10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

يوليو 2026

بطلان عقد الإيجار عدم الانتفاع بالمأجور

بطلان عقد الإيجار عدم الانتفاع بالمأجور

بطلان عقد الإيجار لاستحالة الانتفاع بالمأجور في ضوء قرار محكمة التمييز الأردنية رقم 2538 لسنة 2026

دراسة قانونية تحليلية

المقدمة

يُعد عقد الإيجار من العقود الملزمة للجانبين التي تقوم على تمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور مقابل بدل معلوم، ولذلك فإن المنفعة تمثل محل الالتزام الجوهري في هذا العقد، فإذا استحال تحقيقها منذ نشأة العقد فإن ذلك يثير إشكالية قانونية تتعلق بمدى صحة العقد وآثاره.

وقد عالجت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية هذه الإشكالية في قرارها رقم (2538 لسنة 2026) الصادر بتاريخ 2026/5/17، والذي يُعد من أهم الأحكام الحديثة في القضاء المدني الأردني، إذ رسم بصورة واضحة الحدود الفاصلة بين البطلان الأصلي لعقد الإيجار وبين فسخه نتيجة المنع الإداري اللاحق، كما تناول التزامات المؤجر، وأثر استحالة المنفعة، واسترداد الأجور، وبدل الانتفاع، واليمين الحاسمة، وسلطة المحكمة في التكييف القانوني للدعوى.

وتبرز أهمية هذا الحكم في أنه لم يقتصر على الفصل في نزاع يتعلق بترخيص صيدلية، وإنما وضع مبادئ عامة يمكن تطبيقها على مختلف عقود الإيجار التي ترتبط فيها المنفعة بغرض محدد يتطلب ترخيصاً أو موافقة قانونية، بحيث يغدو الحكم مرجعاً مهماً للقضاء والمحامين والباحثين في القانون المدني.

 

أولاً: وقائع الدعوى

تتلخص وقائع النزاع في إبرام عقد إيجار بين المدعي والمدعى عليهم لاستئجار محل تجاري لمدة خمس سنوات، وبأجرة شهرية مقدارها (800) دينار، وقد نص العقد صراحة على أن الغاية من الإيجار هي استعمال المأجور كصيدلية ومستودع أدوية ومستحضرات تجميل.

وبعد إبرام العقد، باشر المستأجر إجراءات الحصول على التراخيص اللازمة، إلا أن وزارة الصحة رفضت الموافقة على الترخيص، لوجود طلب سابق لترخيص صيدلية في الموقع ذاته واستكمال إجراءات ترخيص صيدلية مجاورة وفقاً للتشريعات الناظمة للمسافات القانونية بين الصيدليات.

وعلى أثر ذلك، أقام المستأجر دعواه مطالباً بفسخ عقد الإيجار واسترداد ما دفعه من أجور، بينما دفع المؤجر بأن عدم الترخيص يعود إلى تقصير المستأجر، وأن المأجور يمكن استعماله لأغراض أخرى نص عليها العقد، كبيع مستحضرات التجميل أو استعماله مستودعاً للأدوية.

إلا أن محكمة التمييز انتهت إلى نتيجة مغايرة، واعتبرت أن النزاع لا يتعلق بفسخ عقد صحيح، وإنما يتعلق بعقد باطل منذ نشأته، لأن المنفعة المقصودة منه كانت مستحيلة التحقيق ابتداءً.

 

ثانياً: سلطة المحكمة في تكييف الدعوى

أكدت المحكمة مبدأً مستقراً في الفقه والاجتهاد، يتمثل في أن تكييف الدعوى وإعطاءها وصفها القانوني الصحيح يدخل ضمن سلطة محكمة الموضوع، ولا يخضع لما يطلقه الخصوم على طلباتهم أو لأوصافهم القانونية.

فالمحكمة لا تلتزم بالتكييف الذي يورده المدعي أو المدعى عليه، وإنما تبحث في حقيقة الوقائع والأسانيد القانونية ثم تنزل عليها النص القانوني الواجب التطبيق.

وتكمن أهمية هذا المبدأ في أن المدعي كان قد أقام دعواه على أساس فسخ عقد الإيجار، بينما انتهت المحكمة إلى أن الواقعة القانونية الحقيقية تتمثل في بطلان العقد، وهو ما غيّر بصورة جوهرية الأساس القانوني للحكم والآثار المترتبة عليه.

وهذا التطبيق يجسد الدور الإيجابي للقاضي المدني في حماية التطبيق الصحيح للقانون، إذ إن التكييف القانوني ليس حقاً للخصوم، وإنما واجب على المحكمة.

 

ثالثاً: المنفعة هي محل عقد الإيجار

قرر القانون المدني الأردني أن محل عقد الإيجار هو المنفعة، وليس العين المؤجرة بذاتها.

ومن ثم فإن التزام المؤجر لا يقتصر على تسليم العقار مادياً، وإنما يمتد إلى تمكين المستأجر من الانتفاع الحقيقي بالمأجور وفق الغاية التي تعاقد الطرفان من أجلها.

ومن هذا المنطلق، فإن مجرد تسليم مفاتيح المأجور لا يعني تنفيذ المؤجر لالتزامه إذا كانت المنفعة المتفق عليها مستحيلة التحقيق قانوناً.

وفي القضية محل البحث، لم يكن هدف المستأجر مجرد استئجار محل تجاري، وإنما استئجار محل صالح قانوناً لاستعماله كصيدلية، وهي الغاية التي شكلت الدافع الرئيسي لإبرام العقد.

ولذلك اعتبرت المحكمة أن تعذر الحصول على الترخيص بسبب يتعلق بالمأجور نفسه يعني استحالة استيفاء المنفعة المقصودة، وهو ما يؤدي إلى بطلان العقد منذ البداية.

 

رابعاً: متى يكون عقد الإيجار باطلاً؟

استندت المحكمة إلى عدد من نصوص القانون المدني، أهمها المواد (157) و(163) و(167) و(168) ، والتي تشترط أن يكون محل العقد قابلاً لحكمه، وأن تكون المنفعة مشروعة وممكنة وقابلة للاستيفاء.

ويستفاد من هذه النصوص أن العقد لا يكون صحيحاً إلا إذا كان محل الالتزام قابلاً للتحقق وقت التعاقد.

أما إذا تبين منذ البداية أن المنفعة المتفق عليها يستحيل تحقيقها قانوناً، فإن العقد يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً.

وقد رأت المحكمة أن رفض ترخيص الصيدلية لم يكن بسبب تقصير المستأجر، وإنما لأن الموقع ذاته لا يحقق الشروط القانونية اللازمة لمنح الترخيص، وهو ما يجعل المأجور غير صالح لتحقيق الغاية الأساسية للعقد.

وبذلك أصبح محل العقد غير قابل لحكمه، وهو أحد أسباب البطلان المنصوص عليها في القانون المدني.

وتكمن أهمية هذا القضاء في أنه يميز بين استحالة المنفعة التي تكون قائمة منذ نشأة العقد، وبين الظروف التي تطرأ بعد انعقاده.

 

خامساً: التمييز بين بطلان عقد الإيجار وفسخه

يُعد ما انتهت إليه محكمة التمييز في هذا القرار من أبرز ما يميزه عن غيره من الأحكام، إذ فرّقت بصورة دقيقة بين البطلان والفسخ، وهما نظامان قانونيان يختلفان في سبب كل منهما وآثارهما.

فالفسخ يفترض ابتداءً وجود عقد صحيح استوفى أركانه وشروط انعقاده، ثم يطرأ بعد ذلك سبب يؤدي إلى إنهائه، سواء كان هذا السبب إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته أو صدور قرار من جهة مختصة يحول دون استمرار تنفيذ العقد. أما البطلان، فإنه يعني أن العقد لم يكن صالحاً لإنتاج آثاره القانونية منذ لحظة إبرامه، بسبب تخلف أحد أركانه أو شروط صحته، فلا ينشئ العقد أي أثر قانوني، ويعد كأن لم يكن منذ البداية.

ومن هذا المنطلق، انتقدت محكمة التمييز تطبيق محكمة البداية بصفتها الاستئنافية لأحكام المادة (698) من القانون المدني، إذ رأت أن هذه المادة تعالج حالة مغايرة تماماً للحالة المعروضة عليها.

فالمادة (698) من القانون المدني تنظم حالة صدور أمر من السلطات المختصة يمنع الانتفاع بالمأجور كلياً أو جزئياً بعد انعقاد عقد صحيح، وهو ما يؤدي إلى فسخ العقد أو سقوط الأجرة بحسب الأحوال، أما في القضية محل البحث فإن المنع لم يكن طارئاً بعد انعقاد العقد، وإنما كان قائماً منذ البداية بسبب عدم قابلية المأجور قانوناً لتحقيق الغاية التي أُبرم العقد من أجلها، الأمر الذي يجعل النص الواجب التطبيق هو أحكام البطلان المنصوص عليها في المواد (163) و(168) من القانون المدني، وليس المادة (698).

ويُعد هذا التمييز من أدق ما ورد في الحكم، لأنه يمنع الخلط بين الاستحالة الأصلية التي تصيب محل العقد منذ نشأته، والاستحالة اللاحقة التي تطرأ على عقد صحيح.

 

سادساً: التزام المؤجر بتسليم مأجور صالح للانتفاع

كرّس القرار مفهوماً مهماً للالتزام الواقع على عاتق المؤجر، إذ أكد أن تنفيذ هذا الالتزام لا يقتصر على مجرد التسليم المادي للمأجور، وإنما يشمل تمكين المستأجر من استيفاء المنفعة المقصودة من العقد بصورة فعلية وقانونية.

وقد استندت المحكمة إلى المادة (677) من القانون المدني، التي تلزم المؤجر بتسليم المأجور وتوابعه بالحالة التي تمكن المستأجر من استيفاء المنفعة المتفق عليها كاملة طوال مدة الإيجار.

وهذا يعني أن صلاحية المأجور لا تقاس فقط بسلامته المادية أو الفنية، وإنما تمتد إلى صلاحيته القانونية لتحقيق الغرض الذي أُجر من أجله.

فإذا كان العقار غير قابل قانوناً لاستعماله في النشاط المتفق عليه، فإن المؤجر يكون قد أخل بالتزامه الجوهري، حتى لو كان العقار صالحاً من الناحية الإنشائية أو حتى لو كان المستأجر قد تسلمه فعلياً.

وتظهر أهمية هذا المبدأ في العقارات التي تستأجر لممارسة الأنشطة المهنية أو الطبية أو التعليمية أو الصناعية، حيث تكون إمكانية الحصول على التراخيص جزءاً لا يتجزأ من المنفعة المقصودة من العقد.

وقد أكدت المحكمة أن عبء إثبات صلاحية المأجور لاستيفاء هذه المنفعة يقع على عاتق المؤجر، باعتباره ملتزماً بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور وفق الغاية التي تم الاتفاق عليها.

 

سابعاً: أثر البطلان على استرداد الأجور وبدل الانتفاع

يترتب على الحكم ببطلان العقد زوال جميع آثاره القانونية بأثر رجعي، ويصبح كل ما تم تنفيذه بموجب العقد واجب الرد، تطبيقاً لقاعدة إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد.

إلا أن محكمة التمييز لم تقف عند هذا الحد، وإنما قررت مبدأً يحقق العدالة بين الطرفين، مؤداه أن المستأجر لا يسترد كامل الأجور التي دفعها إذا كان قد انتفع بالمأجور فعلاً خلال فترة معينة، إذ يجب في هذه الحالة احتساب بدل الانتفاع أو أجر المثل عن المدة التي بقي فيها المأجور تحت يده.

وقد بيّن الحكم أن المحكمة الاستئنافية، بعد اتباعها لحكم النقض، قامت بحسم قيمة الانتفاع الفعلي للمستأجر عن الفترة الممتدة من 1/1/2023 وحتى 11/6/2023، ثم قضت برد باقي الأجور، وهو ما اعتبرته محكمة التمييز تطبيقاً صحيحاً للقانون.

ويعكس هذا التوجه توازناً بين مبدأ إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد وبين منع الإثراء بلا سبب، فلا يجوز للمستأجر أن يجمع بين الانتفاع المجاني بالمأجور واسترداد كامل الأجرة، كما لا يجوز للمؤجر الاحتفاظ بالأجرة عن منفعة لم تتحقق.

 

ثامناً: موقف المحكمة من اليمين الحاسمة

تناول القرار أيضاً مسألة إجرائية مهمة تتعلق باليمين الحاسمة، حيث طلب المدعى عليهم توجيهها إلى المستأجر لإثبات أن عدم الحصول على الترخيص كان نتيجة تراخيه، وكذلك لإثبات أن جزءاً من المبالغ المدفوعة لم يكن بدل أجرة.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الطلب، وقررت أن اليمين الحاسمة لا تكون مقبولة إلا إذا انصبت على واقعة منتجة في النزاع ولم تكن ثابتة بأدلة قانونية أخرى.

ولما كانت المحكمة قد انتهت إلى بطلان العقد استناداً إلى البينات الخطية الرسمية، وفي مقدمتها كتاب الجهة المختصة الذي أثبت أن سبب رفض الترخيص يتعلق بالموقع ذاته، فإن الواقعة المطلوب إثباتها باليمين أصبحت غير منتجة في النزاع، ولم يعد لتوجيهها أي أثر قانوني.

كما رفضت المحكمة توجيه اليمين بشأن طبيعة المبالغ المدفوعة، لأن وكيل المدعى عليهم سبق أن أقر بأنها دفعت تنفيذاً لعقد الإيجار، الأمر الذي جعل الواقعة ثابتة بالإقرار القضائي، فلا يجوز إثبات خلافها باليمين الحاسمة.

ويؤكد هذا القضاء أن اليمين الحاسمة ليست وسيلة لإعادة مناقشة وقائع حسمتها الأدلة القطعية، وإنما هي وسيلة استثنائية يلجأ إليها عند غياب الدليل.

 

تاسعاً: المبادئ القضائية التي أرساها القرار

يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ القانونية المهمة التي رسخها هذا الحكم، من أبرزها:

تكييف الدعوى وإعطاؤها الوصف القانوني الصحيح من سلطة المحكمة، ولا تتقيد فيه بتكييف الخصوم.

إذا كانت المنفعة المقصودة من عقد الإيجار مستحيلة التحقيق منذ إبرام العقد، فإن العقد يكون باطلاً لا مفسوخاً.

لا تطبق المادة (698) من القانون المدني إلا على العقود الصحيحة التي يطرأ عليها منع لاحق من السلطات المختصة.

التزام المؤجر يشمل تمكين المستأجر من الانتفاع القانوني بالمأجور، وليس مجرد تسليمه مادياً.

بطلان العقد يؤدي إلى إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، مع مراعاة خصم بدل الانتفاع الفعلي.

لا حاجة إلى توجيه إنذار عدلي إذا كان العقد باطلاً، لأن الإنذار يرد على العقود الصحيحة.

لا يجوز توجيه اليمين الحاسمة بشأن وقائع أصبحت ثابتة بالبينة الخطية أو بالإقرار القضائي.

تلتزم محكمة الموضوع باتباع المبادئ القانونية التي فصلت فيها محكمة التمييز عند النقض والإعادة، ولا يجوز إعادة بحثها.

 

الخاتمة

يمثل قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (2538 لسنة 2026) محطة مهمة في تطور القضاء المدني الأردني، إذ قدم معالجة قانونية دقيقة لمفهوم المنفعة في عقد الإيجار، وربط بين صحة العقد وإمكانية تحقيق الغاية المقصودة منه منذ لحظة إبرامه.

كما رسخ التمييز بين البطلان والفسخ، وأوضح أن استحالة الانتفاع الأصلية تخضع لأحكام البطلان، بينما يقتصر تطبيق المادة (698) من القانون المدني على حالات المنع الإداري اللاحق التي ترد على عقد صحيح.

وتبرز القيمة العملية لهذا الحكم في أنه يضع معياراً واضحاً للمحاكم والمتعاملين في عقود الإيجار، مؤداه أن العبرة ليست بمجرد تسليم المأجور، وإنما بتمكين المستأجر من الانتفاع القانوني الحقيقي وفق الغاية التي تعاقد من أجلها. ومن ثم، فإن المؤجر الذي يؤجر عقاراً لغرض معين يجب أن يكون هذا العقار صالحاً قانوناً لتحقيق ذلك الغرض، وإلا تعرض العقد للبطلان بكل ما يترتب على ذلك من آثار، وفي مقدمتها إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد مع مراعاة قواعد العدالة في احتساب بدل الانتفاع.

ويُنتظر أن يكون لهذا الاجتهاد أثر مهم في توحيد التطبيق القضائي مستقبلاً، ولا سيما في المنازعات المتعلقة بالعقارات المؤجرة للأنشطة المهنية أو الطبية أو التجارية التي تتطلب موافقات أو تراخيص خاصة، إذ وضع الحكم معياراً موضوعياً يوازن بين استقرار المعاملات وحماية المتعاقد حسن النية، ويعزز الأمن القانوني في مجال عقود الإيجار.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك الحسين.

هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604