دعاوى إزالة الشيوع وبيع العقار بالمزاد العلني وفق القانون الأردني
مقدمة:
تُعد الملكية الشائعة من أكثر صور الملكية إثارة للمنازعات بين الشركاء، إذ تقوم على اشتراك شخصين أو أكثر في ملكية مال واحد دون أن تكون حصة أي منهم مفرزة ومحددة في جزء معين منه.
وقد نظم المشرع الأردني أحكام الشيوع وآليات إنهائه في قانون الملكية العقارية، إيماناً منه بأن بقاء المال في حالة الشيوع مدة طويلة قد يؤدي إلى تعطيل الانتفاع به وإثارة الخلافات بين الشركاء.
ومن هذا المنطلق، منح القانون لكل شريك الحق في طلب الخروج من الشيوع متى شاء، باعتبار أن الأصل هو عدم إجبار أي شخص على البقاء في حالة الشيوع.
وإذا تعذر الاتفاق الرضائي بين الشركاء، فإن الطريق القانوني يتمثل باللجوء إلى لجان إزالة الشيوع المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإنهاء هذه الحالة.
غير أن الواقع العملي كشف عن ظهور العديد من الإشكاليات التي تعيق سير دعاوى إزالة الشيوع، ومن أبرزها قيام بعض الشركاء بإحداث تغييرات على العقار أو إقامة أبنية أو منشآت جديدة تؤدي إلى اختلاف أوصاف العقار على أرض الواقع عن أوصافه المسجلة في السجل العقاري، بقصد تأخير إجراءات البيع أو تعطيلها بصورة كلية.
وتبرز أهمية هذه الدراسة في بيان موقف المشرع الأردني من هذه الإشكالية، ومدى تأثير اختلاف أوصاف العقار بين الواقع والقيد العقاري على إجراءات بيع العقار بالمزاد العلني في دعاوى إزالة الشيوع.
أولاً: مفهوم الشيوع وحق الشريك في طلب الخروج منه:
عرّف القانون الملكية الشائعة بأنها الحالة التي يملك فيها شخصان أو أكثر مالاً واحداً دون إفراز حصة أي منهم فيه، بحيث تكون حصة كل شريك شائعة في كامل المال لا في جزء محدد منه.
ولما كان الشيوع بطبيعته حالة مؤقتة وغير مستقرة، فقد استقر الفقه والقضاء على أن لكل شريك الحق في طلب إنهاء هذه الحالة متى شاء، ما لم يوجد اتفاق صحيح يمنع ذلك لمدة محددة يجيزها القانون.
وعند تعذر القسمة الرضائية أو العينية بين الشركاء، تنتقل الجهة المختصة إلى بيع العقار بالمزاد العلني وتوزيع الثمن بين الشركاء بنسبة حصصهم المسجلة في دائرة التنفيذ.
ثانياً: مشكلة اختلاف أوصاف العقار بين الواقع والقيد العقاري:
قبل التعديل التشريعي الأخير، كانت دعاوى إزالة الشيوع كثيراً ما تتعرض للتعطيل نتيجة اكتشاف اختلاف بين أوصاف العقار المسجلة لدى دائرة الأراضي والمساحة وبين أوصافه الفعلية على أرض الواقع.
وكان السبب الرئيسي في ذلك أن الجهات القضائية كانت تتحفظ على بيع عقار تختلف أوصافه الواقعية عن أوصافه المسجلة، حمايةً للمشتري الذي يعتمد عند دخوله المزايدة على البيانات الواردة في السجل العقاري، والتي يفترض أن تعكس الحالة الحقيقية للعقار.
وقد استغل بعض الشركاء هذا الواقع العملي بصورة سيئة، فكانوا يلجؤون إلى إقامة أبنية أو إضافات أو تقسيمات داخل العقار بعد إقامة دعوى إزالة الشيوع، بقصد خلق حالة من التعارض بين الواقع والقيد العقاري تؤدي إلى وقف الإجراءات أو إطالة أمدها.
كما لجأ البعض إلى إقامة دعاوى جانبية تتعلق بالملكية أو التسجيل أو الحدود أو الأوصاف، بهدف تعطيل السير في دعوى إزالة الشيوع وإبقاء العقار تحت سيطرتهم الفعلية لأطول مدة ممكنة.
ثالثاً: موقف المشرع الأردني من إشكالية اختلاف الأوصاف:
تنبّه المشرع الأردني إلى هذه الممارسات وما تسببه من تعطيل لحق الشريك في الخروج من الشيوع، فتدخل بنصوص قانونية واضحة تهدف إلى منع استغلال اختلاف الأوصاف كوسيلة لعرقلة إجراءات البيع بالمزاد العلني.
فقد قرر المشرع أن بيع العقار الناتج عن إزالة الشيوع يخضع للأحكام المقررة للتنفيذ على العقار المنصوص عليها في قانون التنفيذ، بما يضمن استمرار الإجراءات وعدم تعطيلها بسبب مسائل شكلية أو فنية يمكن معالجتها قانوناً.
وبذلك انتقل التركيز من مجرد وجود اختلاف في الأوصاف إلى مدى إمكانية تصحيح هذه الأوصاف من عدمه.
رابعاً: الحالات القانونية لاختلاف أوصاف العقار:
الحالة الأولى: قابلية الأوصاف للتصحيح:
إذا تبين أثناء إجراءات البيع وجود اختلاف بين أوصاف العقار الواقعية والأوصاف المسجلة، وكان هذا الاختلاف قابلاً للتصحيح وفقاً للأنظمة والتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، يتوجب على مباشر الإجراءات إبراز ما يثبت إمكانية إجراء التصحيح.
وفي هذه الحالة يصدر رئيس التنفيذ قرار الإحالة القطعية متضمناً السماح للمحال عليه بتصحيح أوصاف العقار على نفقته الخاصة بعد إتمام عملية الإحالة.
ويترتب على ذلك استمرار إجراءات البيع وعدم تعطيلها، مع المحافظة في الوقت ذاته على حقوق المشتري وتمكينه من توفيق أوضاع العقار قانونياً.
الحالة الثانية: عدم قابلية الأوصاف للتصحيح:
أما إذا تبين أن الاختلاف القائم بين الواقع والقيد العقاري غير قابل للتصحيح كلياً أو جزئياً، فإن المشرع لم يجعل ذلك سبباً لوقف البيع أو إبطاله.
بل قرر صراحة أن العقار يُباع على وضعه الراهن، أي بالحالة الفعلية القائمة وقت البيع.
ويُعد هذا الحل التشريعي من أهم الضمانات التي تحول دون استغلال الشركاء لإحداث تغييرات مادية في العقار بقصد تعطيل إجراءات إزالة الشيوع أو منع البيع بالمزاد العلني.
خامساً: الأهداف التشريعية للحكم:
يمكن استخلاص عدة غايات تشريعية من هذا التنظيم القانوني، أهمها:
حماية حق الشريك في الخروج من الشيوع وعدم إبقائه رهينة لإرادة بقية الشركاء.
منع التعسف في استعمال الحق من قبل الشاغلين أو المنتفعين بالعقار.
الحد من الدعاوى الكيدية والوسائل التي تستهدف تعطيل إجراءات إزالة الشيوع.
تحقيق الاستقرار في المعاملات العقارية.
ضمان استمرار إجراءات البيع وعدم تعطيلها بسبب مسائل فنية قابلة للمعالجة.
تحقيق التوازن بين حماية المشتري وحماية حق الشريك في إنهاء الشيوع.
الخاتمة:
يتضح من العرض السابق أن المشرع الأردني انتهج سياسة تشريعية واضحة تهدف إلى تسهيل إنهاء حالة الشيوع ومنع التحايل الذي قد يلجأ إليه بعض الشركاء لتعطيل إجراءات البيع بالمزاد العلني.
فلم يعد مجرد اختلاف أوصاف العقار بين الواقع والقيد العقاري سبباً كافياً لوقف إجراءات إزالة الشيوع، بل أصبح المعيار القانوني يتمثل في مدى قابلية هذه الأوصاف للتصحيح.
فإن كانت قابلة للتصحيح أُجيز ذلك على نفقة المشتري بعد الإحالة القطعية، وإن كانت غير قابلة للتصحيح بيع العقار على وضعه الراهن.
ويُعد هذا التوجه التشريعي تطبيقاً عملياً لمبدأ عدم جواز إجبار الشريك على البقاء في الشيوع، كما يشكل وسيلة فعالة للحد من المناورات القانونية التي تستهدف إطالة أمد النزاعات العقارية وتعطيل الحقوق المشروعة للشركاء.
عمان، الأردن
أرقام التواصل: 0798333357 ، 0799999604