10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

الدفوع القانونية في قضايا المخدرات في الأردن

الدفوع القانونية في قضايا المخدرات في الأردن

الدفوع القانونية في قضايا المخدرات

الباب الأول: الدفوع القانونية في قضايا المخدرات في القانون الأردني،النظرية العامة

تمهيد:

تُعد جرائم المخدرات من أكثر الجرائم تعقيداً في النظام الجنائي الأردني، لما تتميز به من طبيعة خاصة تجمع بين خطورة السلوك الإجرامي من جهة، وتشدد السياسة العقابية التي انتهجها المشرع الأردني من جهة أخرى، فضلاً عن ارتباطها بإجراءات استدلال وتحقيق تتسم بخصوصية تختلف عن كثير من الجرائم التقليدية.

ويظهر هذا التميز في منح أجهزة إنفاذ القانون صلاحيات واسعة في جمع الاستدلالات، وإجراء التحريات، واستصدار أوامر القبض والتفتيش، وضبط المواد المخدرة وتحريزها وإخضاعها للفحص المخبري، الأمر الذي يجعل سلامة الإجراءات من أهم عناصر المشروعية الجزائية.

ومن ثم، فإن نجاح الدفاع في قضايا المخدرات لا يتوقف على مناقشة الواقعة الإجرامية ذاتها، وإنما يمتد إلى فحص جميع الإجراءات التي سبقت إقامة الدعوى الجزائية، والتحقق من مدى التزام السلطات المختصة بالضمانات الدستورية والقانونية التي رسمها المشرع لحماية الحرية الشخصية وتحقيق المحاكمة العادلة.

ولذلك، فإن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات تمثل الأداة الرئيسة التي يمارس من خلالها الدفاع دوره في مراقبة مشروعية الإجراءات، ومناقشة الأدلة، والطعن في سلامة الاستنتاجات التي بنت عليها النيابة العامة ومحكمة الموضوع قناعتهما.

وتزداد أهمية هذه الدفوع بالنظر إلى أن غالبية قضايا المخدرات تعتمد على الأدلة الفنية والاعترافات وإجراءات الضبط والتفتيش والتحريات، وهي جميعها تخضع لرقابة القضاء من حيث مشروعيتها وكفايتها للإدانة.

وقد أظهرت اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، من خلال عدد كبير من الأحكام التي جرى جمعها وتحليلها في هذه الدراسة، أن الفصل في قضايا المخدرات لا يقوم على مجرد ضبط المادة المخدرة، وإنما على توافر منظومة متكاملة من الشروط القانونية والإجرائية والموضوعية، وأن أي خلل جوهري في هذه المنظومة قد يؤدي إلى استبعاد الدليل أو تعديل الوصف القانوني أو الحكم بالبراءة، بحسب طبيعة الدفع وأثره في الدعوى.

ومن هنا، فإن هذه الدراسة لا تنظر إلى الدفوع باعتبارها وسائل شكلية لتعطيل سير العدالة، وإنما باعتبارها تجسيداً عملياً لمبدأ سيادة القانون، وضمانة أساسية لتحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع في مكافحة جرائم المخدرات، وحق الفرد في محاكمة عادلة تقوم على أدلة مشروعة وإجراءات صحيحة.

كما أن التطور المستمر في اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، وما صاحب ذلك من توسع في تفسير بعض النصوص المتعلقة بالحيازة، والإحراز، والتخزين، والنقل، وتعاطي وترويج المواد المخدرة، والاتجار، والقصد الجرمي، وسلطة المحكمة في تعديل الوصف القانوني، يستوجب إعادة بناء نظرية متكاملة للدفوع القانونية في قضايا المخدرات، تستند إلى النصوص التشريعية من جهة، وإلى المبادئ القضائية المستقرة من جهة أخرى، بعيداً عن العرض التقليدي الذي يقتصر على تعداد الدفوع دون تحليل فلسفتها أو شروطها أو آثارها.

وتنبع أهمية هذه الدراسة كذلك من أنها تتناول الدفوع بوصفها نظاماً قانونياً متكاملاً، يبدأ منذ مرحلة جمع الاستدلالات، ويمتد إلى التحقيق الابتدائي، ثم المحاكمة، وصولاً إلى الطعن أمام محكمة التمييز. وعليه، فإن كل إجراء من إجراءات الدعوى الجزائية يقابله دفع قانوني محتمل، ولكل دفع شروطه وأثره وحدود إثارته، وهو ما سيتم بيانه تفصيلاً في الفصول اللاحقة.

ولا يقتصر نطاق الدراسة على بيان الأحكام القانونية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل التطبيقات القضائية، وبيان اتجاهات القضاء الأردني، واستنباط المبادئ العامة الحاكمة للدفوع في جرائم المخدرات، مع المقارنة عند الحاجة بالفقه والاجتهاد المقارن، كلما كان ذلك معيناً على تفسير النصوص الوطنية أو فهم فلسفتها دون الإخلال بأولوية الاجتهاد الأردني.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى وضع إطار علمي ومنهجي شامل للدفوع القانونية في قضايا المخدرات، يجمع بين التأصيل التشريعي، والتحليل الفقهي، والتطبيق القضائي، والممارسة العملية، بما يجعلها مرجعاً متخصصاً للقضاة والمحامين والباحثين وطلبة الدراسات العليا، ويسهم في إثراء المكتبة القانونية الأردنية بدراسة متخصصة تعتمد على الاجتهاد القضائي بوصفه المصدر العملي لتفسير القانون وتطبيقه.

 

 

المبحث الأول: ماهية الدفوع القانونية في قضايا المخدرات وطبيعتها القانونية

 

المطلب الأول: مفهوم الدفوع القانونية في قضايا المخدرات

إذا كانت الدعوى الجزائية تمثل الوسيلة التي تمارس من خلالها الدولة حقها في العقاب، فإن الدفوع القانونية تمثل الوسيلة المقابلة التي منحها القانون للمتهم للدفاع عن حريته وحقوقه، وهي الأداة التي يتحقق من خلالها التوازن بين مصلحة المجتمع في ملاحقة مرتكبي الجرائم، ومصلحة الفرد في ألا يُدان إلا بناءً على إجراءات مشروعة وأدلة قانونية يقينية.

ولا يختلف هذا المبدأ في جرائم المخدرات، إلا أن تطبيقه يكتسب أهمية مضاعفة بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لهذه الجرائم؛ إذ إن أغلبها يقوم على إجراءات استدلال وتحقيق معقدة تبدأ بالتحريات السرية، وتمر بالمراقبة والكمائن والضبط والقبض والتفتيش وتحريز المواد المضبوطة وإرسالها إلى المختبر الجنائي، ثم إقامة الدليل الفني والاعترافات وأقوال رجال الضابطة العدلية. ومن ثم، فإن أي خلل في إحدى هذه الحلقات قد يؤدي إلى سقوط الدليل أو استبعاده أو إضعاف قيمته الإثباتية، وهو ما يجعل الدفوع القانونية محوراً أساسياً في بناء الدفاع في هذا النوع من القضايا.

ولئن خلا قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني من تعريف جامع للدفع، فإن الفقه استقر على أن الدفع هو وسيلة قانونية يتمسك بها الخصم بقصد منع المحكمة من الاستمرار في نظر الدعوى، أو منعها من الأخذ بدليل معين، أو الوصول إلى نتيجة قانونية تؤدي إلى البراءة أو إلى تعديل الوصف القانوني أو إلى انقضاء الدعوى أو عدم قبولها أو بطلان أحد إجراءاتها.

غير أن هذا التعريف، على أهميته، لا يكفي لبيان خصوصية الدفوع في جرائم المخدرات؛ إذ إن هذه الدفوع لا تنصرف إلى مناقشة الوقائع وحدها، وإنما تمتد إلى مراقبة مشروعية جميع مراحل الدعوى الجزائية، بدءاً من أول إجراء استدلالي قامت به إدارة مكافحة المخدرات، وانتهاءً بالحكم الصادر عن محكمة الموضوع، بل وحتى أثناء نظر الطعن أمام محكمة التمييز.

ومن خلال استقراء أحكام محكمة التمييز الأردنية التي جرى جمعها لهذه الدراسة، يتبين أن القضاء الأردني يتعامل مع الدفع في قضايا المخدرات بوصفه وسيلة قانونية لإخضاع جميع إجراءات الدعوى لرقابة القضاء، دون أن يقتصر دوره على مجرد مناقشة الوقائع.

ولذلك نجد أن كثيراً من الأحكام لم تكتفِ بفحص الأدلة الموضوعية، وإنما بحثت ابتداءً في صحة القبض، وسلامة التفتيش، ومشروعية التحريات، وصحة الاعتراف، وسلامة التحريز، واتصال المضبوطات بالمتهم، ومدى توافر القصد الجرمي، ثم بنت قناعتها النهائية على نتيجة هذه الرقابة الشاملة. وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في الأحكام التي ناقشت حدود سلطة المحكمة في تعديل الوصف القانوني، ومفهوم التخزين والنقل، وتوافر قصد الاتجار، وحجية الاعتراف القضائي، وتطبيق المادة (27) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية المتعلقة بالإعفاء من العقوبة.

 

ومن ثم، فإن الدفع في قضايا المخدرات يمكن تعريفه بأنه:

“وسيلة قانونية يتمسك بها المتهم أو وكيله للطعن في مشروعية الإجراءات أو في سلامة الأدلة أو في توافر أركان الجريمة أو في صحة التكييف القانوني أو في استحقاق العقوبة، بقصد الوصول إلى البراءة أو استبعاد الدليل أو تعديل الوصف القانوني أو انقضاء الدعوى أو تخفيف المسؤولية الجزائية.”

