك مجالاً لتدارك الخطأ.

وهذه الطبيعة غير القابلة للرجوع تفرض على الدولة قدراً من التحفظ يتجاوز ما يُطلب عند تنفيذ سائر العقوبات.

ولا يكفي القول إن الحكم مر بجميع درجات التقاضي؛ لأن تعدد درجات المحاكمة يقلل احتمال الخطأ لكنه لا يلغيه نهائياً.

ومن ثم، فإن وقف التنفيذ لا يشكل انتقاصاً من هيبة القضاء، بل يمثل ضمانة احتياطية في مواجهة النتيجة التي يستحيل إصلاحها.

 

 

سادساً: بين حقوق الضحايا وحقوق المحكوم عليهم

 

من الخطأ تقديم النقاش حول عقوبة الإعدام على أنه صراع بين حقوق الجاني وحقوق الضحية؛ فالعدالة الجنائية الحقيقية يجب أن تحمي الاثنين دون مساواة أخلاقية بين موقفيهما.

فالضحية تستحق الاعتراف بما وقع عليها، ومحاكمة المسؤول، وفرض عقوبة تتناسب مع جسامة الفعل، وتعويض أسرتها، وضمان عدم تكرار الجريمة.

وفي الوقت نفسه، يظل المحكوم عليه إنساناً يتمتع بالحد الأدنى من الحقوق التي لا تسقط بالإدانة، وفي مقدمتها الحق في محاكمة عادلة وعدم التعرض للتعذيب والمعاملة المهينة، والحق في طلب العفو أو تخفيف العقوبة.

ولا ينبغي اختزال إنصاف أسر الضحايا في مشاهدة إعدام الجاني.

فالعدالة لأسر الشهداء تشمل الرعاية المادية والنفسية الدائمة، وتخليد تضحيات ذويهم، ومحاسبة جميع المشاركين والمحرضين والممولين، والكشف الكامل عن أوجه القصور التي سمحت بوقوع الجريمة، واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرارها.

أما جعل الإعدام الصورة الوحيدة للقصاص، فقد يؤدي إلى إغلاق الملف الجنائي دون معالجة الأسباب المؤسسية والاجتماعية والأمنية التي ساعدت على وقوع الجريمة.

 

 

سابعاً: نقد الإعلان عن تنفيذ أكثر من مائة حكم تباعاً

 

إن أخطر ما في التصريح الحكومي ليس مجرد تأكيد وجود أكثر من مائة محكوم بالإعدام؛ فهذا رقم يتعلق بأحكام قضائية صادرة وموجودة فعلًا.

وإنما تكمن الخطورة في الإعلان العام والمسبق عن تنفيذ هذه الأحكام (تباعاً وعلى دفعات).

فعقوبة الإعدام يجب أن تظل، حتى في الأنظمة التي تحتفظ بها، استثناءً فردياً بالغ الضيق، لا برنامجاً تنفيذياً واسعاً.

وقد تختلف أوضاع المحكوم عليهم اختلافاً جوهرياً؛ فمنهم من أُدين بالقتل العمد، ومنهم من ارتبطت قضيته بأعمال إرهابية، ومنهم من صدر الحكم عليه بموجب صور قانونية مختلفة من الاشتراك أو التدخل أو التحريض.

كما قد تختلف ظروف المحاكمات والأدلة والأوضاع الصحية والعقلية ومدد البقاء في جناح الإعدام.

لذلك فإن الحديث عن أكثر من مائة حكم بصورة جماعية قد يُضعف الانطباع بأن كل حالة ستخضع لدراسة إنسانية وقانونية مستقلة قبل اتخاذ قرار التنفيذ.

كما أن ربط تنفيذ العقوبة بإرسال (رسالة) إلى المجتمع يثير تساؤلاً حول الغاية الأساسية للعقوبة.

فتنفيذ الأحكام يجب أن يقوم على العدالة الفردية والتناسب، لا على استخدام حياة المحكوم عليه وسيلة لإيصال رسائل سياسية أو أمنية، مهما كانت مشروعية هدف حماية المجتمع.

 

 

ثامناً: عدم جواز الإعلان المسبق عن أسماء المحكوم عليهم بالإعدام

 

يقتضي التعامل مع أحكام الإعدام أعلى درجات التحفظ والسرية، ولذلك لا ينبغي للجهات الرسمية الإعلان مسبقاً عن أسماء الأشخاص الذين يُعتزم تنفيذ عقوبة الإعدام بحقهم، ولا نشر قوائم بأسمائهم قبل استكمال جميع الإجراءات الدستورية والقانونية واتخاذ القرار النهائي في كل حالة على حدة.

فصدور حكم قطعي بالإعدام لا يعني أن التنفيذ أصبح حتمياً أو فورياً؛ إذ يبقى الحكم خاضعاً للإجراءات الدستورية المقررة، فضلاً عن إمكان طلب العفو الخاص أو إبدال العقوبة وظهور أسباب قانونية أو إنسانية قد تحول دون التنفيذ.

ومن ثم، فإن الإعلان المبكر عن اسم المحكوم عليه قد يوحي بأن مصيره قد حُسم نهائياً قبل انتهاء جميع مراحل المراجعة، وقد يحول الإجراءات اللاحقة إلى مجرد إجراءات شكلية في نظر الرأي العام.

كما أن نشر الأسماء مسبقاً قد يخلق ضغطاً اجتماعيًا وإعلامياً على الجهات المختصة، ويحد من القدرة على دراسة كل ملف بصورة فردية وهادئة، ولا سيما أن المحكوم عليهم بالإعدام لا يمثلون فئة قانونية واحدة، بل تختلف أفعالهم ودرجات مساهمتهم في الجرائم وظروفهم الشخصية والأدلة التي صدرت الأحكام استناداً إليها.

ولا تقتصر آثار النشر على المحكوم عليه وحده، بل تمتد إلى أسرته وأطفاله وذويه الذين لا يتحملون مسؤولية الجريمة، وقد يتعرضون بسبب الإعلان المسبق للوصم الاجتماعي أو التهديد أو الإساءة أو التشهير.

ومن المبادئ الإنسانية المستقرة أن العقوبة شخصية، فلا يجوز أن تتحول تسمية المحكوم عليه والتشهير به إلى عقوبة اجتماعية غير مباشرة تقع على أفراد أسرته.

وفوق ذلك، فإن الإعلان المسبق عن الأسماء قد يحول تنفيذ العقوبة إلى مشهد إعلامي أو وسيلة لإثارة الرأي العام وإيصال رسائل الردع، بينما ينبغي أن تظل إجراءات التنفيذ، ما دامت العقوبة قائمة، محكومة بالوقار والضرورة والتناسب، وألا تُستخدم حياة المحكوم عليه مادةً للإثارة الإعلامية أو التعبئة الشعبية.

لذلك فإن الموقف الأكثر اتزاناً يقتضي عدم نشر أسماء الأشخاص المقرر تنفيذ حكم الإعدام بحقهم قبل التنفيذ، والاكتفاء عند الضرورة ببيان رسمي عام يوضح عدد الأحكام وطبيعة الجرائم واستكمال الإجراءات القانونية، دون الكشف عن الهوية إلا بعد التنفيذ، وبالقدر الذي تقتضيه المصلحة العامة، ومع مراعاة حقوق أسر الضحايا والمحكوم عليهم وذويهم.

فالشفافية لا تعني الكشف المسبق عن كل تفصيل، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقرار نهائي لا يمكن الرجوع عنه، وإنما تعني بيان الأساس القانوني والإجراءات والضمانات التي سبقت التنفيذ، دون تحويل أسماء المحكوم عليهم إلى موضوع للتداول أو التشهير أو الضغط الجماهيري.

 

 

تاسعاً: مخاطر التوسع في الإعدام بقضايا المخدرات

 

لا خلاف على أن الاتجار المنظم بالمخدرات يشكل تهديداً خطيراً للمجتمع والدولة، وأن العصابات العابرة للحدود قد ترتبط بتهريب الأسلحة وتمويل الجماعات الإجرامية والاعتداء على أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

لكن خطورة الظاهرة لا تعني أن الإعدام هو الأداة الأكثر كفاءة لمواجهتها.

ففي الجرائم المنظمة، يكون المنفذ الذي يُقبض عليه في كثير من الأحيان حلقة قابلة للاستبدال، بينما يبقى الممول والمنظم والمستفيد الحقيقي بعيداص عن المساءلة.

كما أن إعدام بعض المتورطين قد يؤدي إلى فقدان مصادر معلومات يمكن أن تساعد في تفكيك الشبكات الكبرى والوصول إلى قياداتها وأموالها.

والأجدى هو بناء نظام عقابي وتحقيقي يفرق بين كبار المنظمين والممولين، وبين الناقلين والمروجين وصغار المتورطين، ويتيح تخفيف العقوبة مقابل التعاون الحقيقي الذي يؤدي إلى ضبط الشبكات والأموال والأسلحة.

أما النصوص الواسعة التي تسمح بالإعدام لمجرد وصف الشخص بأنه (كبير تجار المخدرات)، دون ربط العقوبة بحصول وفاة عمدية، فقد تتعارض مع التفسير الدولي الضيق لمفهوم أشد الجرائم خطورة.

 

 

عاشراً: بدائل تحقق الحماية دون إزهاق الحياة

 

لا يعني وقف تنفيذ الإعدام إطلاق سراح مرتكبي الجرائم الخطيرة أو التساهل معهم، بل يمكن استبدال العقوبة بالسجن المؤبد المشدد، مع وضع ضوابط صارمة للإفراج المشروط في الجرائم الإرهابية والقتل العمد المقترن بظروف مشددة.

 

ويمكن للسياسة الجنائية الأردنية أن تعتمد مجموعة من البدائل، من أهمها:

  • وقف تنفيذ أحكام الإعدام مدة محددة، مع إبقاء العقوبة في التشريعات خلال مرحلة انتقالية.
  • تشكيل لجنة قضائية وقانونية وطبية مستقلة لمراجعة كل حكم إعدام بصورة فردية.
  • إبدال الأحكام بعقوبة الأشغال المؤبدة أو السجن المؤبد المشدد في الحالات التي لا تتضمن قتلاً عمدياً مباشراً.
  • قصر عقوبة الإعدام تشريعياً، ما دامت باقية، على أضيق نطاق ممكن من جرائم القتل العمد الأشد خطورة.
  • عدم إدخال جرائم المخدرات المجردة ضمن نطاق العقوبة، مع تشديد العقوبات المالية ومصادرة الأموال وتتبع الشبكات المنظمة.
  • توفير دفاع قانوني متخصص وفعّال منذ مرحلة التحقيق لكل متهم يواجه احتمال الحكم بالإعدام.
  • منح طلبات العفو وإبدال العقوبة دراسة فردية حقيقية، وعدم التعامل معها باعتبارها إجراءً شكلياً.
  • تعزيز حقوق أسر الضحايا من خلال التعويض والرعاية المستمرة والمشاركة في إجراءات العدالة.

 

 

حادي عشر: موقف مقترح للسياسة الجنائية الأردنية

 

يمكن للأردن أن يتبنى موقفاً متدرجاً لا يصطدم بصورة مفاجئة مع الرأي العام ولا يتجاهل التحديات الأمنية التي تواجه الدولة.

وتبدأ الخطوة الأولى بإعلان وقف مؤقت لتنفيذ أحكام الإعدام، دون إلغائها مباشرة من النصوص التشريعية.

وخلال مدة الوقف، تُجرى مراجعة شاملة لأثر العقوبة ومدى تحقيقها للردع، وتُدرس الملفات الصادرة فيها الأحكام، وتُقارن التجربة الأردنية بتجارب الدول التي استبدلت الإعدام بالسجن المؤبد.

كما ينبغي فتح حوار وطني تشارك فيه السلطة القضائية ومجلس الأمة ونقابة المحامين والجامعات ومؤسسات حقوق الإنسان وأسر الضحايا وخبراء الأمن وعلم الاجتماع وعلم الجريمة.

فالقضية أكبر من أن تُحسم برد فعل عاطفي عقب جريمة مؤلمة، أو بتصريح حكومي، أو بحملة حقوقية منعزلة عن مخاوف المجتمع.

إنها قضية ترتبط بفلسفة الدولة في العقاب، وحدود سلطة الإنسان في إنهاء حياة إنسان آخر باسم القانون.

 

 

خاتمة

 

إن معارضة تنفيذ عقوبة الإعدام لا تعني تبرئة المجرمين، ولا تعني إنكار حق الدولة في حماية المجتمع، ولا الانتقاص من تضحيات الشهداء أو مشاعر أسر الضحايا.

بل تعني البحث عن عدالة قوية لا تتخلى عن إنسانيتها، وعن سياسة جنائية تعاقب مرتكب الجريمة وتحمي المجتمع، دون أن تجعل إنهاء الحياة الخيار العقابي الأول.

 

وقد أعلنت الحكومة الأردنية أن أكثر من مائة محكوم بالإعدام موجودون في السجون، وأن الأحكام ستنفذ بحقهم تباعاً، بالتزامن مع توجه إلى توسيع نطاق العقوبة.

وفي المقابل، تكشف الإحصائيات الدولية أن 145 دولة ألغت الإعدام قانوناً أو توقفت عن تنفيذه عملياً، وأن التنفيذ الفعلي للعقوبة خلال عام 2025 انحصر في 17 دولة فقط.

وهذه المقارنة تستوجب التوقف والمراجعة قبل المضي في تنفيذ عدد كبير من الأحكام التي يستحيل التراجع عنها.

 

إن قوة الدولة لا تقاس بعدد من تنفذ فيهم عقوبة الإعدام، بل بقدرتها على منع الجريمة، وكشف مرتكبيها، وإجراء محاكمات عادلة، وحماية رجال الأمن والمواطنين، وإنصاف الضحايا، وإصلاح مواطن الخلل، مع الحفاظ على سيادة القانون وكرامة الإنسان.

ومن ثم، فإن الخيار الأكثر اتزاناً يتمثل في وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، ومراجعة الأحكام بصورة فردية، واستبدالها بعقوبات سالبة للحرية بالغة الصرامة، مع قصر أي بقاء تشريعي مؤقت للعقوبة على أضيق نطاق ممكن، تمهيداً للانضمام إلى الاتجاه العالمي الذي يرى أن العدالة تستطيع أن تكون حازمة دون أن تسلب الإنسان حياته.

 

 

مكتب العبادي للمحاماة

 

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962 ، 064922183

تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن