10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية الحديثة | كيف أثبت براءتي

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية الحديثة | كيف أثبت براءتي

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية الحديثة وأثره في تكوين القناعة القضائية

 

كيف أثبت براءتي؟

 

مقدمة

لم تعد الحقيقة في الدعوى الجزائية تُستخلص حصراً من اعتراف المتهم أو شهادة الشهود أو محاضر الضبط، بل أصبحت الوسائل العلمية الحديثة شريكاً أساسياً في كشف الجريمة، وتحديد مرتكبها، ونفي الاتهام عمن لا صلة له بها.

فقد تكشف البصمة الوراثية هوية الفاعل، وتحدد البصمات من لامس أداة الجريمة، وتبين تحاليل السموم سبب الوفاة، وتكشف بيانات الهاتف مكان وجود صاحبه، وقد تثبت كاميرات المراقبة أن المتهم كان في مكان آخر وقت وقوع الجريمة.

ومع ذلك، فإن مجرد وصف دليل ما بأنه «دليل علمي» لا يجعله صحيحاً بصورة مطلقة، ولا يمنحه حصانة من المناقشة والطعن.

فالعلم الذي ينتج الدليل قد يكون دقيقاً، لكن النتيجة القضائية قد تتأثر بخطأ أخذ العينة، أو تلوثها، أو سوء حفظها، أو اختلاطها بعينة أخرى، أو استعمال وسيلة فحص غير مناسبة، أو تفسير النتيجة على نحو يتجاوز حدودها العلمية.

 

 

ومن هنا تظهر أهمية السؤال الذي يشغل كل من وُجه إليه اتهام جزائي:

 

كيف أثبت براءتي؟

 

والإجابة القانونية الدقيقة هي أن المتهم لا يُكلف، من حيث الأصل، بإثبات براءته؛ لأن البراءة مفترضة فيه، ولأن عبء إثبات الجريمة ونسبتها إليه يقع على سلطة الاتهام.

غير أن الواقع العملي يفرض على الدفاع ألا يكتفي بإنكار التهمة، بل أن يعمل بصورة إيجابية على كشف مواطن الضعف في أدلة النيابة العامة، والمحافظة على الأدلة النافية، وطلب الخبرات اللازمة، وتقديم تفسير علمي بديل للوقائع.

فإثبات البراءة في القضايا الحديثة لا يعني دائماً العثور على دليل واحد قاطع، بل قد يتحقق من خلال هدم سلسلة الإثبات التي أقام عليها الادعاء اتهامه، أو إثبات أن إحدى حلقاتها غير صحيحة، أو أن الدليل العلمي لا يخص المتهم، أو أنه جُمع بطريقة غير مشروعة، أو أن نتيجته لا تؤدي علمياً إلى الاستنتاج الذي انتهت إليه جهة الاتهام.

وتستند هذه الدراسة إلى الفقه العام لنظرية الإثبات، وإلى المراجع المتخصصة في الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية، والخبرة والقرائن، والشهادة، والمحررات والأدلة الإلكترونية.

وقد وصف الفقه نظرية الإثبات بأنها من أكثر النظريات القانونية شمولاً وخطورة؛ لأن الحقوق والوقائع الجرمية لا تنتج أثرها أمام القضاء ما لم يقم عليها دليل، فالحق المجرد من الدليل يظل عاجزاً عن الحماية القضائية.

 

 

المبحث الأول: ماهية الإثبات الجنائي وخصوصيته

 

أولاً: مفهوم الإثبات الجنائي

 

الإثبات، في معناه العام، هو إقامة الدليل أمام القضاء على وجود واقعة قانونية منتجة لأثر، بقصد الوصول إلى الحقيقة التي يبني القاضي عليها حكمه.

أما الإثبات الجنائي، فهو النشاط الإجرائي والعلمي الذي يستهدف التحقق من وقوع الجريمة، وتحديد عناصرها، ونسبتها إلى شخص معين، أو نفي هذه النسبة عنه.

 

ولا يقتصر الإثبات الجنائي على إقامة الدليل على وقوع الفعل المادي، بل يجب أن يشمل، بحسب طبيعة الجريمة:

  • وقوع السلوك المجرّم.
  • تحقق النتيجة الجرمية عند اشتراطها.
  • قيام العلاقة السببية.
  • نسبة الفعل إلى المتهم.
  • انتفاء أسباب الإباحة وموانع المسؤولية عند الاقتضاء.

وقد بينت موسوعة نظرية الإثبات أن الهدف الخاص من الإثبات الجزائي هو إثبات الجريمة ونسبتها إلى المتهم، بخلاف الإثبات في القضايا المدنية الذي ينصرف غالباً إلى إثبات حق أو التزام بين الخصوم.

كما أشارت إلى إمكان استعانة القاضي الجزائي بالوسائل النفسية والكيميائية والفنية، وبالتسجيل الصوتي وبصمات الأصابع وتحليل الدم والتصوير، للوصول إلى الحقيقة الواقعية.

 

 

ثانياً: الفرق بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية

 

الجريمة تقع في زمن مضى، ولا يستطيع القاضي، في الغالب، أن يشاهدها بنفسه.

 

ولذلك تُعاد الواقعة أمامه من خلال آثارها:

  • شهادة من شاهدها.
  • جسم الجريمة وأدواتها.
  • البصمات والآثار الحيوية.
  • الصور والتسجيلات.
  • التقارير الطبية والفنية.
  • البيانات الرقمية.
  • تصرفات المتهم السابقة واللاحقة.
  • القرائن المستخلصة من ظروف الحادث.

 

وقد تتطابق الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية، وقد تختلف عنها إذا كانت الأدلة ناقصة، أو جُمعت بصورة خاطئة، أو قُدّمت للمحكمة بصورة مجتزأة، أو فُسرت على غير مدلولها الصحيح.

ولهذا لا يكفي أن تكون وسيلة الإثبات علمية من الناحية النظرية، بل يجب أن تكون النتيجة المعروضة في الدعوى قد تولدت عن تطبيق علمي صحيح على عينة صحيحة، وبواسطة شخص مختص، وبإجراءات سليمة يمكن مراجعتها والتحقق منها.

 

 

ثالثاً: الإثبات القانوني والإثبات العلمي

 

يفترق الإثبات العلمي عن الإثبات القانوني من عدة أوجه.

فالعالم أو الخبير يبحث في مسألة فنية باستخدام المنهج التجريبي، ويصل إلى نتيجة قابلة للمراجعة والاختبار.

أما القاضي، فيبحث في مجموع الوقائع والأدلة ليقرر ما إذا كانت الجريمة ثابتة قانوناً وما إذا كانت منسوبة إلى المتهم.

وقد تصل الخبرة العلمية إلى نتيجة احتمالية، بينما يكون على المحكمة أن تقرر مصير إنسان بالبراءة أو الإدانة.

 

ولذلك لا يجوز الخلط بين قول الخبير:

«توجد آثار تتفق مع العينة المرجعية».

 

وبين القول:

«إن المتهم هو مرتكب الجريمة».

فالنتيجة الأولى فنية، أما الثانية فاستنتاج قضائي يدخل في صميم عمل المحكمة.

وتشير المراجع إلى أن الوسائل العلمية قد تنتج قرائن قوية، وقد تبلغ في بعض الظروف درجة عالية من القطع، لكنها تظل جزءاً من البناء الإثباتي الذي يخضع للتقدير والمناقشة.

 

 

المبحث الثاني: قرينة البراءة وعبء إثبات الاتهام

 

أولاً: المتهم بريء حتى تثبت إدانته

 

الأصل أن الإنسان بريء، وأن الاتهام مجرد ادعاء لا ينقلب إلى حقيقة إلا بدليل قانوني كافٍ.

 

ويترتب على قرينة البراءة عدة نتائج:

  • لا يُطلب من المتهم إثبات أنه لم يرتكب الجريمة.
  • تتحمل النيابة العامة عبء إثبات جميع عناصر الجريمة.
  • لا يجوز تفسير صمت المتهم وحده باعتباره دليلاً على الإدانة.
  • يجب أن يفسر الشك المعقول لمصلحة المتهم.
  • لا تكفي الشبهة أو الاحتمالات المجردة للحكم بالإدانة.
  • يجب أن يكون الدليل الذي بُني عليه الحكم مشروعاً ومطروحاً للمناقشة.

 

لكن قولنا إن المتهم غير مكلف بإثبات براءته لا يعني أن يقف الدفاع موقفاً سلبياً؛ فقد يكون لدى المتهم وحده دليل يستطيع حسم النزاع، كبيانات موقع هاتفه، أو سجل دخوله إلى مكان عمله، أو تسجيل كاميرا خاصة، أو شاهد ينفي وجوده في مكان الجريمة.

فعبء الإثبات القانوني يقع على النيابة العامة، لكن العبء العملي للمحافظة على دليل البراءة قد يقع على المتهم ودفاعه؛ لأن بعض الأدلة الرقمية تمحى تلقائياً، وبعض التسجيلات لا تُحفظ إلا أياماً محدودة، وبعض العينات البيولوجية تتلف بمرور الزمن.

 

 

ثانياً: ما المقصود بإثبات البراءة؟

 

لا يشترط للحكم بالبراءة أن يثبت المتهم بصورة قاطعة أن شخصاً آخر ارتكب الجريمة.

 

فقد تتحقق البراءة بأحد المسارات التالية:

 

1. نفي وقوع الجريمة

كما لو أثبت التقرير الطبي عدم وجود الإصابة المدعاة، أو كشفت الخبرة أن المستند محل الاتهام صحيح وغير مزور.

 

2. نفي نسبة الجريمة إلى المتهم

مثل أن تظهر البصمة الوراثية لشخص آخر، أو تثبت بيانات الموقع أن المتهم كان بعيداً عن مسرح الجريمة.

 

3. إسقاط أحد أركان الجريمة

كإثبات عدم توافر القصد الجرمي، أو أن الفعل وقع بطريق الخطأ، أو أن النتيجة لم تكن متوقعة.

 

4. إثبات سبب من أسباب الإباحة

مثل الدفاع الشرعي، أو تنفيذ القانون، أو ممارسة حق مشروع.

 

5. إبطال الدليل

إذا ثبت أن التفتيش غير مشروع، أو أن العينة أخذت خلافاً للقانون، أو أن التسجيل عُدّل، أو أن سلسلة الحيازة انقطعت.

 

6. خلق شك معقول

قد لا يتمكن الدفاع من إثبات رواية بديلة بصورة كاملة، لكنه يبين أن رواية الاتهام ليست الوحيدة الممكنة، أو أن الدليل يحتمل تفسيرين، أحدهما ينسجم مع البراءة.

 

 

المبحث الثالث: القناعة القضائية وحدود سلطة القاضي في تقدير الدليل العلمي

 

أولاً: مبدأ الاقتناع القضائي

 

يقوم الإثبات الجنائي، في أصله، على حرية القاضي في تكوين قناعته من الأدلة المشروعة المطروحة أمامه. فالقاضي لا يقتصر عادة على دليل معين، ولا يُلزم بإعطاء كل وسيلة قيمة ثابتة سلفاً، وإنما ينظر إلى مجموع الأدلة ومدى توافقها.

إلا أن حرية القاضي لا تعني تحكّمه، ولا تمنحه صلاحية مخالفة الحقائق العلمية الثابتة بلا تعليل.

 

فالقناعة القضائية يجب أن تكون:

  • مبنية على دليل موجود في أوراق الدعوى.
  • مستخلصة استخلاصاً منطقياً.
  • خالية من التناقض.
  • مناقشة لدفاع المتهم الجوهري.
  • قائمة على أسباب تكفي لحمل النتيجة.
  • بعيدة عن الظن المجرد والافتراض.

 

وتتناول موسوعة نظرية الإثبات بصورة مستقلة حق القاضي في تقدير الدليل، والضوابط المفروضة عليه في المواد الجزائية، وحق الخصوم في مناقشة الأدلة وتقديم الدليل العكسي.

 

 

ثانياً: هل تقرير الخبير ملزم للمحكمة؟

 

الأصل أن الخبير يساعد المحكمة في مسألة فنية لا تدخل في معرفتها القانونية المعتادة، لكنه لا يحل محلها.

 

فللخبير أن يقرر مثلاً:

  • أن البصمة متماثلة في نقاط محددة.
  • أن المادة المضبوطة تحتوي مركباً مخدراً.
  • أن الوفاة نتجت عن إصابة معينة.
  • أن الصوتين يرجح صدورهما عن شخص واحد.
  • أن الملف الرقمي تعرض لتعديل.
  • أن العينة تحمل صفات وراثية متوافقة مع شخص معين.
  • لكن تحديد المسؤولية الجزائية وتكييف الفعل ووزن الدليل من أعمال المحكمة.

 

وللمحكمة أن تأخذ بتقرير الخبرة كله أو بعضه، وأن تطرحه إذا وجدت أسباباً جدية لذلك، غير أن طرح الرأي الفني ينبغي أن يستند إلى أساس مقبول، كوجود تناقض في التقرير، أو قصور في إجراءاته، أو تعارضه مع خبرة أخرى، أو عدم رده على المسألة الفنية المطلوبة.

 

 

ثالثاً: الدليل العلمي بين القوة والاحتمال

 

ليست جميع الأدلة العلمية في مرتبة واحدة.

فهناك أدلة قد تكون شديدة القوة عند استيفاء شروطها، كالبصمة الوراثية المستخرجة من عينة واضحة ومفردة.

وهناك أدلة ذات طبيعة احتمالية، كتحليل الأبراج الخلوية الذي قد يثبت اتصال الهاتف بمنطقة تغطية واسعة، لكنه لا يحدد بالضرورة مكان صاحبه بدقة مترية.

 

كما توجد وسائل تختلف قيمة نتائجها تبعاً لظروفها، مثل:

  • مقارنة الخطوط.
  • التعرف إلى الوجه.
  • تحليل السلوك.
  • تتبع الرائحة بواسطة الكلاب البوليسية.

 

لذلك يجب أن يتجنب الحكم استخدام لغة القطع عندما تكون الأداة العلمية نفسها لا تقدم إلا نتيجة احتمالية.

 

 

 

المبحث الرابع: أهم وسائل الإثبات العلمي الحديثة

 

أولاً: البصمة الوراثية DNA

 

تعد البصمة الوراثية من أبرز تطبيقات العلم في المجال الجنائي، إذ يمكن استخلاص المادة الوراثية من:

  • الدم.
  • اللعاب.
  • السائل المنوي.
  • الشعر المتصل بجذره.
  • الأنسجة.
  • العظام.
  • الأسنان.
  • الخلايا الجلدية المتروكة على الأشياء.

 

وتستخدم البصمة الوراثية في جرائم القتل والاعتداءات الجنسية والخطف والتعرف إلى الجثث المجهولة، كما قد تكون أداة بالغة الأهمية في إثبات البراءة.

 

كيف تثبت البراءة بواسطة DNA؟

 

يمكن ذلك في صور متعددة:

  • عدم تطابق العينة المرفوعة من مسرح الجريمة مع المتهم.
  • ظهور ملف وراثي يعود إلى شخص آخر.
  • وجود خليط وراثي لا يسمح بالجزم بنسبة الأثر إلى المتهم.
  • إثبات انتقال الأثر بصورة غير مباشرة.
  • إثبات تلوث العينة.
  • عدم صلاحية العينة للتحليل.
  • وجود اختلاف بين العينات في مراحل الفحص.
  • عدم توثيق مصدر العينة أو كيفية حفظها.

 

 

هل وجود DNA يكفي للإدانة؟

 

ليس بالضرورة، فوجود أثر وراثي يثبت، في أحسن الأحوال، اتصالاً مادياً بين الشخص والعينة، لكنه لا يحدد وحده:

  • وقت انتقال الأثر.
  • كيفية انتقاله.
  • ما إذا كان انتقاله مباشراً أو غير مباشر.
  • ما إذا كان المتهم قد ارتكب الجريمة.
  • ما إذا كان وجود الأثر مشروعاً بسبب علاقة سابقة بالمكان أو الشيء.

فوجود بصمة وراثية لشخص داخل منزله لا يثير الاستنتاج نفسه الذي يثيره وجودها على أداة قتل مجهولة لا تربطه بها علاقة مشروعة.

 

 

أهم أوجه الطعن:

 

  • عدم ارتداء القائمين على رفع العينة وسائل الوقاية.
  • استعمال أدوات غير معقمة.
  • جمع أكثر من أثر في عبوة واحدة.
  • عدم تجفيف العينات الرطبة.
  • عدم بيان تاريخ وساعة الجمع.
  • غياب أرقام الأختام.
  • فتح العبوة دون توثيق.
  • عدم بيان الأشخاص الذين تسلموها.
  • عدم إجراء الفحص المكرر.
  • الخلط بين تطابق الملف ونسبة ارتكاب الجريمة.

 

 

ثانياً: بصمات الأصابع وراحة اليد

 

تقوم حجية البصمة على الخصائص الدقيقة والخطوط الحلمية التي تميز الأشخاص. ويمكن أن تظهر البصمات على الزجاج، والمعادن، والأوراق، والأسطح المصقولة وغيرها.

 

كيف يستفيد المتهم من البصمات؟

  • يطلب رفع البصمات من الأداة أو المكان.
  • يثبت عدم وجود بصمته في موضع كان يتعين منطقياً أن توجد فيه.
  • يبين وجود بصمة شخص آخر.
  • يناقش صلاحية البصمة الجزئية للمضاهاة.
  • يثبت وجود سبب مشروع لبصمته على الشيء.
  • يناقش تاريخ وضع البصمة، إذ لا تحدد البصمة وحدها وقت لمس السطح.

 

غياب البصمة ليس دائماً دليلاً على البراءة، قد يرتدي الفاعل قفازات، أو يمسح السطح، أو لا يكون السطح قابلاً للاحتفاظ بالبصمة، أو تتلف الآثار بسبب الرطوبة والحرارة وكثرة اللمس، ولذلك يجب ربط غيابها بظروف الواقعة.

 

 

ثالثاً: الدم والآثار الحيوية

 

يستفاد من تحليل الدم في:

  • تحديد فصيلته.
  • استخلاص الحمض النووي.
  • الكشف عن الكحول.
  • الكشف عن الأدوية والمخدرات والسموم.
  • تقدير بعض الجوانب المتعلقة بزمن الإصابة أو الوفاة.
  • مقارنة بقع الدم الموجودة في مسرح الجريمة.

