10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

7 مبادئ قانونية تتعلق بالمطالبات التجارية وشركات التضامن

7 مبادئ قانونية تتعلق بالمطالبات التجارية وشركات التضامن

المطالبة التجارية وشركات التضامن

7 مبادئ قانونية أرستها محكمة التمييز بشأن المطالبات التجارية وشركات التضامن

مقدمة

تشكل الأحكام الصادرة عن محكمة التمييز الأردنية مرجعاً مهماً في توحيد الاجتهاد القضائي وتفسير النصوص القانونية، ولا سيما في المنازعات التجارية التي تتشابك فيها أحكام قانون التجارة مع قانون الشركات والقانون المدني وقانون البينات.

ويعد القرار رقم (1400 لسنة 2025) من الأحكام التي عالجت في قضية واحدة عدداً من المسائل القانونية الدقيقة، أبرزها تحديد مدة التقادم الواجب تطبيقها على المطالبات التجارية، ومدى اشتراط توجيه الإنذار العدلي قبل إقامة الدعوى، وحجية القيود التجارية وكشوف الحساب الإلكترونية في الإثبات، وحدود مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة، وأثر التخارج من التركة على تلك المسؤولية، فضلاً عن تطبيق يمين الاستظهار في مواجهة ورثة الشريك المتوفى.

وتبرز أهمية هذا القرار في أنه لم يقتصر على الفصل في النزاع المعروض، وإنما وضع مجموعة من المبادئ العملية التي يسترشد بها المحامون والقضاة والشركات التجارية عند مباشرة دعاوى المطالبة بالديون التجارية، الأمر الذي يجعله من الأحكام الجديرة بالدراسة والتحليل.

 

تتناول هذه المقالة أهم المبادئ القانونية التي أرستها المحكمة، مع بيان الأساس التشريعي لكل مبدأ وأثره العملي في الدعاوى التجارية.

 

أولاً: التقادم في المطالبات التجارية بين التجار يخضع لقانون التجارة لا للقانون المدني

من أبرز الدفوع التي أثارها الطاعن أمام محكمة التمييز تمسكه بأن الدعوى أصبحت غير مسموعة لمرور الزمن استناداً إلى أحكام القانون المدني، باعتبار أن المطالبة مضى عليها أكثر من المدة التي اعتبرها واجبة التطبيق.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع بصورة قاطعة، وأكدت أن العبرة ليست بطبيعة الدين فحسب، وإنما بطبيعة العلاقة القانونية التي نشأ عنها الدين.

فقد ثبت للمحكمة أن المدعية شركة تمارس بيع الباطون الجاهز، وأن المدعى عليها شركة تضامن تمارس أعمال المقاولات، وأن المطالبة ناشئة عن تعامل تجاري بين تاجرين، الأمر الذي يجعل العلاقة خاضعة لأحكام قانون التجارة لا لأحكام القانون المدني.

وبناءً على ذلك طبقت المحكمة أحكام المادة (58) من قانون التجارة، واعتبرت أن التقادم الواجب التطبيق هو التقادم التجاري ومدته عشر سنوات، وليس التقادم المدني الذي استند إليه المميز، وانتهت إلى أن الدعوى أقيمت قبل انقضاء هذه المدة، مما يجعلها مسموعة قانوناً.

ويؤكد هذا الاتجاه قاعدة قانونية مستقرة مؤداها أن الوصف التجاري للعلاقة القانونية يطغى على القواعد العامة الواردة في القانون المدني، باعتبار أن قانون التجارة هو قانون خاص، والقاعدة أن الخاص يقيد العام.

ومن الناحية العملية، فإن هذا المبدأ يمنع المدين من التمسك بالتقادم المدني كلما كانت المطالبة ناشئة عن علاقة تجارية بين تاجرين، حتى ولو كانت المطالبة عبارة عن رصيد حساب أو قيمة بضائع أو خدمات تم توريدها.

كما يبرز من هذا الحكم أن تحديد القانون الواجب التطبيق يبدأ أولاً بتكييف العلاقة القانونية، لأن الخطأ في التكييف يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في تحديد مدة التقادم.

وبذلك أرست المحكمة مبدأ بالغ الأهمية يتمثل في أن المطالبة التجارية بين تاجرين تخضع للتقادم التجاري المنصوص عليه في قانون التجارة، ولا يجوز إخضاعها للتقادم المدني لمجرد أن المطالبة تتعلق بدين مالي.

 

ثانياً: المطالبة برصيد المديونية التجارية لا تستوجب توجيه إنذار عدلي قبل إقامة الدعوى

من المسائل التي كثيراً ما تثار أمام المحاكم، سواء من قبل المدينين أو حتى بعض الممارسين، الاعتقاد بأن إقامة أي دعوى ناشئة عن عقد تستوجب بالضرورة توجيه إنذار عدلي أو إعذار مسبق، استناداً إلى نص المادة (246/1) من القانون المدني.

وقد حسمت محكمة التمييز هذه المسألة في القرار محل الدراسة، ووضعت حداً للخلط بين نوعين مختلفين من الدعاوى.

فقد تمسك المميز بأن الدعوى أقيمت قبل أوانها لعدم قيام الشركة المدعية بتوجيه إنذار عدلي إليه قبل إقامة الدعوى، واحتج بأن المادة (246/1) من القانون المدني تشترط إعذار المدين قبل اللجوء إلى القضاء، وأن عدم مراعاة هذا الشرط يؤدي إلى عدم سماع الدعوى.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وبيّنت أن المادة (246) من القانون المدني تنطبق على حالة خاصة، وهي الحالة التي يطلب فيها أحد المتعاقدين تنفيذ العقد أو فسخه بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزاماته العقدية، حيث يكون الإعذار وسيلة لمنح المدين فرصة أخيرة لتنفيذ التزامه قبل ترتيب الآثار القانونية المترتبة على عدم التنفيذ.

أما إذا كانت الدعوى لا تستهدف فسخ العقد أو إجبار المدين على تنفيذ التزام تعاقدي، وإنما تهدف إلى المطالبة بدين مستحق أو برصيد مديونية ثابت نشأ عن تنفيذ العقد فعلاً، فإن الإعذار لا يكون شرطاً لقبول الدعوى.

وفي القضية محل البحث، كانت العلاقة العقدية قد نُفذت بالفعل؛ إذ قامت الشركة المدعية بتوريد الباطون الجاهز إلى شركة المقاولات، وأصبح محل النزاع مقتصراً على عدم سداد قيمة البضائع الموردة.

وبالتالي فإن الدعوى لم تكن دعوى تنفيذ عقد أو فسخه، وإنما دعوى مطالبة بقيمة دين تجاري مستحق، الأمر الذي لا يستوجب توجيه إنذار عدلي.

ولتعزيز هذا الاتجاه، استندت المحكمة إلى اجتهادها السابق في القرار التمييزي الحقوقي رقم (3507/2018) ، الذي قرر صراحة أن المطالبة برصيد المديونية لا تستوجب توجيه إنذار عدلي قبل إقامة الدعوى، وهو ما يدل على استقرار هذا المبدأ في القضاء الأردني.

 

التفرقة بين الإعذار والمطالبة القضائية

تكمن أهمية هذا الحكم في أنه يميز بين مرحلتين قانونيتين مختلفتين:

الأولى، مرحلة تنفيذ العقد، حيث يكون العقد ما يزال قائماً، ويكون المطلوب إلزام المدين بتنفيذ التزامه أو فسخ العقد بسبب إخلاله به.

وفي هذه الحالة، يكون الإعذار في كثير من الصور شرطاً لازماً حتى يثبت امتناع المدين عن التنفيذ رغم مطالبته بذلك.

أما الثانية، فهي مرحلة ما بعد تنفيذ الالتزام من جانب الدائن، حيث يصبح محل النزاع ديناً مالياً محدداً ومستحق الأداء.

ففي هذه المرحلة لا يكون محل الدعوى هو العقد ذاته، وإنما الالتزام المالي الناشئ عنه، ولذلك لا يشترط القانون إنذار المدين قبل إقامة الدعوى، لأن حق الدائن في المطالبة القضائية يكون قد نشأ بمجرد حلول أجل الدين وامتناع المدين عن الوفاء.

ومن ثم فإن الخلط بين هاتين الحالتين يؤدي إلى التمسك بدفوع لا سند لها من القانون، وهو ما أكدته محكمة التمييز بوضوح في هذا القرار.

 

الأهمية العملية للمبدأ

يكتسب هذا المبدأ أهمية كبيرة في المنازعات التجارية، إذ إن معظم دعاوى التجار تدور حول المطالبة بقيمة بضائع أو خدمات أو مستحقات مالية، وليس حول فسخ العقود أو إجبار المتعاقد على تنفيذها.

فلو اشترط توجيه إنذار عدلي في جميع هذه الحالات لأصبح ذلك قيداً غير مبرر على حق الدائن في اللجوء إلى القضاء، ولأدى إلى إطالة أمد المنازعات التجارية وتعطيل سرعة الفصل فيها، وهو ما يتعارض مع الطبيعة الخاصة للمعاملات التجارية التي تقوم على السرعة والائتمان واستقرار التعامل.

كما يوجه هذا الحكم رسالة عملية للمحامين عند إعداد لوائح الدعاوى والدفوع، مفادها أن الدفع بعدم توجيه إنذار عدلي لن يكون منتجاً إذا كانت الدعوى مجرد مطالبة بدين تجاري مستحق، لأن المحكمة ستنظر إلى طبيعة الطلبات لا إلى مجرد وجود عقد بين الطرفين.

 

وعليه، فإن المبدأ الذي استقر عليه القضاء الأردني يمكن صياغته بالعبارة الآتية:

إذا كان محل الدعوى هو المطالبة برصيد مديونية أو دين تجاري مستحق بعد تنفيذ العقد، فإن توجيه الإنذار العدلي لا يعد شرطاً لقبول الدعوى، ولا يؤدي عدم توجيهه إلى اعتبار الدعوى سابقة لأوانها، لأن الإعذار المنصوص عليه في المادة (246) من القانون المدني يقتصر على دعاوى تنفيذ العقد أو فسخه، ولا يمتد إلى دعاوى المطالبة بالديون التجارية المستحقة.

 

ثالثاً: مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة والتنفيذ على أمواله الخاصة

من المبادئ المهمة التي أكدها هذا القرار ما يتعلق بحدود مسؤولية الشريك المتضامن عن الالتزامات المالية التي تترتب في ذمة شركة التضامن، وهي من أكثر المسائل إثارة للنزاع أمام المحاكم، ولا سيما عندما تتعثر الشركة في الوفاء بديونها، فيسعى الدائن إلى التنفيذ مباشرة على أموال الشركاء الشخصية.

وقد أثار المميز في هذه الدعوى دفعاً مؤداه أن محكمة الاستئناف لم تطبق بصورة صحيحة أحكام المادتين (26) و(27) من قانون الشركات، ولم تتحقق من تاريخ شراكته في الشركة وما إذا كان شريكاً عند نشوء الدين، كما دفع بعدم التثبت من وجود تركة للشريك المتوفى، معتبراً أن ذلك يؤثر في مدى مسؤوليته عن الدين المطالب به.

إلا أن محكمة التمييز لم تأخذ بهذه الدفوع، وقررت أن الحكم المطعون فيه جاء موافقاً لصحيح القانون.

 

أولاً: مسؤولية الشريك المتضامن ليست مسؤولية مستقلة عن الشركة

الأصل أن شركة التضامن تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة عن شخصية الشركاء، ولها ذمة مالية مستقلة تكتسب بها الحقوق وتتحمل الالتزامات.

إلا أن المشرع الأردني، حمايةً للدائنين وتعزيزاً للائتمان التجاري، قرر مسؤولية الشركاء المتضامنين مسؤولية شخصية وغير محدودة عن ديون الشركة.

غير أن هذه المسؤولية لا تعني جواز التنفيذ مباشرة على الأموال الخاصة للشريك بمجرد صدور الحكم، وإنما يجب احترام الترتيب الذي رسمه القانون، والمتمثل في التنفيذ على أموال الشركة أولاً، فإذا لم تكفِ للوفاء بالدين، جاز الرجوع على الأموال الخاصة للشركاء المتضامنين.

وهذا ما التزمت به محكمة البداية، وأيدته محكمتا الاستئناف والتمييز، عندما قضت بإلزام الشركة والشريك المتضامن بالدين، مع النص صراحة على عدم التنفيذ على أموال الشريك الخاصة إلا بعد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين، تطبيقاً لأحكام المادة (27) من قانون الشركات.

ويؤكد هذا القضاء أن مسؤولية الشريك المتضامن، وإن كانت شخصية وغير محدودة، إلا أنها ليست مسؤولية ابتدائية، وإنما هي مسؤولية احتياطية من حيث إجراءات التنفيذ، بحيث تظل أموال الشركة هي الضمان الأول للوفاء بحقوق الدائنين.

 

ثانياً: عبء إثبات عدم صفة الشريك يقع على من يدعيها

حاول المميز أن يدفع بأن المحكمة لم تتحقق مما إذا كان شريكاً وقت نشوء الدين، وكأن المحكمة كان يتعين عليها أن تبحث من تلقاء نفسها تاريخ انضمامه إلى الشركة.

غير أن محكمة التمييز رفضت هذا الطرح، وقررت أن شهادة تسجيل الشركة أثبتت أنه شريك مؤسس ومفوض بالتوقيع عنها، ولم يقدم أي بينة تفيد أنه انضم إلى الشركة بعد نشوء الدين، بل إنه لم يدفع بذلك أصلاً أمام محكمة الموضوع، وإنما اكتفى بالقول إن المحكمة لم تتحقق من هذه المسألة.

ولذلك رأت المحكمة أنه لا محل لإثارة هذا الدفع، لأن من يتمسك بعدم مسؤوليته لعدم كونه شريكاً وقت نشوء الالتزام يقع عليه عبء إثبات هذا الادعاء، ولا يلتزم القضاء بإجراء تحقيق من تلقاء نفسه في واقعة لم ينازع فيها الخصوم بصورة جدية.

ويستفاد من ذلك أن شهادة تسجيل الشركة الصادرة عن مراقب الشركات تتمتع بقيمة إثباتية عالية فيما يتعلق ببيان أسماء الشركاء وصفاتهم، وأن من يدعي خلاف ما ورد فيها يقع عليه عبء تقديم الدليل.

 

ثالثاً: حماية استقرار المعاملات التجارية

يعكس هذا التوجه القضائي فلسفة تشريعية واضحة تقوم على حماية استقرار الائتمان التجاري.

فالتاجر الذي يتعامل مع شركة تضامن يعتمد في كثير من الأحيان على الملاءة المالية للشركاء المتضامنين، ولذلك فإن السماح للشريك بالتخلص من مسؤوليته بمجرد إثارة دفوع شكلية أو بادعاءات غير مثبتة من شأنه أن يهدر الثقة في هذا النوع من الشركات.

ومن هنا، فإن القضاء الأردني يتعامل بحزم مع الدفوع التي تستهدف نفي صفة الشريك أو التملص من الالتزامات التجارية دون تقديم بينة قانونية واضحة تؤيدها.

 

رابعاً: التنفيذ على الشريك لا يكون إلا وفق الضوابط القانونية

ويبرز من القرار أيضاً أن المحكمة فرقت بين الحكم بالمسؤولية وإجراءات التنفيذ.

فالحكم قد يصدر بإلزام الشركة والشريك المتضامن معاً، إلا أن التنفيذ على الأموال الخاصة للشريك يبقى مقيداً بالضوابط التي رسمها قانون الشركات، فلا يجوز تجاوز الذمة المالية للشركة والانتقال مباشرة إلى أموال الشريك، إلا بعد استنفاد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين.

 

وهذا التطبيق يحقق التوازن بين مصلحتين متعارضتين:

مصلحة الدائن في الحصول على حقه وعدم تعطيل التنفيذ.

ومصلحة الشريك في عدم تعريض أمواله الخاصة للتنفيذ قبل استنفاد الضمان الأصلي المتمثل في أموال الشركة.

وبذلك يكون القرار قد أكد أن المسؤولية الشخصية للشريك المتضامن لا تلغي استقلال الذمة المالية للشركة، وإنما تكملها عند عجزها عن الوفاء.

 

خلاصة المبدأ

يمكن استخلاص المبدأ الذي أرسته محكمة التمييز بالصياغة الآتية:

يظل الشريك المتضامن مسؤولاً شخصياً عن ديون شركة التضامن متى ثبتت صفته كشريك عند نشوء الالتزام، إلا أن التنفيذ على أمواله الخاصة لا يكون إلا بعد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين، كما أن عبء إثبات زوال صفة الشريك أو عدم قيامها يقع على من يتمسك بهذا الدفع، ولا تلتزم المحكمة بالبحث فيه من تلقاء نفسها ما لم يقدم بشأنه دليل جدي.

 

رابعاً: حجية كشوف الحساب الإلكترونية والقيود التجارية في إثبات المطالبات التجارية وحدود رقابة محكمة التمييز على وزن البينة

يعد الإثبات من أكثر الجوانب حساسية في المنازعات التجارية، إذ لا يكفي أن يدعي التاجر وجود دين في ذمة المدين، وإنما يتعين عليه إقامة الدليل على مصدر هذا الدين ومقداره واستحقاقه.

ومع التطور التقني واعتماد الشركات على الأنظمة المحاسبية الإلكترونية، برز التساؤل حول مدى حجية كشوف الحساب الإلكترونية والمستخرجات المحاسبية في الإثبات، وهل تكفي وحدها لإثبات المديونية، أم لا بد من وجود مستندات ورقية موقعة من المدين؟

وقد أجابت محكمة التمييز عن هذه التساؤلات من خلال القرار محل الدراسة، حيث رفضت جميع الدفوع التي تمسك بها المميز بشأن عدم وجود توقيع أو ختم على كشف الحساب أو على سندات التسليم، وأقرت بصحة ما انتهت إليه محكمتا الموضوع من اعتماد تلك البينات في إثبات المديونية.

 

أولاً: كشف الحساب الإلكتروني لا يفقد قيمته الثبوتية لمجرد خلوه من توقيع المدين

استند الطاعن إلى أن كشف الحساب المقدم من الشركة المدعية لم يحمل توقيعاً أو خاتماً صادراً عن الشركة المدعى عليها، كما أنه أنكر نسبته إليه، واعتبر أن ذلك يفقده أي حجية قانونية.

إلا أن المحكمة لم تنظر إلى كشف الحساب باعتباره ورقة منفردة، وإنما تعاملت معه باعتباره جزءاً من منظومة متكاملة من وسائل الإثبات، حيث ثبت لها أن الكشف مستخرج من النظام المحاسبي الإلكتروني للشركة، ويتضمن جميع البيانات المتعلقة بعمليات التوريد، بما في ذلك تاريخ كل عملية، ورقم سند المبيعات، وقيمة البضاعة، وبداية التوريد ونهايته، الأمر الذي يمنحه قدراً كبيراً من المصداقية عند اقترانه بباقي عناصر الإثبات.

ويستفاد من هذا التوجه أن القضاء الأردني لا يقف عند الشكل الظاهري للمستند، وإنما يبحث في مصدره وطريقة تنظيمه ومدى انسجامه مع بقية البينات، وهو اتجاه يتلاءم مع طبيعة التعاملات التجارية الحديثة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الأنظمة الإلكترونية في إدارة الحسابات والقيود المالية.

 

ثانياً: تكامل الأدلة هو الأساس في الإثبات التجاري

لم تعتمد المحكمة على كشف الحساب وحده، وإنما أشارت إلى أن المدعية قدمت اتفاقية توريد الباطون المبرمة مع الشركة المدعى عليها، كما قدمت كشف الحساب التفصيلي، إضافة إلى شهادات عدد من موظفيها الذين أكدوا صحة عمليات التوريد ومطابقة كشف الحساب لسندات التسليم والقيود المحاسبية الداخلية.

فقد شهد مندوب المبيعات الذي أبرم اتفاقية التوريد بأنه أشرف على تنظيم الاتفاقية، وأن الشركة قامت فعلاً بتوريد الباطون إلى المشروع محل الدعوى، وأنه كان يتابع مع الشريك المتضامن المطالبة بسداد قيمة المستحقات.

كما شهد الموظف المختص بالحسابات بأنه هو الذي نظم كشف الحساب، وأنه استند في ذلك إلى سندات التسليم الموجودة في ملفات الشركة، وأن الرصيد الوارد في الكشف مطابق للسجلات المحاسبية.

وأكد شاهد ثالث أن الشركة تعمل وفق نظام محاسبي أصولي، وأن سندات التسليم موجودة، وأن الذمة المالية للمدعى عليها ما زالت مشغولة بالمبلغ المطالب به.

ومن خلال هذه البينات مجتمعة، خلصت المحكمة إلى أن المدعية أقامت الدليل الكافي على وجود الدين، وأن إنكار المدعى عليه لم يكن مجرداً من الدليل فحسب، بل خلا أيضاً من أي مطعن جدي في صحة المستندات أو النظام المحاسبي الذي استخرجت منه.

 

ثالثاً: الإنكار المجرد لا يهدم الدليل

من المبادئ المهمة التي يمكن استخلاصها من هذا الحكم أن الإنكار المجرد لا يكفي لإهدار قيمة البينات التجارية.

فليس كل إنكار لخط أو توقيع يؤدي تلقائياً إلى سقوط المستند، وإنما يتعين على من يتمسك بهذا الإنكار أن يبين أوجه الطعن بصورة جدية، وأن يقدم ما يثير الشك في صحة المستند أو في مصدره أو في طريقة تنظيمه.

أما إذا اقتصر الأمر على مجرد القول بأن كشف الحساب لا يحمل توقيع المدين، مع وجود اتفاقية التوريد وشهادة الموظفين والقيود المحاسبية المؤيدة له، فإن هذا الإنكار لا يكون منتجاً، ولا يزعزع اقتناع المحكمة بصحة المديونية.

وهذا الاتجاه يتفق مع الطبيعة العملية للمعاملات التجارية، إذ إن كثيراً من عمليات التوريد اليومية لا يوقع فيها التاجر على كشف الحساب النهائي، وإنما يتم إثباتها من خلال النظام المحاسبي والفواتير وسندات التسليم والقيود التجارية.

 

رابعاً: سلطة محكمة الموضوع في وزن البينة

لم يقتصر الطعن على المستندات، بل امتد إلى الطعن في شهادات الشهود، حيث ادعى المميز أنها جاءت متناقضة وغير منسجمة وغير منتجة.

إلا أن محكمة التمييز أعادت التأكيد على أحد المبادئ القضائية المستقرة، وهو أن وزن البينة وتقدير أقوال الشهود واستخلاص الوقائع من الأدلة يدخل في صميم السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، ولا تخضع هذه السلطة لرقابة محكمة التمييز، ما دام استخلاص المحكمة سائغاً وله أصل ثابت في أوراق الدعوى ولم يشبه فساد في الاستدلال أو مخالفة للقانون.

ويعد هذا المبدأ من أكثر المبادئ استقراراً في القضاء الأردني، إذ يميز بين وظيفتين مختلفتين:

محكمة الموضوع هي صاحبة الاختصاص في سماع الشهود، ومناقشة البينات، وتقدير قوتها، وترجيح بعضها على بعض.

أما محكمة التمييز فليست محكمة وقائع، وإنما محكمة قانون، يقتصر دورها على مراقبة سلامة تطبيق القانون وصحة التكييف القانوني، ولا تعيد مناقشة الوقائع إلا إذا كان الاستنتاج الذي انتهت إليه محكمة الموضوع غير منطقي أو يخالف الثابت بالأوراق.

ومن ثم، فإن مجرد عدم اقتناع أحد الخصوم بتقدير المحكمة للبينة لا يشكل سبباً لنقض الحكم، ما لم يثبت أن المحكمة أغفلت دليلاً جوهرياً أو استندت إلى وقائع لا أصل لها في الملف.

 

خامساً: الدلالة العملية للحكم

تكمن الأهمية العملية لهذا الجزء من القرار في أنه يبعث برسالة واضحة إلى الشركات والتجار، مفادها أن حسن تنظيم السجلات المحاسبية والاحتفاظ بالقيود الإلكترونية وسندات التوريد، وربطها بشهادة الموظفين المختصين، يشكل منظومة إثبات متكاملة يمكن أن تؤسس عليها الأحكام القضائية.

كما يوجه رسالة إلى المحامين بأن الطعن في البينات التجارية يجب أن يكون قائماً على أسباب فنية وقانونية جدية، وليس على مجرد إنكار شكلي لعدم وجود توقيع أو ختم على كشف الحساب، لأن القضاء ينظر إلى مجمل الأدلة كوحدة واحدة، لا إلى كل دليل بمعزل عن غيره.

 

خلاصة المبدأ

يمكن تلخيص ما استقر عليه هذا القرار بالقول:

تكتسب كشوف الحساب الإلكترونية والقيود التجارية حجيتها في الإثبات متى كانت صادرة عن نظام محاسبي منتظم، ومؤيدة ببينات أخرى كاتفاقية التوريد وشهادة الموظفين وسندات التسليم، ولا يكفي الإنكار المجرد أو خلو كشف الحساب من توقيع المدين لإهدار قيمته الثبوتية، كما أن تقدير هذه البينات وترجيحها يدخل في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع التي لا تخضع لرقابة محكمة التمييز ما دام استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت في الأوراق.

 

خامساً: يمين الاستظهار في مواجهة ورثة الشريك المتوفى ضمانة لحماية التركات من المطالبات غير الثابتة

من المسائل الإجرائية التي عالجها القرار محل الدراسة، وأعطاها أهمية خاصة، مسألة يمين الاستظهار عند إقامة الدعوى في مواجهة ورثة المدين المتوفى أو في مواجهة التركة. وتعد هذه اليمين من الضمانات التي أوجدها المشرع لتحقيق التوازن بين حق الدائن في المطالبة بحقه، وحق الورثة في عدم تحميل التركة ديوناً تكون قد أوفيت أو انقضت قبل وفاة مورثهم.

وقد تمسك المميز بأن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق أحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات، وأنها وجهت يمين الاستظهار في غير محلها، الأمر الذي يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

إلا أن محكمة التمييز رفضت هذا الدفع، وأكدت أن ما قامت به محكمة الاستئناف جاء موافقاً لصحيح القانون، وأن توجيه يمين الاستظهار كان إجراءً لازماً في ظل إقامة الدعوى في مواجهة ورثة الشريك المتوفى بالإضافة إلى التركة.

 

أولاً: الغاية من يمين الاستظهار

يقوم نظام الإثبات في الدعاوى المقامة على التركات على فكرة مؤداها أن الورثة قد لا يكون لديهم علم بكافة التصرفات التي أجراها مورثهم قبل وفاته، وقد لا يستطيعون إثبات أن الدين المطالب به قد تم الوفاء به أو انقضى بأي سبب من أسباب انقضاء الالتزام.

ومن هنا، أوجب المشرع على الدائن أن يحلف يميناً تؤكد – بحسب علمه – أن الدين ما زال قائماً ولم يتم استيفاؤه أو الإبراء منه أو تحويله أو انقضاؤه بأي سبب آخر.

فهي ليست يميناً لإثبات أصل الحق، وإنما هي يمين مكملة تهدف إلى تعزيز الثقة في المطالبة وصيانة حقوق الورثة والتركات.

 

ثانياً: سلامة تطبيق المحكمة للمادة (54/2/أ) من قانون البينات

أكدت محكمة التمييز أن محكمة الاستئناف، بعد أن تبين لها وفاة أحد الشركاء المتضامنين وإدخال ورثته في الدعوى، قامت بتوجيه يمين الاستظهار إلى المفوض بالتوقيع عن الشركة المدعية، بحيث انصبت على عدم علمه باستيفاء قيمة الدين من مورث المدعى عليهم، وعدم إبراء ذمته منه، وعدم انتقال الحق إلى الغير، وعدم وجود رهن أو مقابل للدين يؤدي إلى انقضائه.

ورأت المحكمة أن صيغة اليمين جاءت متفقة مع أحكام قانون البينات، ومنسجمة مع وقائع الدعوى، وبالتالي فإن الإجراء الذي اتخذته محكمة الاستئناف كان سليماً ولا يشوبه أي مخالفة قانونية.

ويؤكد هذا القضاء أن يمين الاستظهار ليست إجراءً شكلياً يمكن الاستغناء عنه، وإنما تمثل ضمانة جوهرية كلما كانت المطالبة موجهة إلى التركة أو إلى الورثة ضمن الحدود التي رسمها القانون.

 

ثالثاً: أهمية هذا المبدأ في الدعاوى التجارية

تزداد أهمية هذا الحكم في الواقع العملي، لأن كثيراً من شركات التضامن تستمر بعد وفاة أحد الشركاء، أو تقام دعاوى للمطالبة بديون نشأت قبل الوفاة، فتكون الخصومة موجهة في مواجهة الورثة بالإضافة إلى التركة.

وفي هذه الحالات، ينبغي على المحامي أن يراعي الأحكام الخاصة بقانون البينات، وألا يقتصر على إثبات أصل الدين، بل يتأكد أيضاً من استكمال الإجراءات المتعلقة بيمين الاستظهار، حتى لا يتعرض الحكم للطعن بسبب نقص إجراء جوهري.

كما يبين هذا القرار أن القضاء الأردني لا ينظر إلى يمين الاستظهار باعتبارها مجرد إجراء شكلي، وإنما يعتبرها جزءاً من النظام القانوني لحماية التركات، ولذلك يحرص على تطبيقها كلما توافرت شروطها.

 

خلاصة المبدأ

يمكن استخلاص المبدأ الذي أرسته المحكمة بالصياغة الآتية:

إذا كانت الدعوى مقامة في مواجهة ورثة المدين أو بالإضافة إلى التركة، فإن توجيه يمين الاستظهار وفق أحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات يعد إجراءً قانونياً سليماً يهدف إلى حماية التركة من المطالبات التي يحتمل أن تكون قد انقضت أو تم الوفاء بها، ولا يعيب الحكم ما دام توجيه اليمين قد تم وفق الصيغة التي رسمها القانون.

 

سادساً: التخارج من التركة لا يعفي الشريك المتضامن من مسؤوليته الناشئة عن صفته كشريك

من الدفوع التي كثيراً ما تثار في المنازعات المتعلقة بشركات الأشخاص، الدفع بأن أحد الشركاء قد تخارج من تركة شريك متوفى، أو تنازل عن حقوقه الإرثية، وبالتالي لم يعد مسؤولاً عن الالتزامات المتعلقة بالشركة.

وقد عالجت محكمة التمييز هذه المسألة بصورة دقيقة، ووضعت حداً للخلط بين الصفة الإرثية والصفة التجارية.

فقد دفع المميز بأنه تخارج مما آل إليه من مورثه بموجب سند تخارج رسمي، وبالتالي فإنه لا يكون مسؤولاً عن أي التزامات تتعلق بالتركة.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وقررت أن سند التخارج يتعلق فقط بالحقوق الإرثية التي آلت من التركة، ولا يؤثر إطلاقاً في مركز المميز كشريك متضامن في الشركة، لأن الدعوى لم تقم عليه بصفته وارثاً فحسب، وإنما أقيمت عليه أساساً بصفته شريكاً متضامناً ثابتة صفته في شهادة تسجيل الشركة.

 

أولاً: التفرقة بين المسؤولية الإرثية والمسؤولية التجارية

يميز هذا الحكم بين مصدرين مختلفين للمسؤولية:

المسؤولية الإرثية، وهي التي تنشأ بسبب انتقال الحقوق والالتزامات إلى الورثة في حدود ما آل إليهم من التركة.

المسؤولية التجارية، وهي التي تنشأ مباشرة من صفة الشخص كشريك متضامن في شركة التضامن، وهي مسؤولية مستقلة عن صفته كوارث.

وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن زوال أحد المصدرين لا يؤدي بالضرورة إلى زوال الآخر.

فقد يتخارج الشخص من حصته الإرثية، ومع ذلك يبقى مسؤولاً عن ديون الشركة إذا كان لا يزال شريكاً متضامناً فيها، لأن التزامه في هذه الحالة لا يستند إلى الإرث، وإنما إلى عقد الشركة وأحكام قانون الشركات.

 

ثانياً: التخارج لا يعد سبباً لانقضاء الالتزامات التجارية

أكدت المحكمة أن سند التخارج لا يعد وسيلة قانونية للإفلات من الالتزامات التجارية الناشئة عن الشراكة، لأن أثره يقتصر على تنظيم العلاقة بين الورثة فيما يتعلق بالتركة، ولا يمتد إلى حقوق الدائنين الذين استندت مطالباتهم إلى مركز قانوني آخر مستقل عن الإرث.

ويحقق هذا التفسير حماية مهمة لاستقرار المعاملات التجارية، إذ يمنع الشريك من التذرع بإجراءات تتعلق بالتركة للتخلص من التزاماته الشخصية كشريك متضامن.

 

ثالثاً: القيمة العملية لهذا المبدأ

يعد هذا المبدأ من المبادئ ذات الأهمية البالغة للمحامين عند صياغة الدفوع واللوائح.

فإذا كانت المطالبة مؤسسة على صفة الشريك المتضامن، فإن الدفع بالتخارج من التركة لن يكون منتجاً، لأن المحكمة ستبحث عن مصدر الالتزام، فإذا تبين أنه ناشئ عن الشراكة، فإن التخارج الإرثي يصبح غير ذي أثر.

أما إذا كانت المطالبة موجهة حصراً إلى الورثة بصفتهم ورثة، فإن سند التخارج قد تكون له آثار قانونية مختلفة بحسب نطاقه ومدى انتقال الحقوق والالتزامات.

ومن ثم، فإن نجاح هذا الدفع يتوقف على تحديد مصدر الالتزام تحديداً دقيقاً قبل إثارته أمام المحكمة.

 

خلاصة المبدأ

يمكن تلخيص ما انتهت إليه محكمة التمييز بالقول:

التخارج من التركة لا يؤدي إلى إعفاء الشخص من المسؤولية الناشئة عن صفته كشريك متضامن في شركة التضامن، لأن المسؤولية الإرثية تختلف عن المسؤولية التجارية، فإذا كانت الدعوى مؤسسة على صفة الشريك، بقيت مسؤوليته قائمة ولو تخارج من كامل حصته الإرثية، ما دام لم تثبت زوال صفته كشريك وفقاً للقانون.

 

سابعاً: الدروس العملية المستفادة من قرار محكمة التمييز رقم (1400) لسنة 2025

لا تقتصر أهمية هذا القرار على حسم النزاع الذي كان معروضاً أمام المحكمة، وإنما تمتد إلى كونه يرسم مجموعة من الضوابط العملية التي ينبغي أن يسترشد بها المحامون والشركات والتجار عند إدارة المنازعات التجارية، سواء عند إقامة الدعوى أو عند إعداد وسائل الدفاع فيها. وقد جمع القرار بين تطبيق قواعد القانون التجاري، وقانون الشركات، والقانون المدني، وقانون البينات، بما يجعله نموذجاً متكاملاً للاجتهاد القضائي في الدعاوى التجارية.

 

أولاً: ضرورة التكييف الصحيح للعلاقة القانونية قبل تحديد النص الواجب التطبيق

أبرز ما يظهر من هذا القرار أن نجاح الدعوى أو الدفع لا يتوقف على الاستناد إلى النصوص القانونية فحسب، وإنما يبدأ بتكييف العلاقة القانونية تكييفاً صحيحاً.

فقد أخطأ الطاعن عندما استند إلى قواعد التقادم المدني، في حين أن العلاقة كانت علاقة تجارية خالصة بين شركتين تمارسان الأعمال التجارية، الأمر الذي أدى إلى تطبيق أحكام قانون التجارة بدلاً من أحكام القانون المدني.

 

وهذا يبين أن المحامي يجب أن يبدأ دائماً بالإجابة عن سؤال جوهري:

هل العلاقة مدنية أم تجارية؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد القانون الواجب التطبيق، ومدة التقادم، وقواعد الإثبات، بل وأحياناً المحكمة المختصة أيضاً.

 

ثانياً: عدم التوسع في اشتراط الإنذار العدلي

أكد القرار أن الإنذار العدلي ليس إجراءً لازماً في جميع الدعاوى.

ففي الواقع العملي يلاحظ أن بعض الخصوم يتمسكون بعدم توجيه الإنذار العدلي في كل دعوى تقريباً، رغم أن القانون لا يشترطه إلا في حالات معينة.

وقد وضع هذا القرار حداً لهذا الخلط، عندما قرر أن دعوى المطالبة بقيمة البضائع أو برصيد الحساب ليست دعوى تنفيذ أو فسخ للعقد، وبالتالي لا يشترط لقبولها سبق توجيه إنذار عدلي.

ومن شأن هذا الاتجاه أن يحقق السرعة في الفصل في المنازعات التجارية، وأن يمنع إثارة دفوع شكلية لا تؤثر في أصل الحق.

 

ثالثاً: أهمية الاحتفاظ بالسجلات والقيود التجارية

يبعث القرار برسالة واضحة إلى الشركات والمؤسسات التجارية، مفادها أن حسن تنظيم السجلات المحاسبية يمثل خط الدفاع الأول عند وقوع النزاع.

فقد استندت المحكمة إلى اتفاقية التوريد، وكشف الحساب الإلكتروني، والقيود المحاسبية، وشهادات الموظفين المختصين، لتكوين قناعتها بثبوت الدين.

ويؤكد ذلك أن الشركات التي تعتمد نظاماً محاسبياً منتظماً، وتحافظ على مستنداتها وسندات التسليم وفواتيرها، تكون في مركز قانوني أقوى عند المطالبة بحقوقها أمام القضاء.

وفي المقابل، فإن الإهمال في تنظيم القيود أو فقدان المستندات قد يؤدي إلى صعوبة إثبات الحق، مهما كان ثابتاً في الواقع.

 

رابعاً: ضرورة اختيار الدفوع المنتجة

يكشف القرار أيضاً أهمية اختيار الدفوع القانونية المنتجة، وعدم إثارة دفوع شكلية لا تؤثر في النتيجة القانونية.

فقد أثار الطاعن عدداً كبيراً من الأسباب، شملت التقادم، والإنذار العدلي، والإثبات، ومحاضر الجلسات، والتخارج، ويمين الاستظهار، وغيرها، إلا أن المحكمة رفضتها جميعاً لأنها لم تمس الأساس القانوني الذي بني عليه الحكم.

وهذا يبين أن كثرة الدفوع لا تعني قوة الدفاع، وإنما العبرة بمدى اتصال الدفع بجوهر النزاع وقدرته على التأثير في النتيجة التي يمكن أن تنتهي إليها المحكمة.

 

خامساً: تعزيز الثقة في التعاملات التجارية

يعكس القرار توجهاً قضائياً واضحاً نحو حماية استقرار المعاملات التجارية.

فلو قبلت المحكمة الدفوع المتعلقة بغياب توقيع المدين على كشف الحساب، أو اعتبرت التخارج من التركة سبباً لإعفاء الشريك من مسؤوليته التجارية، أو اشترطت الإنذار العدلي في جميع دعاوى المطالبة بالديون، لأدى ذلك إلى إضعاف الائتمان التجاري وزعزعة الثقة في التعامل بين التجار.

أما الاتجاه الذي تبنته المحكمة، فيحقق التوازن بين حماية الدائن من جهة، وضمان حقوق المدين من جهة أخرى، وهو ما يتفق مع الغاية التي استهدفها المشرع من تنظيم المعاملات التجارية.

 

خاتمة

يعد قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1400 لسنة 2025 من الأحكام المرجعية في المنازعات التجارية، لما تضمنه من معالجة دقيقة لجملة من المسائل القانونية التي تتكرر بصورة مستمرة أمام المحاكم الأردنية.

فقد أكد أن العلاقة التجارية بين التجار تخضع للتقادم العشري المنصوص عليه في قانون التجارة، وأن دعوى المطالبة برصيد المديونية لا تستلزم توجيه إنذار عدلي، كما رسخ مبدأ مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة مع مراعاة ترتيب التنفيذ على أموال الشركة قبل أموال الشركاء، وأقر حجية منظومة الإثبات التجارية القائمة على القيود المحاسبية وكشوف الحساب الإلكترونية متى دعمتها البينات الأخرى، وأوضح الأحكام الخاصة بيمين الاستظهار عند مقاضاة التركة، وأكد أن التخارج من التركة لا يؤثر في المسؤولية الناشئة عن صفة الشريك المتضامن.

ولا تقتصر القيمة القانونية لهذا القرار على المبادئ التي انتهى إليها، وإنما تكمن أيضاً في منهجه في تفسير النصوص القانونية وربطها بطبيعة العلاقة محل النزاع، إذ قدم نموذجاً واضحاً لتطبيق مبدأ تغليب القانون الخاص على القانون العام، وأعاد التأكيد على أن التكييف الصحيح للعلاقة القانونية هو المدخل الأساسي لتحديد الأحكام الواجبة التطبيق.

ومن المتوقع أن يشكل هذا الحكم مرجعاً مهماً في الدعاوى المتعلقة بالمطالبات التجارية، ولا سيما تلك الناشئة عن عقود التوريد والمقاولات والمعاملات بين الشركات، وأن تسترشد به محاكم الموضوع عند نظر المنازعات المماثلة، لما يتضمنه من مبادئ تحقق استقرار الائتمان التجاري، وتحافظ في الوقت ذاته على الضمانات القانونية المقررة للمتقاضين.

وبالنسبة للمحامين والمستشارين القانونيين، فإن هذا القرار يؤكد أن نجاح الدعوى أو الدفاع لا يتوقف على كثرة الدفوع، وإنما على حسن التكييف القانوني للنزاع، واختيار النصوص الواجبة التطبيق، وتقديم منظومة متكاملة من الأدلة والبينات التي تقنع المحكمة بثبوت الحق أو انتفائه.

ومن هنا، فإن استيعاب المبادئ التي أرساها هذا الحكم يمثل إضافة عملية مهمة لكل من يمارس العمل في مجال القضاء والتقاضي التجاري.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي.

هاتف رقم: 0799999604 ، 0798333357

المطالبة التجارية وشركات التضامن

Section Title

قانون الشركات الأردني وفق أحدث تعديل 2025

قانون الشركات وفق أحدث تعديل 2025 التعاريف واحكام عامة      المادة  1 يسمى هذا القانون ( قانون الشركات لسنة 1997 ) ويعمل به بعد مرور ثلاثين يوماً على تاريخ نشره في الجريدة...