10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

اليمين الكاذبة في القانون الأردني

اليمين الكاذبة في القانون الأردني

اليمين الكاذبة في القانون الأردني

جنحة اليمين الكاذبة في القانون الأردني: الأركان والعقوبة وطرق الإثبات

 

مقدمة

تُعد اليمين من أهم وسائل الإثبات التي عرفها القانون، لما تنطوي عليه من احتكام إلى ضمير الحالف واستشعاره لخطورة ما يقرره أمام القضاء.

وتزداد أهميتها عندما تكون اليمين حاسمة في النزاع، إذ قد يترتب على حلفها حسم واقعة جوهرية يتوقف عليها الحكم في الدعوى.

ولهذا لم يترك المشرع الأردني إساءة استعمال اليمين دون جزاء، وإنما جرّم تعمد الخصم حلف يمين كاذبة أمام القضاء، ورتب على ذلك مسؤولية جزائية مستقلة متى توافرت أركانها القانونية.

وتبرز أهمية جنحة اليمين الكاذبة من الناحية العملية في أن مجرد خسارة الخصم للدعوى، أو ظهور بينة تناقض ما حلف عليه، لا يكفي بالضرورة لإدانته جزائياً؛ بل يتعين إثبات أن الواقعة التي حلف عليها مخالفة للحقيقة، وأن الحالف كان عالماً بكذبها واتجهت إرادته إلى تقريرها أو إنكار الحقيقة تحت اليمين.

وقد أرست محكمة التمييز الأردنية مجموعة مهمة من المبادئ المتعلقة بأركان هذه الجريمة، والقصد الجرمي فيها، وكيفية إثبات كذب اليمين، وهو ما يتضح بصورة خاصة من الأحكام الجزائية أرقام 2609 لسنة 2019، و78 لسنة 2020، و2852 لسنة 2020.

 

أولاً: ما هي جريمة اليمين الكاذبة؟

نظمت المادة (221) من قانون العقوبات الأردني جريمة اليمين الكاذبة، ومؤدى حكمها أن من يحلف، بصفته مدعياً أو مدعى عليه، يميناً كاذبة في دعوى حقوقية، يتعرض للعقوبة التي قررها القانون.

كما قرر المشرع سبباً خاصاً للإعفاء من العقوبة إذا رجع الحالف إلى الحقيقة قبل أن يُبت في الدعوى التي كانت موضوع اليمين بحكم، ولو لم يكن مبرماً.

ويتضح من ذلك أن المشرع لا يعاقب على مجرد الخطأ في التعبير أو عدم الدقة في سرد الوقائع، وإنما يستهدف حماية صدق اليمين ونزاهة القضاء وسلامة الإثبات القضائي من تعمد الخصم استعمال اليمين الكاذبة وسيلة للتأثير في نتيجة النزاع.

 

ثانياً: أركان جنحة اليمين الكاذبة

استقر الاجتهاد القضائي الأردني على أن المسؤولية الجزائية عن اليمين الكاذبة لا تقوم إلا عند توافر مجموعة من العناصر والأركان التي يجب على المحكمة التحقق منها.

 

الركن الأول: أداء اليمين أمام القضاء

يشترط ابتداءً أن تكون هناك يمين أُديت في إطار دعوى قضائية، وأن تكون متصلة بواقعة مؤثرة في النزاع.

وقد أوضحت محكمة التمييز الأردنية في الحكم رقم 78 لسنة 2020 أن من متطلبات الجريمة أن تكون اليمين قد أديت أمام القضاء، سواء بطلب أحد الخصوم أو بناءً على قرار تتخذه المحكمة، وأن تكون متصلة بالفصل في الدعوى.

ومن ثم، يجب التمييز بين اليمين القضائية وبين مجرد الأقوال أو التصريحات التي تصدر خارج مجلس القضاء؛ فليس كل قول غير صحيح يقترن بعبارة دينية أو قسم عارض يحقق جريمة المادة (221) ، وإنما يجب أن تتوافر في اليمين الصفة التي يتطلبها النص القانوني.

 

ثالثاً: أن يكون الحالف خصماً في الدعوى

اشترط المشرع أن تصدر اليمين من شخص بصفته مدعياً أو مدعى عليه.

وأكدت محكمة التمييز في الحكم رقم 78 لسنة 2020 أن من أركان الجريمة:

  • أن يكون الفاعل خصماً في الدعوى الحقوقية التي وُجهت فيها اليمين، سواء كان مدعياً أو مدعى عليه.
  • وهذا العنصر يميز اليمين الكاذبة عن الجرائم الأخرى المتعلقة بالأقوال غير الصحيحة أمام القضاء؛ إذ إن الصفة التي يؤدي بها الشخص أقواله أمام المحكمة لها أثر في تحديد الوصف القانوني للفعل.

 

رابعاً: كذب الواقعة التي انصبت عليها اليمين

يمثل كذب اليمين جوهر الجريمة.

فلا يكفي أن يدعي الخصم الآخر أن اليمين غير صحيحة، وإنما يجب أن يثبت للمحكمة الجزائية أن الواقعة التي حلف عليها المتهم كانت مخالفة للحقيقة والواقع.

وقد عبرت محكمة التمييز عن ذلك في الحكم رقم 78 لسنة 2020 باعتبار أن الركن الثاني يتمثل في:

كذب اليمين، بحيث تكون الوقائع التي تضمنتها اليمين كاذبة ومخالفة للحقيقة والواقع.

ومن هنا تظهر إحدى أهم المسائل العملية في دعاوى اليمين الكاذبة: كيف يثبت أن اليمين كانت كاذبة؟

 

خامساً: كيف يتم إثبات كذب اليمين؟

وضعت محكمة التمييز الأردنية مبدأ بالغ الأهمية في هذا الشأن، مؤداه أن:

إثبات كذب اليمين يكون بالطريقة ذاتها التي يجوز بها إثبات الواقعة التي انصبت عليها اليمين.

وهذا المبدأ ظهر بوضوح في الحكم رقم 2609 لسنة 2019.

وتكمن أهمية ذلك في أن المحكمة لا تنظر إلى صيغة اليمين بمعزل عن طبيعة الواقعة محلها، وإنما يجب تحديد ما إذا كانت تلك الواقعة من الوقائع التي يجوز إثباتها بالشهادة، أم أنها تخضع لقواعد إثبات أخرى.

فإذا تعلقت اليمين، مثلاً، بواقعة مادية تتمثل في حديث دار خلال اجتماع بين عدة أشخاص، فإن إثبات حقيقة ذلك الحديث يمكن – متى أجاز القانون ذلك – أن يتم من خلال شهادة الأشخاص الذين حضروا الاجتماع.

أما إذا تعلقت الواقعة بتصرف أو التزام يخضع في إثباته لقيود قانونية معينة، فيتعين مراعاة قواعد الإثبات المتعلقة به.

 

سادساً: موقف محكمة التمييز من إثبات اليمين الكاذبة بالشهادة

يقدم الحكم رقم 2609 لسنة 2019 تطبيقاً مهماً لهذه القاعدة.

فقد انصبت اليمين في تلك الدعوى على ما إذا كان الحالف قد اعتذر أو رفض متابعة قضية جنائية كان موكلاً بها، وما إذا كان قد اشترط دفع مبلغ إضافي للاستمرار في متابعة القضية.

وكانت الواقعة محل البحث تتعلق بما دار من حديث أثناء اجتماع في مطعم بحضور شخص ثالث.

وقررت محكمة التمييز أن هذه الوقائع:

وقائع مادية يجوز إثباتها بالبينة الشخصية، لأنها لا تتعلق بذاتها بمطالبة مالية، وإنما بما دار من حديث أثناء الاجتماع.

وقد ثبت من البينة أن الحالف اشترط مبلغاً إضافياً مقداره عشرون ألف دينار، وإلا فلن يستمر في الوكالة ومتابعة القضية، بينما جاءت اليمين التي حلفها في الدعوى الحقوقية مخالفة لما ثبت للمحكمة أنه دار في الاجتماع.

وانتهت المحكمة إلى أن هذه الأفعال تحقق أركان وعناصر جرم اليمين الكاذبة وفق المادة (221/1) من قانون العقوبات.

أهمية هذا الحكم

تكمن أهمية القرار في أنه يؤكد أن وجود مبلغ مالي في خلفية النزاع لا يعني تلقائياً أن الواقعة محل اليمين أصبحت واقعة مالية لا يجوز إثباتها بالشهادة.

فالعبرة بـ الواقعة التي انصبت عليها اليمين ذاتها.

فإذا كانت الواقعة هي: هل قال الشخص عبارة معينة؟ هل رفض القيام بعمل؟ هل اشترط شرطاً أثناء اجتماع؟ فإننا قد نكون أمام واقعة مادية يمكن إثباتها بالبينة الشخصية، ولو كان النزاع الأصلي ذا طبيعة مالية.

 

سابعاً: إثبات كذب اليمين من خلال المستندات والقرائن

لا يقتصر إثبات كذب اليمين على الشهادة، بل قد يتم من خلال المستندات والوثائق الرسمية والإقرارات وسائر الأدلة المقبولة قانوناً، بحسب طبيعة الواقعة.

ويظهر ذلك في الحكم رقم 78 لسنة 2020، حيث ناقشت المحكمة إقراراً خطياً موقعاً من أطراف العلاقة يتضمن استلام مبلغ مالي لاستثماره، إلى جانب ما ورد في مذكرة سابقة قدمها الظنين أمام المدعي العام بشأن شيكات كانت محل النزاع.

وتبرز هنا أهمية الإقرارات السابقة الصادرة عن المتهم؛ فقد تكون أقواله أو مستنداته السابقة دليلاً مهماً عند مقارنتها بما قرره لاحقاً تحت اليمين.

فإذا ثبت وجود تناقض جوهري بين ما حلف عليه وبين إقرار خطي أو مستند ثابت صادر عنه، فقد يشكل ذلك عنصراً مهماً في إثبات عدم مطابقة اليمين للحقيقة، مع بقاء ضرورة إثبات سائر عناصر الجريمة وعلى رأسها القصد الجرمي.

 

ثامناً: القصد الجرمي في جنحة اليمين الكاذبة

جريمة اليمين الكاذبة من الجرائم العمدية، ولذلك لا يكفي لإدانة الحالف إثبات أن ما قاله كان غير صحيح موضوعياً.

بل يجب إثبات أنه كان يعلم أن ما يحلف عليه غير صحيح، ومع ذلك اتجهت إرادته إلى حلف اليمين على تلك الصورة.

وقد أوضحت محكمة التمييز في الحكم رقم 2609 لسنة 2019 أن القصد الجرمي يقوم على العلم والإرادة، بحيث يكون الحالف عالماً بأن الواقعة التي يقررها كاذبة، أو أن الواقعة التي ينكرها صحيحة، وتتجه إرادته إلى إتيان ذلك الفعل دون أن يكون واقعاً في جهل أو غلط بشأن الوقائع التي حلف عليها.

وبالتالي فإن عناصر القصد الجرمي تتمثل أساساً في:

العلم: أن يعلم الحالف حقيقة الواقعة التي يؤدي اليمين بشأنها وأن يعلم أن ما يقرره يخالف الحقيقة.

الإرادة: أن تتجه إرادته إلى أداء اليمين رغم علمه بعدم صحتها.

وهذه مسألة بالغة الأهمية؛ لأن الاختلاف في التذكر، أو سوء الفهم، أو الغلط في الواقعة، لا ينبغي مساواته تلقائياً بالكذب الجنائي العمدي.

 

تاسعاً: هل مجرد ثبوت عدم صحة اليمين يكفي للإدانة؟

لا.

هناك فارق بين أمرين:

الأول: أن تكون الواقعة التي وردت في اليمين غير صحيحة.

والثاني: أن يكون الحالف قد تعمد حلفها وهو يعلم أنها غير صحيحة.

فالمسؤولية الجزائية تتطلب اجتماعهما.