 

وقد أشارت مراجع الإثبات إلى إمكان استعانة المحكمة بالتحليل العلمي للدم وفحص قلامات الأظافر وغيرها من الوسائل لاستنباط القرائن القضائية.

 

ويجوز للدفاع أن يناقش:

  • مصدر الدم.
  • قدم البقعة.
  • إمكان انتقالها عرضياً.
  • طريقة سحب العينة.
  • المادة الحافظة.
  • ظروف التبريد.
  • زمن الفحص.
  • حدود الجهاز المستخدم.

 

 

رابعاً: تحليل المخدرات والسموم

 

التحليل المخبري لا يقتصر على إعطاء نتيجة «إيجابية» أو «سلبية»، بل يجب التمييز بين:

  • الفحص الأولي أو المسحي.
  •  الفحص التأكيدي.
  • قياس التركيز.
  • تفسير النتيجة في ضوء الزمن والجرعة والحالة الصحية.

 

وقد خصص المرجع المرسل حول الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية فصلاً لاستخدام وسائل التحليل المختبري، متناولاً مفهومه وأساسه العلمي وموقف التشريعات والقضاء منه، كما تناول التحليل التخديري، والتنويم المغناطيسي، وكشف الكذب، والكلاب البوليسية، وأجهزة المراقبة الإلكترونية.

 

النتيجة الإيجابية لا تعني دائماً التأثير وقت الواقعة، قد يثبت التحليل وجود نواتج استقلاب مادة في الجسم، لكنه لا يثبت بالضرورة:

  • أن الشخص كان تحت تأثيرها وقت القيادة.
  • مقدار الجرعة.
  • وقت التعاطي على وجه الدقة.
  • درجة تأثيرها في الإدراك.
  • أن المادة دخلت الجسم بطريق غير مشروع.

 

ويزداد الأمر أهمية في فحوص البول؛ لأنها قد تكشف تعاطياً سابقاً دون أن تثبت حالة التأثير وقت الضبط.

 

كيف يطعن المتهم في التحليل؟

  • يطلب بيان نوع العينة.
  • يطلب اسم الفحص الأولي والتأكيدي.
  • يسأل عن الحد الفاصل للنتيجة.
  • يطلب بيان تركيز المادة.
  • يستفسر عن الأدوية التي كان يتناولها.
  • يراجع توقيت أخذ العينة.
  • يطلب إعادة التحليل من العينة المحفوظة.
  • يطعن في هوية العينة وسلسلة حيازتها.
  • يطلب مناقشة المختص الذي أجرى الفحص.
  • يفرق بين وجود المادة وبين التأثر بها.

 

 

المبحث الخامس: الأدلة الرقمية ودورها في إثبات البراءة

 

أصبحت الهواتف والحواسيب والبريد الإلكتروني وتطبيقات المراسلة مصدراً رئيسياً للأدلة الجنائية. وقد تحتوي الأجهزة على:

  • محادثات.
  • صور.
  • مقاطع فيديو.
  • بيانات موقع.
  • سجل اتصالات.
  • ملفات محذوفة.
  • سجلات الدخول.
  • بيانات سحابية.
  • تواريخ الإنشاء والتعديل.
  • بيانات وصفية.

 

أولاً: البريد الإلكتروني

 

قد يثبت البريد الإلكتروني:

  • صدور رسالة من حساب معين.
  • وجود اتصال بين أشخاص.
  • إرسال ملف أو مستند.
  • توقيت الواقعة.
  • طبيعة العلاقة بين أطراف الدعوى.

 

غير أن صورة مطبوعة لرسالة لا تكفي دائماً لإثبات نسبتها إلى صاحب الحساب؛ فقد يكون الحساب مخترقاً، أو الجهاز مستخدماً من أكثر من شخص، أو تكون الصورة قد جرى تعديلها.

ويبين البحث المتخصص في حجية البريد الإلكتروني أن قوة الرسالة الإلكترونية تتأثر بسلامتها، وتحديد مصدرها، وإمكان حفظها والرجوع إليها، وارتباطها بالتوقيع الإلكتروني، كما يناقش التمييز بين البريد الموقع إلكترونياً والبريد غير الموقع.

 

 

ثانياً: المحادثات الإلكترونية

 

لا يكفي ظهور اسم المتهم أو صورته على حساب لإثبات أنه صاحب الرسائل، ويجب البحث في:

  • رقم الهاتف المرتبط بالحساب.
  • بيانات الجهاز.
  • عنوان الإنترنت.
  • سجل الدخول.
  • النسخة الأصلية من قاعدة البيانات.
  • سلامة الاستخراج الفني.
  • اكتمال المحادثة وعدم اجتزائها.
  • سياق الرسائل السابقة واللاحقة.

 

وقد تكون الرسالة المنفردة مضللة إذا فُصلت عن سياقها، كما قد تحمل كلمات تحتمل المزاح أو المجاز أو النقل عن شخص آخر.

 

 

ثالثاً: بيانات الموقع

 

قد تثبت بيانات الهاتف وجود الجهاز أو عدم وجوده في منطقة ما، لكنها لا تثبت دائماً أن المتهم كان يحمل الجهاز بنفسه.

 

ولهذا يجب التمييز بين:

  • وجود الهاتف في مكان ما

وبين:

  • وجود صاحبه في ذلك المكان.

وقد يستخدم المتهم بيانات الموقع لإثبات وجود هاتفه في مكان آخر، لكن على الدفاع أن يدعم ذلك بقرائن أخرى، مثل استخدام الجهاز، أو ظهور صاحبه في كاميرا، أو سجل عمل، أو معاملات دفع إلكترونية.

 

 

المبحث السادس: كيف أثبت براءتي عملياً؟

 

أولاً: لا تنتظر حتى تبدأ المحاكمة

 

قد تضيع أدلة البراءة خلال أيام، ولذلك ينبغي التحرك فوراً للمحافظة على:

  • تسجيلات كاميرات المراقبة.
  • بيانات المواقع.
  • سجلات الفنادق والمطاعم.
  • سجلات الدوام والبصمة.
  • معاملات الدفع.
  • محادثات الهاتف الأصلية.
  • تسجيلات المركبات.
  • أسماء الشهود.
  • العينات القابلة للتلف.

 

ثانياً: لا تحذف شيئاً من هاتفك

 

حذف المحادثات أو الملفات قد يفسر بصورة سلبية، وقد يؤدي إلى ضياع معلومات نافعة. والأفضل المحافظة على الجهاز كما هو وتسليمه، عند الحاجة، إلى خبير مختص لإجراء نسخة جنائية تحفظ البيانات الأصلية.

 

 

ثالثاً: اطلب أصل الدليل لا صورته فقط

 

في الأدلة الرقمية، توجد فروق كبيرة بين:

  • لقطة شاشة.
  • نسخة مصدرة من التطبيق.
  • فحص الجهاز الأصلي.
  • نسخة جنائية كاملة.
  • بيانات صادرة عن مزود الخدمة.

 

كلما اقترب الفحص من المصدر الأصلي ارتفعت إمكانات التحقق من سلامة الدليل.

 

 

رابعاً: اطلب سلسلة الحيازة

 

سلسلة الحيازة هي السجل الذي يبين رحلة الدليل منذ العثور عليه إلى عرضه أمام المحكمة:

  • من وجده؟
  • متى وجده؟
  • كيف جمعه؟
  • في أي عبوة وضعه؟
  • من تسلمه؟
  • أين حُفظ؟
  • متى فُتح؟
  • من فحصه؟
  • هل أعيد ختمه؟

وأي فجوة جوهرية قد تثير الشك في هوية الدليل أو سلامته.

 

 

خامساً: اطلب مناقشة الخبير

 

لا ينبغي التعامل مع تقرير الخبرة الفنية باعتباره نصاً نهائياً، ومن الأسئلة المهمة:

  • ما مؤهلات الخبير؟
  • هل المختبر معتمد؟
  • ما الطريقة المستخدمة؟
  • هل توجد نسبة خطأ؟
  • هل أُجري اختبار تأكيدي؟
  • هل كانت العينة كافية؟
  • هل كانت مختلطة؟
  • هل يوجد تفسير بديل؟
  • هل النتيجة قطعية أم احتمالية؟
  • هل يستطيع الاختبار تحديد زمن الواقعة؟
  • هل راجع خبير آخر النتيجة؟

 

 

سادساً: قدم فرضية براءة قابلة للفحص

 

الإنكار المجرد أقل تأثيراً من تفسير تدعمه الوقائع.

 

فبدلاً من القول:

«هذه ليست بصمتي».

 

يكون الدفاع أقوى حين يقول:

«البصمة جزئية ولا تتوافر فيها نقاط كافية للمضاهاة، ولم توضح الخبرة كيفية استبعاد البصمات الأخرى».

 

وبدلاً من:

«المحادثة مزورة».

يقال:

«المعروض صورة شاشة بلا الجهاز الأصلي، ولا تتضمن بيانات المصدر أو سجل الدخول، ولم تجر خبرة فنية على قاعدة بيانات التطبيق».

 

 

المبحث السابع: الطعن في الدليل العلمي

 

يمكن تنظيم الطعن في خمسة مستويات:

 

المستوى الأول: مشروعية الحصول على الدليل

 

هل جرى التفتيش أو سحب العينة أو مراقبة الاتصال وفق القانون؟

 

 

المستوى الثاني: سلامة جمع الدليل

 

هل اتُّبعت الإجراءات الفنية لمنع التلوث والاختلاط؟

 

 

المستوى الثالث: سلامة النقل والحفظ

 

هل بقي الدليل مختوماً ومحفوظاً في الظروف المناسبة؟

 

 

المستوى الرابع: صحة الفحص

 

هل استُخدمت طريقة علمية معترف بها؟ وهل أُجريت الاختبارات الضابطة والتأكيدية؟

 

 

المستوى الخامس: صحة الاستنتاج

 

حتى لو كانت النتيجة الفنية صحيحة، هل الاستنتاج الذي رتبته النيابة عليها لازم منطقياً؟

فقد يكون صحيحاً أن المتهم لمس أداة، لكن لا يلزم أنه استخدمها في الجريمة.

وقد يكون صحيحاً أن هاتفه اتصل ببرج قريب، لكن لا يلزم أنه كان داخل مسرح الجريمة.

وقد يكون صحيحاً أن التحليل كشف مادة مخدرة، لكن لا يلزم أنه كان واقعاً تحت تأثيرها وقت الحادث.

 

 

المبحث الثامن: الدليل العلمي النافي ودوره في تكوين القناعة القضائية

 

ليست وظيفة العلم خدمة الاتهام فقط. فالدليل العلمي محايد بطبيعته، وقد يكون أكثر أهمية في نفي الجريمة منه في إثباتها.

 

وقد تسقط الدعوى عندما يثبت أن:

  • البصمة لشخص آخر.
  • الحمض النووي لا يعود إلى المتهم.
  • الإصابة لا تتفق مع رواية المشتكي.
  • زمن الوفاة لا يتفق مع وقت وجود المتهم.
  • التسجيل عُدل أو اقتطع.
  • الموقع الجغرافي يناقض رواية الضبط.
  • المادة المضبوطة ليست من النوع المسند.
  • أداة الجريمة لا تطابق الآثار.
  • العينة مجهولة المصدر.
  • التقرير العلمي لا يستطيع تحديد وقت الواقعة.

 

والقاضي لا يكون أمام مجرد «دليل دفاع»، بل أمام حقيقة علمية يتعين وضعها في ميزان الإثبات ومناقشتها مع بقية الأدلة.

 

 

خاتمة

 

أصبح الإثبات الجنائي الحديث مزيجاً من القانون والعلم والتقنية.

ولم يعد نجاح الدفاع متوقفاً على بلاغة المرافعة وحدها، بل على القدرة على فهم الدليل الفني، واكتشاف حدوده، ومناقشة الخبراء، والمحافظة على الآثار النافية، وربط النتائج العلمية بأركان الجريمة.

ولا يعني إثبات البراءة أن يقدم المتهم اعترافاً من الفاعل الحقيقي أو دليلاً خارقاً يقلب الدعوى في لحظة واحدة؛ فقد تتحقق البراءة بإظهار أن الدليل لا يخصه، أو أن العينة تلوثت، أو أن الفحص لا يحدد زمن الواقعة، أو أن المحادثة غير موثقة، أو أن رواية الاتهام لا تتفق مع الطب الشرعي، أو أن مجموع الأدلة لا يتجاوز دائرة الاحتمال.

 

 

والقاعدة التي ينبغي أن تظل حاضرة هي أن:

 

الدليل العلمي لا يؤخذ باسمه، وإنما بقوة منهجه، وسلامة مصدره، وصحة إجراءاته، ودقة تفسيره.

فالعلم قد يقود إلى الحقيقة، لكنه لا يفعل ذلك إلا إذا جُمعت مادته بأمانة، وفُحصت باختصاص، وعُرضت على المحكمة كاملة، وأتيح للدفاع أن يناقشها ويقدم ما يعارضها.

ومن هنا لا تكون الوسائل العلمية تهديداً لحقوق المتهم، بل قد تصبح أقوى وسيلة لحمايته من الإدانة الخاطئة وإثبات براءته.

 

 

الجزء الثاني: التطبيقات المتقدمة للإثبات الجنائي بالوسائل العلمية الحديثة

 

المبحث التاسع: الطب الشرعي ودوره في إثبات الجريمة أو نفيها

 

يمثل الطب الشرعي نقطة التقاء مباشرة بين العلوم الطبية والقانون الجنائي؛ فهو لا يقتصر على تشريح الجثث أو تحديد سبب الوفاة، وإنما يمتد إلى فحص الإصابات، وتقدير طبيعتها، وبيان الأداة المحتمل استعمالها، وتحديد مدى توافقها مع رواية المجني عليه أو المتهم، والكشف عن السموم والاعتداءات الجنسية مثل جريمة هتك العرض وغيرها من المسائل الفنية.

ولا يقدم الطبيب الشرعي حكماً قانونياً في القضية، وإنما يمد المحكمة بالحقائق الطبية التي تساعدها على تكوين قناعتها.

فالطبيب يقرر سبب الإصابة وطبيعتها وآلية حدوثها، أما القول بقيام جريمة القتل العمد أو الإيذاء المقصود أو الدفاع الشرعي فيبقى من اختصاص المحكمة.

 

 

أولاً: تحديد سبب الوفاة

 

قد تكون الوفاة ناتجة عن:

  • إصابة رضية.
  • طلق ناري.
  • طعن بآلة حادة.
  • خنق أو اختناق.
  • تسمم.
  • حريق.
  • غرق.
  • مرض طبيعي.
  • تداخل أكثر من سبب.

وتظهر أهمية تحديد السبب الحقيقي للوفاة عندما تسند النيابة إلى المتهم فعلاً تعتقد أنه أدى إلى موت المجني عليه، بينما يثبت الطب الشرعي أن الوفاة كانت نتيجة مرض سابق أو سبب مستقل.

 

كيف يخدم سبب الوفاة دفاع المتهم؟

 

قد يثبت التقرير الطبي مثلاً:

  • أن الإصابة ليست قاتلة بطبيعتها.
  • أن الوفاة حدثت نتيجة خطأ علاجي لاحق.
  • أن المجني عليه توفي بسبب مرض سابق.
  • أن الأداة المضبوطة لا تتفق مع شكل الإصابة.
  • أن الوفاة وقعت قبل الوقت الذي تدعيه النيابة.
  • أن الجثة نُقلت من مكان آخر.
  • أن الإصابات حدثت بعد الوفاة.
  • أن رواية الشاهد لا تنسجم مع الاتجاه التشريحي للإصابة.

وهنا لا يكفي أن يذكر التقرير النتيجة النهائية، بل ينبغي أن يبين الأسس التي بُنيت عليها، كالصفة التشريحية للإصابة، وعمقها واتجاهها، والأنسجة المتضررة، والآثار المصاحبة لها.

 

 

ثانياً: تحديد زمن الوفاة

 

يعد زمن الوفاة من أكثر مسائل الطب الشرعي تعقيداً؛ لأنه لا يحدد عادة بالدقيقة أو الساعة بصورة قطعية، وإنما يقدر ضمن نطاق زمني اعتماداً على مجموعة من المؤشرات، مثل:

  • برودة الجثة.
  • التيبس الرمي.
  • الرسوب الدموي.
  • محتويات المعدة.
  • التغيرات التحللية.
  • الظروف المناخية.
  • مكان وجود الجثة.
  • حالة الملابس.
  • الحشرات في بعض الحالات.

ويجب الحذر من تحويل التقدير الطبي التقريبي إلى حقيقة زمنية قاطعة.

فإذا ذكر الخبير أن الوفاة «يرجح أن تكون قد حدثت خلال فترة معينة»، فلا يجوز اختصار ذلك في الحكم إلى قول جازم بأن الوفاة وقعت في ساعة محددة، ما لم توجد أدلة أخرى تسند هذا التحديد.

 

 

أثر زمن الوفاة في إثبات البراءة

 

قد يكون المتهم موجوداً في مكان الجريمة في وقت معين، لكن الخبرة تثبت أن الوفاة سبقت وجوده أو لحقت به بفترة طويلة.

وقد يؤدي توسيع هامش الخطأ العلمي إلى إسقاط حجة الغياب أو دعمها، ولذلك يجب مناقشة الخبير في:

  • مدى دقة التقدير.
  • أثر درجة الحرارة.
  • أثر التبريد أو التدفئة.
  • أثر المرض والوزن والملابس.
  • ما إذا كانت الجثة نُقلت.
  • الحد الأدنى والأقصى المحتمل للوفاة.

 

 

ثالثاً: فحص الإصابات

 

قد يكشف فحص الإصابة عما إذا كانت:

  • قطعية أو طعنية.
  • رضية أو نارية.
  • سطحية أو نافذة.
  • دفاعية.
  • مفتعلة ذاتياً.
  • قديمة أو حديثة.
  • حدثت في حياة المصاب أو بعد الوفاة.

وتكتسب الإصابات الدفاعية أهمية في إثبات المقاومة، لأنها قد تظهر على اليدين أو الساعدين أو أجزاء أخرى من الجسم نتيجة محاولة المجني عليه حماية نفسه.

كما قد تنفي الخبرة وقوع الاعتداء بالصورة المدعاة؛ فإذا زعم المشتكي تعرضه لضربات متعددة بآلة صلبة، بينما لا تظهر إلا إصابة واحدة بسيطة لا تتفق مع آلية الاعتداء الموصوفة، فإن هذا التناقض يوجب التحقيق والمناقشة.

 

 

 

المبحث العاشر: الإثبات في جرائم الاعتداء الجنسي

 

تعد قضايا الاعتداءات الجنسية من أكثر القضايا حساسية؛ لأنها قد تجمع بين الأدلة القولية والطبية والبيولوجية والرقمية والنفسية.

ولا يعني عدم وجود إصابة ظاهرة بالضرورة عدم وقوع الاعتداء، كما لا يعني وجود إصابة وحدها أن المتهم المحدد هو مرتكبها.

ولذلك ينبغي بناء الإثبات على مجموعة مترابطة من العناصر.

 

 

أولاً: الأدلة الطبية المحتملة

 

  • الإصابات الموضعية.
  • الكدمات والخدوش.
  • الآثار الدفاعية.
  • السوائل الحيوية.
  • الشعر والألياف.
  • المادة الوراثية.
  • آثار الأدوية أو المواد المخدرة.
  • حالة الملابس.
  • زمن الفحص مقارنة بوقت الواقعة.

 

 

ثانياً: أهمية سرعة الفحص

 

قد يؤدي التأخر في التبليغ أو الاستحمام أو تغيير الملابس إلى فقدان بعض الآثار، لكنه لا ينفي الواقعة حكماً.

ومع ذلك، فإن الدفاع يملك مناقشة أثر التأخر على القدرة العلمية في نسبة الأدلة إلى شخص معين.

 

 

ثالثاً: كيف يستخدم الدليل العلمي لإثبات البراءة؟

 

قد تظهر الخبرة:

  • عدم وجود أي أثر وراثي للمتهم.
  • وجود مادة وراثية لشخص آخر.
  • أن الإصابات لا تتفق مع الآلية الموصوفة.
  • أن تاريخ الإصابة يسبق الواقعة.
  • أن الملابس لم تحمل الآثار المتوقعة.
  • أن المحادثات السابقة واللاحقة تناقض رواية الاتهام.
  • أن المتهم كان في مكان آخر وفق بيانات الهاتف والكاميرات.

ومع ذلك، فإن غياب الأثر الوراثي لا يساوي دائماً البراءة، لأن بعض الأفعال قد تقع دون ترك أثر، أو قد تضيع العينات نتيجة التأخر أو التنظيف.

وبالتالي يجب النظر إلى الدليل العلمي في إطار بقية البينات.

 

 

المبحث الحادي عشر: الأسلحة النارية والمقذوفات والفحص البالستي

 

يختص الفحص البالستي بدراسة الأسلحة والذخائر والمقذوفات والظروف المرتبطة بالإطلاق، وقد يساعد في الإجابة عن أسئلة جوهرية، منها:

  • هل السلاح صالح للإطلاق؟
  • هل الظرف الفارغ خرج من هذا السلاح؟
  • هل المقذوف أُطلق من ماسورته؟
  • ما مسافة الإطلاق؟
  • ما اتجاه المقذوف؟
  • هل وقع الإطلاق عرضاً؟
  • هل توجد آثار بارود على يد المتهم أو ملابسه؟
  • هل يمكن أن يكون المقذوف قد ارتد عن سطح آخر؟

 

 

أولاً: مطابقة السلاح بالمقذوف

 

تترك أجزاء السلاح الناري على الظرف والمقذوف علامات دقيقة قد تستخدم للمقارنة.

غير أن جودة النتيجة تتوقف على سلامة المقذوف وعدم تشوهه، وعلى كفاية العلامات للمضاهاة، وعلى خبرة الفاحص.

ولا يكفي القول إن المقذوف «من العيار نفسه»، لأن العيار الواحد تستخدمه أسلحة كثيرة.

المطلوب هو تحديد ما إذا كانت العلامات الفردية تسمح بنسبة المقذوف إلى السلاح المعروض.

 

 

ثانياً: آثار البارود

 

قد تستعمل فحوص بقايا الإطلاق لدعم القول إن شخصاً أطلق سلاحاً أو كان قريباً من عملية الإطلاق، إلا أن النتيجة تحتاج إلى تفسير دقيق، لأن الآثار قد تنتقل:

  • من سلاح أو ذخيرة جرى لمسها.
  • من شخص آخر.
  • من داخل مركبة أو مكان ملوث.
  • أثناء القبض أو النقل.
  • بسبب مهنة الشخص أو احتكاكه ببيئة معينة.

كما أن عدم العثور على الآثار لا ينفي الإطلاق قطعاً، لأنها قد تزول بالغسل أو الاحتكاك أو مرور الوقت.

 

 

ثالثاً: مسافة واتجاه الإطلاق

 

يمكن الاستدلال على المسافة من:

  • آثار السخام.
  • احتراق الجلد أو الملابس.
  • توزع حبيبات البارود.
  • شكل فتحة الدخول.
  • وجود أثر فوهة السلاح.

وقد يؤدي الخطأ في تقدير المسافة إلى تغيير الوصف القانوني للواقعة؛ فالإطلاق من مسافة قريبة قد ينسجم مع رواية تختلف عن الإطلاق من مسافة بعيدة.

 

 

 

المبحث الثاني عشر: التسجيلات الصوتية وبصمة الصوت

 

قد تكون التسجيلات الهاتفية أو الصوتية دليلاً مهماً، لكنها تثير أسئلة فنية وقانونية دقيقة تتعلق بالمشروعية، والأصالة، والنسبة، وسلامة المحتوى.

 

 

أولاً: ما الذي يجب إثباته في التسجيل؟

 

لا يكفي سماع صوت يشبه صوت المتهم، بل ينبغي التحقق من:

  • مصدر التسجيل.
  • الجهاز الذي أُنشئ عليه.
  • تاريخ التسجيل.
  • عدم القص أو الدمج.
  • اكتمال المحادثة.
  • هوية المتحدثين.
  • الظروف الصوتية المحيطة.
  • الطريقة التي جرى بها الحصول عليه.

 

 

ثانياً: هل بصمة الصوت قطعية؟

 

تحليل الصوت قد يستند إلى خصائص النطق والتردد والإيقاع وبعض السمات الفنية، لكنه يتأثر بعوامل عديدة، منها:

  • جودة التسجيل.
  • الضوضاء.
  • ضغط الملف.
  • تغير الصوت بسبب المرض أو الانفعال.
  • تقليد الصوت.
  • قصر المقطع.
  • اختلاف الجهاز أو وسيلة الاتصال.

ولذلك ينبغي تجنب التعامل مع النتيجة الاحتمالية على أنها تطابق قطعي.

 

 

ثالثاً: وسائل الطعن في التسجيل

 

  • طلب الملف الأصلي لا النسخة المتداولة.
  • فحص البيانات الوصفية.
  • التحقق من وجود انقطاعات أو قص.
  • مقارنة مدة الملف بسياق الحديث.
  • طلب تفريغ كامل للمحادثة.
  • إجراء خبرة مستقلة.
  • مناقشة قانونية التسجيل ومشروعية الحصول عليه.

 

 

المبحث الثالث عشر: الصور والفيديو وكاميرات المراقبة

 

أصبحت كاميرات المراقبة من أكثر وسائل الإثبات شيوعاً، وقد تسجل وجود المتهم أو المركبة أو تسلسل الواقعة.

لكنها لا تعفي المحكمة من التحقق من سلامة المادة المرئية.

 

 

أولاً: شروط الاعتماد على التسجيل المرئي

 

يجب التحقق من:

  • الكاميرا التي التقطت التسجيل.
  • موقعها وزاوية التصوير.
  • دقة الوقت والتاريخ.
  • وجود فرق بين ساعة الجهاز والوقت الحقيقي.
  • استمرارية التسجيل.
  • عدم حذف أجزاء منه.
  • جودة الصورة.
  • مصدر النسخة المقدمة.
  • طريقة استخراجها.
  • عدم التعديل أو التحسين المضلل.

 

 

ثانياً: خطأ التوقيت

 

قد تكون ساعة الكاميرا متقدمة أو متأخرة، وقد يعاد ضبطها أو تفقد الإعدادات بعد انقطاع الكهرباء.

ولذلك لا يصح بناء استنتاج زمني حاسم دون مقارنة توقيتها بمصدر مستقل.

 

 

ثالثاً: التعرف إلى الأشخاص

 

قد يستند التعرف إلى:

  • ملامح الوجه.
  • الطول والبنية.
  • طريقة المشي.
  • الملابس.
  • الحركات.
  • المركبة.
  • الأدوات المحمولة.

غير أن الملابس أو الهيئة العامة لا تكفي وحدها، ولا سيما في المقاطع منخفضة الدقة.

ويجب التمييز بين قول الخبير إن الشخص «يشبه» المتهم وبين تأكيد هويته.

 

 

رابعاً: دور الفيديو في إثبات البراءة

 

قد يكشف التسجيل أن:

  • المتهم لم يدخل المكان.
  • شخصاً آخر ارتكب الفعل.
  • وقت الواقعة يختلف عن لائحة الاتهام.
  • المجني عليه بدأ الاعتداء.
  • المتهم كان يدافع عن نفسه.
  • محضر الضبط لا يتفق مع المشهد الحقيقي.
  • الأدلة نقلت أو وضعت بعد الواقعة.