ويُلاحظ على هذا التعريف أنه يجمع بين الجانب الإجرائي والجانب الموضوعي، ولا يقصر الدفع على نوع معين من الدفوع، لأن الواقع العملي أمام محكمة أمن الدولة ومحكمة التمييز الأردنية يثبت أن الدفاع في جرائم المخدرات غالباً ما يقوم على مجموعة مترابطة من الدفوع؛ فقد يبدأ بالدفع ببطلان القبض، ثم ينتقل إلى بطلان التفتيش، ثم ينازع في التحريز، ثم في التقرير المخبري، ثم في القصد الخاص، ثم في الوصف القانوني، وصولاً إلى الدفع بعدم كفاية الأدلة أو بانتفاء أركان الجريمة.

ويتميز الدفع في جرائم المخدرات عن غيره من الدفوع في الجرائم التقليدية بعدة خصائص.

فهو أولاً يتعامل مع أدلة يغلب عليها الطابع الفني والعلمي، كالتقارير المخبرية وتحليل العينات، وهو ما يفرض على الدفاع مناقشة هذه الأدلة من زاويتين:

زاوية المشروعية الإجرائية، وزاوية الحجية العلمية.

وهو ثانياً يرتبط في كثير من الأحيان بإجراءات سرية، كالتحريات والكمائن والمراقبة، الأمر الذي يفرض رقابة قضائية دقيقة على مدى احترام هذه الإجراءات للضمانات القانونية.

وهو ثالثاً يتصل بجرائم اشترط المشرع لقيام بعضها توافر قصد خاص، كما في الاتجار والترويج والتخزين بقصد الاتجار، مما يجعل من منازعة هذا القصد أحد أهم محاور الدفاع.

كما أن خصوصية هذه الدفوع لا ترجع فقط إلى طبيعة الجريمة، وإنما إلى السياسة التشريعية التي اتبعها المشرع الأردني في مكافحة المخدرات، إذ اتسمت هذه السياسة بالتشدد في التجريم والعقاب، مقابل الإبقاء على الضمانات الإجرائية التي لا يجوز المساس بها.

ولذلك فإن القضاء الأردني لم يعتبر خطورة الجريمة مبرراً لتجاوز قواعد الإجراءات أو إهدار حقوق الدفاع، بل ظل متمسكاً بمبدأ أن مكافحة المخدرات، مهما بلغت أهميتها، يجب أن تتم في إطار سيادة القانون واحترام الشرعية الإجرائية.

ومن هنا، فإن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات ليست مجرد وسائل دفاع شكلية أو محاولات للإفلات من العقاب، وإنما تمثل أحد أهم تطبيقات مبدأ الشرعية الجزائية، وتجسد عملياً الرقابة القضائية على أعمال الضابطة العدلية والنيابة العامة، وتضمن ألا تقوم الإدانة إلا على دليل مشروع وقناعة يقينية مستخلصة من إجراءات صحيحة وأدلة قانونية متماسكة.

وتأسيساً على ما تقدم، فإن دراسة الدفوع في هذا المجال لا ينبغي أن تقتصر على بيان النصوص القانونية، بل يجب أن تنصرف إلى تحليل فلسفة كل دفع، وشروطه، وأثره، واتجاه القضاء الأردني بشأنه، وهو النهج الذي ستسير عليه هذه الدراسة في جميع أبوابها وفصولها، بحيث يُخصص لكل دفع مبحث مستقل يجمع بين التأصيل التشريعي، والتحليل الفقهي، والتطبيق القضائي، والاستراتيجية العملية لإثارته أمام المحاكم.

 

 

المطلب الثاني: الأساس الدستوري والتشريعي للدفوع القانونية في قضايا المخدرات في الاردن

 

أولاً: الأساس الدستوري للدفوع القانونية

إن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات لا تستمد مشروعيتها من قانون أصول المحاكمات الجزائية أو من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية فحسب، وإنما ترتكز قبل ذلك على ضمانات دستورية راسخة تشكل الإطار الأعلى للشرعية الجنائية في الدولة.

فالدستور الأردني، بوصفه الوثيقة القانونية الأسمى، لم ينظم إجراءات التحقيق والمحاكمة تنظيماً تفصيلياً، إلا أنه قرر مجموعة من المبادئ التي أصبحت تشكل المرجعية الأساسية لكل إجراء جزائي، ولكل دفع يثار أمام القضاء.

ويأتي في مقدمة هذه المبادئ مبدأ سيادة القانون، الذي يفرض خضوع جميع سلطات الدولة، بما فيها الضابطة العدلية والنيابة العامة والمحاكم، لأحكام القانون، بحيث لا يجوز مباشرة أي إجراء يمس حرية الفرد أو حقوقه إلا في الحدود التي رسمها المشرع.

ويترتب على ذلك أن أي إجراء يتم خارج هذه الحدود يعد إجراءً غير مشروع، ويجوز للدفاع الطعن فيه بالدفوع المقررة قانوناً.

كما يستند نظام الدفوع إلى مبدأ الحرية الشخصية، الذي يعد من أهم الحقوق الدستورية.

فالقبض والتوقيف والتفتيش ليست امتيازات مطلقة للسلطات المختصة، وإنما هي استثناءات على الأصل العام المتمثل في حرية الإنسان، ولا يجوز التوسع في تفسيرها أو تطبيقها.

ولذلك فإن رقابة القضاء على مشروعية هذه الإجراءات تعد تطبيقاً مباشراً للضمانات الدستورية، وليست مجرد رقابة شكلية على أعمال الضابطة العدلية.

ومن المبادئ الدستورية التي يقوم عليها نظام الدفوع أيضاً حق الدفاع، الذي لا يقتصر على تمكين المتهم من توكيل محامي أو تقديم بيناته، وإنما يمتد إلى منحه الحق الكامل في مناقشة جميع الأدلة، والطعن في مشروعيتها، وإثارة كل دفع من شأنه التأثير في سلامة الدعوى.

ويترتب على ذلك أن المحكمة تلتزم بالرد على الدفوع الجوهرية التي يمكن أن تغير وجه الرأي في الدعوى، وإلا شاب حكمها القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.

وتتصل بذلك قرينة البراءة، التي تعد حجر الزاوية في النظام الجزائي بأكمله.

فالأصل في الإنسان البراءة، ولا تنتقل المحكمة إلى الإدانة إلا إذا قامت أدلة قانونية يقينية تثبت ارتكابه للجريمة.

ومن ثم فإن جميع الدفوع القانونية إنما تهدف، في حقيقتها، إلى اختبار مدى قدرة أدلة الإثبات على هدم هذه القرينة، فإذا بقي الشك قائماً أو ثبت بطلان أحد الأدلة الجوهرية، بقيت قرينة البراءة قائمة ومنتجة لآثارها.

 

ثانياً: الأساس التشريعي للدفوع

يقوم النظام القانوني للدفوع في قضايا المخدرات في الأردن على منظومة تشريعية متكاملة، لا يقتصر تطبيقها على قانون واحد، وإنما تتوزع أحكامها بين عدة تشريعات تتكامل فيما بينها.

ويأتي قانون المخدرات والمؤثرات العقلية في مقدمة هذه التشريعات، إذ يحدد الأفعال المجرمة، وأركانها، والعقوبات المقررة لها، والحالات التي يجوز فيها الإعفاء من العقوبة أو تخفيفها، كما يميز بين صور النشاط الإجرامي المختلفة، كالتعاطي، والحيازة، والإحراز، والنقل، والتخزين، والتصنيع، والاستيراد، والتصدير، والاتجار، والتوزيع، والترويج، والتعامل بالمستحضرات.

وهذا التمييز التشريعي ينعكس مباشرة على طبيعة الدفوع التي يمكن إثارتها في كل جريمة، إذ تختلف الدفوع المتعلقة بجريمة التعاطي عن تلك التي تثار في جرائم الاتجار أو ترويج المخدرات أو التخزين بقصد الاتجار.

أما قانون أصول المحاكمات الجزائية، فهو الإطار الإجرائي الذي تستند إليه معظم الدفوع في القضايا الجزائية، إذ ينظم قواعد الاختصاص، والتحقيق، والقبض، والتوقيف، والتفتيش، والضبط، والإثبات، والمحاكمة، والطعن، ويحدد حالات البطلان وآثارها.

ولذلك فإن غالبية الدفوع الإجرائية في قضايا المخدرات تجد أساسها المباشر في هذا القانون، سواء تعلق الأمر ببطلان القبض، أو بطلان التفتيش، أو عدم الاختصاص، أو بطلان الاعتراف، أو مخالفة قواعد الإثبات.

ويؤدي قانون العقوبات دوراً مكملاً، ولا سيما فيما يتعلق بالأسباب المخففة، والعقوبة الأشد، وتعدد الجرائم، والمساهمة الجنائية، والشروع، والإعفاءات العامة، وغيرها من الأحكام التي يكثر تطبيقها في قضايا المخدرات.

كما تكتسب قواعد قانون البينات أهمية خاصة، لأن منازعة الدليل تعد من أهم صور الدفاع في هذا النوع من القضايا.

فالقاضي لا يبني قناعته على مجرد وجود مادة مخدرة، وإنما على سلامة الدليل الذي يربط هذه المادة بالمتهم، وعلى مشروعية الوسيلة التي تم الحصول بها على هذا الدليل.

 

ثالثاً: العلاقة بين الشرعية الإجرائية والشرعية الموضوعية

من أبرز الخصائص التي تميز الدفوع القانونية في قضايا المخدرات أن نجاحها قد يكون راجعاً إلى خلل في الإجراءات، كما قد يكون راجعاً إلى انتفاء أحد أركان الجريمة.

ومن هنا ظهر في الفقه والقضاء التمييز بين الشرعية الإجرائية والشرعية الموضوعية.

فالشرعية الإجرائية تعني التزام سلطات الضبط والتحقيق والمحاكمة بالإجراءات الجزائية التي رسمها القانون، بحيث يكون كل إجراء صادراً عن جهة مختصة، وفي الوقت المحدد، وبالطريقة التي أوجبها القانون.

أما الشرعية الموضوعية فتنصرف إلى توافر أركان الجريمة ذاتها، من ركن مادي، وركن معنوي، وعلاقة سببية، ووصف قانوني صحيح.

وتظهر أهمية هذا التمييز في أن بطلان الإجراء قد يؤدي إلى استبعاد الدليل، حتى لو كان المتهم قد ارتكب الفعل فعلاً، في حين أن انتفاء أحد أركان الجريمة يؤدي إلى البراءة ولو كانت الإجراءات صحيحة.

ولذلك فإن المحامي الناجح في قضايا المخدرات لا يكتفي بالتركيز على أحد الجانبين، وإنما يبني دفاعه على محورين متوازيين:

الأول هو اختبار مشروعية جميع الإجراءات، والثاني هو مناقشة مدى توافر أركان الجريمة والقصد الجرمي والوصف القانوني.

ولهذا السبب، فإن الدفوع في جرائم المخدرات تشكل منظومة متكاملة، لا يجوز النظر إلى أي دفع منها بمعزل عن بقية الدفوع، لأن الإخلال بإجراء واحد قد ينعكس على سلامة جميع الأدلة اللاحقة، كما أن سقوط ركن واحد من أركان الجريمة قد يؤدي إلى انهيار البناء القانوني للدعوى بأكمله.

وبناءً على ذلك، فإن الدراسة ستتناول في الفصول اللاحقة الدفوع الإجرائية والموضوعية باعتبارها أجزاء مترابطة من نظرية قانونية واحدة، هدفها النهائي ضمان ألا يصدر حكم بالإدانة إلا إذا ثبتت الجريمة بدليل مشروع، وقامت جميع أركانها وفقاً للقانون، واقتنعت المحكمة بذلك اقتناعاً جازماً لا يداخله شك معقول.

 

 

المطلب الثالث: الطبيعة القانونية للدفوع في قضايا المخدرات وأثرها في الدعوى الجزائية

 

أولاً: الطبيعة القانونية للدفوع

يثير تحديد الطبيعة القانونية للدفوع في قضايا المخدرات إشكالية فقهية وقضائية ذات أهمية بالغة، إذ لا يمكن بناء نظام متكامل للدفوع دون تحديد موقعها من النظرية العامة للدعوى الجزائية.

فالدفع ليس مجرد وسيلة إجرائية يلجأ إليها الدفاع لتعطيل السير في الدعوى، كما أنه ليس مجرد إنكار لواقعة مادية أو منازعة في دليل من الأدلة، وإنما يمثل نظاماً قانونياً متكاملاً يباشر من خلاله المتهم حقه الدستوري في الدفاع، وتمارس المحكمة من خلاله رقابتها على مشروعية الإجراءات وصحة تطبيق القانون.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفوع القانونية في جرائم المخدرات تعد من أهم مظاهر مبدأ الشرعية الجزائية، لأنها تكفل خضوع جميع إجراءات الدعوى لرقابة القضاء، وتمنع السلطات القائمة على إنفاذ القانون من تجاوز الحدود التي رسمها المشرع عند جمع الأدلة أو مباشرة التحقيق أو إقامة الدعوى.

ويترتب على ذلك أن وظيفة الدفع لا تنحصر في تحقيق مصلحة خاصة للمتهم، وإنما تمتد إلى حماية المصلحة العامة ذاتها، لأن احترام قواعد الإجراءات الجزائية يحقق العدالة ويصون الثقة بالقضاء، ويحول دون إدانة الأشخاص بناءً على أدلة تم الحصول عليها بوسائل غير مشروعة أو بإجراءات باطلة.

ومن خلال استقراء التطبيقات القضائية في قضايا المخدرات، يتبين أن القضاء الأردني لا ينظر إلى الدفع باعتباره وسيلة شكلية، وإنما باعتباره أداة قانونية لاختبار سلامة الدليل وصحة الإجراءات ومدى توافر أركان الجريمة، وهو ما يظهر بوضوح في الأحكام التي تناولت بطلان القبض والتفتيش، وسلامة التحريز، وحجية الاعتراف، وسلطة المحكمة في تعديل الوصف القانوني، والإعفاء من العقوبة، والقصد الخاص في جرائم الاتجار والترويج.

وقد برز ذلك أيضاً في الأحكام التي فرقت بين الاتجار والتوزيع والترويج، أو عدلت الوصف القانوني من الاتجار إلى الترويج أو من الترويج إلى التعامل بالمستحضرات متى لم تتوافر عناصر الوصف الأصلي.

 

ثانياً: الوظيفة القانونية للدفوع

لا تؤدي جميع الدفوع وظيفة واحدة، بل تختلف آثارها باختلاف طبيعتها والمرحلة التي تثار فيها.

 

ويمكن تمييز أربع وظائف رئيسية للدفوع في قضايا المخدرات.

1- الوظيفة الوقائية: ويقصد بها حماية الحقوق والحريات قبل أن يترتب على الإجراء الباطل أثره القانوني. فالدفع ببطلان القبض أو ببطلان التفتيش، إذا قُبل، يمنع الاستناد إلى ما ترتب على ذلك الإجراء من أدلة، ويحول دون انتقال البطلان إلى بقية مراحل الدعوى.

2- الوظيفة الرقابية: تمارس المحكمة من خلال الدفوع رقابتها على أعمال الضابطة العدلية والنيابة العامة، فتتحقق من مدى التزامها بالقانون، ومن سلامة أوامر القبض والتفتيش، وصحة التحريات، واتصال الأحراز، وصحة التقارير الفنية، ومدى احترام الضمانات المقررة للمتهم.

3- الوظيفة التصحيحية: قد لا يؤدي الدفع إلى إنهاء الدعوى، وإنما يترتب عليه تصحيح مسارها. ومن أمثلة ذلك تعديل الوصف القانوني للجريمة، أو استبعاد دليل معين مع الإبقاء على الأدلة الأخرى، أو إعادة تكييف الواقعة وفق النص القانوني الصحيح، وهو ما يمثل أحد أبرز تطبيقات مبدأ خضوع المحكمة للقانون دون التقيد بالوصف الذي أسبغته النيابة العامة على الواقعة.

4- الوظيفة الضمانية: تعد هذه الوظيفة من أهم وظائف الدفوع، لأنها تكفل تحقيق المحاكمة العادلة، وتضمن مساواة الخصوم، وتمكين الدفاع من مناقشة الأدلة والطعن في مشروعيتها، وتمنع صدور حكم بالإدانة استناداً إلى دليل غير مشروع أو إجراء باطل.

 

ثالثاً: الخصائص المميزة للدفوع في قضايا المخدرات

تتميز الدفوع في هذا المجال بعدد من الخصائص التي تجعلها تختلف عن الدفوع في كثير من الجرائم الأخرى.

أولاً: أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإجراءات الفنية، إذ تعتمد الدعوى غالباً على نتائج الفحص المخبري، وسلامة أخذ العينات، والتحريز، وسلسلة الحيازة، وهو ما يفرض على الدفاع مناقشة هذه الجوانب بدقة علمية وقانونية.

ثانياً: أنها تقوم في كثير من الأحيان على أدلة مصدرها الضابطة العدلية، كالتحريات والكمائن والاعترافات والضبط، الأمر الذي يجعل رقابة القضاء على مشروعية هذه الأدلة أكثر أهمية من الجرائم التي تعتمد على أدلة مباشرة أو علنية.

ثالثاً: أن كثيراً من جرائم المخدرات تقوم على قصد خاص، كالاتجار أو الترويج أو التخزين بقصد الاتجار، مما يجعل الدفع بانتفاء هذا القصد من أكثر الدفوع تأثيراً في تغيير الوصف القانوني أو استبعاد المسؤولية عن الجريمة الأشد.

رابعاً: أن نتائج الدفع قد لا تقتصر على استبعاد دليل بعينه، بل قد تمتد إلى انهيار البناء الإثباتي للدعوى بأكمله، إذا كان ذلك الدليل يمثل الأساس الذي بنيت عليه بقية الأدلة، كما في حالة بطلان القبض الذي ترتب عليه التفتيش، أو بطلان التفتيش الذي كشف عن المضبوطات، أو بطلان التحريز الذي ألقى ظلالاً من الشك على سلامة العينات المفحوصة.

 

رابعاً: الدفوع كوسيلة لتحقيق العدالة لا كوسيلة للإفلات من العقاب

من الأخطاء الشائعة النظر إلى الدفوع القانونية على أنها وسائل شكلية يلجأ إليها الدفاع لتعطيل العدالة أو تمكين المذنب من الإفلات من العقاب.

وهذا التصور لا ينسجم مع فلسفة العدالة الجنائية الحديثة، التي تقوم على أن احترام الإجراءات ليس غاية مستقلة، وإنما هو الوسيلة التي تكفل الوصول إلى الحقيقة القضائية بطريقة مشروعة.

فالدولة، وهي تمارس حقها في العقاب، تلتزم في الوقت ذاته باحترام القيود التي فرضها الدستور والقانون على سلطاتها.

وإذا تجاوزت هذه القيود، فإن الجزاء لا يكون حمايةً للمتهم فحسب، وإنما حمايةً لهيبة القانون ذاته، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد معاقبة الجاني، وإنما تتحقق أيضاً بضمان أن تكون الإدانة ثمرة إجراءات قانونية سليمة وأدلة مشروعة وقناعة قضائية يقينية.

ومن ثم، فإن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات تمثل الضمانة الحقيقية لتحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع في مكافحة هذه الجرائم، وحق الفرد في محاكمة عادلة، وهو توازن يشكل أحد أهم الأسس التي يقوم عليها النظام الجزائي الأردني.

 

خاتمة المطلب

يتضح مما تقدم أن الدفوع القانونية في جرائم المخدرات ليست قواعد متفرقة أو وسائل دفاع مستقلة، وإنما تشكل نظرية قانونية متكاملة تستند إلى الشرعية الدستورية والتشريعية، وتؤدي وظائف متعددة تبدأ بحماية الحقوق والحريات، وتمر برقابة مشروعية الإجراءات، وتنتهي بضمان سلامة الحكم الجزائي.

ومن هنا، فإن فهم طبيعة هذه الدفوع يمثل المدخل الحقيقي لدراسة جميع الدفوع الإجرائية والموضوعية التي ستتناولها الفصول اللاحقة، والتي سيُخصص لكل منها تحليل مستقل في ضوء النصوص القانونية والاجتهادات القضائية الأردنية.

 

 

المبحث الثاني: التصنيف العلمي للدفوع القانونية في قضايا المخدرات

تمهيد

لم يضع المشرع الأردني في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية أو في قانون أصول المحاكمات الجزائية تصنيفاً تشريعياً للدفوع القانونية، كما لم يضع القضاء معياراً جامعاً لتقسيمها، وإنما جاءت النصوص القانونية موزعة بحسب مراحل الدعوى، بينما توزعت التطبيقات القضائية بين مئات الأحكام التي عالجت كل دفع في سياقه الخاص.

وقد أدى ذلك إلى ظهور اتجاهات متعددة في الفقه؛ فمنهم من قسم الدفوع إلى دفوع شكلية ودفوع موضوعية، ومنهم من اعتمد معيار النظام العام، ومنهم من جعل أساس التصنيف مرحلة الخصومة الجزائية، في حين اتجه فريق آخر إلى تصنيفها بحسب الأثر الذي يترتب على قبولها.

ويرى الباحث المحامي محمد زهير العبادي أن هذه التصنيفات، على أهميتها، لا تكفي لبناء نظرية متكاملة للدفوع في جرائم المخدرات، لأن خصوصية هذه الجرائم تفرض اعتماد تصنيف وظيفي يجمع بين طبيعة الإجراء، وموضوع الدفع، وأثره العملي، والمرحلة التي يثار فيها، وهو ما يحقق فهماً أدق للتطبيقات القضائية الأردنية.

وانطلاقاً من ذلك، تقترح هذه الدراسة تصنيف الدفوع في قضايا المخدرات إلى خمس مجموعات رئيسية، يتفرع عنها عدد كبير من الدفوع الفرعية، بحيث يغطي هذا التصنيف جميع مراحل الدعوى الجزائية منذ لحظة التحري وحتى صدور الحكم القطعي.

 

المطلب الأول: الدفوع المتعلقة بالنظام العام

تعد الدفوع المتعلقة بالنظام العام من أخطر الدفوع في الدعوى الجزائية، لأنها تمس الأساس الذي تقوم عليه الخصومة، ولا ترتبط بمصلحة الخصوم وحدهم، وإنما تتصل بحسن سير العدالة واحترام قواعد الاختصاص والإجراءات الجوهرية التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.

ويتميز هذا النوع من الدفوع بعدة خصائص؛ فهو يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى، كما يجوز للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك به المتهم أو النيابة العامة، ولا يسقط بعدم التمسك به متى تعلق بقاعدة آمرة.

 

ومن أبرز الدفوع التي تندرج تحت هذا التصنيف:

1- الدفع بعدم الاختصاص الولائي.

2- الدفع بعدم الاختصاص النوعي.

3- الدفع بعدم الاختصاص المكاني في الحالات التي يقررها القانون.

4- الدفع ببطلان تشكيل المحكمة.

5- الدفع بعدم جواز تحريك الدعوى.

6- الدفع بانقضاء الدعوى الجزائية.

7- الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها.

8- الدفع بعدم صحة الخصومة الجزائية.

9- الدفع بانعدام الصفة.

10- الدفع بعدم قبول الدعوى.

وتظهر أهمية هذه الدفوع في قضايا المخدرات بوجه خاص عندما تتعلق باختصاص محكمة أمن الدولة أو بسلامة تحريك الدعوى من قبل الجهة المختصة أو بتوافر الشروط القانونية للملاحقة الجزائية.

 

المطلب الثاني: الدفوع المتعلقة بمشروعية إجراءات الاستدلال والتحقيق

تمثل هذه المجموعة أكبر أبواب الدفوع في قضايا المخدرات، إذ إن غالبية الأحكام القضائية في هذا المجال تدور حول مدى مشروعية الإجراءات التي سبقت إقامة الدعوى.

ويبدأ نطاق هذه الدفوع منذ أول تحرٍ تجريه إدارة مكافحة المخدرات، ويمتد حتى انتهاء التحقيق الابتدائي، ويشمل جميع الإجراءات التي من شأنها إنتاج الأدلة التي ستبنى عليها الدعوى لاحقاً.

 

وتندرج تحت هذا التصنيف الدفوع الآتية:

– بطلان التحريات.

– عدم جدية التحريات.

– بطلان الإذن.

– انتهاء مدة الإذن.

– تجاوز حدود الإذن.

– القبض قبل صدور الإذن.

– القبض بعد انتهاء الإذن.

– بطلان القبض.

– انتفاء حالة التلبس.

– بطلان التفتيش.

– تجاوز حدود التفتيش.

– تفتيش غير الأشخاص المأذون بتفتيشهم.

– تفتيش أماكن غير واردة في الإذن.

– مخالفة إجراءات الضبط.

– بطلان التحريز.

– انقطاع سلسلة الحيازة.

– العبث بالأحراز.

– اختلاف الأوزان.

– اختلاف العينات.

– بطلان أخذ العينة.

– بطلان التقرير المخبري.

– بطلان الخبرة.

ويمثل هذا الباب العمود الفقري للدفاع في معظم قضايا المخدرات، لأن قبول أحد هذه الدفوع قد يؤدي إلى استبعاد الدليل الذي قامت عليه الدعوى بأكملها.

 

المطلب الثالث: الدفوع المتعلقة بالدليل الجزائي

بعد اجتياز مرحلة مشروعية الإجراءات، ينتقل الدفاع إلى مناقشة قوة الأدلة ذاتها، ومدى صلاحيتها للإثبات، حتى وإن كانت قد جمعت بإجراءات صحيحة.

 

وتشمل هذه الدفوع:

– بطلان الاعتراف.

– الإكراه المادي أو المعنوي.

– مخالفة الاعتراف للحقيقة.

– عدم اطمئنان المحكمة للاعتراف.

– تناقض أقوال الشهود.

– تناقض رجال الضابطة العدلية.

– شيوع الاتهام.

– تلفيق التهمة.

– الكيدية.

– عدم كفاية الأدلة.

– تضارب الأدلة.

– استحالة الواقعة.

– انقطاع رابطة السببية بين الدليل والمتهم.

– عدم اتصال المضبوطات بالمتهم.

– ضعف الدليل الفني.

ويتميز هذا النوع من الدفوع بأنه لا يطعن في مشروعية الإجراء، وإنما يطعن في القيمة الإثباتية للدليل، وهو ما قد يقود إلى البراءة إذا لم يبق في الدعوى دليل يقيني يكفي للإدانة.

 

المطلب الرابع: الدفوع المتعلقة بأركان الجريمة

تتجه هذه الدفوع إلى مناقشة البناء القانوني للجريمة ذاتها، وليس الإجراءات أو الأدلة.

 

ومن أهمها:

– انتفاء الركن المادي للجريمة.

– انتفاء الركن المعنوي.

– انتفاء القصد الجرمي في قضايا المخدرات.

– انتفاء قصد الاتجار.

– انتفاء قصد الترويج.

– انتفاء قصد التخزين.

– انتفاء قصد النقل.

– عدم العلم بالمادة المخدرة.

– الحيازة العرضية.

– عدم السيطرة الفعلية.

– انتفاء علاقة المتهم بالمضبوطات.

– الخطأ في التكييف القانوني.

– انتفاء رابطة السببية.

– انتفاء الاشتراك الجرمي.

وهذا النوع من الدفوع يمثل جوهر المناقشة الموضوعية أمام المحكمة، ويستهدف إثبات أن الواقعة، حتى لو صحت من الناحية المادية، لا تشكل الجريمة المسندة إلى المتهم أو لا تستوفي جميع أركانها القانونية.

 

المطلب الخامس: الدفوع المتعلقة بالعقوبة وآثار الحكم

لا تنتهي مهمة الدفاع بثبوت المسؤولية الجزائية، وإنما تمتد إلى مناقشة العقوبة ذاتها، ومدى صحة تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بها.

 

وتشمل هذه الدفوع:

– الإعفاء من العقوبة.

– الأسباب المخففة التقديرية.

– الأعذار القانونية.

– تطبيق العقوبة الأشد.

– الخطأ في احتساب العقوبة.

– الخطأ في تطبيق التكرار.

– الخطأ في المصادرة.

– احتساب مدة التوقيف.

– وقف التنفيذ حيث يجيزه القانون.

– تصحيح الوصف بما يؤدي إلى عقوبة أخف.

ويلاحظ أن عدداً كبيراً من الطعون أمام محكمة التمييز في قضايا المخدرات يتركز في هذه المرحلة، سواء من حيث سلامة تطبيق النص العقابي أو من حيث حدود سلطة المحكمة في استعمال الأسباب المخففة أو تعديل الوصف القانوني.

 

الخلاصة

يتبين من هذا التصنيف أن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات لا تمثل مجموعة متفرقة من الوسائل الدفاعية، وإنما تشكل نظاماً قانونياً مترابطاً، يبدأ من الدفع المتعلق بالنظام العام، ويمر بالإجراءات والأدلة وأركان الجريمة، وينتهي بالعقوبة وآثار الحكم.

وهذا التصنيف سيكون هو الهيكل العلمي الذي ستسير عليه الدراسة في جميع أبوابها اللاحقة، بحيث يُخصص لكل مجموعة باب مستقل، ثم تُدرس كل وسيلة دفاع دراسة تحليلية مفصلة مدعومة بالنصوص والاجتهادات القضائية والتطبيقات العملية.

 

 

الفصل الأول: النظرية العامة للدفوع القانونية في قضايا المخدرات

 

المبحث الثالث: التمييز بين الدفوع القانونية والوسائل الدفاعية الأخرى في الدعوى الجزائية

 

تمهيد

يلاحظ من خلال التطبيق العملي أمام محكمة أمن الدولة ومحكمة التمييز الأردنية أن كثيراً من المرافعات الجزائية تخلط بين مفهوم الدفع القانوني، والدفوع الموضوعية، وأوجه الدفاع، والطلبات، والدفوع الشكلية، حتى أصبحت هذه المصطلحات تستعمل أحياناً على سبيل الترادف، رغم اختلاف آثارها القانونية واختلاف طبيعة كل منها.

ولا يقف أثر هذا الخلط عند الجانب النظري، بل يمتد إلى الجانب العملي؛ إذ قد يؤدي إلى ضياع حقوق الدفاع، أو إلى امتناع المحكمة عن بحث مسألة جوهرية، أو إلى سقوط حق المتهم في التمسك بدفع معين إذا أثير في غير أوانه أو صيغ بطريقة لا تتفق مع طبيعته القانونية.

ومن ثم، فإن بناء نظرية متكاملة للدفوع القانونية في جرائم المخدرات يقتضي ابتداءً التمييز بين الدفع وغيره من الوسائل التي يستعملها الدفاع أثناء الخصومة الجزائية.

 

المطلب الأول: التمييز بين الدفع القانوني وأوجه الدفاع الموضوعية

يقصد بالدفع القانوني الوسيلة التي يستند فيها الدفاع إلى قاعدة قانونية يترتب على تطبيقها أثر قانوني معين، كالحكم بعدم قبول الدعوى، أو ببطلان إجراء، أو باستبعاد دليل، أو بانتفاء ركن من أركان الجريمة، أو بتعديل الوصف القانوني.

أما أوجه الدفاع الموضوعية فهي المناقشات الواقعية التي يبديها الدفاع بقصد إقناع المحكمة بعدم صحة الوقائع أو بعدم كفاية الأدلة أو بترجيح رواية معينة على غيرها، دون أن يستند ذلك بالضرورة إلى قاعدة قانونية مستقلة.

فعندما يتمسك الدفاع بأن المتهم لم يكن موجوداً في مكان الضبط، أو أن أقوال الشهود غير دقيقة، أو أن زمن الواقعة يختلف عما ورد في لائحة الاتهام، فإن ذلك يعد من قبيل الدفاع الموضوعي الذي يدخل في سلطة محكمة الموضوع في تقدير الوقائع.

أما إذا تمسك الدفاع ببطلان القبض، أو بطلان التفتيش، أو بانعدام حالة التلبس، أو بعدم توافر القصد الخاص في جريمة الاتجار، فإن ذلك يعد دفعاً قانونياً، لأن الفصل فيه يخضع لقواعد قانونية محددة، ويترتب عليه أثر قانوني مستقل.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن المحكمة تلتزم بالرد على الدفوع الجوهرية متى كان من شأنها تغيير وجه الرأي في الدعوى، بينما لا تكون ملزمة بالرد استقلالاً على كل حجة أو مناقشة واقعية يثيرها الدفاع متى كان الرد عليها مستفاداً ضمناً من أسباب الحكم.

 

المطلب الثاني: التمييز بين الدفع والطلب

كثيراً ما يختلط الدفع بالطلب، مع أن كلا منهما يؤدي وظيفة قانونية مختلفة.

فالطلب هو الإجراء الذي يلتمس من خلاله الخصم من المحكمة اتخاذ عمل معين، كإجراء خبرة جديدة، أو استدعاء شاهد، أو إعادة تحليل المادة المضبوطة، أو ضم قضية أخرى، أو الكشف على مكان الضبط، أو استدعاء منظم الضبط، أو إمهال الدفاع لتقديم بيناته.

أما الدفع فلا يهدف إلى اتخاذ إجراء جديد، وإنما يرمي إلى ترتيب أثر قانوني على واقعة أو إجراء قائم بالفعل.

فالقول ببطلان التحريات هو دفع، أما طلب استدعاء منظم التحريات لسؤاله عن مصادر معلوماته فهو طلب.

والقول ببطلان التقرير المخبري هو دفع، أما طلب إعادة فحص العينة فهو طلب.

وقد يجتمع الدفع والطلب في آن واحد، إذ قد يتمسك الدفاع ببطلان التقرير المخبري، ويطلب احتياطياً إعادة التحليل بواسطة لجنة خبراء مختصة.

ومن هنا فإن حسن إدارة الدفاع يقتضي التمييز بين الطلب والدفع، لأن لكل منهما أحكامه وآثاره القانونية.

 

المطلب الثالث: التمييز بين الدفع والبطلان

من أكثر المسائل التي يثور حولها الجدل في الفقه الجزائي العلاقة بين الدفع والبطلان.

والصحيح أن البطلان ليس دفعاً، وإنما هو جزاء قانوني.

أما الدفع فهو الوسيلة التي يطلب بها الخصم من المحكمة تقرير هذا الجزاء.

فبطلان القبض ليس هو الدفع.

وإنما الدفع هو التمسك أمام المحكمة بأن القبض وقع مخالفاً للقانون، ومن ثم يجب القضاء ببطلانه.

وبعبارة أخرى، فإن البطلان يمثل النتيجة القانونية، بينما يمثل الدفع الوسيلة الإجرائية للوصول إلى تلك النتيجة.

ويترتب على هذا التمييز آثار مهمة، من أهمها أن المحكمة لا تقضي بالبطلان في كثير من الحالات من تلقاء نفسها، وإنما يجب أن يتمسك به من له مصلحة، ما لم يكن البطلان متعلقاً بالنظام العام.

 

المطلب الرابع: التمييز بين الدفع والدفع بعدم المسؤولية

تثور في قضايا المخدرات مجموعة من الدفوع التي لا تستهدف إنكار وقوع الفعل، وإنما تستهدف نفي المسؤولية الجزائية.

 

ومن أمثلة ذلك:

– انعدام الإدراك.

– المرض العقلي.

– الإكراه.

– حالة الضرورة.

– انتفاء الإرادة.

وهذه الدفوع تختلف عن الدفوع التي تنكر وقوع الجريمة أصلاً.

فالقول بعدم وجود المادة المخدرة، أو بعدم اتصالها بالمتهم، أو ببطلان التفتيش، يختلف عن القول بأن المتهم ارتكب الفعل لكنه لا يسأل عنه جزائياً لقيام مانع من موانع المسؤولية.

ويترتب على هذا التمييز اختلاف عبء الإثبات، واختلاف طبيعة الأدلة المطلوبة، واختلاف الأثر القانوني للحكم.

 

المطلب الخامس: التمييز بين الدفع والسبب القانوني للطعن

ينبغي عدم الخلط بين الدفوع التي تثار أمام محكمة الموضوع، والأسباب التي يبنى عليها الطعن أمام محكمة التمييز.

فالدفع قد يكون ببطلان القبض أو بطلان التفتيش أو انتفاء القصد الجرمي.

 

أما سبب الطعن أمام محكمة التمييز فقد يكون:

– مخالفة القانون.

– الخطأ في تطبيق القانون.

– القصور في التسبيب.

– فساد الاستدلال.

– الإخلال بحق الدفاع.

– بطلان الإجراءات.

– مخالفة قواعد الاختصاص.

ومن ثم، فإن عدم استجابة محكمة الموضوع لدفع جوهري لا يشكل بذاته سبباً للطعن، وإنما يتحول إلى سبب للطعن إذا شاب الحكم أحد العيوب القانونية المقررة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، كالإخلال بحق الدفاع أو القصور في التعليل أو مخالفة القانون.

 

النتائج العلمية للمبحث

يمكن استخلاص عدد من النتائج التي تمثل أساساً لما سيأتي من فصول:

1- الدفع القانوني يختلف عن الدفاع الموضوعي من حيث الطبيعة والأثر.

2- الطلب الإجرائي لا يغني عن الدفع، كما أن الدفع لا يقوم مقام الطلب.

3- البطلان ليس دفعاً، وإنما هو الجزاء الذي يترتب على قبول الدفع.

4- لا يجوز الخلط بين نفي الجريمة ونفي المسؤولية الجزائية.

5- لا تتحول الدفوع إلى أسباب للطعن أمام محكمة التمييز إلا إذا انعكس أثرها على سلامة الحكم أو على تطبيق القانون.

وهذه النتائج ستكون ذات أهمية كبيرة عند دراسة كل دفع على حدة في الأبواب التالية، إذ سيتبين أن كثيراً من الأحكام القضائية إنما بنت قضاءها على هذا التمييز الدقيق بين الوسائل القانونية المختلفة، وهو ما ينعكس مباشرة على نجاح أو فشل استراتيجية الدفاع في قضايا المخدرات.

ممتاز، الآن سنبدأ بالانتقال من النظرية العامة إلى الأساس الفلسفي والقضائي للدفوع.

 

وأرى أن هذا المبحث سيكون من أهم مباحث الكتاب، لأنه سيجيب عن سؤال لا تتناوله أغلب المؤلفات:

– لماذا شرع القانون الدفوع أصلاً في قضايا المخدرات؟

وهذا ما يميز المؤلفات المرجعية عن الكتب الشارحة.

 

المبحث الرابع: الأساس الفلسفي والقضائي للدفوع القانونية في قضايا المخدرات

تمهيد

إذا كانت السياسة الجنائية الحديثة قد اتجهت إلى تشديد العقوبات المقررة لجرائم المخدرات، فإن هذا التشدد لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما جاء استجابةً لخطورة هذه الجرائم وآثارها على الأمن الوطني والصحة العامة والاقتصاد والأسرة والمجتمع. إلا أن تشديد العقاب لا يعني إطلاق يد سلطات الضبط والتحقيق دون قيد، كما لا يعني التضحية بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة بحجة مكافحة الجريمة.

ومن هنا ظهرت أهمية الدفوع القانونية باعتبارها الضمانة التي تحقق التوازن بين مقتضيات السياسة الجنائية في مكافحة المخدرات وبين احترام الحقوق والحريات العامة.

فالعدالة الجنائية لا تقاس بعدد الأحكام الصادرة بالإدانة، وإنما تقاس بمدى سلامة الوسائل التي أوصلت المحكمة إلى تلك الإدانة.

ولهذا فإن نجاح أجهزة إنفاذ القانون في ضبط المواد المخدرة لا يغني عن ضرورة إثبات أن جميع الإجراءات التي اتخذت للوصول إلى هذا الضبط قد تمت وفقاً للقانون، وأن الأدلة التي استندت إليها النيابة العامة والمحكمة قد جمعت بوسائل مشروعة.

ومن ثم فإن الدفوع القانونية تمثل إحدى أهم وسائل الرقابة القضائية على السلطة العامة، لأنها تمنع تحول مكافحة الجريمة إلى مبرر للمساس بالضمانات الدستورية.

 

المطلب الأول: فلسفة الشرعية الإجرائية في جرائم المخدرات

يقوم النظام الجزائي الأردني على مبدأ أصيل مؤداه أن الشرعية لا تقتصر على النصوص الموضوعية التي تحدد الجرائم والعقوبات، وإنما تمتد لتشمل جميع الإجراءات التي تسبق صدور الحكم.

فالغاية من الإجراءات ليست مجرد تنظيم عمل الضابطة العدلية أو النيابة العامة، وإنما حماية الإنسان من التعسف، وضمان أن يكون كل دليل يقدم إلى المحكمة قد جُمع بطريقة مشروعة.

ولذلك فإن الشرعية الإجرائية تمثل الوجه الآخر لمبدأ الشرعية الجزائية.

فإذا كان المشرع لا يجيز معاقبة شخص إلا بناءً على نص، فإنه كذلك لا يجيز إثبات الجريمة إلا بواسطة إجراءات قانونية صحيحة.

ومن هنا فإن مخالفة الإجراءات لا تعد مخالفة شكلية فحسب، وإنما تمثل اعتداءً على مبدأ الشرعية ذاته.

ولهذا السبب قرر القضاء الأردني في العديد من أحكامه أن بطلان الإجراءات الجوهرية يؤدي إلى استبعاد ما ترتب عليها من أدلة متى كان بينهما ارتباط سببي مباشر، وهو ما يظهر بصورة خاصة في المنازعات المتعلقة بصحة القبض، والتفتيش، والتحريز، وسلامة الدليل الفني، ومشروعية الاعترافات.

وقد تجلى هذا الاتجاه في عدد من الأحكام التي تناولناها خلال مرحلة التجميع، حيث ناقشت المحاكم أثر بطلان الإجراءات على الأدلة اللاحقة وحدود سلطة المحكمة في إعادة تكييف الوقائع أو استبعاد بعض الأدلة مع الإبقاء على غيرها.

 

المطلب الثاني: العلاقة بين مكافحة المخدرات وحماية الحقوق الدستورية

تتبنى معظم التشريعات الحديثة سياسة تقوم على الجمع بين أمرين قد يبدوان متعارضين للوهلة الأولى.

 

الأول: تشديد مكافحة المخدرات.

والثاني: تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.

ولا يوجد تعارض حقيقي بين هذين الأمرين.

فالسياسة الجنائية الرشيدة لا تقوم على إهدار الحريات من أجل الوصول إلى الإدانة.

كما أنها لا تقوم على تعطيل الملاحقة بحجة حماية الحقوق.

وإنما تقوم على معادلة دقيقة مؤداها أن مكافحة المخدرات يجب أن تتم من خلال الوسائل التي أجازها القانون.

وهذا ما يفسر أن القضاء الأردني كثيراً ما يرفض دفوعاً تتعلق بالإجراءات إذا ثبت سلامتها قانوناً، وفي المقابل لا يتردد في استبعاد الأدلة التي يثبت أنها نتجت عن إجراء باطل أو مخالف للقانون، لأن قيمة الدليل لا تنفصل عن مشروعية الوسيلة التي تم الحصول بها عليه.

ومن هنا فإن احترام الحقوق الدستورية لا يعد عائقاً أمام مكافحة المخدرات، وإنما يمثل ضمانة لسلامة الأحكام الجزائية واستقرارها أمام محكمة التمييز.

 

المطلب الثالث: فلسفة عبء الإثبات في قضايا المخدرات

من المبادئ المستقرة في القانون الجزائي أن الأصل في الإنسان البراءة.

ولا تنتقل المحكمة إلى الإدانة إلا إذا تمكنت النيابة العامة من إقامة الدليل القانوني الكافي على جميع أركان الجريمة.

ولا يختلف الأمر في جرائم المخدرات، مهما بلغت خطورتها.

فلا يكلف المتهم بإثبات براءته.

ولا يلتزم بتقديم دليل على عدم ارتكابه للجريمة.

وإنما يقع عبء الإثبات كاملاً على عاتق سلطة الاتهام.

ومن هنا تظهر الأهمية العملية للدفوع القانونية.

فهي لا تنقل عبء الإثبات إلى المتهم.

وإنما تكشف للمحكمة أوجه القصور في الأدلة التي قدمتها النيابة العامة.

فالدفع ببطلان القبض لا يعني أن المتهم ملزم بإثبات براءته.

والدفع بانتفاء القصد الجرمي لا يعني أن المتهم مكلف بإثبات حسن نيته.

بل يقتصر دور الدفاع على بيان أن عناصر الإثبات التي قدمتها النيابة العامة لا تكفي وحدها للوصول إلى اليقين القضائي اللازم للإدانة.

وهذه القاعدة ستكون محوراً أساسياً عند دراسة جميع الدفوع الموضوعية في هذا الكتاب.

 

المطلب الرابع: سلطة المحكمة في مواجهة الدفوع

لا يكفي أن يثير الدفاع دفعاً قانونياً حتى يترتب أثره.

كما لا يجوز للمحكمة أن ترفضه بمجرد القول بعدم القناعة.

بل يجب عليها أن تتعامل مع كل دفع بحسب طبيعته القانونية.

فالدفوع المتعلقة بالنظام العام تلتزم المحكمة بإثارتها ولو من تلقاء نفسها.

والدفوع الجوهرية التي يمكن أن تغير وجه الرأي في الدعوى يجب أن تناقشها المحكمة مناقشة صريحة وجدية، وتبين أسباب قبولها أو رفضها.

أما الدفوع غير المنتجة أو التي ثبت للمحكمة عدم تأثيرها في النتيجة النهائية، فلا يلزمها الرد عليها استقلالاً متى كان الرد مستفاداً من الأسباب العامة للحكم.

ومن خلال استقراء أحكام محكمة التمييز الأردنية، يتبين أن معيار التفرقة بين الدفع الجوهري والدفع غير المنتج ليس شكله أو التسمية التي يطلقها الدفاع عليه، وإنما مدى تأثيره المحتمل في سلامة الحكم.

فإذا كان من شأن قبول الدفع أن يؤدي إلى البراءة، أو إلى استبعاد دليل جوهري، أو إلى تعديل الوصف القانوني، أو إلى تغيير العقوبة، تعين على المحكمة معالجته معالجة واضحة ومسببة، وإلا عُدّ حكمها معيباً بالقصور في التسبيب أو بالإخلال بحق الدفاع بحسب الأحوال.

 

النتائج العامة للمبحث

يمكن استخلاص عدد من المبادئ التي ستشكل الإطار النظري لبقية الكتاب:

1- الدفوع القانونية تمثل تطبيقاً عملياً لمبدأ الشرعية الجزائية.

2- احترام الإجراءات ليس شكلاً، بل ضمانة للوصول إلى الحقيقة القضائية.

3- تشديد العقوبات في جرائم المخدرات لا يبرر تجاوز الضمانات الدستورية.

4- عبء الإثبات يبقى على عاتق النيابة العامة طوال مراحل الدعوى.

5- قيمة الدليل ترتبط بمشروعية الوسيلة التي تم الحصول بها عليه.

6- المحكمة ملزمة بمعالجة كل دفع جوهري معالجة قانونية واضحة ومسببة.

7- نجاح الدفاع في قضايا المخدرات يقوم على الجمع بين منازعة الإجراءات ومناقشة أركان الجريمة، لا على الاكتفاء بأحدهما دون الآخر.

وبذلك يكتمل الإطار الفلسفي والقانوني للدفوع، تمهيداً للانتقال في الفصل التالي إلى دراسة الدفوع المتعلقة بالنظام العام في قضايا المخدرات، حيث تبدأ الدراسة التطبيقية التفصيلية لكل دفع على حدة، في ضوء التشريع الأردني واجتهادات محكمة التمييز التي جمعناها خلال هذا المشروع.

 

الباب الثاني: الدفوع المتعلقة بالنظام العام في قضايا المخدرات

تمهيد

تمثل الدفوع المتعلقة بالنظام العام قمة الهرم في نظرية الدفوع الجزائية، لأنها لا تتعلق بمصلحة المتهم وحده، ولا بحقوق النيابة العامة، وإنما تتصل بكيان العدالة الجزائية ذاتها.

فهي تعالج المسائل التي رأى المشرع أنها تمس النظام القضائي، أو قواعد الاختصاص، أو شروط صحة الدعوى الجزائية، أو سلامة تشكيل المحكمة، أو شرعية الملاحقة، ولذلك منحها أحكاماً تختلف عن بقية الدفوع.

وتكتسب هذه الدفوع أهمية مضاعفة في قضايا المخدرات؛ لأن هذه القضايا تخضع لإجراءات خاصة، وتباشرها جهات تحقيق وضبط متخصصة، وتنظرها محكمة مختصة، الأمر الذي يجعل أي خلل في قواعد الاختصاص أو في شروط تحريك الدعوى أو في تشكيل المحكمة مؤثراً في مشروعية جميع الإجراءات اللاحقة.

ولا يقتصر أثر هذه الدفوع على مرحلة المحاكمة، بل قد يثار بعضها لأول مرة أمام محكمة التمييز، بل إن بعضها يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها، ولو لم يتمسك به المتهم أو النيابة العامة، متى تعلق بقاعدة آمرة تمس النظام العام.

ومن خلال مراجعة اجتهادات محكمة التمييز الأردنية في قضايا المخدرات، يتبين أن المحكمة تعاملت مع هذا النوع من الدفوع بوصفه ضمانة لسلامة الخصومة الجزائية، لا بوصفه وسيلة إجرائية لصالح أحد الخصوم، ولذلك حرصت على التفرقة بين الدفوع المتعلقة بالنظام العام وبين الدفوع التي يقتصر أثرها على مصلحة المتهم، ورتبت على هذا التمييز آثاراً مهمة تتعلق بميعاد إبداء الدفع، وإمكان التنازل عنه، وسلطة المحكمة في إثارته من تلقاء نفسها.

وانطلاقاً من ذلك، فإن هذا الباب يتناول جميع الدفوع التي تمس النظام العام، ويحللها في ضوء التشريع الأردني واجتهادات محكمة التمييز، مع بيان أثر كل دفع في الدعوى الجزائية، واستراتيجية الدفاع في إثارته.

 

الفصل الأول: الدفع بعدم جواز تحريك الدعوى الجزائية

 

أولاً: ماهية الدفع

يقصد بالدفع بعدم جواز تحريك الدعوى الجزائية التمسك بعدم توافر أحد الشروط القانونية اللازمة لمباشرة النيابة العامة أو الجهة المختصة لإجراءات الملاحقة، بحيث تكون الدعوى قد أقيمت على خلاف القيود التي فرضها القانون، فيغدو تحريكها باطلاً أو غير جائز قانوناً.

ويتميز هذا الدفع بأنه لا يناقش أركان الجريمة ولا أدلة الإثبات، وإنما يوجه إلى أصل الحق في تحريك الدعوى.

فإذا ثبت أن الدعوى قد أقيمت من جهة غير مختصة، أو بالمخالفة لشرط قانوني سابق على الملاحقة، فإن المحكمة تكون ملزمة بالتصدي لهذا الدفع قبل الخوض في موضوع الاتهام.

وفي قضايا المخدرات، قد يثار هذا الدفع في حالات محددة، منها ما يتعلق بولاية النيابة المختصة، أو بقيود قانونية خاصة على تحريك الدعوى، أو بسبق الفصل في الواقعة، أو بانقضاء الدعوى، أو بانعدام الصفة في الملاحقة.

 

ثانياً: الأساس القانوني

يقوم هذا الدفع على مبدأ أصيل مؤداه أن الدعوى الجزائية لا تنشأ بمجرد وقوع الجريمة، وإنما يلزم لتحريكها توافر جميع الشروط التي حددها القانون.

فإذا تخلف أحد هذه الشروط، انتفى الأساس القانوني للملاحقة، وأصبح الاستمرار فيها مخالفاً لمبدأ الشرعية الإجرائية.

ولا يقتصر هذا المبدأ على قانون أصول المحاكمات الجزائية، بل يجد سنده في المبادئ الدستورية المتعلقة بسيادة القانون، وحق التقاضي، وضمانات المحاكمة العادلة، إذ لا يجوز أن يخضع شخص لإجراءات جزائية لم تستوفِ شروطها القانونية.

 

ثالثاً: الطبيعة القانونية للدفع

يعد هذا الدفع من الدفوع المتعلقة بالنظام العام، لأنه يمس وجود الدعوى الجزائية ذاتها، ولا يتعلق بمجرد إجراء من إجراءاتها.

 

ويترتب على ذلك عدة نتائج:

1- يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

2- يجوز لمحكمة الموضوع أن تثيره من تلقاء نفسها.

3- يجوز التمسك به لأول مرة أمام محكمة التمييز إذا كانت عناصره ثابتة في الأوراق.

4- لا يسقط بعدم التمسك به إذا تعلق بقاعدة آمرة.

غير أن هذه النتائج لا تنطبق على جميع صور الدفع بعدم جواز تحريك الدعوى، وإنما تختلف بحسب السبب الذي يستند إليه، وهو ما يقتضي التمييز بين الحالات التي تمس النظام العام حقيقة، وتلك التي تتعلق بمصلحة خاصة يجوز النزول عنها.

 

رابعاً: نطاق تطبيق الدفع في قضايا المخدرات

يتميز قانون المخدرات والمؤثرات العقلية بأنه لم يضع نظاماً مستقلاً لتحريك الدعوى، وإنما أخضعها – من حيث الأصل – للقواعد العامة الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، مع ما يرد عليه من خصوصية تتعلق باختصاص الجهات الأمنية والنيابية والمحاكم المختصة.

ومن ثم، فإن هذا الدفع يظل محدود التطبيق في قضايا المخدرات مقارنة ببعض الجرائم الأخرى، إلا أنه يكتسب أهمية خاصة في الحالات التي يثار فيها النزاع حول الجهة صاحبة الولاية في الملاحقة، أو عند الدفع بأن الواقعة سبق أن حوكم عنها المتهم، أو عند الادعاء بانقضاء الدعوى، أو بانتفاء الصفة القانونية في تحريكها.

 

خامساً: عبء الإثبات

الأصل أن من يتمسك بهذا الدفع يقع عليه عبء بيان الواقعة أو القاعدة القانونية التي تمنع تحريك الدعوى، إلا أن المحكمة، متى تبين لها من أوراق الدعوى وجود سبب يتعلق بالنظام العام يمنع السير في الخصومة، فإنها تلتزم بإثارته ولو لم يتمسك به الخصوم.

ويختلف هذا عن الدفوع الموضوعية التي يبقى عبء إثباتها على من يدعيها، لأن الدفع المتعلق بالنظام العام يتصل بسلامة عمل القضاء ذاته، ولا يجوز للمحكمة أن تتجاهله إذا ظهر لها من الأوراق.

 

سادساً: أثر قبول الدفع

إذا قبلت المحكمة هذا الدفع، فإنها لا تتعرض لموضوع الدعوى ولا لأدلة الإثبات، لأن قبول الدفع يعني أن الخصومة لم تنشأ صحيحة أو أنها فقدت أحد شروط استمرارها.

أما إذا رفضته، فإنها تنتقل إلى بحث موضوع الاتهام، دون أن يكون لهذا الرفض أثر في بقية الدفوع التي قد يثيرها الدفاع لاحقاً.

 

سابعاً: التطبيقات القضائية

يتضح من الاتجاه العام لمحكمة التمييز الأردنية أن هذا الدفع يخضع لرقابة دقيقة، وأن المحكمة تميز بين الدفوع التي تمس أصل الحق في تحريك الدعوى، وبين الدفوع التي تنصرف إلى إجراءات التحقيق أو المحاكمة، فلا تضفي وصف النظام العام إلا على الحالات التي نص عليها القانون أو اقتضتها طبيعة النظام القضائي.

وسيتضح هذا الاتجاه بصورة أوضح عند دراسة الدفوع التالية، ولا سيما الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها، والدفع بانقضاء الدعوى الجزائية، والدفع بعدم الاختصاص، حيث أرست محكمة التمييز عدداً من المبادئ التي تشكل الإطار العملي لتطبيق هذه الدفوع في قضايا المخدرات.

 

الفصل الثاني: الدفع بعدم جواز نظر الدعوى الجزائية لسبق الفصل فيها (قوة القضية المقضية)

تمهيد

يُعد الدفع بعدم جواز نظر الدعوى الجزائية لسبق الفصل فيها من أقدم الدفوع المرتبطة بالنظام العام، وأكثرها التصاقاً بفكرة العدالة الجنائية واستقرار المراكز القانونية، إذ يقوم على مبدأ راسخ مؤداه أن الخصومة الجزائية لا يجوز أن تتكرر عن الواقعة ذاتها متى صدر فيها حكم نهائي اكتسب الدرجة القطعية.

ولا يستند هذا الدفع إلى مصلحة المتهم وحده، وإنما يستند إلى اعتبارات أعمق تتعلق باستقرار الأحكام القضائية، وهيبة القضاء، ومنع تعارض الأحكام، وصيانة مبدأ الأمن القانوني، بحيث لا يبقى الشخص معرضاً للملاحقة الجزائية إلى ما لا نهاية عن ذات الفعل.

ومن ثم، فإن هذا الدفع لا يمثل امتيازاً إجرائياً للمتهم، وإنما يمثل أحد أهم تطبيقات مبدأ حجية الأحكام الجزائية، الذي يعد من النظام العام، ويقوم على فكرة أن الحقيقة القضائية التي استقرت بحكم قطعي يجب أن تبقى مصونة من أي منازعة لاحقة تتعلق بالواقعة نفسها.

وتزداد أهمية هذا الدفع في قضايا المخدرات على وجه الخصوص؛ نظراً لتعدد صور النشاط الإجرامي التي قد تنشأ عن واقعة واحدة، كالحيازة، والإحراز، والنقل، والتخزين، والترويج، والاتجار، والتعاطي، والاستعمال، والتعامل بالمستحضرات. وقد يؤدي هذا التعدد، إذا لم يراعَ فيه معيار وحدة الواقعة ووحدة الفعل، إلى خطر محاكمة الشخص أكثر من مرة عن ذات السلوك الإجرامي تحت أوصاف قانونية مختلفة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الدستورية والجزائية المستقرة.

 

أولاً: الأساس الفلسفي للدفع

يقوم هذا الدفع على فكرة جوهرية مفادها أن وظيفة القضاء ليست مجرد إصدار الأحكام، وإنما إنهاء المنازعات بصورة نهائية.

فلو أجيز إعادة محاكمة الشخص كلما أعيد توصيف الواقعة أو ظهرت قراءة جديدة للأدلة، لفقد الحكم القضائي قيمته، ولأصبحت الخصومة الجزائية مفتوحة إلى غير نهاية.

ولهذا ارتبط هذا الدفع منذ نشأة القانون الجنائي الحديث بمبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الفعل ذاته، وهو مبدأ لم يعد مجرد قاعدة إجرائية، وإنما أصبح من المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة.

ولا يقتصر نطاق هذا المبدأ على حماية المتهم، بل يمتد إلى حماية القضاء نفسه من التناقض، وحماية المجتمع من اضطراب الأحكام، وحماية النيابة العامة من إعادة مباشرة الدعوى بعد استنفاد ولايتها فيها.

 

ثانياً: الطبيعة القانونية للدفع

يثور خلاف فقهي حول التكييف القانوني لهذا الدفع.

فذهب اتجاه إلى اعتباره دفعاً بعدم القبول.

بينما اعتبره اتجاه آخر سبباً لانقضاء الدعوى الجزائية.

ويرى الباحث أن هذا الدفع يتمتع بطبيعة قانونية مستقلة، لأنه لا ينصرف إلى صحة الإجراءات، ولا إلى وجود الجريمة، ولا إلى مسؤولية المتهم، وإنما يتعلق بانقضاء سلطة الدولة في إعادة نظر الخصومة الجزائية التي حسمت بحكم قطعي.

ومن ثم، فإن هذا الدفع يجمع خصائص الدفوع المتعلقة بالنظام العام، ويتميز بعدة آثار:

يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

لا يسقط بعدم التمسك به.

يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة التمييز متى كانت عناصره ثابتة في أوراق الدعوى.

 

ثالثاً: شروط قيام حجية الحكم الجزائي

لا يكفي صدور حكم سابق حتى تقوم حجية القضية المقضية، وإنما يشترط اجتماع ثلاثة عناصر متلازمة.

 

الشرط الأول: وحدة الخصوم

ويقصد بها أن يكون الشخص الذي تجري محاكمته هو ذاته الشخص الذي صدر الحكم السابق بشأنه.

غير أن هذا الشرط لا يقتصر على التطابق الشكلي في الاسم، وإنما يمتد إلى وحدة المركز القانوني، بحيث لا يجوز إعادة محاكمة الشخص نفسه عن الواقعة ذاتها ولو تغيرت صفته الإجرائية.

 

الشرط الثاني: وحدة الواقعة

وهذا هو أهم الشروط وأدقها.

فالواقعة هي مجموعة الأفعال التاريخية التي وقعت في زمان ومكان معينين.

أما الوصف القانوني فهو التكييف الذي يسبغه القانون على هذه الأفعال.

ومن هنا قد تتغير أوصاف الجريمة، بينما تبقى الواقعة واحدة.

وفي قضايا المخدرات تظهر أهمية هذا التمييز بصورة خاصة، لأن الواقعة الواحدة قد تسند إليها أوصاف متعددة، كأن تبدأ بوصف الاتجار، ثم تعدل إلى الترويج، أو من الترويج إلى التعامل بالمستحضرات، أو من الحيازة بقصد الاتجار إلى مجرد الحيازة أو التعاطي.

 

وهنا يثور التساؤل:

هل يؤدي اختلاف الوصف القانوني إلى جواز إعادة المحاكمة؟

والإجابة بالنفي.

لأن العبرة ليست بالوصف، وإنما بالواقعة التاريخية ذاتها.

وقد انعكس هذا المفهوم في عدد من الأحكام التي تناولت تعديل الوصف القانوني داخل الدعوى الواحدة، حيث أكدت المحاكم أن المحكمة تملك تعديل الوصف متى بقيت الواقعة ذاتها، دون أن يعد ذلك إنشاءً لواقعة جديدة أو محاكمة مستقلة، وهو ما يظهر في القرارات التي جمعناها خلال هذا المشروع والمتعلقة بتعديل الوصف من الاتجار إلى الترويج أو من الترويج إلى التعامل بالمستحضرات.

 

الشرط الثالث: وحدة السبب

ويقصد به أن تكون الدعويان قد أقيمتا بسبب الواقعة الإجرامية نفسها.

أما إذا استندت كل دعوى إلى فعل مستقل، أو إلى نشاط إجرامي جديد، فلا تقوم حجية الحكم السابق.

وفي جرائم المخدرات تبرز أهمية هذا الشرط عند تعدد الوقائع زمنياً، كأن يضبط المتهم وهو يتاجر بالمواد المخدرة في تاريخ معين، ثم يضبط بعد أشهر في واقعة أخرى مستقلة، فهنا لا تحول البراءة أو الإدانة في الواقعة الأولى دون ملاحقته عن الثانية، لأن السبب القانوني والواقعة التاريخية مختلفان.

 

رابعاً: خصوصية الدفع في جرائم المخدرات

تتميز جرائم المخدرات بتعدد الأوصاف القانونية التي قد تنشأ عن نشاط إجرامي واحد، ولذلك يجب التفرقة بدقة بين:

تعدد الجرائم.

وتعدد الأوصاف.

وتعدد الأفعال.

فالواقعة الواحدة لا يجوز أن تؤدي إلى محاكمات متعددة لمجرد أن النيابة أو المحكمة غيرت التكييف القانوني، أما إذا تعددت الوقائع أو تجدد النشاط الإجرامي، فإن لكل واقعة كيانها القانوني المستقل.

ومن هنا، فإن نجاح هذا الدفع يتوقف على قدرة الدفاع على إثبات أن الدعوى الجديدة لا تتعلق إلا بالفعل ذاته الذي سبق الفصل فيه، لا بمجرد تشابه في نوع الجريمة أو في المادة المخدرة أو في الأشخاص.

 

خاتمة المبحث

يتبين أن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها ليس مجرد قاعدة إجرائية، وإنما يمثل أحد أهم الضمانات الدستورية لاستقرار الأحكام الجزائية، ويحول دون ازدواج المحاكمة أو العقاب عن الفعل الواحد.

وتزداد أهميته في قضايا المخدرات بسبب تشعب الأوصاف القانونية وتعدد صور السلوك الإجرامي، الأمر الذي يقتضي من المحكمة التمييز بين تعدد الوقائع وتعدد الأوصاف، وعدم السماح بأن يتحول اختلاف التكييف القانوني إلى ذريعة لإعادة محاكمة المتهم عن الواقعة نفسها.

 

مكتب العبادي للمحاماة

إعداد المحامي محمد زهير العبادي

هاتف رقم: 0798333357 / 079999960

الدفوع القانونية في قضايا المخدرات