الدفوع الإجرائية في الدعوى المدنية
الدفوع الإجرائية في الدعوى المدنية
دراسة قانونية في المفهوم والأنواع وشروط التمسك والآثار
مقدمة
لا تتوقف الحماية القضائية للحقوق على صحة المركز الموضوعي للخصم، بل تتطلب كذلك أن تُقام الدعوى وتسير وفق الأوضاع والمواعيد والضمانات التي رسمها القانون.
فالإجراء القضائي ليس قالباً شكلياً عديم القيمة، وإنما هو الوسيلة التي تنتظم بها الخصومة وتتحقق من خلالها المساواة بين أطرافها وحقوق الدفاع وحسن سير العدالة.
ومن هنا تظهر أهمية الدفوع الإجرائية في الدعوى المدنية؛ إذ تتيح للخصم الاعتراض على سلامة الخصومة أو إجراء من إجراءاتها قبل الانتقال إلى بحث أصل الحق المدعى به.
غير أن هذه الدفوع لا تخضع لنظام واحد: فمنها ما شُرع لمصلحة الخصوم ويسقط الحق فيه إذا لم يُبد في الوقت والترتيب المحددين، ومنها ما يتصل بالنظام العام ويجوز إثارته في أي مرحلة، بل تلتزم المحكمة بإعماله من تلقاء ذاتها.
وتزداد المسألة دقة في القانون الأردني لأن المادة (109) من قانون أصول المحاكمات المدنية أخضعت عدداً من الدفوع لنظام إجرائي خاص، وجمعت في طلب واحد بين دفوع تختلف في طبيعتها الفقهية وآثارها؛ مثل عدم الاختصاص المكاني، ووجود شرط أو اتفاق تحكيم، ومرور الزمن، وبطلان تبليغ أوراق الدعوى.
لذلك لا يكفي إطلاق وصف «الدفع الشكلي» عليها جميعاً دون تحليل طبيعة كل دفع والنظام القانوني الذي يحكمه.
إشكالية الدراسة ومنهجها
تتمثل إشكالية هذه الدراسة في بيان المقصود بالدفع الإجرائي وتمييزه عن الدفع الموضوعي والدفع بعدم القبول، ثم تحديد الدفوع التي يجب تقديمها قبل التعرض للموضوع، والدفوع التي يجوز إثارتها في أي مرحلة، وأثر قبول كل منها في الخصومة والحق الموضوعي.
وتعتمد الدراسة المنهج التحليلي، من خلال قراءة المواد (3) و(59) و(60) و(109-112) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، مع الاستفادة من التأصيل الفقهي المقارن الوارد في رسالة الباحثة ندى خير الدين سعيد العبيدي الموسومة «الدفوع الإجرائية في الدعوى المدنية – دراسة مقارنة»، ومن التطبيقات القضائية الأردنية المنشورة.
أولاً: مفهوم الدفع الإجرائي
يمكن تعريف الدفع الإجرائي بأنه:
وسيلة دفاع يوجهها الخصم إلى الخصومة أو إلى إجراء من إجراءاتها، بقصد منع المحكمة من السير فيها على الصورة القائمة، أو تصحيح الإجراء، أو إبطاله، أو إحالة الدعوى إلى المرجع المختص، دون أن يستهدف – من حيث الأصل – إنكار الحق الموضوعي المدعى به.
ويطلق الفقه كذلك تسمية «الدفوع الشكلية» على هذا النوع من الدفوع، إلا أن تعبير «الدفوع الإجرائية» أدق؛ لأن محل الاعتراض قد يكون إجراءً قضائياً أو قاعدة اختصاص أو كيفية انعقاد الخصومة، ولا ينحصر دائماً في شكل الورقة القضائية.
ويستفاد من هذا التعريف أن الدفع الإجرائي يفترض وجود خصومة قائمة أو إجراء قضائي تم اتخاذه، ثم يوجه الاعتراض إلى سلامة هذا الإجراء أو إلى صلاحية المحكمة للسير فيه، لا إلى أصل الحق ذاته.
ثانياً: الأساس القانوني والغاية من الدفوع الإجرائية
تقوم الدفوع الإجرائية على ثلاثة اعتبارات رئيسية:
حماية حق الدفاع: فلا يجوز أن تسير الخصومة في مواجهة شخص لم يُبلّغ تبليغاً صحيحاً، أو أمام محكمة لا تملك الاختصاص القانوني بنظرها.
تحقيق الاقتصاد في الإجراءات: فالفصل المبكر في دفع منتج قد يغني عن تبادل اللوائح وسماع البينات والخوض في موضوع دعوى لا يجوز للمحكمة الاستمرار فيها.
استقرار الخصومة ومنع التعسف: لذلك ألزم القانون الخصم بإبداء الدفوع غير المتصلة بالنظام العام في بداية الخصومة ودفعة واحدة، حتى لا يحتفظ بها لاستعمالها بعد استنفاد الوقت والجهد في مناقشة الموضوع.
فالغاية ليست تكريس الشكل على حساب العدالة، وإنما ضمان عدالة الإجراء ومنع تحويل الدفوع إلى وسيلة للمماطلة أو مباغتة الخصم.
ثالثاً: خصائص الدفوع الإجرائية
1. انصبابها على الإجراءات لا على أصل الحق
الأصل أن الدفع الإجرائي ينازع في صحة الخصومة أو إجراء من إجراءاتها.
فالمدعى عليه الذي يتمسك بعدم الاختصاص المكاني لا ينكر بالضرورة الدين أو الالتزام المدعى به، وإنما يعترض على إقامة الدعوى أمام محكمة غير مختصة مكانياً.
2. خضوعها لترتيب وميعاد محددين
الدفوع غير المتصلة بالنظام العام يجب إبداؤها قبل التعرض لموضوع الدعوى، وفي الترتيب والشكل اللذين يحددهما القانون.
ويترتب على مخالفة ذلك سقوط الحق في الدفع.
أما الدفوع المتصلة بالنظام العام فلا تتقيد بهذا السقوط، ويجوز إثارتها في أي مرحلة.
3. اختلاف أثرها بحسب طبيعة الدفع
ليس لكل الدفوع الإجرائية أثر واحد.
فقد يترتب على قبول الدفع إحالة الدعوى إلى محكمة أخرى، أو وقف السير أمام القضاء بسبب اتفاق التحكيم، أو إعادة التبليغ وتصحيح الإجراء، أو إنهاء الخصومة بحكم إجرائي.
ومن ثم يجب تحديد الأثر بالرجوع إلى النص الخاص بكل دفع، لا بمجرد وصفه بأنه دفع إجرائي.
4. عدم حسمها أصل الحق في الغالب
الحكم بقبول الدفع الإجرائي لا يفصل – كقاعدة عامة – في وجود الحق الموضوعي أو انقضائه؛ ولذلك قد يستطيع المدعي تجديد المطالبة بإجراءات صحيحة إذا كان أثر الحكم لا يحول دون ذلك.
ويختلف هذا عن الحكم في دفع موضوعي، الذي قد يحسم أصل الحق ويحوز الحجية بشأنه.
5. وجوب توافر المصلحة في التمسك بها
عملاً بالمادة (3) من قانون أصول المحاكمات المدنية، لا يقبل طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون، وتكفي المصلحة المحتملة في الحالات التي حددها النص.
لذلك لا يكفي إثبات خطأ شكلي مجرد إذا لم يكن الدفع مقبولاً قانوناً أو كانت المخالفة قد زالت أو تحققت الغاية من الإجراء وفق النص المنظم لها.
رابعاً: التمييز بين الدفع الإجرائي والدفع الموضوعي والدفع بعدم القبول
1. الدفع الإجرائي والدفع الموضوعي
يتجه الدفع الإجرائي إلى الخصومة أو إجراءاتها، أما الدفع الموضوعي فيتجه إلى أصل الحق المدعى به؛ كإنكار الدين، أو إثبات الوفاء، أو التمسك بالإبراء، أو المنازعة في قيام الالتزام أو مقداره.
ويترتب على هذا التمييز نتيجتان أساسيتان:
- الدفوع الإجرائية غير المتصلة بالنظام العام يجب تقديمها قبل الدخول في الموضوع، بينما يجوز – من حيث الأصل – إبداء أوجه الدفاع الموضوعية ما دامت أبواب المرافعة مفتوحة ووفق القيود القانونية على تقديم الدفاع والبينات.
- قبول الدفع الموضوعي يحسم النزاع في أصل الحق في الحدود التي فصل فيها الحكم، أما قبول الدفع الإجرائي فلا يحسم أصل الحق بالضرورة.
2. الدفع الإجرائي والدفع بعدم القبول
الدفع بعدم القبول لا يوجه عادة إلى صحة الإجراء ولا إلى أصل الحق مباشرة، وإنما إلى الحق في استعمال الدعوى أو توافر شروط قبول الطلب؛ كالمصلحة أو الصفة بحسب التكييف القانوني لكل حالة.
ويجب الحذر من الاكتفاء بالتسمية التي يضعها الخصم لدفعه؛ فالعبرة بحقيقة الدفع ومرماه والأثر الذي يطلبه، لا بعنوان المذكرة.
وقد يتصل سبب عدم القبول بالنظام العام، فيجوز للمحكمة إثارته من تلقاء ذاتها، بينما يبقى غيره خاضعاً للقواعد الخاصة التي تحكمه.
3. التكييف الفقهي والتصنيف التشريعي
قد يضع المشرع دفوعاً مختلفة الطبيعة ضمن إجراء واحد. وهذا ظاهر في المادة (109) الأردنية التي نظمت، في طلب مستقل، الدفع بعدم الاختصاص المكاني، ووجود شرط أو اتفاق تحكيم، ومرور الزمن، وبطلان تبليغ أوراق الدعوى.
ولا يعني جمعها إجرائياً أنها متماثلة فقهاً؛ فمرور الزمن يمس إمكان سماع المطالبة بالحق، بينما ينصب بطلان التبليغ مباشرة على إجراء من إجراءات انعقاد الخصومة.
خامساً: نظام الدفوع الواردة في المادة (109) من قانون أصول المحاكمات المدنية
أوجب المشرع الأردني على الخصم، قبل التعرض لموضوع الدعوى، أن يقدم جميع ما يرغب في إثارته من الدفوع الواردة في المادة (109/1) في طلب واحد مستقل وخلال المدد المنصوص عليها في المادتين (59) و(60) من القانون.
وهذه الدفوع هي:
- عدم الاختصاص المكاني.
- وجود شرط أو اتفاق تحكيم.
- مرور الزمن.
- بطلان تبليغ أوراق الدعوى.
- وتكشف هذه الصياغة عن أربعة شروط متلازمة:
- أن يقدم الدفع قبل التعرض لموضوع الدعوى.
- أن تجمع الدفوع التي يرغب الخصم في إثارتها في طلب واحد.
- أن يكون الطلب مستقلاً عن اللائحة الجوابية في الحدود التي رسمها القانون.
- أن يقدم خلال الميعاد القانوني المقرر.
وأوجبت المادة (109/2) على المحكمة أن تفصل في طلبات عدم الاختصاص المكاني، ووجود شرط أو اتفاق تحكيم، وبطلان التبليغ؛ أما الدفع بمرور الزمن فللمحكمة أن تفصل فيه أو أن تضمه إلى الموضوع إذا اقتضت طبيعة النزاع ذلك.
1. الدفع بعدم الاختصاص المكاني
يقصد به الاعتراض على نظر الدعوى أمام محكمة لا تنعقد لها الولاية المكانية وفق قواعد الاختصاص المحلي. وهذا الدفع مقرر لمصلحة الخصم، ولا يتعلق – من حيث الأصل – بالنظام العام؛ ولذلك يجب إبداؤه في الموعد وقبل مناقشة الموضوع.
وإذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها، أوجبت المادة (112) عليها إحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة. فالأثر القانوني ليس إهدار الخصومة وإلزام المدعي بإقامتها من جديد، وإنما نقلها إلى المحكمة التي يحددها القانون.
2. الدفع بوجود شرط أو اتفاق تحكيم
يقوم هذا الدفع عندما يتفق الأطراف على طرح النزاع على التحكيم بدلاً من القضاء النظامي.
ويجب على من يتمسك بالاتفاق أن يثيره قبل الدخول في أساس الدعوى، وإلا عُد سلوكه – في الحدود التي يقررها القانون – نزولاً عن استعماله في مواجهة الخصومة القضائية القائمة.
ولا يكفي ذكر وجود شرط التحكيم بصورة عامة، بل ينبغي إبراز الاتفاق وتحديد نطاقه وبيان شموله للأطراف والموضوع محل الدعوى، ومواجهة ما قد يثار بشأن صحته أو نفاذه أو سقوطه.
3. الدفع بمرور الزمن
أدرج القانون الدفع بمرور الزمن ضمن الطلب المستقل المنصوص عليه في المادة (109).
ويستلزم هذا الدفع تحديد النص الذي يقرر المدة، وتاريخ بدء سريانها، والواقعة المنشئة للمطالبة، وأي سبب لوقف المدة أو انقطاعها، مع بيان الأثر المطلوب.
ولأن الفصل في مرور الزمن قد يتوقف على وقائع متنازع عليها أو بينات تتصل بأصل العلاقة، منح القانون المحكمة سلطة الفصل فيه استقلالاً أو ضمه إلى الموضوع.
وقد أكدت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في القرار رقم (4233/2024) أن الطلب المقدم بموجب المادة (109) يظل جزءاً من الدعوى، وأن نظره استقلالاً لا ينشئ دعوى منفصلة عن الخصومة الأصلية.
4. الدفع ببطلان تبليغ أوراق الدعوى
التبليغ الصحيح ضمانة أساسية لحق الدفاع وانعقاد الخصومة على وجه سليم. ويقوم الدفع إذا شاب التبليغ أو إجراءاته أو تاريخ الجلسة عيب مؤثر وفق أحكام القانون.
غير أن المادة (110/2) قررت حكماً بالغ الأهمية: يزول بطلان تبليغ لائحة الدعوى ومذكراتها الناشئ عن عيب في التبليغ أو إجراءاته أو تاريخ الجلسة بحضور المطلوب تبليغه في الجلسة المحددة أو بإيداع مذكرة بدفاعه.
ومؤدى ذلك أن البطلان هنا ليس غاية مستقلة، وأن تحقق الغرض من التبليغ بالحضور أو تقديم الدفاع يؤدي إلى زوال العيب في الحالات التي يشملها النص.
سادساً: الدفوع الإجرائية غير المتصلة بالنظام العام وسقوط الحق فيها
نظمت المادة (110/1) قاعدة عامة مؤداها أن الدفع بالبطلان غير المتصل بالنظام العام، وسائر الدفوع المتعلقة بالإجراءات غير المتصلة بالنظام العام، والدفع بعدم الاختصاص المكاني أو بوجود شرط التحكيم، يجب إبداؤها معاً قبل إبداء أي دفع إجرائي آخر أو طلب أو دفاع في الدعوى، وإلا سقط الحق فيها.
كما يسقط حق الطاعن في هذه الدفوع إذا لم يبدها في لائحة الطعن، ويجب إبداء جميع الوجوه التي يبنى عليها الدفع الإجرائي غير المتصل بالنظام العام معاً، وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها.
وتتحقق فكرة السقوط في صور أبرزها:
- التعرض لموضوع الدعوى قبل إثارة الدفع.
- تقديم بعض الدفوع أو بعض أوجه الدفع والاحتفاظ بالباقي لمرحلة لاحقة.
- عدم إثارة الدفع في لائحة الطعن عندما يكون إبداؤه فيها واجباً.
- التنازل الصريح عن الدفع، أو اتخاذ موقف لا يتفق مع إرادة التمسك به متى استخلص القانون منه التنازل الضمني.
- زوال بطلان التبليغ بالحضور أو إيداع مذكرة الدفاع وفق المادة (110/2).
والسقوط هنا جزاء إجرائي يمنع استعمال الدفع في الخصومة، لكنه لا يحول الدفع النسبي إلى مسألة متصلة بالنظام العام، ولا يجيز للمحكمة إثارته من تلقاء ذاتها بعد سقوطه.
سابعاً: الدفوع المتصلة بالنظام العام
نصت المادة (111/1) على أن الدفع بعدم اختصاص المحكمة لانتفاء ولايتها، أو بسبب نوع الدعوى، أو قيمتها، أو بعدم جواز نظرها لسبق الفصل فيها، أو بأي دفع آخر متصل بالنظام العام، يجوز إثارته في أي حالة تكون عليها الدعوى، وتحكم به المحكمة من تلقاء ذاتها.
ويترتب على اتصال الدفع بالنظام العام ما يأتي:
- لا يسقط بمجرد الدخول في موضوع الدعوى.
- يجوز إثارته أمام محكمة الموضوع في أي مرحلة تسمح بها طبيعة المحاكمة.
- تلتزم المحكمة ببحثه من تلقاء ذاتها متى ظهرت عناصره في أوراق الدعوى.
- لا يملك الخصوم باتفاقهم منح محكمة اختصاصاً ولائياً أو نوعياً لا يقرره القانون.
وألزمت المادة (111/2) المحكمة، إذا أثير دفع متصل بالنظام العام أو دفع شكلي آخر يترتب على ثبوته الحكم برد الدعوى، أن تفصل فيه فوراً من تلقاء ذاتها أو بناءً على طلب أحد الخصوم، وجعلت القرار الصادر برد هذا الدفع قابلاً للاستئناف مع موضوع الدعوى.
ثامناً: شروط قبول الدفع الإجرائي
حتى يكون الدفع جديراً بالبحث والفصل، يلزم أن تتوافر فيه الشروط الآتية:
1. الصفة
يجب أن يصدر الدفع ممن يملك التمسك به أو ممن يمثله قانوناً. فالعيب الذي شرع لمصلحة خصم معين لا يجوز لخصم آخر لا يمسه الإجراء أن يتمسك به لمجرد وجوده.
2. المصلحة
يشترط أن يحقق الدفع فائدة قانونية عملية لصاحبه، لا مجرد مصلحة نظرية. وتقاس المصلحة في الدفع بالأثر الذي يمكن أن يترتب على قبوله.
3. احترام الميعاد والترتيب
يلزم تقديم الدفع غير المتصل بالنظام العام في الوقت المحدد وقبل أي تعرض للموضوع، وجمع الدفوع والأوجه التي أوجب القانون جمعها.
4. مراعاة الشكل الذي فرضه القانون
إذا اشترط القانون طلباً مستقلاً، وجب التقيد بهذا الشكل، مع بيان الوقائع والأسانيد والطلبات بصورة واضحة، ولا تغني الإشارة المبهمة أو الاحتياطية إلى الدفع عن تأسيسه تأسيساً يسمح للخصم بالرد وللمحكمة بالفصل.
5. عدم التنازل أو زوال العيب
لا يقبل الدفع إذا ثبت التنازل عنه صراحة أو ضمناً وفقاً للقانون، أو إذا زال العيب بتحقق الغاية من الإجراء في الحالات التي يقرر فيها النص ذلك، كما في حكم المادة (110/2) بشأن بعض عيوب التبليغ.
تاسعاً: سلطة المحكمة في الفصل في الدفع وآثار الحكم
1. الفصل المستقل والضم إلى الموضوع
الأصل في الدفوع التي أوجب القانون الفصل فيها استقلالاً أن تتصدى المحكمة لها قبل السير في الموضوع، أما الدفع بمرور الزمن، فقد أجاز المشرع الفصل فيه أو ضمه إلى الموضوع. ويجب ألا يؤدي الضم إلى إغفال الدفع؛ بل يتعين على المحكمة أن تعالجه معالجة صريحة ومسببة في حكمها.
2. أثر قبول الدفع
يتحدد الأثر بحسب طبيعة الدفع:
عدم الاختصاص المكاني أو غيره من صور عدم الاختصاص: إحالة الدعوى بحالتها إلى المحكمة المختصة وفق المادة (112)، متى انطبق النص.
- وجود اتفاق تحكيم صحيح ونافذ وشامل للنزاع: امتناع القضاء عن الاستمرار في نظر النزاع وفق أحكام قانون التحكيم والنظام الإجرائي المقرر للدفع.
- بطلان التبليغ: إهدار الإجراء المعيب أو تصحيحه وإعادة التبليغ بحسب الحال، ما لم يكن البطلان قد زال قانوناً.
- مرور الزمن: ترتيب الأثر الذي يقرره النص الموضوعي المنطبق على المطالبة، بعد التحقق من بدء المدة ووقفها وانقطاعها والإنكار وسائر الشروط.
- سبق الفصل في الدعوى: عدم جواز إعادة نظر النزاع متى اتحد الخصوم والموضوع والسبب وتوافرت شروط الحجية.
3. أثر رفض الدفع
إذا رفضت المحكمة الدفع، تستمر في نظر الدعوى.
ولا يكفي الرفض المجرد؛ بل يجب أن يكون القرار أو الحكم مسبباً بما يكشف عن فهم المحكمة لحقيقة الدفع والرد على عناصره الجوهرية.
عاشراً: أخطاء عملية شائعة عند إعداد الدفوع الإجرائية
- مناقشة أصل الحق في صدر اللائحة ثم إثارة عدم الاختصاص المكاني أو شرط التحكيم.
- توزيع دفوع المادة (109) على طلبات متعددة بدلاً من جمعها في طلب واحد مستقل.
- استعمال عنوان «دفع شكلي» دون تحديد النص والواقعة والأثر المطلوب.
- الخلط بين عدم الاختصاص المكاني القابل للسقوط وعدم الاختصاص الولائي أو النوعي أو القيمي المتصل بالنظام العام.
- التمسك ببطلان التبليغ بعد حضور المطلوب تبليغه أو إيداعه مذكرة بدفاعه، دون بحث أثر المادة (110/2).
- الدفع بمرور الزمن دون تحديد تاريخ بدء المدة وأسباب وقفها أو انقطاعها.
- الاستناد إلى شرط تحكيم دون تقديم الاتفاق أو تحليل نطاقه من حيث الأطراف والموضوع.
- إغفال إثارة الدفع في لائحة الطعن رغم وجوب إبدائه فيها.
- طلب رد الدعوى في حالة يوجب فيها القانون الإحالة إلى المحكمة المختصة.
- الخلط بين الحكم الإجرائي الذي لا يمس أصل الحق والحكم الموضوعي الذي يحوز الحجية بشأنه.
حادي عشر: منهج عملي لصياغة الدفع الإجرائي
ينبغي أن تبنى مذكرة الدفع على تسلسل واضح:
تحديد الدفع وتكييفه: هل هو دفع نسبي أم متصل بالنظام العام؟
ذكر النص القانوني: مع بيان سبب انطباقه على وقائع الدعوى.
إثبات مراعاة الميعاد والترتيب: وبيان أن الدفع قدم قبل التعرض للموضوع إذا كان ذلك لازماً.
عرض الوقائع المنتجة فقط: دون الخوض في وقائع موضوعية قد تُفهم على أنها دفاع في أصل الحق، إلا بالقدر اللازم للفصل في الدفع.
تقديم البينة اللازمة: كاتفاق التحكيم، أو أوراق التبليغ، أو ما يثبت موطن المدعى عليه، أو المستندات المحددة لبدء مدة مرور الزمن.
تحديد الأثر القانوني المطلوب: إحالة، أو رد، أو وقف، أو بطلان إجراء، أو إعادة تبليغ، بحسب طبيعة الدفع.
الطلب الاحتياطي المنضبط: بحيث لا يتعارض مع التمسك بالدفع ولا يعد دخولاً في أساس الدعوى.
ثاني عشر: دور المحامي في إدارة الدفوع الإجرائية
تبدأ فعالية الدفع قبل كتابة المذكرة؛ إذ يجب على المحامي عند استلام ملف الدعوى مراجعة المحكمة المختصة، وصفة الخصوم، ومواعيد التبليغ، وكيفيته، والعقد وما يتضمنه من شرط تحكيم، والتواريخ المؤثرة في مرور الزمن، والأحكام السابقة المحتملة بين الأطراف.
ويعتمد مكتب العبادي للمحاماة في القضايا المدنية والتجارية على فحص إجرائي مبكر للملف قبل بناء الدفاع الموضوعي، لأن الدفع الصحيح إذا قدم في وقته قد يحسم مسار الخصومة، بينما قد يؤدي إغفال دفع قابل للسقوط إلى ضياع وسيلة دفاع جوهرية لا يمكن تداركها لاحقاً.
خاتمة
الدفوع الإجرائية ليست مسائل ثانوية تسبق «القضية الحقيقية»، بل هي جزء من ضمانات المحاكمة العادلة ومن البنية القانونية للخصومة.
وقد أقام المشرع الأردني توازناً بين حق الخصم في الاعتراض على سلامة الإجراءات وبين ضرورة استقرار الخصومة وعدم تعطيلها؛ فأخضع الدفوع غير المتصلة بالنظام العام لقاعدة الإبداء المبكر والجمع والسقوط، وأبقى الدفوع المتصلة بالنظام العام قابلة للإثارة في كل مرحلة وأوجب على المحكمة التصدي لها من تلقاء ذاتها.
ويظل التكييف القانوني الدقيق هو نقطة البداية: فليس كل ما يسمى دفعاً شكلياً يخضع للحكم نفسه، ولا يجوز تحديد ميعاد الدفع أو أثره قبل معرفة طبيعته والنص الخاص المنطبق عليه.
ومن ثم فإن النجاح في إدارة الدعوى المدنية يتطلب قراءة الملف إجرائياً وموضوعياً منذ اللحظة الأولى، وتقديم الدفع في شكله ووقته وبالأثر القانوني الصحيح.
النتائج
الدفع الإجرائي وسيلة لحماية سلامة الخصومة، ولا يستهدف أصل الحق كقاعدة عامة.
العبرة في تصنيف الدفع بحقيقته ومرماه، لا بالعنوان الذي يمنحه إياه الخصم.
دفوع المادة (109) يجب جمعها في طلب واحد مستقل وتقديمها قبل التعرض للموضوع وخلال المدة القانونية.
الدفوع غير المتصلة بالنظام العام قابلة للسقوط، أما الدفوع المتصلة بالنظام العام فتبقى قابلة للإثارة في أي مرحلة.
يختلف أثر قبول الدفع باختلاف نوعه؛ فقد يكون إحالة أو بطلاناً أو امتناعاً عن نظر النزاع أو حكماً بعدم جواز نظره.
المشرع الأردني عامل مرور الزمن إجرائياً ضمن المادة (109)، مع أنه يختلف في طبيعته عن الدفوع الشكلية الخالصة.
الدفع المقدم بموجب المادة (109) جزء من الدعوى، حتى إذا فصلت فيه المحكمة استقلالاً.
التوصيات
ضرورة إجراء تدقيق إجرائي كامل لملف الدعوى قبل إعداد الجواب الموضوعي.
بيان الطبيعة القانونية لكل دفع والأثر المطلوب منه بدقة، وعدم الاكتفاء بتسميته.
الفصل المبكر في الدفوع المنتجة كلما كان ذلك ممكناً، تحقيقاً للاقتصاد في الوقت والإجراءات.
عدم ضم الدفع إلى الموضوع إلا إذا كان الفصل فيه يتطلب بحث عناصر متداخلة مع أصل النزاع.
توثيق الاجتهادات القضائية الحديثة المتعلقة بالمواد (109-112) وإتاحتها بصورة منظمة للممارسين والباحثين.
المراجع
قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم (24) لسنة 1988 وتعديلاته، ولا سيما المواد (3) و(59) و(60) و(109-112).
محكمة التمييز الأردنية، حقوق، هيئة عامة، القرار رقم (4233/2024)، المبدأ المنشور لدى المجلس القضائي الأردني.
ندى خير الدين سعيد العبيدي، الدفوع الإجرائية في الدعوى المدنية – دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الموصل، 2014.
أحمد أبو الوفا، نظرية الدفوع في قانون المرافعات، منشأة المعارف، الإسكندرية، الطبعة الثامنة، 1988.
نبيل إسماعيل عمر، قانون أصول المحاكمات المدنية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009.
نبيل إسماعيل عمر، الوسيط في قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2011.
مكتب العبادي للمحاماة
موقع المكتب: الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.
هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604 ، 06492183
أسئلة شائعة حول الدفوع الإجرائية في الدعوى المدنية
ما المقصود بالدفوع الإجرائية؟
هي وسائل دفاع توجه إلى الخصومة أو إلى إجراء من إجراءاتها، بقصد الاعتراض على صحته أو منع السير فيه أو تصحيحه أو إحالة الدعوى، دون مناقشة أصل الحق في المقام الأول.
متى يجب تقديم الدفوع الواردة في المادة (109)؟
يجب تقديمها قبل التعرض لموضوع الدعوى، في طلب واحد مستقل، وخلال المدد المنصوص عليها في المادتين (59) و(60) من قانون أصول المحاكمات المدنية.
هل يجوز إثارة عدم الاختصاص المكاني في أي مرحلة؟
لا. فهو من الدفوع التي يجب إبداؤها قبل التعرض للموضوع، وإلا سقط الحق فيه. أما عدم الاختصاص الولائي أو النوعي أو القيمي فيتصل بالنظام العام ويجوز إثارته في أي مرحلة، وتقضي به المحكمة من تلقاء ذاتها.
هل يبقى الدفع ببطلان التبليغ قائماً بعد الحضور؟
تنص المادة (110/2) على زوال بطلان تبليغ لائحة الدعوى ومذكراتها الناشئ عن عيب في التبليغ أو إجراءاته أو تاريخ الجلسة بحضور المطلوب تبليغه في الجلسة المحددة أو بإيداع مذكرة بدفاعه.
هل تفصل المحكمة في دفع مرور الزمن قبل الموضوع؟
يجوز للمحكمة أن تفصل فيه استقلالاً أو أن تضمه إلى الموضوع، بحسب ما إذا كان الفصل فيه يتطلب بحث وقائع أو بينات متداخلة مع أصل النزاع.
هل قبول الدفع الإجرائي يمنع رفع الدعوى من جديد؟
ليس دائماً. يتوقف ذلك على طبيعة الدفع وأثر الحكم؛ فبعض الدفوع يؤدي إلى الإحالة أو تصحيح الإجراء، وبعضها ينهي الخصومة القائمة دون الفصل في أصل الحق، بينما تترتب على دفوع أخرى آثار تمنع إعادة نظر النزاع، مثل حجية الأمر المقضي عند اكتمال شروطها.