 

 

المبحث الرابع عشر: البريد الإلكتروني والرسائل الإلكترونية بوصفها دليلاً جنائياً

 

لا تكتسب الرسالة الإلكترونية حجيتها لمجرد ظهورها مطبوعة على ورقة أو داخل لقطة شاشة، وإنما تتحدد قيمتها وفق مدى إمكان التحقق من مصدرها وسلامتها ونسبتها إلى صاحبها.

وقد بين المرجع المتخصص في حجية البريد الإلكتروني أن قوة المحرر الإلكتروني ترتبط بقدرته على تحديد مصدره، وسلامة محتواه، وإمكان حفظه والرجوع إليه، وبوجود توقيع إلكتروني موثوق عند الاقتضاء.

كما فرّق بين البريد الموقع إلكترونياً والبريد غير الموقع، وبين الوثيقة الأصلية والصورة المنقولة عنها.

 

 

أولاً: ما الذي يجب إثباته؟

 

  • أن الحساب يعود إلى الشخص.
  • أن الشخص كان يسيطر عليه وقت الإرسال.
  • أن الرسالة خرجت فعلاً من الحساب.
  • أنها لم تتعرض للتعديل.
  • أن محتواها كامل.
  • أن المرفقات هي ذاتها المرسلة.
  • أن توقيتها صحيح.
  • أن الخادم أو النظام يحتفظ بسجل يدعم الواقعة.

 

 

ثانياً: الفرق بين الحساب وصاحبه

 

قد يكون الحساب مسجلاً باسم شخص، لكنه:

  • مخترق.
  • مشترك بين عدة أشخاص.
  • مفتوحاً على جهاز يستخدمه الغير.
  • جرى إنشاؤه بانتحال الاسم.
  • تركه صاحبه دون حماية.

لذلك لا بد من الربط بين الحساب والمتهم بواسطة أدلة فنية وواقعية متكاملة.

 

 

ثالثاً: حجية لقطة الشاشة

 

لقطة الشاشة قد تصلح قرينة أولية، لكنها لا تكشف عادة:

  • مصدر الرسالة الفني.
  • بيانات الخادم.
  • التعديلات التي أجريت.
  • سلسلة المحادثة الكاملة.
  • هوية الجهاز.
  • زمن الإنشاء الحقيقي.

ولهذا يكون فحص الجهاز أو النسخة الرقمية الأصلية أكثر قوة من صورة مطبوعة منفردة.

 

 

المبحث الخامس عشر: التنويم المغناطيسي في التحقيق الجنائي

 

تناولت مراجع الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية استخدام التنويم المغناطيسي ضمن الوسائل التي سعى العلم إلى توظيفها في التحقيق، إلى جانب التحليل التخديري وكشف الكذب والكلاب البوليسية وأجهزة المراقبة الإلكترونية.

ويظهر من فهرس المرجع المتخصص أنه أفرد لكل وسيلة مبحثاً مستقلاً تناول تعريفها وأساسها العلمي وموقف الفقه والتشريع والقضاء منها.

يقوم التنويم المغناطيسي على إحداث حالة من التركيز والاسترخاء تجعل الشخص أكثر استجابة للإيحاء. وقد استخدم أحياناً لمحاولة استرجاع تفاصيل من ذاكرة شاهد أو مجني عليه.

 

 

أولاً: مشكلات هذه الوسيلة

 

  • قابلية الشخص للإيحاء.
  • إمكان تكوين ذكريات غير حقيقية.
  • خلط الواقع بالخيال.
  • تأثير أسئلة القائم على الجلسة.
  • صعوبة التحقق من دقة الإجابات.
  • احتمال ترسخ المعلومة الخاطئة في الذاكرة.

 

 

ثانياً: قيمتها الإثباتية

 

لا ينبغي اعتبار ما يصدر أثناء التنويم اعترافاً قضائياً صالحاً للإدانة، ولا شهادة مستقلة مكتملة الحجية.

وقد تستخدم المعلومات الناتجة عنه، في أضيق الحدود، كوسيلة استدلال تقود إلى دليل خارجي مستقل، بشرط عدم المساس بحرية الإرادة وحقوق الشخص.

 

 

ثالثاً: موقف الدفاع

 

إذا استند التحقيق إلى معلومات استخرجت بالتنويم، فعلى الدفاع أن يطلب:

  • تسجيل الجلسة كاملة.
  • معرفة مؤهلات القائم بها.
  • الاطلاع على الأسئلة المستخدمة.
  • بيان مدى قابلية الشخص للإيحاء.
  • استبعاد الأقوال التي لم تتأكد بدليل مستقل.

 

 

 

المبحث السادس عشر: التحليل التخديري أو ما يعرف بمصل الحقيقة

 

يقصد بالتحليل التخديري إعطاء الشخص مادة تؤثر في وعيه ومقاومته النفسية، أملاً في الحصول على معلومات لا يدلي بها في حالته الطبيعية.

غير أن وصف هذه المواد بأنها «مصل للحقيقة» وصف غير علمي دقيق؛ لأن انخفاض مقاومة الشخص لا يعني أن كلامه يصبح صحيحاً.

فقد يتحدث بخيال أو ذكريات مشوشة، أو يخلط بين أحداث واقعية ومتخيلة.

 

أهم الاعتراضات القانونية والعلمية:

  • المساس بحرية الإرادة.
  • انتهاك سلامة الجسد.
  • تعريض الشخص لمخاطر صحية.
  • عدم موثوقية الأقوال الناتجة.
  • مخالفة حق المتهم في الصمت.
  • إمكان الإيحاء والتوجيه.

تعارضها مع كرامة الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة.

ولهذا لا يصلح ما ينتج عنها أساساً منفرداً للحكم بالإدانة، كما لا يجوز تحويل إجراء طبي يمس الجسد والعقل إلى أداة لإجبار الإنسان على تقديم دليل ضد نفسه.

 

 

المبحث السابع عشر: الاستعانة بالكلاب البوليسية

 

تعتمد الكلاب البوليسية على قوة حاسة الشم في تتبع الروائح أو الكشف عن المخدرات والمتفجرات والجثث وبعض المواد.

وقد تكون نتيجة الاستعانة بها مفيدة في توجيه التحقيق، لكنها لا تخلو من احتمالات الخطأ؛ إذ قد تتأثر بسلوك المدرب والبيئة واختلاط الروائح وطول المدة وظروف المكان.

 

 

أولاً: صور استخدامها

 

  • تتبع أثر شخص.
  • التعرف إلى رائحة مرتبطة بعينة.
  • الكشف عن المخدرات.
  • البحث عن جثث.
  • العثور على متفجرات أو أسلحة.

 

 

ثانياً: حدود حجيتها

 

  • استجابة الكلب لا تثبت وحدها:
  • ملكية المادة.
  • علم المتهم بها.
  • صلته القانونية بالمكان.
  • ارتكابه الجريمة.
  • سلامة العينة المستخدمة للمقارنة.
  • وقد تكون الرائحة قد انتقلت إلى المكان أو الشيء بصورة عرضية.

 

 

ثالثاً: أسئلة الدفاع الجوهرية

 

  1. هل الكلب مدرب ومعتمد؟
  2. متى كان آخر اختبار لكفاءته؟
  3. هل كانت الاستجابة واضحة؟
  4. هل عرف المدرب مسبقاً مكان المادة؟
  5. هل جرت التجربة بطريقة عمياء؟
  6. هل كانت البيئة ملوثة بروائح أخرى؟
  7. هل يوجد تسجيل للإجراء؟
  8. هل دعمت النتيجة بأدلة مادية مستقلة؟

 

 

المبحث الثامن عشر: أجهزة المراقبة الإلكترونية وتتبع الاتصالات

 

تشمل وسائل المراقبة الحديثة:

  • التنصت على الاتصالات.
  • تتبع الموقع الجغرافي.
  • مراقبة البريد الإلكتروني.
  • كاميرات المراقبة.
  • أجهزة التتبع المثبتة بالمركبات.
  • سجلات الدخول إلى الأنظمة.
  • مراقبة الشبكات والبيانات.

وقد تناول المرجع المتخصص أجهزة المراقبة الإلكترونية ضمن وسائل الإثبات الجنائي العلمية، مع بيان مفهومها وموقف التشريعات والقضاء منها.

 

 

أولاً: مشروعية المراقبة

 

لا يكفي أن تنتج المراقبة دليلاً صحيحاً من الناحية الفنية، بل يجب أن تكون قد تمت وفق القانون، نظراً إلى ما تنطوي عليه من مساس بالخصوصية وسرية الاتصالات.

 

ومن المسائل التي ينبغي فحصها:

  • الجهة التي أصدرت الإذن.
  • نطاقه الزمني.
  • الأشخاص المشمولون به.
  • نوع الاتصالات المسموح بمراقبتها.
  • سبب المراقبة.
  • الالتزام بحدود الإذن.
  • حفظ التسجيلات وسلامتها.

 

 

ثانياً: تجاوز حدود الإذن

 

إذا كان الإذن موجهاً لمراقبة رقم محدد أو شخص معين، فلا يجوز التوسع فيه دون سند.

كما يجب التحقق من عدم استمرار المراقبة بعد انتهاء المدة.

 

 

ثالثاً: استخدام المراقبة لإثبات البراءة

 

قد تكشف التسجيلات أو البيانات:

  • عدم مشاركة المتهم في التخطيط.
  • أن الحديث اجتزئ من سياقه.
  • أن شخصاً آخر كان يستخدم الهاتف.
  • أن المتهم رفض ارتكاب الفعل.
  • أن الاتصال وقع في وقت أو مكان يناقض رواية الاتهام.
  • عدم وجود تواصل مزعوم بين المتهم وبقية الأشخاص.

 

 

المبحث التاسع عشر: المعاينة والكشف وإعادة تمثيل الجريمة

 

المعاينة هي انتقال المحكمة أو جهة التحقيق إلى المكان أو فحص الشيء المتنازع عليه لإدراك حالته مباشرة.

وتعد من الوسائل المهمة في القضايا التي تتوقف على طبيعة الموقع والمسافات والرؤية والإضاءة وإمكان وقوع الحادث بالصورة المروية.

وتبين موسوعة نظرية الإثبات أن المعاينة والخبرة يمكن أن تثبت بهما الوقائع المادية، لكنهما ليستا ملزمتين للمحكمة بذاتهما، وللمحكمة تقدير نتيجتهما، على أن تبين أسبابها إذا طرحت ما انتهت إليه الإجراءات الفنية.

 

 

أولاً: ما الذي تكشفه المعاينة؟

 

  • مدى إمكان رؤية الشاهد للواقعة.
  • المسافة بين الأطراف.
  • موضع الكاميرات.
  • منافذ الدخول والخروج.
  • اتجاه الإضاءة.
  • إمكان سماع الأصوات.
  • مكان العثور على المضبوطات.
  • انسجام مخطط الموقع مع محضر الضبط.

 

 

ثانياً: إعادة تمثيل الجريمة

 

قد تساعد إعادة التمثيل في اختبار إمكان وقوع الفعل بالطريقة المدعاة، لكنها لا تخلو من المخاطر، ولا سيما إذا كان المتهم قد أُجبر على أداء دور يفهم منه الإقرار.

ويجب التحقق من:

  • طوعية المشاركة.
  • وجود الدفاع.
  • تصوير الإجراء كاملاً.
  • عدم تلقين المتهم.
  • مطابقة ظروف التمثيل للظروف الحقيقية.
  • عدم تقديم النتيجة باعتبارها اعترافاً مستقلاً.

 

 

المبحث العشرون: الخبرة القضائية وحدود حجيتها

 

الخبرة وسيلة فنية تعين المحكمة على فهم مسألة لا تستطيع حسمها بالمعرفة القانونية وحدها.

وقد تكون طبية أو هندسية أو رقمية أو محاسبية أو وراثية أو كيميائية.

وقد صنفت موسوعة نظرية الإثبات الخبرة والمعاينة والقرائن القضائية ضمن الأدلة غير الملزمة التي تخضع لتقدير المحكمة؛ فلها أن تأخذ بها أو تطرحها أو تجزئها، بشرط أن تقيم قضاءها على أسباب سائغة.

 

أولاً: شروط الخبرة

 

  • اختصاص الخبير.
  • حياده.
  • وضوح المهمة.
  • الاطلاع على المواد الأصلية.
  • استعمال منهج معروف.
  • توثيق خطوات الفحص.
  • بيان حدود النتيجة.
  • الإجابة عن أسئلة المحكمة والخصوم.
  • إمكان مراجعة التقرير.

 

 

ثانياً: القصور في تقرير الخبرة

 

يكون التقرير قاصراً عندما:

  • يذكر النتيجة دون منهج.
  • لا يبين العينات التي فحصها.
  • لا يوضح الأجهزة المستخدمة.
  • يتجاوز اختصاص الخبير.
  • يفصل في مسألة قانونية.
  • لا يناقش الفرضيات البديلة.
  • يعتمد على نسخة غير أصلية.
  • يتجاهل مستندات جوهرية.
  • يصدر بعبارات جازمة رغم احتمالية الفحص.

 

 

ثالثاً: تعدد الخبرات

 

عند تعارض تقريرين، لا يجوز ترجيح أحدهما لمجرد أنه صادر عن جهة رسمية، بل يجب فحص:

  • كفاءة الخبراء.
  • المواد التي اطلعوا عليها.
  • المنهج المستخدم.
  • مدى وضوح الأسباب.
  • توافق النتيجة مع بقية الأدلة.

وقد يكون من الضروري تشكيل لجنة جديدة أو إجراء خبرة مكررة.

 

 

المبحث الحادي والعشرون: القرينة العلمية والقيمة الاحتمالية للدليل

 

القرينة هي استنتاج واقعة مجهولة من واقعة معلومة.

وقد تكون الواقعة المعلومة قد ثبتت بوسيلة علمية، مثل وجود هاتف في نطاق برج خلوي أو وجود أثر دم على قطعة ملابس.

لكن الانتقال من الحقيقة العلمية إلى النتيجة الجنائية يجب أن يتم بحذر.

أمثلة على الخلط بين الواقعة والاستنتاج

 

المثال الأول

 

الواقعة العلمية: عُثر على بصمة المتهم في المركبة.

الاستنتاج غير اللازم: المتهم سرق المركبة.

فقد يكون ركبها سابقاً بصورة مشروعة.

 

 

المثال الثاني

 

الواقعة العلمية: هاتف المتهم كان في نطاق برج قريب من مكان الجريمة.

الاستنتاج غير اللازم: المتهم كان داخل مسرح الجريمة.

فالبرج قد يغطي مساحة واسعة، وقد يكون الهاتف مع شخص آخر.

 

المثال الثالث

 

الواقعة العلمية: كشف التحليل وجود مادة مخدرة في البول.

الاستنتاج غير اللازم: كان المتهم تحت تأثير المخدر أثناء القيادة.

 

 

المثال الرابع

 

الواقعة العلمية: ظهر الحمض النووي للمتهم على ثوب المجني عليه.

الاستنتاج غير اللازم: المتهم ارتكب الاعتداء.

فقد توجد علاقة سابقة أو تفسير مشروع لانتقال الأثر.

ومن هنا يجب على الدفاع تفكيك الدليل إلى مستويين: ما أثبته العلم فعلاً، وما استنتجته جهة الاتهام منه.

 

 

المبحث الثاني والعشرون: ضوابط تكوين القناعة القضائية من الأدلة العلمية

 

لا يكفي أن تذكر المحكمة أنها اطمأنت إلى تقرير الخبير، بل ينبغي أن يكون اطمئنانها مبنياً على عناصر ظاهرة في الدعوى.

 

 

أولاً: مشروعية الدليل

 

الدليل الناتج عن إجراء غير مشروع قد يثير مسألة الاستبعاد أو البطلان، ولا سيما إذا تعلق بحرمة الجسد أو الخصوصية أو سرية الاتصالات.

 

 

ثانياً: سلامة المصدر

 

يجب أن يكون الشيء المفحوص هو ذاته المتصل بالجريمة، وأن تثبت هويته منذ جمعه حتى فحصه.

 

 

ثالثاً: صلاحية المنهج

 

يجب أن تكون الوسيلة المستعملة معترفاً بها علمياً ومناسبة لنوع العينة والغرض من الفحص.

 

 

رابعاً: كفاءة الخبير

 

ليس كل من يستعمل جهازاً خبيراً في تفسير نتائجه، ولا تكفي المهارة التشغيلية دون المعرفة العلمية.

 

 

خامساً: وضوح نسبة الخطأ

 

ينبغي بيان ما إذا كانت النتيجة قطعية أو احتمالية، وما حدود الدقة، وما العوامل التي قد تؤثر فيها.

 

 

سادساً: توافق النتيجة مع بقية الأدلة

 

قد تكون النتيجة العلمية صحيحة في ذاتها، لكنها لا تثبت التهمة عند وضعها في سياق الدعوى.

 

 

سابعاً: تمكين الدفاع من المناقشة

 

لا تكتمل عدالة الدليل العلمي إلا بإتاحة:

  • الاطلاع على التقرير.
  • الحصول على نسخة منه.
  • طلب إعادة الفحص.
  • تقديم خبير استشاري.
  • فحص العينة المقابلة متى أمكن.

 

المبحث الثالث والعشرون: استراتيجية الدفاع العلمي: كيف أثبت براءتي خطوة بخطوة؟

 

المرحلة الأولى: تثبيت الوقائع فوراً

 

ينبغي تسجيل التسلسل الزمني الكامل:

  • أين كنت؟
  • مع من؟
  • كيف انتقلت؟
  • ما الأجهزة التي كانت معك؟
  • ما الأماكن التي دخلتها؟
  • هل استخدمت بطاقة بنكية؟
  • هل أجريت مكالمات؟
  • هل ظهرت في كاميرات؟

 

 

المرحلة الثانية: المحافظة على الأدلة

يجب التحرك لحفظ:

  • كاميرات المنشآت.
  • بيانات شركات الاتصالات.
  • البريد الإلكتروني.
  • سجلات الدوام.
  • بيانات المركبة.
  • الفواتير الإلكترونية.
  • رسائل التطبيقات.
  • السجلات الطبية.
  • المواقع الجغرافية.

 

 

المرحلة الثالثة: تحديد نظرية الاتهام في القضايا الجزائية

يجب معرفة ما الذي تدعيه النيابة بدقة:

  • وقت الجريمة.
  • مكانها.
  • وسيلة ارتكابها.
  • دور كل متهم.
  • الدليل الذي يربط المتهم بها.
  • المرحلة الرابعة: إعداد جدول تعارض

 

 

المرحلة الرابعة: تحديد الطلبات الفنية

قد تشمل:

  1. إعادة التحليل.
  2. حفظ العينة المتبقية.
  3. ندب لجنة خبرة.
  4. فحص الجهاز الأصلي.
  5. استخراج سجلات الخادم.
  6. إحضار الخبير للمناقشة.
  7. إجراء كشف أو معاينة.
  8. طلب كاميرات إضافية.
  9. مخاطبة شركات الاتصالات.
  10. فحص التوقيت الرقمي.

 

المرحلة السادسة: صياغة الدفاع بلغة علمية

من الخطأ الاكتفاء بعبارات مثل:

التقرير غير صحيح.

مثل ان يقال:

لم يبين التقرير نوع الاختبار التأكيدي، ولا الحد الفاصل للنتيجة، ولم يحدد تركيز المادة، كما لم يوضح ظروف حفظ العينة أو ما إذا كانت مختومة عند وصولها، الأمر الذي يمنع الرقابة على سلامة النتيجة ومدى نسبتها إلى المتهم.

 

 

المبحث الرابع والعشرون: أهم الأسئلة التي توجه إلى الخبير

 

في الأدلة الرقمية

  1. هل فُحص الجهاز الأصلي؟
  2. هل أخذت نسخة جنائية؟
  3. ما قيمة البصمة الرقمية للملف؟
  4. هل تغيرت بعد الاستخراج؟
  5. هل توجد بيانات وصفية؟
  6. هل حُذفت أجزاء؟
  7. هل يمكن أن يستخدم الجهاز أكثر من شخص؟

 

في التسجيلات

  1. هل الملف أصلي؟
  2. هل توجد مؤشرات قص أو دمج؟
  3. هل التسجيل كامل؟
  4. ما درجة جودة الصوت؟
  5. ما نسبة احتمال الخطأ في المطابقة؟
  6. هل استبعد الخبير الأصوات المشابهة؟

 

في الطب الشرعي

  1. هل النتيجة قطعية أم تقديرية؟
  2. ما الهامش الزمني المحتمل؟
  3. هل تتفق الإصابة مع الأداة المضبوطة؟
  4. هل يوجد سبب بديل للوفاة؟
  5. هل يمكن أن تكون الإصابة عرضية؟
  6. هل أثرت الحالة المرضية في النتيجة؟

 

 

المبحث السادس والعشرون: الأخطاء التي قد تؤدي إلى الإدانة رغم وجود دليل براءة

 

1. التأخر في طلب الكاميرات

 

قد تمحى التسجيلات تلقائياً خلال مدة قصيرة.

 

 

2. تسليم الهاتف بعد العبث به

 

 

قد يؤدي الحذف أو إعادة الضبط إلى ضياع بيانات نافعة أو إثارة الشبهة.

 

 

3. عدم طلب نسخة من تقرير المختبر

 

لا يمكن إعداد دفاع فني دون معرفة منهج الفحص ونتيجته التفصيلية.

 

 

4. عدم مناقشة الخبير

 

قد تبقى العبارات الاحتمالية في التقرير وكأنها نتائج قطعية.

 

 

5. إغفال الدليل السلبي

 

أحياناً يكون عدم العثور على الأثر في مكان يفترض وجوده فيه نقطة دفاع مهمة، ولو لم يكن وحده حاسماً.

 

 

6. تقديم رواية متغيرة

 

التناقض في تفسير المتهم للدليل العلمي قد يضعف موقفه.

 

 

7. الاعتماد على صورة إلكترونية غير موثقة

 

قد يرفض الدليل أو تقل قيمته لعدم حفظ المصدر الأصلي.

 

 

8. تأخير الاعتراض الإجرائي

 

تظهر بعض المراجع القضائية أن بعض الاعتراضات على طرق الإثبات يجب إثارتها أمام محكمة الموضوع في الوقت المناسب، وأن السكوت عن الاعتراض ثم مناقشة الدليل قد يُفهم في بعض الأنظمة على أنه تنازل عن الدفع.

 

 

النتائج

يتبين من هذه الدراسة أن الإثبات العلمي غير وجه العدالة الجنائية، لكنه لم يلغ دور القاضي أو الدفاع، ولم يجعل المختبر بديلاً عن المحاكمة.

 

 

ويمكن تلخيص أهم النتائج في الآتي:

 

  1. الدليل العلمي ليس حجة مطلقة لمجرد صدوره عن خبير أو مختبر.
  2. قوة الدليل تبدأ من سلامة جمعه وحفظه، لا من لحظة ظهور النتيجة.
  3. سلسلة الحيازة جزء من حجية الدليل وليست مسألة إدارية هامشية.
  4. معظم الوسائل العلمية تثبت واقعة مادية محددة، ولا تثبت وحدها المسؤولية الجزائية.
  5. التمييز واجب بين وجود الأثر وبين زمن وجوده وسبب انتقاله.
  6. النتيجة الاحتمالية لا يجوز تقديمها بلغة القطع.
  7. الخبرة تخضع للمناقشة والتقدير، ولا تلزم المحكمة بذاتها، وإن كان طرحها يستلزم تسبيباً سائغاً.
  8. الأدلة الرقمية تحتاج إلى إثبات أصالتها ونسبتها وسلامة استخراجها.
  9. وسائل مثل كشف الكذب والتنويم والتحليل التخديري لا ترقى في ذاتها إلى دليل يقيني صالح للإدانة.
  10. إثبات البراءة قد يتحقق بهدم دليل الاتهام دون أن يثبت المتهم هوية الفاعل الحقيقي.
  11. يجب على الدفاع التحرك سريعاً قبل زوال الأدلة الرقمية أو تلف العينات.
  12. لا تكون القناعة القضائية سائغة إلا إذا قامت على أدلة مشروعة، مترابطة، قابلة للمناقشة، وتجاوزت دائرة الشبهة والاحتمال.

 

 

التوصيات

 

ينبغي تعزيز تنظيم الإثبات العلمي من خلال:

  1. وضع قواعد واضحة لسلسلة حيازة الأدلة.
  2. حفظ عينات احتياطية لإعادة الفحص.
  3. اعتماد المختبرات والخبراء وفق معايير فنية معلنة.
  4. إلزام التقارير ببيان المنهج ونسبة الخطأ وحدود النتيجة.
  5. تمكين الدفاع من الحصول على البيانات الخام عند الحاجة.
  6. تنظيم استخدام تقنيات التعرف إلى الوجه والصوت والذكاء الاصطناعي.
  7. وضع ضوابط لاكتشاف المحتوى المصطنع والتزييف العميق.
  8. عدم بناء الإدانة على وسيلة علمية احتمالية منفردة.
  9. توسيع التدريب العلمي للقضاة وأعضاء النيابة والمحامين.
  10. تمكين المحكمة من الاستعانة بخبير محايد عند تعارض التقارير.

 

 

الخاتمة العامة

 

إن السؤال: كيف أثبت براءتي؟ لا تكون إجابته دائماً بتقديم شاهد ينفي التهمة أو مستند يثبت الوجود في مكان آخر، وإنما قد تبدأ الإجابة بفحص أدق التفاصيل التي مر بها دليل الاتهام.

فقد تكون البراءة في ختم مفقود على عينة، أو في فرق زمني داخل تسجيل، أو في عدم إجراء فحص تأكيدي، أو في خلط بين وجود المادة والتأثر بها، أو في بيانات تثبت أن الهاتف كان مع غير صاحبه، أو في حقيقة أن البصمة لا تحدد وقت لمس الشيء، أو أن الحمض النووي لا يثبت كيفية انتقاله.

والدليل العلمي، مهما بلغت دقته، لا ينطق من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى من يجمعه ويحفظه ويفحصه ويفسره. وفي كل مرحلة يمكن أن يقع خطأ يؤثر في عدالة النتيجة.

لذلك فإن الدفاع الجنائي المعاصر لا يواجه العلم بإنكاره، وإنما يواجه الدليل العلمي بالعلم ذاته؛ فيسأل عن المصدر، والمنهج، والعينة، وسلسلة الحيازة، ونسبة الخطأ، والتفسير البديل، وحدود ما تستطيع النتيجة إثباته.

ويبقى الأصل الذي يحكم الدعوى الجزائية أن المتهم لا يُدان لأن روايته ضعيفة، ولا لأنه عجز عن إثبات البراءة بصورة قطعية، وإنما يُدان فقط عندما تقدم جهة الاتهام دليلاً مشروعاً متماسكاً يثبت الجريمة ونسبتها إليه بما يكفي لتكوين قناعة قضائية جازمة.

فالبراءة لا تحتاج دائماً إلى دليل يهدم القضية كلها؛ وقد يكفيها أن يكشف الدفاع خللاً جوهرياً في حلقة واحدة من سلسلة الاتهام، لأن السلسلة لا تكون أقوى من أضعف حلقاتها.

 

 

إعداد: المحامي محمد زهير العبادي

 

مكتب العبادي للمحاماة

 

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962 ، 064922183

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية