رجوع المتهم عن اعترافه في القانون الأردني
رجوع المتهم عن اعترافه في القانون الأردني
دراسة قانونية في حجية الاعتراف وسلطة المحكمة
إعداد: مكتب العبادي للمحاماة – عمّان، الأردن
مقدمة
يُعد الاعتراف من أكثر أدلة الدعوى الجزائية تأثيراً؛ لأنه يصدر عن المتهم نفسه ويتضمن إسناد الواقعة الجرمية إلى شخصه.
غير أن هذه القوة النفسية لا تجعل الاعتراف دليلاً مقدساً أو نهائياً، ولا تمنع المتهم من الرجوع عنه أو تصحيحه أو تفسيره.
فقد يكون الاعتراف صادقاً ثم يحاول صاحبه التخلص من آثاره، وقد يكون غير صحيح صدر تحت الإكراه أو الخوف أو الوعد أو الإرهاق أو سوء الفهم أو الرغبة في حماية شخص آخر.
ولهذا لا تُحسم المسألة بمجرد القول إن المتهم «اعترف» أو «رجع عن اعترافه».
السؤال القانوني الأدق هو: هل كان الاعتراف مقبولاً من الناحية الإجرائية، وصحيحاً من حيث الإرادة، وصادقاً من حيث المضمون، ومتوافقاً مع الأدلة الموضوعية في الدعوى؟
والقاعدة التي يمكن استخلاصها من التشريع والاجتهاد الأردنيين هي أن الرجوع عن الاعتراف لا يمحو الاعتراف السابق تلقائياً، كما أن الاعتراف السابق لا يُسقط حق المتهم في المنازعة فيه؛ بل تزن المحكمة الاعتراف والرجوع عنه معاً في ضوء ظروف صدورهما ومجمل البينات.
الخلاصة القانونية المختصرة
رجوع المتهم عن اعترافه جائز من حيث الأصل، ولا يحتاج إلى قبول النيابة العامة أو المحكمة حتى يُطرح للمناقشة.
لكنه لا يؤدي بذاته إلى استبعاد الاعتراف السابق.
فإذا ثبت أن الاعتراف صدر طوعاً واختياراً، واستوفى ضماناته القانونية، وكان واضحاً ومفصلاً ومتفقاً مع الأدلة المستقلة، جاز للمحكمة الأخذ به رغم الرجوع عنه.
أما إذا شاب الاعتراف إكراه أو تهديد أو إخلال بالضمانات الجوهرية، أو ناقض الدليل العلمي والمادي، أو تضمن معلومات غير صحيحة، تعيّن طرحه وعدم بناء الإدانة عليه.
أولاً: المقصود بالاعتراف والرجوع عنه
1- الاعتراف الجزائي
الاعتراف الجزائي هو إقرار المتهم على نفسه، بصورة واضحة وصريحة، بارتكاب الواقعة الجرمية كلها أو بعض عناصرها الجوهرية.
ولذلك يجب التمييز بين الاعتراف وبين مجرد الإقرار بواقعة فرعية؛ فقول المتهم إنه كان في مكان الحادث لا يُعد بالضرورة اعترافاً بالجريمة، ما لم يتضمن إقراراً بالفعل المادي والقصد الجرمي أو بالعناصر اللازمة لقيام الجرم.
كما يجب التمييز بين اعتراف المتهم على نفسه وبين أقوال متهم على متهم آخر.
فالأول يُقدَّر في مواجهة صاحبه، أما الثاني فتسري عليه الضمانة الخاصة الواردة في المادة 148/2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فلا يجوز الاعتماد عليه ضد المتهم الآخر إلا إذا وجدَت قرينة أخرى تؤيده، مع تمكين ذلك المتهم أو وكيله من مناقشة قائل الأقوال.
2- الرجوع عن الاعتراف
رجوع المتهم عن اعترافه هو كل موقف لاحق يناقض الاعتراف السابق كلياً أو جزئياً، أو ينفي صحته أو حرية صدوره أو الدلالة التي حملها الاتهام عليه.
وقد يقع الرجوع أمام المدعي العام بعد أقوال أُخذت لدى الضابطة العدلية، أو أمام المحكمة بعد اعتراف في التحقيق الابتدائي، أو في جلسة لاحقة بعد اعتراف قضائي سابق.
والرجوع ليس صورة واحدة؛ فقد يكون:
- رجوعاً كلياً صريحاً: كأن ينكر المتهم ارتكاب الجريمة بعد أن سبق له الاعتراف بها.
- رجوعاً جزئياً: بأن يقر بالفعل وينفي القصد الجرمي، أو يقر بالحضور وينفي المشاركة، أو يصحح مقداراً أو زماناً أو دوراً ورد في أقواله السابقة.
- تفسيراً أو تقييداً للاعتراف: بأن يوضح أن عبارته فُهمت على غير مرادها أو أنها تعلقت بواقعة غير الواقعة المسندة إليه.
- ادعاءً ببطلان الاعتراف: بسبب الإكراه أو التهديد أو الإيذاء أو الوعد أو الخداع المؤثر أو الحرمان من الضمانات القانونية.
- ادعاءً بعدم مطابقة الاعتراف للحقيقة: كأن يبين المتهم أنه اعترف لحماية قريب، أو نتيجة تلقين، أو بسبب اضطراب نفسي أو ذهني، أو تحت تأثير خوف شديد.
وقد أفرد الدكتور أحمد الحجي الكردي في دراسته «رجوع المتهم عن الإقرار الصادر عنه» صوراً متعددة للرجوع في التأصيل الفقهي، منها الرجوع بصريح القول أو الفعل، والاستثناء بعد الإقرار، والبيان بعد الإجمال، والإضراب، وإنكار الإقرار أو الادعاء بوقوع الخطأ فيه.
وتفيد هذه الصور في فهم طبيعة السلوك اللاحق للمقر، مع ضرورة التنبه إلى أن الحكم الإجرائي في الدعوى الجزائية الأردنية يستمد مباشرة من الدستور وقانون أصول المحاكمات الجزائية والاجتهاد القضائي، لا من أحكام الإقرار في المنازعات المالية أو الفقهية.
ثانياً: الأساس الدستوري والقانوني لحجية الاعتراف
1- الحماية الدستورية من الاعتراف القسري
قررت المادة 8/2 من الدستور الأردني وجوب معاملة كل من يُقبض عليه أو يوقف أو يحبس بما يحفظ كرامة الإنسان، وحظرت تعذيبه أو إيذاءه بدنياً أو معنوياً، ونصت صراحة على عدم الاعتداد بكل قول يصدر تحت وطأة التعذيب أو الإيذاء أو التهديد.
وهذا النص لا يضعف القيمة الإثباتية للاعتراف القسري فحسب، بل يستبعده من دائرة الأدلة التي يجوز التعويل عليها.
فالدليل الناتج عن مساس جوهري بحرية الإرادة لا يكتسب المشروعية لمجرد تدوينه أو توقيعه، ولا يصححه تكراره ما دام أثر الإكراه قائماً.
ويتفق ذلك مع المادة 14/3/ز من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحمي المتهم من إكراهه على الشهادة ضد نفسه أو الاعتراف بالذنب، ومع المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تمنع الاحتجاج بأي قول ثبت أنه انتزع بالتعذيب، إلا لإثبات صدور ذلك القول في مواجهة من يُتهم بممارسة التعذيب.
2- قرينة البراءة وحرية القاضي في الاقتناع
تنص المادة 147 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قطعي، وأن البينة في الجنايات والجنح والمخالفات تقام بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية، مع وجوب التقيد بطريقة الإثبات التي يحددها القانون، والحكم بالبراءة إذا لم تقم البينة على الواقعة.
ولا تعني القناعة الشخصية حرية بلا ضوابط؛ فهي قناعة قضائية يجب أن تُبنى على بينات قانونية طُرحت في المحاكمة وخضعت للمناقشة، وأن تؤدي منطقياً إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
ولذلك لا يكفي أن تقول المحكمة إنها اطمأنت إلى الاعتراف، بل ينبغي أن يظهر من أسباب الحكم لماذا عدّته طوعياً وصادقاً، ولماذا لم تأخذ بأسباب الرجوع عنه إذا كانت أسباباً جدية ومسنَدة.
وتؤكد المادة 148/1 أنه لا يجوز للقاضي أن يعتمد إلا البينات التي قدمت أثناء المحاكمة وتناقش فيها الخصوم بصورة علنية.
3- الاعتراف الصادر في غير حضور المدعي العام
نظمت المادة 159 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الاعتراف الذي يؤديه المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه في غير حضور المدعي العام، فاشترطت لقبوله أمرين متلازمين:
- أن تقدم النيابة العامة بينة على الظروف التي أُديت فيها الإفادة.
- أن تقتنع المحكمة بأن الإفادة أُديت طوعاً واختياراً.
وبذلك لا يكفي إبراز محضر الشرطة أو القول إن المتهم وقّعه؛ إذ يقع على النيابة العامة عبء تقديم الدليل على ظروف الحصول عليه، وتبقى للمحكمة سلطة التحقق من حقيقة الإرادة لا من الشكل وحده.
ويكتسب هذا الفحص أهمية أكبر عندما يرجع المتهم عن الاعتراف ويدعي أنه انتزع منه بالإكراه أو التهديد أو الضغط النفسي.
4- الإفادة أمام المدعي العام وضمانات المادة 63
ألزمت المادة 63 المدعي العام، عند مثول المشتكى عليه أمامه، بأن يتثبت من هويته، ويتلو عليه التهمة، وينبهه إلى حقه في عدم الإجابة إلا بحضور محام، وأن يثبت هذا التنبيه في محضر التحقيق.
وإذا أدلى المشتكى عليه بإفادة، دوّنها الكاتب وتُليت عليه ووقّعها أو بصم عليها، وصدق عليها المدعي العام والكاتب.
ورتبت الفقرة الرابعة البطلان على عدم التقيد بأحكام الفقرات المتعلقة بهذه الضمانات.
وعليه، فإن قوة الاعتراف أمام المدعي العام لا تعفي المحكمة من التحقق من سلامة الإجراء وحرية الإرادة.
فإذا ثبت إغفال تنبيه جوهري أو مخالفة توجب البطلان، فلا يجوز إنقاذ الإفادة بالقول إن المتهم لم يرجع عنها فوراً.
كما أن صدور الإفادة أمام جهة قضائية لا يجعل الإكراه مستحيلاً؛ فقد يمتد أثر ضغط سابق إلى لحظة الاستجواب اللاحق، وهي مسألة موضوعية تُستخلص من الوقائع والبينات.
5- الاعتراف أمام المحكمة
نظمت المادتان 172 و216 الاعتراف أمام المحكمة.
فإذا اعترف الظنين أو المتهم بالتهمة، وجب تسجيل اعترافه بكلمات أقرب ما تكون إلى الألفاظ التي استعملها، ويجوز للمحكمة أن تدينه وتحكم عليه بالعقوبة، ما لم ترَ أسباباً تقضي بخلاف ذلك.
ويستفاد من ذلك أن الاعتراف القضائي لا يُؤخذ بصورة آلية؛ فحتى عند صدوره أمام المحكمة تظل لها سلطة التثبت من وضوحه وصحته ومطابقته للواقعة.
وفي الجناية المعاقب عليها بالإعدام، توجب المادة 216/4 على المحكمة الاستماع إلى شهود الإثبات ولو اعترف المتهم، وهو ضمان تشريعي يتناسب مع جسامة العقوبة وعدم إمكان تداركها بعد التنفيذ.
ثالثاً: هل يملك المتهم الرجوع عن اعترافه؟
نعم. يملك المتهم أن يرجع عن اعترافه وأن يبين أسباب رجوعه في أي مرحلة تسمح فيها إجراءات المحاكمة بعرض دفاعه ومناقشة الدليل.
فليس الاعتراف عقداً مدنياً يلزمه نهائياً، ولا يجوز تحويله إلى تنازل عن قرينة البراءة أو عن الحق في الدفاع.
لكن الرجوع لا يؤدي بذاته إلى محو الاعتراف السابق من ملف الدعوى.
فالمحكمة لا تختار بين الاعتراف والإنكار على أساس الأسبق أو الأحدث زمنياً فقط، وإنما تفحص القيمة الإثباتية لكل منهما.
وقد يكون الاعتراف السابق أقرب إلى الحقيقة لأنه صدر عفوياً وتضمن تفاصيل لا يعرفها إلا الفاعل، وقد يكون الرجوع هو الأقرب إلى الحقيقة لأنه جاء بعد زوال ضغط غير مشروع وكشفته الأدلة الطبية أو الفنية أو تناقضات محضر التحقيق.
ومن ثم فإن القول الصحيح ليس إن «الاعتراف لا يجوز الرجوع عنه»، ولا إن «الرجوع يبطل الاعتراف حكماً»، بل إن الاعتراف والرجوع عنه عنصران يخضعان للتقدير القضائي المسبب، مع الالتزام الصارم بقواعد المشروعية وعبء الإثبات وقرينة البراءة.
رابعاً: أثر الرجوع بحسب الجهة التي صدر أمامها الاعتراف
| موضع الاعتراف | القاعدة القانونية | أثر الرجوع عنه |
| أمام المحكمة | يجب أن يكون واضحاً وصريحاً وأن يُسجل بألفاظ قريبة من كلام المتهم | لا يُمحى تلقائياً، لكن على المحكمة وزن الرجوع وأسبابه، ولها سماع البينات إذا لم تقتنع بالاعتراف |
| أمام المدعي العام | يخضع لضمانات المادة 63، ويترتب البطلان على مخالفة الضمانات المنصوص عليها فيها | لا يكفي الرجوع وحده للاستبعاد، لكن ثبوت البطلان أو الإكراه أو امتداد أثره يوجب طرح الإفادة |
| لدى الشرطة أو أي جهة في غير حضور المدعي العام | المادة 159 تلزم النيابة بإثبات ظروف الإفادة وإقناع المحكمة بأنها صدرت طوعاً واختياراً | الرجوع يوجب تدقيقاً أشد في ظروف الاستجواب؛ ولا تُقبل الإفادة إذا عجزت النيابة عن إثبات طوعيتها |
| أقوال متهم ضد متهم آخر | المادة 148/2 تشترط قرينة أخرى مؤيدة وتكفل حق المناقشة | لا تكفي الأقوال وحدها أصلاً؛ والرجوع عنها يؤثر في وزنها ويستوجب فحص القرينة المؤيدة بصورة مستقلة |
خامساً: معايير تقدير الاعتراف بعد الرجوع عنه
لا ينبغي أن يكون تقدير المحكمة حدساً أو انطباعاً عاماً.
ويمكن ضبطه من خلال مجموعة مترابطة من المعايير:
1- مشروعية الإجراء
تتحقق المحكمة من زمان القبض ومكانه، ومدة الاحتفاظ بالمشتكى عليه، وهوية من استمع إلى أقواله، وتوثيق المحضر، وتلاوة الإفادة عليه، وتوقيعه عليها، وتمكينه من الضمانات المقررة قانوناً، فالإجراء غير المشروع قد يكون قرينة على أن الاعتراف لم يصدر في بيئة حرة.
2- الطواعية وحرية الإرادة
الإكراه ليس مقصوراً على الضرب؛ فقد يكون تهديداً، أو إيذاءً نفسياً، أو إرهاقاً متعمداً، أو حرماناً من حاجات أساسية، أو ضغطاً على أسرة المتهم، أو وعداً مؤثراً بالخلاص من التوقيف أو تخفيف المسؤولية، والعبرة بما إذا كان المؤثر قد سلب الإرادة أو أضعفها على نحو أفسد حرية الاختيار.
3- وضوح الاعتراف وصراحته
الاعتراف الذي يصلح أساساً للإدانة يجب أن يكون واضحاً لا لبس فيه، أما العبارات الاحتمالية أو المجاملة لفرض المحقق أو الإقرار بوقائع محايدة فلا يجوز تحويلها إلى اعتراف كامل، وقد أكدت محكمة التمييز في قرارها رقم 3334/2018 أن الاعتراف القضائي المعتد به هو الاعتراف الواضح والصريح الذي لا لبس ولا غموض فيه.
4- التوافق الداخلي
يُفحص تسلسل الرواية، وثبات عناصرها الجوهرية، واتساق الأزمنة والأماكن والأدوار، ولا يعني كل اختلاف جزئي كذب الاعتراف، لكن التناقض في لب الواقعة أو في كيفية ارتكابها يضعف الثقة به.
5- التساند الخارجي
تزداد موثوقية الاعتراف إذا أيدته أدلة مستقلة، مثل العثور على الأداة أو المال في مكان دل عليه المتهم، أو تطابق وصفه مع تقرير فني لم يكن مضمونه معلناً، أو توافقه مع التسجيلات والآثار المادية، وفي المقابل، إذا ناقض الاعتراف تقرير الطب الشرعي أو البصمات أو البيانات الرقمية أو زمن الوفاة أو مكان وقوع الفعل، فلا يجوز تقديم العبارة الاعترافية على حقيقة علمية ثابتة من دون تفسير مقنع.
6- التفاصيل غير المتاحة للعامة
من أقوى مؤشرات الصدق أن يتضمن الاعتراف تفاصيل صحيحة لا يعرفها عادة إلا مرتكب الجريمة أو من عاينها، ومع ذلك يجب التأكد من أن تلك التفاصيل لم تصل إلى المتهم بالتلقين أو من أسئلة المحقق أو من مخالطته لمتهمين أو شهود آخرين.
7- تسجيل الاستجواب ومسار انتقال المعلومة
كلما كان الاستجواب موثقاً بالصوت والصورة، أمكن للمحكمة التحقق من طريقة طرح الأسئلة، ونبرة التهديد أو الوعد، والتلقين، والفواصل الزمنية، وحالة المتهم، أما المحضر المكتوب الذي يعرض خلاصة نهائية فقط، فقد لا يكشف كيفية نشوء الاعتراف أو مقدار ما أُدخل في صياغته من عبارات المحقق.
8- توقيت الرجوع وأسبابه
الرجوع الفوري أمام المدعي العام أو في أول مثول قضائي قد يختلف في دلالته عن رجوع متأخر بعد الاطلاع على كامل البينات، لكنه لا يحسم النتيجة وحده، فالتأخر قد يكون سببه استمرار الخوف، أو عدم وجود محام، أو عدم إدراك المتهم لقيمة اعتراضه، وفي المقابل قد يكون الرجوع المتأخر مجرد محاولة للتخلص من اعتراف صحيح. لذلك يجب فحص السبب لا الاكتفاء بحساب الزمن.
9- الحالة الشخصية والعقلية للمتهم
يراعى سن المتهم، ومستواه التعليمي، وقدرته على القراءة، ولغته، وحالته النفسية والعقلية، وتأثير الأدوية أو المواد المسكرة أو الانقطاع عنها، وقابليته للإيحاء، فصياغة قانونية معقدة منسوبة إلى شخص محدود المعرفة قد تثير سؤالاً جدياً حول صاحب العبارات الحقيقي.
سادساً: موقف محكمة التمييز الأردنية
1- الحكم رقم 14 لسنة 1955 – تمييز جزاء
قرر الحكم الصادر بتاريخ 13/3/1955 أن رجوع المتهم عن اعترافه الوارد في إفادته الفورية لا يؤثر في الوقائع التي اعترف بها، ما دام لم يرد في القضية ما يشير إلى أن الإفادة لم تؤدَّ بطوعه واختياره.
وتكمن أهمية هذا المبدأ في أن الرجوع اللاحق ليس دليلاً قاطعاً على بطلان الاعتراف السابق، إلا أن تطبيقه مشروط بثبوت الطواعية؛ فإذا ظهرت قرائن على الإكراه أو الإيذاء أو مخالفة الإجراءات أو عدم مطابقة الاعتراف للواقع، زال الأساس الذي يقوم عليه الأخذ به.
2- الحكم رقم 14 لسنة 1985 – تمييز جزاء
أكدت محكمة التمييز أن رجوع المتهمة عن اعترافها لا يُلزم محكمة الجنايات بالأخذ بإنكارها اللاحق، وأن لمحكمة الموضوع أن تأخذ بالبينة التي يطمئن إليها وجدانها متى كانت ثابتة في الدعوى ومؤدية إلى النتيجة، وفي تلك القضية لم يكن الاعتراف معزولاً؛ فقد تساند مع ضبط المسدس المستخدم ومع قول متهم آخر وجد ما يؤيده.
ويكشف الحكم عن مبدأين مهمين: أولهما أن وزن الاعتراف والرجوع عنه من مسائل الموضوع، وثانيهما أن التساند مع دليل مادي أو قرينة مستقلة يمنح الاعتراف قوة أكبر، ومع ذلك لا تعني السلطة التقديرية إغفال دليل فني جوهري؛ بل يجب مناقشته وبيان أثره في النتيجة.
3- الحكم رقم 120 لسنة 1993 – تمييز جزاء
استقر الاجتهاد على أن الاعتراف غير القضائي قد يصلح بينة رغم العدول عنه أمام المدعي العام وإنكاره أمام المحكمة، إذا توافرت شروط المادة 159 واقتنعت المحكمة بصحته وطواعيته، أما إذا قامت قرائن على أنه انتزع بالإكراه أو التعذيب، وجب طرحه.
4- الحكم رقم 746 لسنة 1997 – تمييز جزاء
طرح الاجتهاد اعترافاً شرطياً عندما كشفت ظروف الاحتجاز وشكوى المتهم من التعذيب، إلى جانب تناقض الاعتراف مع شهادة المشتكي والكشف على موقع الجريمة، أنه لم يصدر عن إرادة حرة ولم يطابق الحقيقة، ويؤكد ذلك أن الطواعية والصدق شرطان مستقلان: فقد تكون الإفادة طوعية لكنها غير صحيحة، أو تكون مطابقة لبعض الوقائع لكنها منتزعة بطريق غير مشروع، وفي الحالتين لا يصح بناء الإدانة عليها بالصورة ذاتها.
سابعاً: هل يجوز إدانة المتهم باعتراف رجع عنه؟
يجوز من حيث الأصل أن تأخذ المحكمة باعتراف رجع عنه صاحبه، إذا ثبتت قانونيته وطواعيته واطمأنت إلى صدقه، وواجهت دفاع المتهم بشأن الرجوع بأسباب واضحة وسائغة، غير أن ذلك يختلف بحسب نوع الاعتراف:
- الاعتراف القضائي: قد تكتفي به المحكمة إذا كان صريحاً وصحيحاً، ما لم ترَ أسباباً تقتضي سماع البينات، مع مراعاة الحالات التي يوجب فيها القانون سماع شهود الإثبات.
- الاعتراف غير القضائي: لا يقبل إلا ضمن شروط المادة 159 عندما يكون صادراً في غير حضور المدعي العام.
- قول متهم على متهم آخر: لا يكفي وحده، بل يجب أن تؤيده قرينة أخرى وفق المادة 148/2.
ومهما كان نوع الاعتراف، لا يجوز أن تتحول عبارة «قناعة محكمة الموضوع» إلى بديل عن التسبيب.
فإذا أثار الدفاع واقعة محددة، كتقرير طبي يثبت الإصابة، أو تناقضاً مادياً مع مسرح الجريمة، أو مخالفة لضمانات الاستجواب، وجب على المحكمة مناقشتها والرد عليها رداً يتناسب مع جوهريتها.
ثامناً: عبء إثبات الإكراه والطواعية
في الاعتراف الصادر في غير حضور المدعي العام، جاء نص المادة 159 واضحاً في إلزام النيابة العامة بتقديم بينة على الظروف التي أُديت فيها الإفادة، وفي اشتراط اقتناع المحكمة بأنها صدرت طوعاً واختياراً.
لذلك لا يجوز قلب القاعدة ومطالبة المتهم وحده بإثبات واقعة الإكراه، مع إعفاء النيابة من إثبات شروط القبول.
أما ادعاء الإكراه فينبغي للدفاع أن يطرحه بأكبر قدر من التحديد: مكان وقوعه، وزمانه، والأشخاص الحاضرون، وطبيعته، وآثاره، وتوقيت الشكوى منه.
وتدعم هذا الادعاء التقارير الطبية، وقيود الإدخال والإخراج، وسجلات التوقيف، وكاميرات المركز، وشهادة من شاهد الحالة البدنية أو النفسية، والتفاوت بين وقت القبض ووقت تنظيم المحضر، وأي طلب سابق للفحص الطبي أو مقابلة محامي جنايات.
ولا يترتب على غياب الإصابة الظاهرة وحده نفي الإكراه؛ لأن الضغط قد يكون نفسياً أو قد يترك أثراً لا يبقى حتى موعد الفحص.
وفي المقابل، لا يكفي الادعاء المجرد تلقائياً لطرح الاعتراف إذا أثبتت النيابة ظروفاً سليمة ووجدت المحكمة أدلة مستقلة تؤكد صحة مضمونه.
الحسم يكون بتحقيق جدي ومسبب لا بافتراض مسبق لمصلحة أي رواية.
تاسعاً: كيف يُبنى الدفع القانوني عند الرجوع عن الاعتراف؟
الدفاع الفعال لا يكتفي بعبارة «أنكر موكلي اعترافه»، بل يبني مساراً إثباتياً متكاملاً:
- تحديد النص الواجب التطبيق بحسب الجهة التي أخذت الإفادة: المادة 63 أو المادة 159 أو أحكام الاعتراف أمام المحكمة.
- إعداد خط زمني دقيق يبدأ من لحظة القبض وينتهي عند أول عرض على المدعي العام أو المحكمة.
- طلب إبراز سجلات التوقيف والمناوبات والتنقل وكاميرات المراقبة والتسجيلات المتاحة.
- مناقشة من نظم الإفادة حول مدة الاستجواب، ومن حضره، والأسئلة التي طرحت، وطريقة تدوين الأجوبة، ووقت التوقيع.
- التحقق من أن الإفادة تليت على المتهم فعلاً وأن التوقيع أو البصمة يعودان إليه، وأن الامتناع عن التوقيع – إن وقع – سُجل وفق الأصول.
- مقارنة كل تفصيل في الاعتراف بالدليل العلمي والمادي: تقارير المختبر، والطب الشرعي، والآثار، والاتصالات، والموقع الجغرافي، والتسجيلات.
- تحديد مصدر كل معلومة وردت في الاعتراف: هل كانت معلومة لا يعرفها إلا الفاعل، أم معلومة سبق أن ذكرها المحقق في سؤاله؟
- بيان سبب الرجوع بصورة منطقية ومبكرة كلما أمكن، وعدم تركه بصيغة عامة قابلة للتأويل.
- التمسك بأن الشك المعقول الناتج عن اعتراف متناقض أو غير مؤيد يعود لمصلحة المتهم تطبيقاً لقرينة البراءة.
خاتمة
رجوع المتهم عن اعترافه ليس مسألة شكلية تُحسم بأسبقية القول أو حداثته، بل هو اختبار حقيقي لجودة الدليل الجزائي.
فالاعتراف الصحيح هو الذي اجتمعت فيه المشروعية والطواعية والوضوح والصدق، وظل قادراً على الصمود عند مقارنته بالدليل العلمي والمادي.
أما الاعتراف الذي لا يعيش إلا داخل محضره، ويتهاوى أمام زمن الواقعة أو آثارها أو ضمانات الاستجواب، فلا يجوز أن يصبح طريقاً مختصراً إلى الإدانة.
وقد رسخ القضاء الأردني أن الرجوع لا يُلزم المحكمة بطرح الاعتراف متى اطمأنت إلى صدوره طوعاً واختياراً وتسانده مع البينات، لكنه رسخ في المقابل أن الاعتراف المنتزع بالإكراه أو المناقض للحقيقة لا يصلح أساساً للحكم.
وبين هذين المبدأين تقع مسؤولية محكمة الموضوع في فحص الدليل وتسبيب قرارها، ومسؤولية الدفاع في تحويل ادعاء الرجوع من قول عام إلى بناء إثباتي دقيق.
إن التعامل المهني مع قضايا الاعتراف يبدأ من قراءة محضر القبض والتحقيق كلمةً كلمة، ومقارنة كل تفصيل بالدليل الفني، وتتبع مصدر المعلومات الواردة في الإفادة، ثم عرض أسباب الرجوع في سياق زمني وقانوني واضح.
وهذه هي المنهجية التي يتبعها مكتب العبادي للمحاماة في دراسة القضايا الجزائية وإعداد الدفاع أمام المحاكم الأردنية.
المراجع القانونية والعلمية
- الدستور الأردني، المادة 8/2.
- قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961 وتعديلاته، ولا سيما المواد 63 و147 و148 و159 و172 و215 و216.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 14/3/ز.
- اتفاقية مناهضة التعذيب، المادة 15.
- تمييز جزاء رقم 14 لسنة 1955، الصادر بتاريخ 13/3/1955.
- تمييز جزاء رقم 14 لسنة 1985.
- تمييز جزاء رقم 120 لسنة 1993.
- تمييز جزاء رقم 746 لسنة 1997.
- تمييز جزاء رقم 3334 لسنة 2018.
- أحمد الحجي الكردي، «رجوع المتهم عن الإقرار الصادر عنه»، مجلة التراث العربي، المجلد 3، العددان 11 و12، 1983، ص 112-128.
تنبيه: هذه المقالة دراسة قانونية عامة، ولا تغني عن فحص ملف الدعوى ومحاضر القبض والتحقيق والتقارير الفنية في كل قضية على حدة.
مكتب العبادي للمحاماة
موقع المكتب: الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.
هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604 ، 064922183
الأسئلة الشائعة حول الاعتراف والرجوع عنه في القانون الجزائي
هل رجوع المتهم عن اعترافه يؤدي إلى البراءة تلقائياً؟
لا. الرجوع يفتح باب فحص الاعتراف ولا يمحوه تلقائياً. وقد تأخذ المحكمة بالاعتراف السابق إذا ثبتت طواعيته وصحته، كما قد تطرحه إذا ثبت الإكراه أو البطلان أو عدم مطابقته للأدلة.
هل الاعتراف أمام الشرطة حجة نهائية؟
لا. الاعتراف الصادر في غير حضور المدعي العام يخضع للمادة 159، وعلى النيابة إثبات ظروف صدوره، وعلى المحكمة أن تقتنع بأنه أُدي طوعاً واختياراً.
هل الاعتراف أمام المدعي العام لا يمكن الطعن فيه؟
يمكن الطعن في سلامته الإجرائية وفي حرية صدوره وفي مطابقته للحقيقة.
وتوجب المادة 63 ضمانات محددة، ورتبت البطلان على عدم التقيد بالأحكام التي أحالت إليها صراحة.
هل يكفي قول متهم على متهم آخر للحكم عليه؟
لا يكفي وحده. تشترط المادة 148/2 وجود قرينة أخرى تؤيده، كما تكفل للمتهم الآخر أو وكيله حق مناقشة قائل الأقوال.
ما أثر التأخر في الرجوع عن الاعتراف؟
التأخر عامل تقدره المحكمة، لكنه ليس دليلاً حاسماً على كذب الرجوع. يجب بحث سبب التأخر، وما إذا كان الخوف أو الضغط أو غياب المشورة القانونية قد استمر، ومقارنة الروايتين بالأدلة الموضوعية.
هل كل تناقض في الاعتراف يؤدي إلى طرحه؟
ليس كل اختلاف شكلي أو جزئي مؤثراً، لكن التناقض الذي يمس جوهر الواقعة أو يناقض دليلاً علمياً ثابتاً قد يهدم الثقة بالاعتراف أو يمنع الاعتماد عليه وحده.