10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دراسة تأصيلية وتحليلية في ضوء قانون الشركات والقانون المدني واجتهادات محكمة التمييز الأردنية

إعداد: المحامي محمد زهير العبادي

ماجستير في القانون العام

 

المقدمة

تُعد دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء من أكثر الدعاوى تعقيداً في منازعات الشركات، نظراً لتداخل قواعد القانون المدني مع أحكام قانون الشركات وقواعد الإثبات وأصول المحاكمات المدنية، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بمبادئ الحراسة القضائية والتصفية والمسؤولية المدنية وإدارة الشركات. فالشركة، منذ نشأتها، تقوم على مبدأ التعاون وتحقيق المصلحة المشتركة، إلا أن الواقع العملي يكشف أن استمرار النشاط الاقتصادي كثيراً ما يرافقه خلاف بين الشركاء حول إدارة المشروع أو توزيع الأرباح أو الإنفاق على موجودات الشركة أو استيفاء أحد الشركاء لإيراداتها دون تقديم حساب لبقية الشركاء، الأمر الذي يجعل دعوى المحاسبة الوسيلة القضائية الأساسية لإعادة التوازن المالي والقانوني بين الشركاء.

ولا تقتصر أهمية هذه الدعوى على تحديد الحقوق المالية لكل شريك، وإنما تمتد لتشمل المحافظة على أموال الشركة، وضمان سلامة إدارتها، وتمكين الشركاء من ممارسة حقهم في الرقابة والاطلاع على الحسابات والدفاتر، كما قد تشكل الأساس القانوني لطلبات أخرى كعزل المدير، أو إخراج الشريك، أو تعيين حارس قضائي (قيم)، أو تصفية الشركة وإنهاء شخصيتها القانونية عندما يصبح استمرارها مستحيلاً أو غير مجدٍ.

ورغم كثرة الدعاوى المنظورة أمام المحاكم الأردنية في هذا المجال، فإن التشريع الأردني لم يضع تنظيماً متكاملاً لدعوى المحاسبة بين الشركاء، وإنما توزعت أحكامها بين نصوص قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، الأمر الذي جعل القضاء الأردني، ولا سيما محكمة التمييز، يقوم بدور رئيس في رسم معالم هذه الدعوى وتحديد شروطها وآثارها والتمييز بينها وبين غيرها من الدعاوى المشابهة.

وقد أظهرت الاجتهادات القضائية الحديثة تطوراً ملحوظاً في معالجة هذا النوع من المنازعات، إذ عالجت محكمة التمييز مسائل دقيقة تتعلق بتكييف دعوى المحاسبة، وصحة الخصومة، والشخصية المعنوية للشركة، وإثبات الشراكة في شركة المحاصة، وحدود الخبرة المحاسبية، وعبء الإثبات، والحراسة القضائية، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، والتمييز بين حق الشركة وحق الشريك، فضلاً عن العلاقة بين المحاسبة والتصفية، وهي موضوعات لم تحظ – في حدود ما اطلع عليه الباحث – بدراسة علمية مستقلة وشاملة في الفقه الأردني.

وتزداد أهمية هذا الموضوع في ظل ازدياد النزاعات بين الشركاء في الشركات العائلية، وشركات التضامن، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، وشركات المحاصة، حيث كثيراً ما يلجأ أحد الشركاء إلى إقامة دعوى يصفها بأنها دعوى محاسبة، في حين تكون حقيقتها دعوى مطالبة مالية، أو دعوى استرداد أموال الشركة، أو دعوى مسؤولية ضد المدير، أو دعوى تصفية، مما يترتب عليه اختلاف جوهري في شروط قبول الدعوى، والخصومة، وعبء الإثبات، والنتائج القانونية المترتبة عليها.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، التي تهدف إلى تأصيل دعوى المحاسبة بين الشركاء تأصيلاً قانونياً وقضائياً، وتحليل أحكامها في ضوء التشريعات الأردنية وأحدث اجتهادات محكمة التمييز، مع بيان الاتجاهات القضائية المستقرة، ورصد ما قد يظهر من تباين في بعض الأحكام، وصولاً إلى وضع إطار علمي متكامل ييسر على الباحثين والقضاة والمحامين تحديد الطبيعة القانونية لهذه الدعوى، وشروط قبولها، ووسائل إثباتها، وعلاقتها بالحراسة القضائية والتصفية وغيرها من المنازعات الناشئة بين الشركاء.

 

مشكلة الدراسة

تتمثل مشكلة الدراسة في غياب تنظيم تشريعي متكامل لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني، وما نتج عن ذلك من اعتماد كبير على الاجتهاد القضائي في تحديد طبيعتها القانونية، وشروط قبولها، والتمييز بينها وبين غيرها من الدعاوى المتقاربة، مما يثير عدداً من الإشكاليات العملية، أهمها:

  • ما المقصود بدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء، وما طبيعتها القانونية؟
  • هل تعد دعوى مستقلة أم مجرد وسيلة تمهيدية للمطالبة بالحقوق المالية؟
  • ما شروط قبولها موضوعياً وإجرائياً؟
  • من يقع عليه عبء الإثبات فيها، وما حدود دور الخبرة المحاسبية؟
  • متى يجوز تعيين حارس قضائي على أموال الشركة أو إدارتها؟
  • ما العلاقة بين دعوى المحاسبة ودعوى التصفية؟
  • ما أثر الشخصية المعنوية للشركة في تحديد الخصومة؟
  • كيف عالجت محكمة التمييز الأردنية هذه المسائل، وهل استقر اجتهادها على مبادئ موحدة؟

 

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى:

  • تأصيل مفهوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء وبيان طبيعتها القانونية.
  • تحديد الأساس التشريعي لهذه الدعوى في القانون الأردني.
  • بيان شروط قبول دعوى المحاسبة وإجراءاتها.
  • تحليل قواعد الإثبات والخبرة المحاسبية في منازعات الشركاء.
  • دراسة الأحكام القانونية المتعلقة بتعيين الحارس القضائي (القيم).
  • بيان العلاقة بين دعوى المحاسبة ودعوى التصفية.
  • استخلاص المبادئ المستقرة في قضاء محكمة التمييز الأردنية وتحليلها ونقدها.
  • تقديم رؤية علمية تسهم في توحيد التطبيق القضائي واقتراح ما يلزم من تطوير تشريعي.

 

أهمية الدراسة

تستمد هذه الدراسة أهميتها من عدة اعتبارات، أهمها:

  • تناولها موضوعاً يكثر عرضه أمام القضاء الأردني، في ظل ندرة الدراسات المتخصصة التي تجمع بين الجوانب التشريعية والقضائية.
  • اعتمادها على تحليل موسع لاجتهادات محكمة التمييز الأردنية الحديثة، بما يسمح باستقراء الاتجاه القضائي المستقر.
  • معالجتها للترابط بين دعوى المحاسبة والحراسة القضائية والتصفية والدعوى المشتقة والدعوى الفردية للمساهم، وهي موضوعات غالباً ما تختلط في التطبيق العملي.
  • تقديمها مرجعاً عملياً للقضاة والمحامين والباحثين في منازعات الشركات.

 

منهج الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على المنهج التأصيلي التحليلي المقارن، وذلك من خلال:

  • تحليل النصوص القانونية ذات الصلة في قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات.
  • استقراء وتحليل أحكام محكمة التمييز الأردنية، ولا سيما القرارات الحديثة التي أرست مبادئ مؤثرة في موضوع المحاسبة بين الشركاء، والحراسة القضائية، والتصفية.
  • الاستفادة من الفقه القانوني الأردني والعربي، وإجراء المقارنات اللازمة مع بعض التطبيقات القضائية المقارنة كلما اقتضت طبيعة البحث ذلك.
  • استخلاص المبادئ العامة وتقييم الاتجاهات القضائية وبيان مدى اتساقها مع النصوص التشريعية.

 

الباب الأول: االإطار القانوني لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

الفصل الأول: ماهية دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

المبحث الأول: مفهوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

أولاً: تمهيد

تُعد دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء من الدعاوى ذات الطبيعة الخاصة في القانون المدني والتجاري، إذ لا يقصد منها ابتداءً المطالبة بمبلغ مالي محدد، وإنما تهدف إلى الكشف عن المركز المالي الحقيقي للعلاقة التي تربط الشركاء، وبيان الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهم تمهيداً للوصول إلى الرصيد النهائي المستحق لكل منهم. ولهذا فإنها تختلف في طبيعتها وأهدافها عن دعوى المطالبة بالدين أو دعوى التعويض أو دعوى تنفيذ الالتزام، لأنها لا تنطلق من دين ثابت ومحدد، وإنما من علاقة مالية متشابكة تستوجب إجراء تصفية حسابية دقيقة قبل تحديد مقدار الحق المطالب به.

وتبرز أهمية هذه الدعوى في الشركات التي تقوم على الاعتبار الشخصي، كشركات التضامن والمحاصة، كما تظهر في الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة في بعض الحالات التي يدعي فيها أحد الشركاء أو المساهمين إخلال المدير أو الشريك القائم بالإدارة بالتزامه بتقديم الحسابات أو توزيع الأرباح أو المحافظة على أموال الشركة.

كما تمتد تطبيقاتها إلى الأموال الشائعة متى انفرد أحد الشركاء بإدارة المال المشترك واستيفاء ريعه دون تقديم حساب لباقي الشركاء، وهو ما أكدته محكمة التمييز في عدد من أحكامها المتعلقة بالمحاسبة عن أجور العقارات المشتركة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في قرارها الصادر بتاريخ 29/12/2022 الذي اعتبر أن للشريك على الشيوع الحق في مطالبة من استأثر بإدارة المال المشترك بإجراء المحاسبة عن الإيرادات والأجور المستوفاة، مع خضوع هذه الدعوى للقواعد العامة في الإثبات ووجوب مناقشة جميع البينات المتعلقة بادعاء إجراء المحاسبة السابقة.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة لا تنشئ الحق، وإنما تكشف عنه، فهي وسيلة قانونية للوصول إلى الرصيد النهائي بعد مراجعة الإيرادات والمصروفات والالتزامات المتبادلة، الأمر الذي يجعلها مرحلة لازمة في كثير من المنازعات قبل إمكان الحكم بمبلغ معين أو تقرير مسؤولية أحد الشركاء.

 

ثانياً: التعريف الفقهي لدعوى المحاسبة

لم يضع المشرع الأردني تعريفاً لدعوى إجراء المحاسبة، شأنه في ذلك شأن غالبية التشريعات العربية، تاركاً أمر تحديد مفهومها للفقه والاجتهاد القضائي.

 

وقد عرفها الفقه بأنها:

الدعوى التي يقيمها أحد أطراف العلاقة القانونية التي تقتضي تبادل الحسابات، بقصد إلزام الطرف الآخر بتقديم كشف تفصيلي بجميع العمليات المالية التي أجراها لحساب العلاقة المشتركة، تمهيداً لتحديد الرصيد النهائي المستحق لكل طرف.

 

كما عرفت بأنها:

وسيلة قضائية تهدف إلى تصفية الحسابات الناشئة عن علاقة قانونية مستمرة أو مركبة، يكون أحد أطرافها قد انفرد بالإدارة أو القبض أو الإنفاق أو الاستثمار، بحيث يتعذر تحديد الحقوق المالية إلا بعد مراجعة جميع العمليات الحسابية المتعلقة بتلك العلاقة.

ويستفاد من هذين التعريفين أن جوهر الدعوى لا يتمثل في المطالبة بمبلغ مالي محدد، وإنما في إلزام الخصم بكشف الحساب وإجراء المحاسبة، ثم تحديد الرصيد النهائي الذي قد يثبت لمصلحة أي من الطرفين.

 

ثالثاً: التعريف القضائي لدعوى المحاسبة

على الرغم من أن محكمة التمييز الأردنية لم تضع تعريفاً مباشراً لدعوى المحاسبة، إلا أن أحكامها المتعاقبة رسمت معالمها القانونية من خلال التطبيقات العملية.

فقد قررت في العديد من أحكامها أن الغاية من الدعوى هي الوصول إلى تحديد الحقوق المالية بعد مراجعة الحسابات، وأن المحكمة لا تستطيع الحكم بالمبالغ المطالب بها إلا بعد إجراء المحاسبة وفق الأصول متى كانت طبيعة العلاقة تقتضي ذلك.

 

كما بينت المحكمة أن دعوى المحاسبة تختلف باختلاف مصدر العلاقة القانونية، فقد تكون ناشئة عن:

عقد شركة، شركة محاصة، شركة مضاربة، إدارة مال شائع، إدارة أحد الشركاء لأموال الشركة، علاقة مدير الشركة بالشركة.

 

ومن أبرز التطبيقات القضائية في هذا المجال:

قرار محكمة التمييز رقم 3342/2023، الذي أكد حق الشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة في طلب إجراء المحاسبة وبيان الأرباح وحصته منها، مع إلزام المحكمة بتمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات والدفاتر الموجودة تحت يد الشركة أو المدير قبل الفصل في الدعوى، وعدم ردها بسبب نقص المستندات التي يحتفظ بها الخصم.

قرار محكمة التمييز رقم 9490/2023، الذي ميز بين دعوى المحاسبة ودعوى استرداد أموال الشركة، وقرر أن مطالبة الشركة مديرها أو أحد شركائها برد الأموال التي قبضها لحسابها ليست دعوى محاسبة بين الشركاء، وإنما دعوى لاسترداد أموال الشركة، وهو تمييز بالغ الأهمية في التكييف القانوني للدعوى.

قرار محكمة التمييز رقم 1338/2024، الذي قرر أن دعوى المحاسبة في شركة المحاصة توجه إلى الشريك الظاهر، وأن وجود شركة محاصة لا يمنع إقامة دعوى المحاسبة رغم عدم وجود شخصية معنوية مستقلة لها، مع جواز إثباتها بجميع طرق الإثبات.

قرار محكمة التمييز رقم 2785/2023، الذي فرق بين دعوى المحاسبة، ودعوى استرداد الحصة، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، مؤكداً أن تحديد طبيعة الحق المدعى به هو الذي يرسم حدود الدعوى والخصومة والآثار القانونية المترتبة عليها.

ومن استقراء هذه الأحكام يتبين أن القضاء الأردني ينظر إلى دعوى المحاسبة باعتبارها دعوى كاشفة للحقوق وليست منشئة لها، وأنها تهدف إلى تحديد المركز المالي الحقيقي للأطراف قبل القضاء بأي مبلغ.

 

رابعاً: خصائص دعوى المحاسبة

يمكن استخلاص عدد من الخصائص التي تميز دعوى المحاسبة عن غيرها من الدعاوى، وهي:

 

1- أنها دعوى حسابية مركبة

فهي لا تقوم على التزام بسيط أو دين محدد، وإنما على مجموعة من العمليات المالية المتبادلة التي تستوجب المراجعة والتدقيق واستخراج الرصيد النهائي.

 

2- أنها دعوى كاشفة وليست منشئة

فالمحاسبة لا تنشئ الحق، وإنما تكشف عن وجوده ومقداره، ولذلك قد تنتهي إلى ثبوت حق للمدعي أو للمدعى عليه، بحسب نتيجة الحساب.

 

3- أنها تستلزم وجود علاقة قانونية سابقة

فلا تقبل دعوى المحاسبة استقلالاً دون وجود علاقة قانونية تبرر تبادل الحسابات، كالشركة، أو الوكالة، أو الإدارة، أو الشيوع، أو المضاربة.

 

4- أنها كثيراً ما تستلزم الاستعانة بالخبرة

غير أن الخبرة في هذه الدعوى ليست وسيلة لإثبات أصل الحق، وإنما وسيلة فنية لتقدير الحقوق التي ثبتت بالأدلة القانونية، وهو ما قررته الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قرارها رقم 813/2022 عندما أكدت أن الخبرة وسيلة لتقدير الدليل وليست وسيلة لإثباته، وأن الخبير لا يجوز له إنشاء الوقائع أو جمع الأدلة من خارج ملف الدعوى، وإنما يقتصر دوره على احتساب الحقوق وفق البينات المقدمة.

 

5- أنها ترتبط غالباً بطلبات أخرى

فالواقع العملي يكشف أن دعوى المحاسبة كثيراً ما تقترن بطلبات أخرى، مثل:

تعيين حارس قضائي (قيم)، عزل المدير، إخراج الشريك، تصويب الحصص، فسخ الشركة، تصفيتها، تعيين مصفٍ.

وهذا ما سنعالجه تفصيلاً في الأبواب اللاحقة من هذه الدراسة.

 

 

المبحث الثاني: الطبيعة القانونية لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

أولاً: تمهيد

تحديد الطبيعة القانونية لأي دعوى ليس مجرد بحث نظري، وإنما يترتب عليه آثار عملية بالغة الأهمية، إذ يتحدد من خلاله أساس الدعوى، والاختصاص القضائي، وعبء الإثبات، ونطاق الخصومة، وسلطة المحكمة، وحتى الحكم الذي يجوز للمحكمة إصداره. ويزداد هذا الأمر أهمية في دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء، نظراً لتعدد الصور التي قد تظهر بها المنازعة، فقد تبدو لأول وهلة مطالبة مالية، بينما تكون في حقيقتها دعوى محاسبة، وقد يصفها المدعي بأنها دعوى محاسبة، في حين يتبين للمحكمة أنها دعوى مسؤولية ضد المدير، أو دعوى استرداد أموال الشركة، أو دعوى تصفية، أو دعوى تعويض.

ومن هنا، فإن التكييف القانوني الصحيح لهذه الدعوى يمثل نقطة البداية في التطبيق القضائي السليم، وهو ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في أكثر من حكم عندما قررت أن تكييف الدعوى والعلاقة القانونية هو من سلطة المحكمة، ولا تتقيد المحكمة بالوصف الذي يسبغه الخصوم على دعواهم، وهو ما ظهر بوضوح في قرارها رقم 7170/2024 الذي اعتبر أن المحكمة هي صاحبة الولاية في تحديد الطبيعة القانونية للنزاع وترتيب الآثار القانونية المترتبة عليه، بصرف النظر عن الألفاظ التي استخدمها الخصوم في لوائحهم.

كما كرست هذا الاتجاه في قرارها الصادر في 24/10/2023 عندما كيفت العلاقة بين طرفي الدعوى بأنها شركة مضاربة وليست شركة محاصة، رغم تمسك الطاعنة بتطبيق أحكام شركة المحاصة وقانون الأوراق المالية، وانتهت إلى أن الطريق القانوني الصحيح بعد انتهاء المضاربة هو المحاسبة والتصفية، وليس المطالبة المباشرة برد رأس المال والأرباح المقطوعة.

 

ثانياً: دعوى المحاسبة دعوى تقريرية تمهيدية

يرى الباحث أن أول ما يميز دعوى المحاسبة أنها دعوى تقريرية (Declaratory Action) ، لا يقصد منها ابتداءً إلزام المدعى عليه بدفع مبلغ مالي محدد، وإنما تهدف إلى تقرير المركز المالي الحقيقي للعلاقة بين الطرفين، وإظهار الرصيد النهائي الناتج عن العمليات الحسابية المتبادلة.

ويترتب على هذه الطبيعة عدة نتائج مهمة:

أولها، أن المدعي قد لا يكون قادراً عند إقامة الدعوى على تحديد مقدار حقه تحديداً دقيقاً، لأن هذا المقدار يتوقف على مراجعة الدفاتر والقيود والحسابات الموجودة غالباً تحت يد المدير أو الشريك القائم بالإدارة، وهو ما يبرر إقامة دعوى المحاسبة ابتداءً.

وثانيها، أن الحكم الصادر في دعوى المحاسبة لا ينشئ الحق، وإنما يكشف عن وجوده ومقداره، فالحق يكون قائماً قبل إقامة الدعوى، إلا أن مقداره يظل مجهولاً إلى أن تنتهي المحكمة من مراجعة الحسابات وإجراء الخبرة عند الاقتضاء.

وثالثها، أن المحكمة لا تستطيع الحكم بالمبلغ المطالب به إلا بعد استكمال مرحلة المحاسبة، لأن الرصيد النهائي قد يكون لمصلحة المدعي، وقد يكون لمصلحة المدعى عليه، أو قد ينتهي إلى براءة ذمة الطرفين.

ومن التطبيقات العملية لذلك ما استقرت عليه محكمة التمييز من أن مطالبة الشريك بحصته من الأرباح في الشركة ذات المسؤولية المحدودة تقتضي أولاً إجراء المحاسبة والاطلاع على دفاتر الشركة وسجلاتها قبل تحديد ما إذا كانت أرباح قابلة للتوزيع قد تحققت فعلاً، وهو ما أكدته في قرارها رقم 3342/2023 عندما اعتبرت أن رد الدعوى قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات الموجودة تحت يد الشركة أو المدير يعد مخالفاً للقانون.

 

ثالثاً: دعوى المحاسبة ليست دعوى مطالبة بدين

من أكثر الأخطاء شيوعاً في التطبيق العملي اعتبار دعوى المحاسبة مجرد دعوى مطالبة بدين، مع أن الفارق بينهما جوهري.

ففي دعوى المطالبة بالدين يكون الدين محدداً وثابتاً ومعلوماً وقت إقامة الدعوى، ولا يبقى أمام المحكمة سوى التحقق من وجوده وإلزام المدين بأدائه.

أما في دعوى المحاسبة، فإن أصل العلاقة المالية قد يكون ثابتاً، إلا أن مقدار الحق لا يكون معلوماً، إذ يتوقف على مراجعة الحسابات واستخراج الرصيد النهائي.

ولذلك فإن عبء المحكمة في دعوى المحاسبة أوسع بكثير، لأنها لا تقتصر على التحقق من وجود الالتزام، وإنما تبحث أيضاً في الإيرادات، والمصروفات، والالتزامات، والدفعات، والمبالغ المقبوضة، والنفقات المشتركة، وما إذا كانت هناك محاسبة سابقة بين الأطراف.

وقد أبرزت محكمة التمييز هذا الفارق في قرارها رقم 9490/2023 عندما فرقت بين دعوى المحاسبة ودعوى الشركة الرامية إلى استرداد الأموال التي قبضها مديرها ولم يوردها إلى ذمتها، وقررت أن الدعوى الأخيرة ليست دعوى محاسبة، وإنما دعوى استرداد أموال الشركة، وأن مهمة الخبير فيها تختلف عن مهمته في دعوى المحاسبة.

 

رابعاً: دعوى المحاسبة ليست دعوى تصفية

ورغم الترابط الوثيق بين المحاسبة والتصفية، إلا أنهما يختلفان من حيث الطبيعة والغاية.

فالمحاسبة تهدف إلى تحديد الحقوق والالتزامات المالية الناشئة عن العلاقة القائمة بين الشركاء، وقد تتم أثناء استمرار الشركة أو بعد انقضائها.

أما التصفية، فهي مرحلة قانونية تلي انقضاء الشركة، وتهدف إلى إنهاء شخصيتها القانونية، وسداد ديونها، وتحويل موجوداتها إلى نقود، ثم توزيع صافي أموالها على الشركاء.

ومن ثم، فإن المحاسبة قد تكون وسيلة من وسائل التصفية، لكنها ليست التصفية ذاتها.

وقد كرست محكمة التمييز هذا التمييز في أكثر من حكم، ولا سيما في القرار المتعلق بعقد المضاربة، عندما قررت أن انتهاء العلاقة بانتهاء مدتها يقتضي إجراء المحاسبة والتصفية قبل المطالبة برد رأس المال، وأن مطالبة الشريك باسترداد حصته مباشرة تكون سابقة لأوانها متى كانت التصفية لم تتم بعد.

 

خامساً: دعوى المحاسبة ليست دعوى مسؤولية

كثيراً ما تختلط دعوى المحاسبة بدعوى المسؤولية المدنية المقامة على المدير أو الشريك القائم بالإدارة، إلا أن لكل منهما نطاقاً مختلفاً.

فدعوى المحاسبة تهدف إلى كشف الحسابات وتحديد الرصيد المالي، دون أن يكون ثبوت الخطأ شرطاً لقبولها.

أما دعوى المسؤولية، فتقوم على أركان المسؤولية المدنية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، وتهدف إلى الحكم بالتعويض.

وقد أوضحت محكمة التمييز هذا الفارق في قرارها رقم 2785/2023، عندما ميزت بين الدعوى التي يقيمها المساهم لمصلحة الشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة، والدعوى الفردية التي يطالب فيها بالتعويض عن ضرر شخصي أصابه، مؤكدة أن تحديد طبيعة الضرر هو الذي يرسم حدود الدعوى ويحدد صاحب الحق في التعويض.

 

سادساً: الطبيعة المختلطة لدعوى المحاسبة

بعد استقراء النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، يخلص الباحث إلى أن دعوى المحاسبة تتمتع بطبيعة قانونية مختلطة، فهي تجمع بين عناصر موضوعية وأخرى إجرائية.

فهي من الناحية الموضوعية تستند إلى علاقة قانونية سابقة، كعقد الشركة أو الشيوع أو الوكالة أو المضاربة، وتستهدف تحديد الحقوق والالتزامات المالية الناشئة عنها.

ومن الناحية الإجرائية، تعتمد على وسائل خاصة في الإثبات، وفي مقدمتها إلزام الخصم بتقديم الدفاتر والسجلات، والاستعانة بالخبرة المحاسبية، ومناقشة الخبراء، وتوجيه اليمين الحاسمة عند الاقتضاء، وهي وسائل لا تظهر بهذه الكثافة في غالبية الدعاوى المدنية الأخرى.

وهذه الطبيعة المزدوجة هي التي تفسر كثرة الإشكالات العملية في دعاوى المحاسبة، وتبرر الحاجة إلى تنظيم تشريعي أكثر تفصيلاً يبين إجراءاتها وشروطها بصورة مستقلة.

 

النتائج الأولية للمبحث

ومن خلال ما تقدم، يمكن استخلاص النتائج الآتية:

  • دعوى المحاسبة دعوى تقريرية كاشفة للحقوق وليست منشئة لها.
  • الغاية منها تحديد الرصيد النهائي للعلاقة المالية بين الشركاء قبل القضاء بأي مبلغ.
  • تختلف عن دعوى المطالبة بالدين لاختلاف محل الالتزام ومرحلة تحديد الحق.
  • تختلف عن دعوى التصفية رغم الترابط الوثيق بينهما، إذ قد تكون المحاسبة مرحلة من مراحل التصفية دون أن تتطابق معها.
  • تختلف عن دعوى المسؤولية، لأن قبولها لا يتوقف على إثبات الخطأ، وإنما على وجود علاقة قانونية تستوجب تبادل الحسابات.
  • تتمتع بطبيعة قانونية مختلطة تجمع بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية، وهو ما يفسر خصوصيتها في التطبيق القضائي.

 

المبحث الثالث: الأساس القانوني لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

أولاً: تمهيد

تقوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء على فكرة قانونية جوهرية مؤداها أن العلاقة بين الشركاء ليست علاقة دائن بمدين، وإنما علاقة تعاون وائتمان وإدارة مشتركة لمال أو مشروع اقتصادي، يلتزم فيها كل شريك بمراعاة مصلحة الشركة وبقية الشركاء، ويترتب على ذلك التزام قانوني بتقديم الحساب عن الأعمال التي يجريها لحساب الشركة أو لحساب المال المشترك.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة لا تستند إلى نص واحد في التشريع الأردني، وإنما تقوم على مجموعة متكاملة من النصوص القانونية والمبادئ العامة، تتوزع بين قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، إضافة إلى المبادئ التي أرستها محكمة التمييز في اجتهادها المستقر.

ويلاحظ أن المشرع الأردني، بخلاف بعض التشريعات المقارنة، لم يضع تنظيماً مستقلاً لدعوى المحاسبة، الأمر الذي جعل القضاء يضطلع بدور أساسي في استنباط قواعدها وتحديد نطاقها، وهو ما أضفى على الاجتهاد القضائي أهمية خاصة في هذا المجال.

 

ثانياً: الأساس القانوني في قانون الشركات

يعد قانون الشركات المصدر التشريعي الأول لدعوى المحاسبة متى كانت العلاقة محل النزاع ناشئة عن شركة، إذ يقوم هذا القانون على مبدأ أساسي يتمثل في وجوب إدارة الشركة لمصلحة جميع الشركاء، وخضوع القائمين على الإدارة لالتزام دائم بالإفصاح والشفافية وتقديم الحسابات.

ويتجلى هذا الالتزام في عدة صور، أهمها:

  • التزام المدير بإدارة الشركة بعناية الشخص المعتاد.
  • إعداد البيانات المالية والميزانيات.
  • تمكين الشركاء من الاطلاع على الحسابات.
  • المحافظة على أموال الشركة وعدم خلطها بالأموال الخاصة.
  • توزيع الأرباح وفقاً للقانون وعقد الشركة.

ومن ثم، فإذا أخل المدير أو الشريك القائم بالإدارة بهذه الالتزامات، فإن دعوى المحاسبة تصبح الوسيلة القضائية الطبيعية لإلزامه بالكشف عن العمليات المالية التي أجراها.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها رقم 3342/2023 عندما قررت أن للشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة الحق في طلب إجراء المحاسبة وبيان الأرباح المستحقة له، وأن المحكمة لا يجوز لها رد الدعوى قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على دفاتر الشركة وسجلاتها الموجودة تحت يد المدير أو الشركة، لأن هذه المستندات هي الوسيلة الأساسية للكشف عن المركز المالي الحقيقي للشركة.

كما عززت المحكمة هذا الاتجاه في قرارها رقم 1616/2024، عندما اعتبرت أن امتناع الشريك المفوض في شركة التضامن عن تمكين بقية الشركاء من الاطلاع على دفاتر الشركة وقيودها، وعدم تقديم الحسابات لهم، يشكل إخلالاً جسيماً بالتزاماته القانونية، ويعد سبباً يبرر إخراجه من الشركة حفاظاً على استمرارها.

ويستفاد من ذلك أن الالتزام بتقديم الحسابات ليس مجرد التزام أدبي أو تنظيمي، وإنما هو التزام قانوني يترتب على مخالفته قيام المسؤولية وإمكان اللجوء إلى القضاء بطلب المحاسبة.

 

ثالثاً: الأساس القانوني في القانون المدني

إذا كان قانون الشركات ينظم الإطار المؤسسي للعلاقة بين الشركاء، فإن القانون المدني يمثل المصدر العام الذي تستند إليه دعوى المحاسبة، ولا سيما في المسائل التي لم يرد بشأنها نص خاص في قانون الشركات.

ويقوم هذا الأساس على عدة مبادئ قانونية، من أهمها:

1- مبدأ تنفيذ العقد بحسن نية

يعد عقد الشركة من عقود حسن النية، فلا يقتصر التزام الشريك على تنفيذ ما ورد صراحة في عقد الشركة، وإنما يمتد إلى جميع الالتزامات التي تفرضها طبيعة العلاقة والشرف والأمانة والثقة المتبادلة.

ومن مقتضيات حسن النية أن يقدم الشريك الذي يتولى الإدارة حساباً واضحاً عن الأموال التي قبضها أو أنفقها أو استثمرها لحساب الشركة.

2- الالتزام بتقديم الحساب

يقرر الفقه المدني أن كل من يتولى إدارة مال يعود لغيره يلتزم بتقديم حساب عن هذه الإدارة، سواء استندت الإدارة إلى وكالة أو شركة أو شيوع أو أي مصدر قانوني آخر.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة ليست مرتبطة بالشركة وحدها، وإنما تمتد إلى كل علاقة قانونية تستوجب تقديم الحساب.

3- منع الإثراء بلا سبب

إذا استأثر أحد الشركاء بإيرادات الشركة أو قبض الأموال دون توزيعها أو دون بيان كيفية التصرف بها، فإن بقاء هذه الأموال تحت يده دون محاسبة قد يؤدي إلى إثراء غير مشروع على حساب بقية الشركاء.

ومن هنا تعد دعوى المحاسبة وسيلة عملية لمنع هذا الإثراء وإعادة التوازن المالي بين أطراف العلاقة.

 

رابعاً: الأساس القانوني في قانون أصول المحاكمات المدنية

تستمد دعوى المحاسبة جانباً مهماً من أحكامها من قانون أصول المحاكمات المدنية، لأن نجاح هذه الدعوى يعتمد إلى حد كبير على الإجراءات التي تتخذها المحكمة أثناء نظرها.

 

ومن أهم هذه الإجراءات:

  • إلزام الخصوم بتقديم المستندات.
  • تكليف الغير بإبراز الدفاتر.
  • إجراء الخبرة المحاسبية.
  • مناقشة الخبراء.
  • إعادة الخبرة عند قصورها.
  • توجيه اليمين الحاسمة أو المتممة عند الاقتضاء.

وقد أولت محكمة التمييز أهمية كبيرة لهذه الإجراءات، واعتبرت أن إغفال المحكمة لطلبات الإثبات الجوهرية يؤدي إلى نقض الحكم.

ففي قرارها رقم 1338/2024 قررت أن امتناع المحكمة عن الفصل في طلب توجيه اليمين الحاسمة يشكل مخالفة جوهرية تستوجب نقض الحكم، لأن اليمين الحاسمة تعد من وسائل الإثبات التي يجوز للخصوم اللجوء إليها في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

كما قررت في حكمها الصادر بتاريخ 29/12/2022 أن إغفال المحكمة الرد على طلب توجيه اليمين الحاسمة بشأن واقعة إجراء المحاسبة السابقة يجعل الحكم سابقاً لأوانه، لأن هذه الواقعة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت ذمة المدعى عليه ما تزال مشغولة أم لا.

 

خامساً: الأساس القانوني في قانون البينات

تمثل قواعد الإثبات الركيزة العملية لدعوى المحاسبة، إذ لا يكفي الادعاء بوجود حق في الأرباح أو الإيرادات، وإنما يجب إثبات الوقائع المنشئة لهذا الحق.

وقد كرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذا المبدأ في قرارها رقم 813/2022 عندما قررت أن الأصل براءة الذمة، وأن المدعي هو المكلف بإثبات حقه، وأن الخبرة ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة لتقدير الحقوق التي ثبتت بالبينات القانونية.

ويعد هذا الحكم من أهم الأحكام المؤسسة لدعوى المحاسبة، لأنه رسم الحدود الفاصلة بين وظيفة الخصوم في الإثبات ووظيفة الخبير في التقدير، وقرر أن الخبير لا يجوز له إنشاء الدليل أو جمع المعلومات من خارج ملف الدعوى، وإنما يقتصر دوره على احتساب الحقوق وفقاً لما ثبت أمام المحكمة من بينات.

ويؤدي هذا المبدأ إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي أن دعوى المحاسبة لا تعفي المدعي من عبء الإثبات، وإنما تخفف عنه في حدود ما تكون المستندات والدفاتر تحت يد الخصم، إذ يظل ملزماً بإثبات وجود العلاقة القانونية ومصدر حقه والوقائع الأساسية التي يستند إليها في دعواه.

 

سادساً: الأساس المستمد من الاجتهاد القضائي

إذا كان التشريع قد رسم الإطار العام، فإن القضاء الأردني هو الذي وضع القواعد التفصيلية لدعوى المحاسبة.

ومن خلال الأحكام التي جمعناها يتبين أن محكمة التمييز أرست مجموعة من المبادئ، من أهمها:

  • أن دعوى المحاسبة دعوى مستقلة عن دعوى استرداد أموال الشركة.
  • أن الخبرة وسيلة تقدير وليست وسيلة إثبات.
  • أن مجرد وجود خلاف بين الشركاء لا يبرر تعيين حارس قضائي.
  • أن للشريك الحق في الاطلاع على الدفاتر والحسابات.
  • أن المحكمة تملك سلطة تكييف الدعوى بصرف النظر عن وصف الخصوم لها.
  • أن المحاسبة قد تكون لازمة قبل التصفية أو قبل المطالبة بالحقوق المالية النهائية.
  • أن تحديد طبيعة العلاقة القانونية بين الأطراف هو الأساس الذي يبنى عليه تحديد نوع الدعوى والإجراءات الواجبة الاتباع.

ويلاحظ أن هذه المبادئ لم تصدر في حكم واحد، وإنما تكونت عبر سلسلة من الأحكام الحديثة، الأمر الذي يدل على أن القضاء الأردني يسير نحو بناء نظرية قضائية متكاملة لدعوى المحاسبة، رغم غياب تنظيم تشريعي مستقل لها.

 

الفصل الثاني: الأساس القانوني للالتزام بالمحاسبة بين الشركاء

تمهيد

لا تنشأ دعوى المحاسبة من مجرد رغبة أحد الشركاء في معرفة المركز المالي للشركة، وإنما تستند إلى التزام قانوني سابق يقع على عاتق كل من يتولى إدارة مال مشترك أو يتصرف في أموال الشركة لحسابها. فالمحاسبة ليست التزاماً اتفاقياً فحسب، بل هي التزام يفرضه القانون كلما وجد شخص يدير أموالاً لا تخصه وحده، أو يتصرف فيها لحساب الغير.

ومن هنا، فإن الالتزام بالمحاسبة لا يعد أثراً من آثار الخصومة القضائية، وإنما هو التزام سابق على إقامة الدعوى، تنشأ الدعوى بسبب الإخلال به، ويكون القضاء وسيلة لإجبار الممتنع عن تنفيذه.

ويلاحظ أن هذا الالتزام لا يقوم على مصدر واحد، وإنما تتعدد مصادره بحسب طبيعة الشركة ونوع العلاقة بين أطرافها، فقد يكون مصدره عقد الشركة، أو نصوص قانون الشركات، أو أحكام القانون المدني، أو المبادئ العامة التي تحكم إدارة المال المشترك.

 

المبحث الأول: عقد الشركة باعتباره المصدر الأول للالتزام بالمحاسبة

يعد عقد الشركة المصدر المباشر لالتزام الشريك أو المدير بتقديم الحساب، لأن الشركة ليست مجرد تجميع لرؤوس الأموال، وإنما رابطة قانونية تقوم على التعاون وتحقيق غاية مشتركة، ويترتب على هذه الرابطة التزامات متبادلة بين الشركاء، أهمها الالتزام بالإفصاح والشفافية وعدم الاستئثار بالمعلومات المالية.

ويتميز عقد الشركة عن كثير من العقود الأخرى بأنه من عقود التنفيذ المستمر، إذ لا تنتهي التزامات أطرافه بمجرد إبرامه، وإنما تستمر طوال حياة الشركة، الأمر الذي يجعل الالتزام بالمحاسبة التزاماً دورياً ومتجدداً.

ومن هذا المنطلق، فإن كل عملية مالية يجريها المدير أو الشريك المفوض لحساب الشركة تدخل في نطاق التزامه بتقديم الحساب، سواء تعلقت بقبض الإيرادات، أو سداد النفقات، أو إبرام العقود، أو إدارة الموجودات، أو توزيع الأرباح.

ولا يقتصر هذا الالتزام على المدير المعين في عقد الشركة، بل يمتد إلى كل شريك يتولى الإدارة الفعلية، ولو لم يكن يحمل صفة المدير رسمياً، لأن العبرة في الالتزام بالمحاسبة ليست بالصفة الشكلية، وإنما بمباشرة الإدارة والتصرف في الأموال.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها رقم 7170/2024 عندما اعتبرت أن الشخص الذي انفرد بإدارة المشروع، وتحصيل الإيرادات، والتصرف بالحسابات، يصبح ملزماً بتقديم الحساب متى ثبتت إدارته الفعلية للمشروع، بغض النظر عن الوصف الذي يطلقه الخصوم على هذه العلاقة.

 

المبحث الثاني: الالتزام بالمحاسبة باعتباره أثراً لمبدأ حسن النية

من المبادئ الراسخة في القانون المدني أن العقود يجب تنفيذها وفقاً لما يوجبه حسن النية، ولا يقف هذا الالتزام عند تنفيذ البنود الصريحة للعقد، وإنما يمتد إلى كل ما تقتضيه طبيعة الالتزام والأمانة والثقة المتبادلة.

وتبرز أهمية هذا المبدأ في عقد الشركة أكثر من غيره من العقود، لأن الشركة تقوم على الاعتبار الشخصي والثقة المتبادلة، ولا يمكن تصور استمرارها إذا استأثر أحد الشركاء بالمعلومات المالية أو أخفى الحسابات عن بقية الشركاء.

ومن ثم فإن التزام المدير أو الشريك المفوض بتقديم الحساب لا يعد مجرد التزام محاسبي، وإنما هو تطبيق مباشر لمبدأ حسن النية في تنفيذ عقد الشركة.

ولهذا السبب اعتبرت محكمة التمييز أن امتناع الشريك المفوض عن تمكين بقية الشركاء من الاطلاع على الدفاتر والسجلات، وعدم تقديم الحسابات، يشكل إخلالاً جسيماً بالتزاماته القانونية، ويبرر إخراجه من الشركة إذا أدى ذلك إلى تعطيل أعمالها أو الإضرار بمصالحها، كما جاء في قرارها رقم 1616/2024.

ويكشف هذا الاتجاه عن أن القضاء الأردني لم يعد ينظر إلى المحاسبة بوصفها مجرد إجراء مالي، وإنما باعتبارها التزاماً قانونياً جوهرياً يضمن احترام مبدأ حسن النية داخل الشركة.

 

المبحث الثالث: الالتزام بالمحاسبة باعتباره أثراً لإدارة مال الغير

إذا كان عقد الشركة يمثل المصدر التقليدي للالتزام بالمحاسبة، فإن هذا الالتزام قد يقوم حتى في غياب عقد شركة بالمعنى الفني، متى تولى شخص إدارة مال يملكه غيره أو يشترك فيه معه.

ولهذا نجد أن القضاء الأردني لم يقصر دعوى المحاسبة على الشركات، وإنما أجازها أيضاً في الأموال الشائعة، حيث انفرد أحد الشركاء بإدارة العقارات المشتركة وقبض أجورها دون تقديم حساب لبقية الشركاء.

وفي القرار الصادر بتاريخ 29/12/2022، أقرت محكمة التمييز بحق الشريك على الشيوع في مطالبة من استأثر بإدارة العقارات المشتركة بإجراء المحاسبة عن جميع الإيرادات المتحققة، كما أكدت أن ادعاء المدعى عليه بإجراء محاسبة سابقة يعد واقعة جوهرية يجب بحثها من خلال البينات واليمين الحاسمة عند الاقتضاء.

ويؤكد هذا الحكم أن مصدر الالتزام بالمحاسبة ليس وجود الشركة وحده، وإنما قيام شخص بإدارة مال مشترك أو التصرف فيه لحساب غيره.

 

المبحث الرابع: الالتزام بالمحاسبة في ضوء الشخصية المعنوية للشركة

من أهم التطورات التي شهدها القضاء الأردني في السنوات الأخيرة التمييز بين المحاسبة التي تكون مستحقة للشركة، والمحاسبة التي تكون مستحقة للشريك.

فالمدير قد يكون ملتزماً بتقديم الحساب للشركة باعتبارها شخصاً اعتبارياً مستقلاً، وليس لكل شريك على حدة، كما أن بعض الحقوق تكون للشركة وحدها، ولا يجوز للشريك المطالبة بها باسمه الشخصي.

وقد أكدت محكمة التمييز هذه القاعدة في أكثر من حكم، أبرزها القراران 7170/2024 و659/2023، إذ قررت أن الشخصية المعنوية للشركة تقتضي أن تكون الخصومة متجهة إلى الشركة متى كان الحق المطالب به من حقوقها، وأن الضرر الواقع على أموال الشركة لا يتحول تلقائياً إلى حق شخصي لكل شريك، وإنما يبقى حقاً للشركة ذاتها.

 

ويترتب على هذا التمييز نتائج عملية بالغة الأهمية، منها:

تحديد الخصم الصحيح في دعوى المحاسبة.

تحديد صاحب الصفة في المطالبة.

التمييز بين الدعوى الفردية للشريك والدعوى التي ترفع لمصلحة الشركة.

تحديد الجهة التي يؤول إليها المبلغ المحكوم به.

وسيكون لهذه المسألة أثر بالغ عند بحث شروط قبول الدعوى وصحة الخصومة في الباب الثاني من هذه الدراسة.

 

تعليق الباحث (إضافة علمية)

وأرى أن الاجتهاد القضائي الأردني قد تجاوز النظرة التقليدية لدعوى المحاسبة باعتبارها مجرد وسيلة لتحديد الأرباح، وأرسى مفهوماً أكثر شمولاً يقوم على أن الالتزام بالمحاسبة هو التزام قانوني مستقل ينشأ بمجرد إدارة مال مشترك أو مال مملوك لشخص اعتباري، وأن هذا الالتزام يستمد وجوده من طبيعة العلاقة القانونية ذاتها، لا من وجود نص خاص يفرضه.

ومن ثم، فإن الامتناع عن تقديم الحساب لا يمثل مجرد إخلال بالتزام عقدي، وإنما يشكل إخلالاً بمبدأ الشفافية والائتمان الذي تقوم عليه جميع العلاقات القانونية التي تتضمن إدارة أموال الغير. وهذا الاتجاه، في تقديري، يمثل نواةً لنظرية عامة في القانون الأردني يمكن تسميتها “نظرية الالتزام بالمحاسبة في علاقات الإدارة المشتركة”، وهي نظرية تتجاوز نطاق الشركات لتشمل الوكالة، والشيوع، والمضاربة، وشركة المحاصة، وكل علاقة يكون فيها أحد الأطراف ممسكاً بالحسابات أو متصرفاً بالأموال المشتركة.

 

الباب الثاني: شروط قبول دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

تمهيد

لا يكفي لنجاح دعوى المحاسبة أن يدعي أحد الشركاء وجود حقوق مالية له في ذمة شريك آخر، بل يجب أن تتوافر مجموعة من الشروط الموضوعية والإجرائية التي تجعل الدعوى مقبولة ابتداءً وقابلة للفصل في موضوعها.

ولم ينظم المشرع الأردني هذه الشروط في نصوص مستقلة، وإنما استخلصتها محكمة التمييز من القواعد العامة في قانون الشركات والقانون المدني وقانون أصول المحاكمات المدنية وقانون البينات، حتى أصبحت تشكل منظومة قضائية متكاملة تحكم هذا النوع من الدعاوى.

ومن خلال استقراء الأحكام التي جمعناها، يمكن القول إن شروط قبول دعوى المحاسبة تنقسم إلى نوعين:

شروط موضوعية تتعلق بوجود الحق ذاته، شروط إجرائية تتعلق بطريقة ممارسة هذا الحق أمام القضاء، وسوف نتناول كل شرط بصورة مستقلة.

 

الفصل الأول: الشروط الموضوعية لقبول دعوى المحاسبة

 

المبحث الأول: وجود علاقة قانونية تستوجب المحاسبة

يعد هذا الشرط الركن الأساسي في دعوى المحاسبة، إذ لا تقوم هذه الدعوى في فراغ، وإنما تستند دائماً إلى علاقة قانونية سابقة توجب على أحد الأطراف تقديم حساب للطرف الآخر.

فإذا انتفت هذه العلاقة، انتفى الالتزام بالمحاسبة من أساسه.

ولهذا فإن المحكمة تبدأ دائماً ببحث مصدر العلاقة القانونية قبل الانتقال إلى بحث الحسابات.

وقد تكون هذه العلاقة:

عقد شركة، شركة محاصة، شركة تضامن، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة، مضاربة، شيوع، وكالة، إدارة مال الغير.

أما إذا كانت العلاقة مجرد دين عادي، أو قرض، أو بيع، أو التزام مستقل لا يقتضي إدارة أموال مشتركة، فلا محل لإقامة دعوى المحاسبة، وإنما تكون الدعوى دعوى مطالبة مالية عادية.

 

سلطة المحكمة في تكييف العلاقة

من المبادئ الراسخة في القضاء الأردني أن المحكمة غير مقيدة بالتكييف الذي يسبغه الخصوم على العلاقة القانونية.

فقد يصف المدعي العلاقة بأنها شركة محاصة، بينما ترى المحكمة أنها مضاربة، وقد يصفها بأنها مطالبة مالية، بينما ترى المحكمة أنها دعوى محاسبة.

وقد كرست محكمة التمييز هذا المبدأ بصورة واضحة في القرار الصادر بتاريخ 24/10/2023 عندما رفضت اعتبار العلاقة شركة محاصة، وكيفتها بأنها شركة مضاربة، ورتبت على ذلك وجوب إجراء المحاسبة والتصفية قبل المطالبة برد رأس المال، كما أكدت في القرار 7170/2024 أن تكييف العلاقة القانونية من سلطة المحكمة، لا من سلطة الخصوم.

 

المبحث الثاني: وجود إدارة فعلية للأموال المشتركة

لا يكفي وجود شركة حتى تقبل دعوى المحاسبة، وإنما يجب أن يكون المدعى عليه قد باشر إدارة الأموال أو قبض الإيرادات أو تصرف بالحسابات.

فإذا لم يثبت أنه كان يدير الأموال أو يستوفي الإيرادات، انتفى موجب إلزامه بالمحاسبة.

 

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين:

الشريك العادي، الشريك المدير، المدير المفوض، المدير الفعلي.

فالالتزام بالمحاسبة يتعلق بالإدارة، وليس بمجرد صفة الشريك.

وقد أبرزت محكمة التمييز هذا المعنى في القرار 7170/2024 عندما استخلصت من الوقائع أن أحد الشركاء هو الذي كان يدير المشروع، ويوقع العقود، ويقبض الإيرادات، ويشرف على المحاسب، ومن ثم اعتبرت أن المطالبة بالمحاسبة تتجه إليه بوصفه مديراً فعلياً.

كما ظهر هذا الاتجاه في قرار 1616/2024 عندما اعتبرت المحكمة أن امتناع الشريك المفوض عن تقديم الحسابات للشركاء يعد إخلالاً يبرر إخراجه من الشركة.

 

المبحث الثالث: وجود عمليات مالية قابلة للمحاسبة

لا تقبل دعوى المحاسبة إذا لم تكن هناك عمليات مالية تستوجب مراجعتها.

ويشترط أن يكون النزاع متعلقاً بأمور مثل:

الإيرادات، الأرباح، المصروفات، النفقات، الرواتب، التحصيلات، العقود، الذمم، الموجودات.

أما إذا كان النزاع يدور حول مسألة قانونية مجردة لا تتعلق بحسابات مالية، فإن دعوى المحاسبة تكون غير منتجة.

ولهذا السبب ميزت محكمة التمييز في القرار 9490/2023 بين دعوى المحاسبة وبين دعوى استرداد الأموال التي قبضها المدير لحساب الشركة، وقررت أن الأخيرة ليست دعوى محاسبة، لأن موضوعها لا يتمثل في مراجعة الحسابات، وإنما في إعادة أموال معلومة إلى ذمة الشركة.

 

المبحث الرابع: وجود مصلحة قانونية قائمة

الأصل أن الدعوى لا تسمع إلا إذا كان للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة وقائمة.

ويكتسب هذا الشرط أهمية خاصة في دعاوى المحاسبة، لأن بعض الحقوق تكون للشركة، وليس للشريك.

 

ومن ثم يجب التحقق أولاً:

هل المطالبة تخص الشركة؟ أم تخص الشريك شخصياً؟

وقد عالجت محكمة التمييز هذه المسألة في القرار 2785/2023 عندما ميزت بين الدعوى المشتقة التي يقيمها المساهم لمصلحة الشركة، والدعوى الفردية التي يقيمها للمطالبة بحق شخصي، كما أكدت في القرار 659/2023 أن الضرر الواقع على الشركة لا يتحول تلقائياً إلى ضرر شخصي لكل شريك، وأن التعويض في هذه الحالة يكون للشركة لا للشركاء.

ومن ثم، فإن من أول واجبات المحكمة تحديد صاحب الحق الحقيقي قبل الانتقال إلى بحث الحسابات.

 

المبحث الخامس: أن تكون الدعوى غير سابقة لأوانها

ويعد هذا الشرط من أكثر الشروط دقة في التطبيق.

فقد تكون المحاسبة واجبة، ولكن الوقت لم يحن بعد لإقامتها.

ومن أبرز صور ذلك:

المطالبة باسترداد رأس المال قبل انتهاء المضاربة، المطالبة بحصة الشريك قبل إجراء التصفية، المطالبة بالأرباح قبل اعتماد الميزانيات أو تحديد الأرباح القابلة للتوزيع، المطالبة بحقوق تتوقف على إجراء محاسبة أولية.

وقد كرست محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها الصادر بتاريخ 24/10/2023 عندما اعتبرت أن المطالبة باسترداد رأس المال مباشرة بعد انتهاء عقد المضاربة تعد سابقة لأوانها، لأن الطريق الصحيح يبدأ بإجراء المحاسبة، ثم التصفية، ثم تحديد نصيب كل طرف.

كما انتهت في قرار 3342/2023 إلى أن رد دعوى المحاسبة قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات يجعل الحكم سابقاً لأوانه، لأن المحكمة لم تستكمل الوسائل اللازمة للوصول إلى الحقيقة.

 

تعليق الباحث (إضافة علمية)

ومن خلال استقراء هذه الأحكام، أرى أن القضاء الأردني قد طور معياراً عملياً لقبول دعوى المحاسبة يمكن صياغته على النحو الآتي:

تقبل دعوى المحاسبة كلما وجدت علاقة قانونية تقتضي إدارة مال مشترك، وثبت أن المدعى عليه باشر الإدارة أو استأثر بالحسابات أو الإيرادات، وكانت هناك عمليات مالية غير محسومة تستوجب كشف الحساب، وكان المدعي هو صاحب المصلحة القانونية المباشرة، ولم تكن المطالبة متوقفة على إجراء قانوني سابق يجعل الدعوى سابقة لأوانها.

وهذا المعيار لا يرد في أي نص تشريعي، وإنما يمثل خلاصة الاتجاه القضائي لمحكمة التمييز الأردنية المستنبط من أحكامها الحديثة، وهو في تقديري يصلح لأن يكون معياراً قضائياً عاماً يمكن للمحاكم الاسترشاد به عند الفصل في دعاوى المحاسبة.

 

الفصل الثاني: الشروط الإجرائية لقبول دعوى إجراء المحاسبة

تمهيد

إذا كانت الشروط الموضوعية تحدد وجود الحق في إقامة دعوى المحاسبة، فإن الشروط الإجرائية تحدد إمكانية وصول المحكمة إلى الحقيقة القضائية.

فدعوى المحاسبة بطبيعتها تختلف عن غالبية الدعاوى المدنية، لأن الحق المدعى به لا يكون ثابتاً في وثيقة واحدة أو سند محدد، وإنما يستخلص من مجموعة كبيرة من القيود والسجلات والدفاتر والعقود والإيرادات والمصروفات التي تتوزع غالباً بين الشركة ومديرها أو الشريك القائم بالإدارة.

ولهذا السبب، فإن الإثبات في دعوى المحاسبة لا يقتصر على القواعد التقليدية، وإنما يمتد إلى وسائل خاصة كإلزام الخصوم بتقديم المستندات، والاستعانة بالخبرة المحاسبية، وتوجيه اليمين الحاسمة، ومناقشة الخبراء، والاطلاع على الدفاتر التجارية، وهي وسائل يتوقف عليها في كثير من الأحيان مصير الدعوى.

 

المبحث الأول: عبء الإثبات في دعوى المحاسبة

 

أولاً: الأصل العام

الأصل في القانون المدني الأردني أن البينة على من ادعى، وأن الأصل براءة الذمة، فلا يكلف المدعى عليه بإثبات البراءة، وإنما يقع على المدعي عبء إثبات الحق الذي يدعيه.

وينطبق هذا الأصل أيضاً على دعوى المحاسبة، إلا أن تطبيقه يثير إشكالية خاصة، لأن معظم المستندات التي تثبت الإيرادات والمصروفات والعمليات المالية تكون موجودة تحت يد المدير أو الشركة، وليس تحت يد الشريك الذي يطالب بالمحاسبة.

ومن هنا كان لا بد من التوفيق بين القاعدة العامة في الإثبات، وبين الطبيعة الخاصة لدعوى المحاسبة.

 

ثانياً: موقف محكمة التمييز

أرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز قاعدة تعد من أهم القواعد في هذا المجال، وذلك في قرارها رقم 813/2022، حيث قررت أن:

الأصل براءة الذمة، وأن المدعي هو المكلف بإثبات مصدر حقه، وأن الخبرة ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة لتقدير الحقوق الثابتة بالبينات القانونية.

وهذا المبدأ يترتب عليه نتائج مهمة:

لا يجوز للمدعي الاكتفاء بطلب الخبرة دون تقديم الحد الأدنى من الأدلة.

لا يجوز للخبير أن ينشئ وقائع جديدة.

لا يجوز للمحكمة أن تجعل الخبرة بديلاً عن الإثبات.

ويعد هذا القرار حجر الزاوية في تحديد عبء الإثبات في دعاوى المحاسبة.

 

ثالثاً: خصوصية دعوى المحاسبة

غير أن تطبيق هذا الأصل في دعاوى الشركات يجب أن يتم بحذر، لأن الشريك لا يستطيع غالباً الوصول إلى الدفاتر أو السجلات أو الحسابات البنكية للشركة.

ولهذا السبب، فإن القضاء الأردني لم يقف عند القاعدة التقليدية، وإنما طور تطبيقها بما ينسجم مع طبيعة الدعوى.

ففي القرار رقم 3342/2023 قررت محكمة التمييز أن المحكمة لا يجوز لها رد الدعوى بحجة نقص المستندات إذا كانت هذه المستندات موجودة تحت يد الشركة أو المدير، بل يتعين عليها استعمال سلطاتها القانونية لتمكين الخبراء من الاطلاع عليها، أو إلزام الخصم بتقديمها، لأن خلاف ذلك يؤدي إلى حرمان الشريك من حقه بسبب احتفاظ خصمه بالأدلة.

وهذا الاجتهاد يمثل، في تقديري، أحد أهم تطبيقات مبدأ العدالة الإجرائية في القضاء الأردني.

 

المبحث الثاني: المستندات والدفاتر التجارية

تحتل الدفاتر التجارية والسجلات المحاسبية مركز الصدارة في دعاوى المحاسبة، لأنها تمثل المصدر الرئيسي لاستخراج المركز المالي الحقيقي للشركة.

 

وتشمل هذه المستندات على سبيل المثال:

الميزانيات، دفاتر اليومية، كشوف الحسابات البنكية، القيود المحاسبية، عقود البيع والشراء، عقود الإيجار، كشوف الرواتب.

فواتير المصروفات، الإقرارات الضريبية، بيانات الضمان الاجتماعي، سجلات القبض والصرف.

ولا يجوز للمدير أو الشريك القائم بالإدارة الاحتجاج بعدم تقديم هذه المستندات إذا كانت تحت يده، لأن احتفاظه بها يفرض عليه التزاماً قانونياً بإبرازها عند قيام النزاع.

 

تعليق الباحث

وأرى أن القضاء الأردني لم يمنح حتى الآن الدفاتر التجارية المكانة التي تستحقها في دعاوى المحاسبة، إذ ما تزال بعض المحاكم تميل إلى الاكتفاء بالخبرة المجردة، مع أن الخبرة لا قيمة لها إذا لم تستند إلى دفاتر صحيحة ومستندات مكتملة.

ولهذا أقترح أن يتدخل المشرع مستقبلاً بالنص صراحة على إلزام المدير أو المفوض بالتوقيع بتقديم جميع السجلات المحاسبية خلال مدة محددة من تاريخ إقامة الدعوى، وإلا قامت قرينة قانونية على صحة ادعاءات الشريك طالب المحاسبة، على غرار بعض التشريعات المقارنة.

 

المبحث الثالث: الخبرة المحاسبية

 

أولاً: الطبيعة القانونية للخبرة

تعد الخبرة المحاسبية الوسيلة الفنية الأكثر استخداماً في دعاوى المحاسبة، إلا أنها ليست وسيلة إثبات مستقلة، وإنما وسيلة فنية تساعد المحكمة على فهم الأدلة والبيانات المحاسبية.

وقد حسمت الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذه المسألة في قرارها رقم 813/2022 عندما قررت أن:

الخبرة وسيلة لتقدير الدليل وليست وسيلة لإثباته.

ويعد هذا المبدأ من أهم المبادئ التي سنبني عليها هذا الفصل.

 

ثانياً: حدود مهمة الخبير

من خلال استقراء أحكام محكمة التمييز، يمكن تحديد مهمة الخبير في دعوى المحاسبة بما يلي:

مراجعة الدفاتر والسجلات، احتساب الإيرادات، احتساب المصروفات، تحديد الأرباح، احتساب نصيب كل شريك، بيان الرصيد النهائي.

ولا يجوز له إنشاء الوقائع، سماع الشهود خارج المحكمة، إجراء تحريات شخصية، سؤال الجيران أو العملاءن الاعتماد على التخمين.

وقد اعتبرت الهيئة العامة في قرارها رقم 813/2022 أن قيام الخبراء بالتحري وسؤال الناس لمعرفة دخل الملحمة ومصاريفها يمثل خروجاً عن المهمة الفنية الموكولة إليهم، ويجعل تقريرهم مخالفاً للأصول.

 

ثالثاً: رقابة المحكمة على الخبرة

لا يكفي أن تذكر المحكمة أنها اقتنعت بالخبرة، وإنما يجب أن تبين أسباب اقتناعها.

وقد شددت محكمة التمييز في القرار 9490/2023 على أن تقرير الخبرة إذا كان غامضاً أو غير معلل أو لم يبين كيفية الوصول إلى النتيجة، فلا يجوز للمحكمة أن تعتمد عليه، بل يتعين عليها مناقشة الخبراء أو إعادة الخبرة.

ويكشف هذا الاتجاه عن أن المحكمة ليست مجرد ناقل لنتيجة الخبرة، وإنما تمارس رقابة قانونية كاملة عليها.

 

المبحث الرابع: اليمين الحاسمة

من وسائل الإثبات ذات الأهمية الخاصة في دعاوى المحاسبة اليمين الحاسمة، ولا سيما عندما يدور النزاع حول وقائع لا يمكن إثباتها بالمستندات، مثل:

حصول محاسبة سابقة، تسلم الأرباح، قبض الحصص، الاتفاق الشفهي بين الشركاء.

وقد أكدت محكمة التمييز في القرار 1338/2024 أن المحكمة ملزمة بالفصل في طلب توجيه اليمين الحاسمة، وأن إغفالها هذا الطلب يشكل سبباً مستقلاً لنقض الحكم.

كما أكدت في قرارها الصادر بتاريخ 29/12/2022 أن طلب توجيه اليمين بشأن واقعة إجراء المحاسبة السابقة يعد طلباً جوهرياً لا يجوز للمحكمة تجاهله.

 

النتائج الأولية للفصل

ومن خلال ما تقدم يمكن استخلاص النتائج الآتية:

يظل الأصل أن عبء الإثبات يقع على المدعي، إلا أن طبيعة دعوى المحاسبة تفرض على المحكمة استخدام سلطاتها لإلزام الخصم بتقديم المستندات التي يحتفظ بها.

الدفاتر التجارية ليست مجرد وسيلة مساعدة، بل تمثل المصدر الرئيس لإجراء المحاسبة.

الخبرة المحاسبية وسيلة فنية لتقدير الحقوق، وليست وسيلة لإثبات الوقائع.

لا يجوز للخبير تجاوز مهمته الفنية إلى إنشاء الأدلة أو إجراء التحريات.

تمارس المحكمة رقابة كاملة على تقرير الخبرة، ويجب أن يكون التقرير معللاً ومبنياً على مستندات ثابتة.

اليمين الحاسمة تمثل وسيلة إثبات جوهرية في دعاوى المحاسبة، ويترتب على إغفال المحكمة الفصل في طلب توجيهها بطلان الحكم.

 

الفصل الثالث: شروط قبول دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

دراسة تحليلية في ضوء اجتهاد محكمة التمييز الأردنية

 

تمهيد

على الرغم من أن قانون الشركات الأردني والقانون المدني لم يضعا نصاً عاماً يحدد شروط إقامة دعوى المحاسبة بين الشركاء، إلا أن القضاء الأردني، وعلى رأسه محكمة التمييز، استطاع عبر عشرات الأحكام أن يرسم نظرية قضائية متكاملة لهذه الدعوى، بحيث لم يعد قبولها يخضع لمجرد الادعاء بوجود حق مالي، وإنما أصبح مشروطاً بتوافر عناصر قانونية محددة يمكن استخلاصها من الاتجاه القضائي المستقر.

ومن خلال الدراسة التحليلية للأحكام التي سبق جمعها، يمكن للباحث أن يستخلص أن القضاء الأردني يشترط لنجاح دعوى المحاسبة اجتماع سبعة شروط رئيسية، ويؤدي تخلف أحدها إلى رد الدعوى أو اعتبارها سابقة لأوانها.

وهذه الشروط ليست منصوصاً عليها في مادة واحدة، وإنما هي نتاج استقراء متكامل لأحكام محكمة التمييز، وهو ما يمنحها قيمة علمية وعملية خاصة.

 

الشرط الأول: وجود علاقة قانونية تستوجب تبادل الحسابات

يعد هذا الشرط حجر الأساس في دعوى المحاسبة، إذ لا يمكن تصور وجود التزام بالمحاسبة دون وجود علاقة قانونية سابقة تفرض على أحد الطرفين تقديم حساب للطرف الآخر.

 

وتتعدد مصادر هذه العلاقة، فقد تكون:

عقد شركة تضامن، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة، شركة محاصة، شركة مضاربة، إدارة مال شائع، وكالة، إدارة مال الغير.

ولا يكفي مجرد وجود علاقة مالية، وإنما يجب أن تكون طبيعتها تستوجب إدارة أموال أو قبض إيرادات أو الإنفاق لحساب مشترك.

ولهذا السبب رفضت محكمة التمييز في بعض الأحكام تكييف العلاقة بأنها شركة محاصة، واعتبرتها مضاربة تخضع للقانون المدني، ورتبت على ذلك آثاراً قانونية مختلفة، أهمها وجوب المحاسبة والتصفية قبل المطالبة بالحقوق المالية.

ويستخلص من ذلك أن المحكمة لا تتقيد بالتسمية التي يطلقها الخصوم على العلاقة، وإنما تبحث عن حقيقتها القانونية.

 

الشرط الثاني: وجود إدارة فعلية للأموال

لا يكفي أن يكون المدعى عليه شريكاً، بل يجب أن يكون قد أدار الشركة، قبض الأموال، استوفى الإيرادات.

وقع العقود، احتفظ بالحسابات، تصرف بالأموال المشتركة، فالالتزام بالمحاسبة لا ينشأ عن مجرد الشراكة، وإنما ينشأ عن الإدارة.

ولهذا نجد أن محكمة التمييز تميز دائماً بين:

الشريك المستثمر، والشريك المدير، والمدير الفعلي، والمدير المفوض، ولا تلزم بالمحاسبة إلا من ثبتت إدارته.

 

الشرط الثالث: وجود حسابات غير مصفاة

من المبادئ التي لم تُذكر صراحة في الفقه الأردني، ولكن يمكن استخلاصها من القضاء، أن المحاسبة لا تكون إلا إذا بقيت العلاقة المالية مفتوحة.

فإذا ثبت أن الحسابات أغلقت، جرت محاسبة نهائية، وقع مخالصة عامة، اعتمدت ميزانيات نهائية دون اعتراض، تمت التصفية، فلا يبقى محل لدعوى المحاسبة.

ولهذا السبب نجد أن كثيراً من دفوع المدعى عليهم تقوم على القول لقد تمت المحاسبة، وهنا يصبح عبء المحكمة هو التحقق من صحة هذه الواقعة.

 

الشرط الرابع: وجود نزاع حقيقي

دعوى المحاسبة ليست وسيلة للحصول على تقرير استشاري من المحكمة.

بل يجب أن يكون هناك نزاع حول:

الإيرادات، أو الأرباح، أو المصاريف، والحصص، والإدارة، والنفقات.

أما إذا لم يوجد نزاع، أو كانت الحسابات متفقاً عليها، فلا محل لإقامة الدعوى.

 

الشرط الخامس: أن يكون الحق مجهول المقدار

وهذا الشرط من أهم ما يميز دعوى المحاسبة، فالحق في هذه الدعوى ليس مجهول الوجود، وإنما مجهول المقدار.

وهذا ما يميزها عن دعوى الدين، إذ يكون الدين فيها محدداً.

أما في المحاسبة فالمجهول هو الرصيد النهائي، ومن هنا تأتي الحاجة إلى الخبرة الفنية لمراجعة الحسابات واستخراج القيود.

 

الشرط السادس: أن يكون للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة

ويعد هذا الشرط من أكثر الشروط ارتباطاً بالشخصية المعنوية للشركة.

فقد يكون الحق للشركة، وليس للشريك.

وقد يكون للشريك وليس للشركة، وقد يكون لجميع الشركاء.

ولهذا نجد أن محكمة التمييز في قرارات:

659/2023 ، 2785/2023 ، 7170/2024

أولت أهمية كبيرة لتحديد، صاحب الحق الحقيقي، قبل بحث موضوع الدعوى.

 

الشرط السابع: أن تكون الدعوى منتجة

أي أن تكون المحاسبة قادرة على إنتاج أثر قانوني، فإذا كانت الشركة مصفاة، والحسابات مقفلة، والحقوق سقطت بالتقادم.

أو سبق الفصل فيها، أو استحال إجراء المحاسبة، فإن الدعوى تصبح غير منتجة.

 

الرأي الفقهي للباحث

وأرى أن ما استقر عليه القضاء الأردني يؤدي إلى نتيجة في غاية الأهمية، وهي أن دعوى المحاسبة ليست حقاً مطلقاً لكل شريك، وإنما هي حق مشروط بقيام مركز قانوني معين.

فالشريك لا يكتسب الحق في مطالبة غيره بالمحاسبة لمجرد صفته كشريك، وإنما يكتسب هذا الحق عندما يثبت أن العلاقة القانونية بينهما أفرزت التزاماً قائماً بتقديم الحساب، وأن هذا الالتزام لم ينفذ، وأن ثمة عمليات مالية ما زالت بحاجة إلى تصفية أو مراجعة.

وهذا التحليل يفسر كثيراً من الأحكام التي بدت للوهلة الأولى متعارضة؛ فبعضها رفض دعوى المحاسبة لا لأن المحاسبة غير جائزة، وإنما لأن شرطاً من شروطها لم يكن متوافراً، كعدم صحة الخصومة، أو سبق المحاسبة، أو كون الدعوى سابقة لأوانها، أو أن الحق المطالب به يعود للشركة لا للشريك.

ومن ثم، فإن فهم هذه الشروط يساعد على تفسير الاتجاه القضائي تفسيراً منسجماً، ويحول دون الاعتقاد بوجود تناقض بين الأحكام.

 

 

خاتمة الباب الأول والباب الثاني

يتبين من الدراسة السابقة أن دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء لا تمثل مجرد وسيلة إجرائية للمطالبة بحقوق مالية، وإنما تشكل نظاماً قانونياً متكاملاً يقوم على مجموعة من القواعد الموضوعية والإجرائية التي تستمد أصولها من قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، فضلاً عن المبادئ التي أرستها محكمة التمييز الأردنية عبر اجتهاداتها المتعاقبة.

وقد أظهرت الدراسة أن المشرع الأردني لم ينظم دعوى المحاسبة تنظيماً مستقلاً، وإنما ترك للقضاء مهمة استكمال بنائها القانوني، الأمر الذي أدى إلى نشوء نظرية قضائية متكاملة، استقرت على أن دعوى المحاسبة ليست دعوى مطالبة مالية عادية، وإنما دعوى ذات طبيعة تقريرية كاشفة، تهدف إلى تحديد المركز المالي الحقيقي للأطراف، واستخراج الرصيد النهائي المستحق لكل منهم بعد مراجعة العمليات المالية المتبادلة.

كما تبين أن قبول هذه الدعوى لا يرتبط بمجرد صفة الشريك، وإنما بقيام علاقة قانونية تستوجب تقديم الحساب، وبثبوت إدارة المدعى عليه للأموال المشتركة أو استئثاره بالإيرادات أو الحسابات، وبوجود نزاع حقيقي حول الحقوق المالية لم يسبق حسمه، مع توافر المصلحة القانونية والخصومة الصحيحة، وعدم سبق إجراء المحاسبة أو انتهاء العلاقة القانونية بما يمنع إعادة فتح الحسابات، ما لم يقم سبب قانوني يبرر ذلك.

وأظهرت الدراسة كذلك أن القضاء الأردني أولى أهمية خاصة للتكييف القانوني للدعوى، فلم يتقيد بالأوصاف التي يسبغها الخصوم على علاقاتهم، وإنما اعتبر أن تحديد الطبيعة القانونية للنزاع يدخل في صميم سلطة المحكمة، وهو ما ترتب عليه التمييز بين دعوى المحاسبة، ودعوى المطالبة بالدين، ودعوى استرداد أموال الشركة، ودعوى المسؤولية، ودعوى التصفية، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، وهو تمييز كان له أثر مباشر في تحديد الخصومة، وعبء الإثبات، والطلبات المقبولة، والنتائج القانونية المترتبة على كل دعوى.

وفي مجال الإثبات، كرست محكمة التمييز مبدأً بالغ الأهمية مؤداه أن عبء الإثبات يبقى على عاتق المدعي، إلا أن طبيعة دعوى المحاسبة تفرض على المحكمة استعمال سلطاتها لإلزام الخصم بتقديم الدفاتر والسجلات والمستندات التي يحتفظ بها، كما أكدت أن الخبرة المحاسبية ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة فنية لتقدير الحقوق الثابتة بالأدلة القانونية، وهو ما يشكل ضمانة لتحقيق التوازن بين مصلحة الشريك طالب المحاسبة، وحقوق الشريك أو المدير الذي يحتفظ بالحسابات.

ويخلص الباحث من مجموع الأحكام محل الدراسة إلى أن محكمة التمييز الأردنية قد أرست، وإن بصورة غير مباشرة، نظرية قضائية متماسكة لدعوى المحاسبة، يمكن اختصارها في أن المحاسبة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة قضائية للكشف عن الحقوق المالية الكامنة داخل علاقة قانونية مستمرة، لا يمكن تحديدها إلا من خلال مراجعة دقيقة للحسابات والعمليات المالية. ويعد هذا الاتجاه، في تقدير الباحث، من أهم مظاهر التطور الذي شهده القضاء الأردني في منازعات الشركات خلال السنوات الأخيرة.

وانطلاقاً من ذلك، فإن ما تم عرضه في هذا الباب لا يمثل سوى الأساس النظري لدعوى المحاسبة، إذ ستنتقل الدراسة في الأبواب التالية إلى التطبيقات العملية لهذه الدعوى، وفي مقدمتها الحراسة القضائية (تعيين القيم)، بوصفها الإجراء الوقتي الأكثر ارتباطاً بمنازعات الشركاء، ثم إلى دعوى تصفية الشركة باعتبارها الوسيلة القانونية لإنهاء العلاقة بين الشركاء عندما يصبح استمرار الشركة متعذراً أو مخالفاً لمقتضيات العدالة، مع بيان الضوابط التي استقر عليها القضاء الأردني في كل من هذين المجالين.

 

مكتب العبادي للمحاماة

0798333357

موقع المكتب:

العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء