إذا ما توفرت شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة جاز للقاضي تبعاَ للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ، ويقع باطلاَ كل اتفاق على خلاف ذلك ومما لاشك فيه أن مثل هذه الصلاحية إنما تكون بالاستناد إلى نصوص القانون المدني الأردني .
وفي هذا الخصوص نجد بأن صلاحية القاضي في مثل هذه الحالات ليست بصلاحية مطلقة ، بل هي صلاحية مقيدة بشروط معينة ، فهو قد يرى أن الظروف لا تقتضي إنقاص الالتزام المرهق ولا زيادة الالتزام المقابل بل هي تقتضي وقف تنفيذ العقد حتى يزول الحادث الطارئ وقد يرى زيادة الالتزام المقابل وقد يرى إنقاص الالتزام المرهق .
لذلك نجد أن القاضي قد يرى وقف تنفيذ العقد حتى يزول الحادث الطارئ إذا كان الحادث وقتياَ يقدر له الزوال في وقت قصير مثل أن يتعهد مقاول بإقامة مبنى وترتفع أسعار بعض مواد البناء لحداث طارئ ، ارتفاعاَ فاحشاَ ولكنه ارتفاع يوشك أن يزول لقرب انفتاح باب الاستيراد فيوقف القاضي التزام المقاول بتسليم البناء في الموعد المتفق عليه حتى يتمكن المقاول من القيام بالتزامه دون إرهاق إذا لم يكن في هذا الموقف ضرر جسيم يلحق صاحب المبنى .
وقد يرى القاضي زيادة الالتزام المرهق وقد ضرب لذلك مثل في لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ بأن تعهد تاجر بتوريد ألف أردب من الشعير بسعر ستين قرشاَ للأردب فيرتفع السعر إلى أربعة جنيهات فيرفع القاضي السعر الوراد في العقد .
ولكن يُلاحظ هنا أمران الأمر الأول أن القاضي لا يرفع السعر الوراد في العقد إلى أربعة جنيهات وإلا كان في ذلك تحميل للطرف الآخر ليس فحسب تبعة الارتفاع الفاحش للأسعار بأكمله بل أيضاَ تبعة الارتفاع المألوف والأصل أن الارتفاع المألوف للأسعار يتحمله المدين كما يتحمل الدائن انخفاض الأسعار المألوف .
فإذا فرضنا في المثل الذي نحن بصدده أن الارتفاع المألوف في سعر الشعير هو عشرون قرشاَ وجب أن يتحمل المتعهد هذا المقدار دون أن يشترك معه فيه الطرف الآخر وما زاد على ذلك ويبلغ في مثلنا ثلاثمائة وعشرين قرشاَ هو ارتفاع غير مألوف يقسمه القاضي بين المتعاقدين حتى يتحمل كل منهما نصيبه في الخسارة غير المتوقعة فيصيب المتعهد منه مائة وستون قرشاَ ويرفع القاضي السعر ومقداره ستون قرشاَ بنصف الزيادة غير المألوفة ومقداره مائة وستون قرشاَ فيصل إلى مائتين وعشرين قرشاَ وعلى الطرف الآخر أن يدفع للتاجر هذا السعر المعدل بدلاَ من السعر المتفق عليه .
والأمر الثاني أن القاضي عندما يرفع السعر من ستين قرشاَ إلى مائتين وعشرين قرشاَ لا يفرض على الطرف الآخر أن يشتري بهذا السعر بل يخيره بين أن يشتري به أو أن يفسخ العقد فإذا اختار الفسخ كان هذا أصلح للمدين إذ يرتفع عن عاتقه كل أثر للحادث الطارئ .
وقد يرى القاضي إنقاص الالتزام المرهق مثل ذلك أن يتعهد تاجر بتوريد كميات كبيرة من السكر لمصنع من مصانع الحلوى بالتسعيرة الرسمية ثم يقل المتداول في السوق من السكر إلى حد كبير لحادث طارئ كحرب منعت استيراد السكر أو إغلاق بعض مصانع السكر أو نحو ذلك فيصبح من العسير على التاجر أن يُورد لمصنع الحلوى جميع الكميات المتفق عليها فيجوز في هذه الحالة للقاضي أن ينقص من هذه الكميات بالمقدار الذي يراه مناسباَ حتى يرد التزام التاجر إلى الحد المعقول فإذا فعل أصبح التاجر ملتزماَ بتوريد الكميات التي عينها القاضي لا أكثر وجرى حكم العقد بهذا التعديل بين الطرفين .
وتبعاَ لذلك يجوز لمصنع الحلوى أن يتقاضى الالتزام عيناَ أو تعويضاَ طبقاَ للقواعد العامة ويجوز له كذلك إذا امتنع التاجر عن تنفيذ التزامه المعدل أن يطلب فسخ العقد مع التعويض وإذا كان الالتزام المرهق ثمن مبيع جاز للقاضي إنقاصه أو إنقاص فوائده أو إسقاط هذه الفوائد أو مد الآجال التي تُدفع فيها .