لذلك فإن الدفاع في دعاوى اليمين الكاذبة قد لا يقتصر على مناقشة حقيقة الواقعة، وإنما يمتد إلى القصد الجرمي ذاته:

هل كان المتهم يعلم يقيناً بالحقيقة؟ أم كان يعتقد بصحة ما قرره؟ هل تحتمل الواقعة أكثر من تفسير؟ وهل صيغة اليمين تتعلق بواقعة محددة يمكن القطع بكذبها أم بتقدير أو فهم شخصي؟

وهذه الاعتبارات قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الأمر يشكل جريمة أم مجرد خلاف في الروايات أو التقدير.

 

عاشراً: اليمين الكاذبة بشأن الوضع المالي

يكتسب الحكم رقم 2852 لسنة 2020 أهمية خاصة في بيان إمكانية إثبات كذب اليمين من خلال مجموعة متكاملة من الأدلة المتعلقة بالمركز المالي للحالف.

فقد كانت اليمين متعلقة بعدم تحسن الوضع المادي للظنين، إلا أن البينات المقدمة أظهرت امتلاكه عدداً من المركبات، ووجود عقارات مسجلة باسمه، إضافة إلى بينات جمركية مرتبطة بنشاطه التجاري.

ورأت المحكمة أن هذه البينات تثبت خلاف ما ورد في اليمين التي حلفها في الدعوى الشرعية المتعلقة بزيادة نفقة الصغير، وانتهت إلى توافر أركان وعناصر جرم حلف اليمين الكاذبة.

المبدأ المستفاد من الحكم

يمكن أن يستخلص كذب اليمين من مجموعة من الوثائق والقرائن الموضوعية التي تكشف أن الواقع يخالف ما قرره الحالف تحت اليمين.

ففي المسائل المتعلقة بالملاءة والوضع المالي، قد يكون للسجلات الرسمية المتعلقة بالعقارات والمركبات والنشاط التجاري أهمية كبيرة في التحقق من حقيقة الواقعة محل اليمين.

 

حادي عشر: اليمين الكاذبة في الدعاوى الشرعية

يستفاد من الحكم رقم 2852 لسنة 2020 أيضاً أن نطاق الحماية الجزائية لصدق اليمين لا ينبغي فهمه بصورة شكلية ضيقة مرتبطة باسم المحكمة فقط.

فقد تناول الحكم يميناً أديت في دعوى شرعية متعلقة بزيادة نفقة صغير، وجرى بحث المسؤولية الجزائية للحالف في ضوء المادة (221) من قانون العقوبات.

وهذا التطبيق القضائي مهم عند دراسة مفهوم الدعوى الحقوقية الوارد في النص، ومدى امتداده إلى المنازعات المدنية والمالية التي تنظر أمام جهات قضائية مختلفة بحسب الاختصاص.

 

ثاني عشر: سلطة محكمة الموضوع في تقدير كذب اليمين

من المبادئ المهمة التي أكدتها محكمة التمييز أن استخلاص ما إذا كانت اليمين كاذبة من عدمه يدخل في نطاق سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة.

فالمحكمة الجزائية تنظر إلى الأدلة المقدمة أمامها، وتوازن بينها، وتقارن مضمون اليمين بالوقائع الثابتة في الدعوى.

لكن سلطة المحكمة في تقدير الأدلة لا تعني الاستغناء عن إقامة الدليل؛ فلا يجوز افتراض الكذب لمجرد وجود خصومة سابقة أو صدور حكم ضد الحالف، وإنما يجب أن تستخلص المحكمة من البينات المقبولة أن الواقعة محل اليمين مخالفة للحقيقة، ثم تبحث في توافر العلم والإرادة.

 

ثالث عشر: عقوبة اليمين الكاذبة في القانون الأردني

وفق النص المشار إليه من المادة (221/1) من قانون العقوبات، فإن من يحلف بصفته مدعياً أو مدعى عليه اليمين الكاذبة في دعوى حقوقية يعاقب:

بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين ديناراً.

وبذلك اعتبر المشرع الأردني الفعل جنحة، بالنظر إلى العقوبة المقررة له.

ويلاحظ أن الجريمة لا تستهدف فقط حماية مصلحة الخصم الذي تضرر من اليمين، بل تتعلق أيضاً بمصلحة عامة تتمثل في حماية العدالة من تضليل القضاء بواسطة اليمين.

 

رابع عشر: الإعفاء من عقوبة اليمين الكاذبة

وضع المشرع طريقاً لتدارك آثار اليمين قبل استقرار نتيجتها القضائية، فنصت المادة (221/2) على إعفاء الحالف من العقوبة:

إذا رجع إلى الحقيقة قبل أن يُبت في الدعوى التي كانت موضوع اليمين بحكم، ولو لم يكن الحكم مبرماً.

ويشجع هذا النص الحالف على تصحيح موقفه قبل أن تترتب على اليمين الكاذبة آثارها النهائية في الدعوى.

إلا أن توقيت الرجوع إلى الحقيقة جوهري؛ إذ يجب أن يتم قبل صدور الحكم في الدعوى التي كانت اليمين موضوعاً فيها وفق الضابط الذي وضعه النص.

 

خامس عشر: الفرق بين اليمين الكاذبة وشهادة الزور

رغم أن الجريمتين تمسان سلامة الإثبات القضائي، فإن هناك فرقاً أساسياً بينهما.

في اليمين الكاذبة يكون الحالف خصماً في الدعوى، مدعياً أو مدعى عليه، ويحلف اليمين في واقعة تتصل بالنزاع.

أما شهادة الزور فتتعلق – من حيث الأصل – بشخص يؤدي الشهادة أمام القضاء بصفته شاهداً وليس خصماً يؤدي اليمين بوصفه أحد أطراف النزاع.

ومن ثم فإن تحديد صفة الشخص وطبيعة الأقوال التي أدلى بها أمران أساسيان في تحديد النص الجزائي الواجب التطبيق.

 

سادس عشر: متى يمكن إقامة شكوى بجرم اليمين الكاذبة؟

من الناحية العملية، فإن التفكير في تحريك شكوى بجرم اليمين الكاذبة يستلزم أولاً جمع عناصر الإثبات المتعلقة باليمين نفسها والواقعة التي انصبت عليها.

ومن أهم ما ينبغي التحقق منه:

  • وجود محضر رسمي يثبت صيغة اليمين التي تم حلفها.
  • تحديد الواقعة أو الوقائع التي انصبت عليها اليمين بصورة دقيقة.
  • وجود أدلة قانونية تثبت أن تلك الوقائع مخالفة للحقيقة.
  • تحديد طريقة الإثبات الجائزة بالنسبة للواقعة محل اليمين.
  • وجود ما يثبت أن الحالف كان عالماً بالحقيقة عند أدائه اليمين.

إثبات أن الاختلاف ليس مجرد خطأ أو نسيان أو سوء فهم، وإنما كذب عمدي توافرت فيه إرادة الحالف.

ولهذا فإن نسخة الدعوى الأصلية ومحاضر جلساتها وصيغة اليمين والأحكام الصادرة فيها والمستندات والشهود المتصلين مباشرة بالواقعة تعد من أهم عناصر دراسة ملف اليمين الكاذبة.

 

سابع عشر: أهم مبادئ محكمة التمييز الأردنية بشأن اليمين الكاذبة

يمكن استخلاص مجموعة من القواعد المهمة من الاجتهادات المشار إليها:

أولاً: يشترط لقيام الجريمة ثبوت أن اليمين كانت كاذبة ومخالفة للحقيقة.

ثانياً: يجب أن تتوافر لدى الحالف النية الجرمية القائمة على العلم والإرادة، فلا يكفي مجرد الخطأ في الواقعة.

ثالثاً: يكون إثبات كذب اليمين وفق طريقة الإثبات القانونية المتعلقة بالواقعة التي انصبت عليها اليمين.

رابعاً: إذا تعلقت اليمين بواقعة مادية يجوز إثباتها بالبينة الشخصية، جاز الاستناد إلى الشهود لإثبات مخالفة اليمين للحقيقة.

خامساً: يمكن أن يكون للمستندات الرسمية والإقرارات الخطية والسجلات المتعلقة بالأموال والعقارات والمركبات والنشاط التجاري دور جوهري في إثبات حقيقة الواقعة.

سادساً: استخلاص كذب اليمين وتقدير الأدلة المقدمة لإثباته يدخلان في سلطة محكمة الموضوع، ضمن الضوابط القانونية للإثبات.

سابعاً: لا بد من التمييز بين كذب الواقعة وبين القصد الجرمي؛ فعدم صحة اليمين موضوعياً لا يغني وحده عن إثبات أن الحالف كان عالماً بكذبها.

 

ثامن عشر: تطبيقات قضائية مهمة

الحكم رقم 2609 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية

أكد هذا الحكم أن إثبات كذب اليمين يتبع طريقة إثبات الواقعة التي كانت محلاً لها. ولما كانت اليمين تتعلق بما دار من حديث خلال اجتماع، اعتبرت المحكمة الأمر واقعة مادية يجوز إثباتها بالبينة الشخصية، وانتهت في ضوء البينات إلى توافر أركان الجريمة.

 

الحكم رقم 78 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية

حدد الحكم بصورة واضحة العناصر الأساسية للمسؤولية عن اليمين الكاذبة، ومن بينها أداء اليمين أمام القضاء، وكذب الوقائع التي تضمنتها، وأن يكون الحالف خصماً في الدعوى. كما أبرز أهمية المستندات والإقرارات السابقة في التحقق من حقيقة الواقعة.

 

الحكم رقم 2852 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية

قدم هذا القرار نموذجاً لإثبات كذب اليمين المتعلقة بالوضع المالي من خلال بينات رسمية تضمنت ملكية مركبات وعقارات ووجود نشاط تجاري، وانتهت المحكمة إلى أن مجموع هذه البينات أثبت خلاف مضمون اليمين.

 

خاتمة

إن جنحة اليمين الكاذبة في القانون الأردني ليست مجرد جزاء على قول ثبت لاحقاً أنه غير دقيق، وإنما جريمة عمدية لها شروط وأركان محددة.

ويقع في مقدمة هذه الشروط أن تكون هناك يمين قضائية وفق الأحوال التي يتطلبها القانون، وأن يكون الحالف خصماً في الدعوى، وأن يثبت كذب الواقعة محل اليمين، إلى جانب توافر القصد الجرمي القائم على علم الحالف بالحقيقة واتجاه إرادته إلى مخالفتها تحت اليمين.

وتكشف اجتهادات محكمة التمييز الأردنية أن المسألة الأكثر أهمية في هذا النوع من القضايا تتمثل في طبيعة الواقعة التي انصبت عليها اليمين وطريقة إثباتها؛ فإذا كانت واقعة مادية جاز إثباتها بالطرق المقررة قانوناً لهذه الوقائع، وإذا كانت هناك مستندات أو إقرارات أو سجلات رسمية تكشف الحقيقة أمكن الاستناد إليها في إثبات الكذب.

وعليه، فإن نجاح الشكوى بجرم اليمين الكاذبة لا يقوم على مجرد القول إن الخصم “حلف كذباً”، بل يحتاج إلى بناء إثباتي متكامل يجيب عن ثلاثة أسئلة رئيسية:

ما الحقيقة؟ وكيف نثبتها قانوناً؟ وهل كان الحالف يعلم بها عندما أدى اليمين؟

وهذه الضوابط تحقق التوازن بين حماية القضاء من اليمين الكاذبة من جهة، وعدم تحويل كل اختلاف بين الخصوم في سرد الوقائع إلى مسؤولية جزائية من جهة أخرى.

 

قرارات قضائية ذات صلة:

محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية، الحكم رقم 2609 لسنة 2019، تاريخ 23/9/2019.

محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية، الحكم رقم 78 لسنة 2020، تاريخ 17/3/2020.

محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية، الحكم رقم 2852 لسنة 2020، تاريخ 14/12/2020.

 

مكتب العبادي للمحاماة

موقع المكتب: الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962 ، 064922183