اليمين القانونية في القانون الأردني
اليمين القانونية في القانون الأردني: أنواعها وتعريفاتها وأحكامها
مقدمة
تُعد اليمين من أقدم وسائل الإثبات التي عرفتها التشريعات الإنسانية، وقد احتلت مكانة خاصة في الفقه الإسلامي ثم انتقلت إلى التشريعات العربية الحديثة، ومنها التشريع الأردني الذي نظم أحكامها في قانون البينات، كما استمد بعض أنواعها من مجلة الأحكام العدلية التي ما زالت أحكامها نافذة فيما لم يرد بشأنه نص في التشريعات الحديثة.
وتقوم اليمين على أساس أخلاقي وديني يتمثل في استحضار رقابة الله تعالى عند أداء القسم، لذلك منحها المشرع قوة قانونية كبيرة، فجعلها في بعض الحالات فاصلة في النزاع، وفي حالات أخرى وسيلة تساعد المحكمة على تكوين قناعتها، وفي حالات خاصة ألزم المحكمة بتوجيهها حمايةً للحقوق ومنعاً للغش أو الإثراء بلا سبب.
وتختلف اليمين القانونية عن سائر وسائل الإثبات؛ فهي لا تعتمد على مستند أو شهادة أو خبرة، وإنما تقوم على ضمير الخصم الذي يؤديها، ولهذا فإن أثرها في الخصومة قد يكون حاسماً ينهي النزاع نهائياً، وقد يكون مجرد وسيلة مكملة تساعد المحكمة على الوصول إلى الحقيقة.
وقد نظم المشرع الأردني أنواعاً متعددة من الأيمان، بعضها ورد في قانون البينات، كـاليمين الحاسمة واليمين المتممة، وبعضها استقر في مجلة الأحكام العدلية، مثل يمين الاستظهار ويمين الاستحقاق ويمين الاستيثاق، وما زال القضاء الأردني يطبق هذه الأيمان كلما توافرت شروطها.
وتزداد أهمية دراسة اليمين القانونية من الناحية العملية؛ إذ إن كثيراً من الدعاوى المدنية والتجارية والأحوال الشخصية تنتهي نتيجة توجيه يمين قانونية، وقد استقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية على بيان ضوابط كل نوع من هذه الأيمان وآثارها القانونية، مما يجعل الإلمام بأحكامها أمراً ضرورياً لكل محامٍ وقاضٍ وباحث في القانون.
وتتناول هذه الدراسة مفهوم اليمين القانونية، والأساس التشريعي لها، ثم تستعرض أنواعها المختلفة، وشروط كل نوع، وآثار النكول عنها، والفروق الجوهرية بينها، مدعمة بالنصوص القانونية والاجتهادات القضائية الأردنية.
المبحث الأول: ماهية اليمين القانونية
أولاً: تعريف اليمين القانونية
اليمين القانونية هي وسيلة من وسائل الإثبات يقررها القانون، يقوم بموجبها أحد الخصوم أو من يوجه إليه اليمين بالحلف بالله تعالى على صحة واقعة قانونية منتجة في الدعوى، ويترتب على أدائها أو النكول عنها أثر قانوني قد يصل إلى حسم النزاع.
ويستفاد من هذا التعريف أن اليمين ليست مجرد إجراء شكلي، وإنما دليل قانوني مستقل منح المشرع له حجية خاصة تختلف عن حجية الشهادة أو الكتابة أو الخبرة، إذ تقوم على الضمير والوازع الديني والأخلاقي.
وقد عرفها الفقه بأنها:
“تأكيد شخص أمام القضاء صحة واقعة معينة أو نفيها بالقسم بالله تعالى، وفق الأوضاع التي رسمها القانون.”
أما الفقه الإسلامي فقد اعتبر اليمين من وسائل الإثبات الأساسية، استناداً إلى قول النبي ﷺ:
البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وقد أصبح هذا الأصل من المبادئ الراسخة في قوانين الإثبات الحديثة.
ثانياً: الأساس القانوني لليمين في التشريع الأردني
استمد المشرع الأردني أحكام اليمين من مصدرين رئيسيين:
1- قانون البينات الأردني
نظم قانون البينات أحكام اليمين باعتبارها إحدى وسائل الإثبات، وبيّن القواعد المتعلقة باليمين الحاسمة واليمين المتممة، وشروط توجيههما، وآثار أداء اليمين أو النكول عنها أو ردها على الخصم.
ويمنح القانون الخصوم حق الاحتكام إلى ضمير الخصم عندما يتعذر تقديم دليل آخر، كما يمنح المحكمة سلطة استكمال اقتناعها بواسطة اليمين المتممة إذا لم تكتمل الأدلة في الدعوى.
2- مجلة الأحكام العدلية
رغم صدور قانون البينات، بقيت بعض أنواع الأيمان الواردة في مجلة الأحكام العدلية مطبقة أمام المحاكم الأردنية، ومن أهمها:
– يمين الاستظهار.
– يمين الاستحقاق.
– يمين الاستيثاق.
ويرجع استمرار العمل بهذه الأيمان إلى عدم وجود نصوص تلغيها، وإلى اعتماد القضاء الأردني عليها في العديد من الأحكام، باعتبارها قواعد مكملة للتشريع الحديث.
ثالثاً: الحكمة من تقرير اليمين القانونية
لم يقرر المشرع اليمين لمجرد كونها وسيلة إثبات، وإنما لتحقيق عدة غايات، أهمها:
1- الوصول إلى الحقيقة عندما يتعذر تقديم دليل مباشر.
2- حماية الحقوق ومنع الادعاءات الكيدية.
3- تغليب جانب الأمانة والضمير في الخصومة القضائية.
4- تمكين الخصوم من حسم النزاع دون الحاجة إلى أدلة أخرى.
5- استكمال اقتناع المحكمة في الدعاوى التي تكون الأدلة فيها ناقصة.
6- حماية أموال التركات والحقوق العينية من الادعاءات غير المشروعة.
7- تحقيق التوازن بين مصلحة المدعي ومصلحة المدعى عليه.
ولهذا فإن اليمين ليست إجراءً شكلياً، وإنما وسيلة إثبات ذات طبيعة استثنائية، لا يلجأ إليها إلا وفق الضوابط التي حددها القانون.
رابعاً: خصائص اليمين القانونية
تتميز اليمين القانونية بعدد من الخصائص التي تميزها عن باقي وسائل الإثبات، ومن أهمها:
1- أنها دليل قانوني
فاليمين ليست قرينة أو مجرد إجراء، وإنما دليل كامل متى توافرت شروطه القانونية.
2- أنها تقوم على الضمير
إذ يفترض القانون أن الحالف يستشعر رقابة الله تعالى، وهو ما يبرر منحها قوة في الإثبات قد تعلو على بعض وسائل الإثبات الأخرى.
3- أنها وسيلة استثنائية
إذ لا يلجأ إليها إلا في الأحوال التي يسمح بها القانون، فلا يجوز التوسع في استخدامها خارج الحالات المقررة تشريعاً.
4- تختلف آثارها بحسب نوعها
فاليمين الحاسمة تنهي النزاع بمجرد أدائها أو النكول عنها، بينما اليمين المتممة لا تقيد المحكمة، وإنما تساعدها على تكوين قناعتها، أما أيمان الاستظهار والاستحقاق والاستيثاق فهي أيمان يوجبها القانون في حالات محددة حمايةً لحقوق معينة.
5- لا يجوز تجزئتها
فمن يؤدي اليمين يؤديها كاملة، ولا يجوز الأخذ بجزء منها وطرح الجزء الآخر، لأن اليمين تعتبر وحدة واحدة في الإثبات.
خامساً: أهمية اليمين في القضاء الأردني
تكشف التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز الأردنية أن اليمين لا تزال تحتل مكانة مهمة في الدعاوى المدنية والتجارية، حيث تؤكد المحكمة باستمرار أن اليمين الحاسمة حق للخصوم متى توافرت شروطها القانونية، وأن اليمين المتممة سلطة تقديرية للمحكمة، كما تؤكد استمرار تطبيق أيمان الاستظهار والاستحقاق والاستيثاق في الحالات التي قررتها مجلة الأحكام العدلية.
وتظهر هذه الأهمية بوجه خاص في الدعاوى التي يصعب فيها تقديم دليل كتابي، أو التي تكون الأدلة فيها غير كافية لتكوين قناعة المحكمة، إذ تصبح اليمين الوسيلة القانونية الأخيرة للفصل في النزاع وتحقيق العدالة بين الخصوم.
مكتب العبادي للمحاماة
الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين.
هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604