ويُلاحظ في حالتي إنقاص الالتزام المرهق وزيادة الالتزام المقابل أن القاضي لا يرد الالتزام إلى الحد المعقول إلا بالنسبة إلى الحاضر ولا شأن له بالمستقبل لأنه غير معروف فقد يزول أثر الحادث الطارئ فيرجع العقد إلى ما كان عليه قبل التعديل وتعود له قوته الملزمة كاملة كما كان في الأصل . وإذا جاز للقاضي أن يوقف الالتزام المرهق أو أن ينقص منه أو أن يزيد في الالتزام المقابل فإنه لا يجوز له فسخ العقد ذلك أن النص لا يجعل له إلا أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول فالالتزام المرهق يبقى ولا ينقضي ولكن يُرد إلى الحد المعقول فتتوزع بذلك تبعة الحادث الطارئ بين المدين والدائن ولا يتحملها الدائن وحده بفسخ العقد .
ومما يُلاحظ على الجزاء الذي قرره التقنين المدني المصري الجديد على توفر شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة أنه بالرغم من مرونة هذا الجزاء أنه يعتبر من النظام العام فلا يجوز للمتعاقدين أن يتفقا مقدماَ على ما يخالفه .
وأخيراَ نجد بأن مهمة القاضي في توقيع هذا الجزاء المرن المترتب على توفر شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة هي مهمة تختلف عن مهمة القاضي المألوفة فهذه المهمة لا تقتصر على تفسير العقد بل هي مهمة تتجاوز ذلك لتصل إلى تعديل العقد .
_____________________________________ .
الدكتور عبد الرزاق السنهوري الوسيط في شرح القانون المدني الجديد الجزء الأول – الصفحات من ( 725 ) إلى ( 729 ) بتصرف بسيط. _______________________________________ .
من الناحية القانونية تكتسب واقعة تحديد تاريخ انتهاء التصفية أهمية قانونية وعملية كبيرتين , لأنه بانتهاء التصفية تكون قد انتهت شخصية الشركة تماماً وتزول جميع الآثار القانونية المترتبة على الوجود السابق الذي كان لهذه الشركة.
والقانون لم يحدد أحكاماً صريحة لتحديد تاريخ انتهاء التصفية , لذلك نجد بأنه قد ظهرت آراء فقهية كثيرة بهذا الخصوص , فقال البعض بأن التصفية عملية تمهد لعملية قسمة أموال الشركة بين الشركاء , لذلك قالوا بأن التصفية تنتهي بمجرد تقديم المصفي الحساب النهائي والمصادقة عليه من قبل الشركاء وحصول المصفي على المخالصة , أو على أبعد تقدير عند إجراء القسمة النهائية لصافي موجودات الشركة بين الشركاء , لأنه بموجب هذه الواقعة تكون قد فقدت الأموال صفة كونها من الأموال المشتركة , وتصبح أموالاً خاصة بالشركاء , وهي بذلك تدخل في نصيب كل واحد منهم , وبالتالي يفقد دائنو الشركة حق الأفضلية عليها.
في حين رأى البعض الآخر والذين يعتبرون بأن عملية التصفية على الأخص تهدف إلى حماية حقوق ومصلحة دائني الشركة , أنه يجب التفريق في هذا الأمر , ففي العلاقة بين الشركاء يتوقف انتهاء التصفية على إرادة هؤلاء , وهي أمر يعود استخلاصه للمحاكم عند الحاجة , فهنا تعد التصفية منتهية عند تقديم الحساب النهائي وحصول المخالصة بين المصفي والشركاء , أما في العلاقة مع دائني الشركة , فلا تنتهي التصفية ولا تزول شخصية الشركة , إلا بتمام وفاء ديونها أو بمرور الزمن عليها , وبالاستناد إلى ذلك يظل الحق لدائني الشركة في التنفيذ على أموالها طالما أنها موجودة عيناً حتى بعد إجراء القسمة , ولكن المطالبة في هذه الحالة تجري بمواجهة الشركاء بعد إن زالت ذمة الشركة.
والقضاء يتجه إلى اعتماد الرأي الأول فيعتبر التصفية منتهية بتقديم المصفي الحساب النهائي ومصادقة الشركاء عليه ومنح الشركاء المصفي المخاصمة عن أعمال التصفية , أو أيضاً منذ إجراء القسمة النهائية لموجودات الشركة , فهنا يصبح دائنو الشركة مجرد دائنين للشركاء يتزاحمون مع دائني الشركاء الشخصيين.
وقد ذهب القضاء في بعض قراراته إلى إعطاء الحق لدائني الشركة الذين تظهر ديونهم بعد القسمة بالرجوع على الشركة معتبراً التصفية مفتوحة من جديد , بحيث يعتبر المصفي ممثلاً لها في هذه المطالبة.
كما هو معلوم لدى الدولة نوعين من الأملاك , أملاك عامة وهي الأملاك المخصصة للنفع العام , وهي منظمة بموجب القرار رقم ( 144 ) لعام 1925 وبمقابل هذه الأملاك العامة التي هي للدولة , هناك أيضاً أملاك خاصة وأملاك الدولة الخاصة وهي العقارات المبنية والحقوق العينية وغير المنقولة التي تخص الدولة بصفتها شخصاً اعتبارياً بموجب القوانين والقرارات النافذة , سواء أكانت تحت تصرفها الفعلي أو تحت تصرف أشخاص آخرين , وأملاك الدولة بالتعداد تشمل الأموال التالية :
١ ) الأراضي الأميرية ( التي تكون رقبتها للدولة ). ٢ ) العقارات المسجلة في السجلات العقارية أو دفاتر التمليك باسم الدولة أو الخزينة. ٣ ) العقارات المقيدة في سجلات دائرة أملاك الدولة. ٤ ) العقارات المتروكة المرفقة وهي التي تكون لجماعة ما حق استعمال عليها. ٥ ) الأملاك العامة التي زالت عنها صفة المنفعة العامة. ٦ ) العقارات المحلولة وهي التي تحقق قانوناً محلوليتها والناشئة عن تركات لا وارث لها أو لها وارث لا تنطبق عليه قوانين التملك أو الناشئة عن إهمال استعمال الأراضي الأميرية خمس سنوات. ٧ ) العقارات التي تشتريها الدولة. ٨ ) الأراضي الموات والخالية. ٩ ) الجزر والأراضي التي تتكون بصورة طبيعية في المياه العامة. ١٠ ) الجبال والحراج والغابات والمقالع والمرامل غير المسجلة باسم الأفراد أو ليس لهم عليها حق مكتسب بموجب القوانين النافذة. ١١ ) العقارات التي تؤول للدولة بحكم القوانين النافذة. ١٢ ) جميع العقارات والأراضي التي لم يثبت ملكية أو تصرف الأفراد لها بسبب صحيح تجيزه القوانين النافذة قبل صدور هذا القانون.
والولاية على أملاك الدولة الخاصة من حيث المبدأ تكون لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي , كما لهذه الوزارة الصلاحية في إدارة هذه الأموال والدفاع عنها , فيما عدا الأموال التي تكون خاضعة في إدارتها لولاية وزارة أو مؤسسة أخرى بموجب القوانين النافذة. والقانون خول وزارة الزراعة الصلاحية لوضع الأنظمة الخاصة المتعلقة بإصلاح وتوزيع وبيع وتأجير عقارات الدولة الخاصة , حيث يكون إجراء مثل هذه التصرفات بقرار من وزير الزراعة والإصلاح الزراعي , كما أجاز القانون لهذا الوزير , وبناء على طلب من الوزير المختص أن يخصص بعض عقارات الدولة الخاصة للوزارات والمصالح الحكومية والمؤسسات والهيئات العامة والمحلية , على أن تعود هذه العقارات لإدارة أملاك الدولة عند زوال الغاية التي جرى التخصيص لأجلها , وبمقابل هذه الصلاحية القانون أجاز لهذا الوزير إلغاء هذا التخصيص متى شاء وأراد. أما تأجير عقارات الدولة الخاصة فيكون لقاء أجور سنوية مقطوعة , وفق الأنظمة الخاصة التي يضعها وزير الزراعة , أما العقارات التي يضع البعض يده عليها بدون سبب , كأن يكون وضع اليد بدون عقد إيجار , أو كأن يكون عقد إيجارها قد انتهى , فتقدر أجورها من قبل لجنة خاصة , كما يكون من صلاحية هذه اللجنة تقدير قيمة الأراضي التي شيد عليها الأفراد أبنية دون مستند قانوني , وقرار التقدير يصدر قابلاً للطعن أمام اللجنة القضائية المنصوص عليها في قانون الإصلاح الزراعي , خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغه , وقرار هذه اللجنة يصدر مبرماً غير خاضع لأي طريق من طرق الطعن , ويحصل بدل أجر المثل أو القيمة المقدرة وفق الأصول المنصوص عليها في قانون جباية الأموال العامة. وهذه العقارات من حيث المبدأ لا يجوز إشغالها إلا بترخيص من وزارة الزراعة , وكل إشغال يحصل بدون هذا الترخيص يجعل شاغلها ضامناً لضعف أجر مثل هذه العقارات , وفق ما تقدره لجان خاصة في الوزارة , ويعتبر هذا البدل من الإلزامات المدنية , وهو يحصل وفق قانون جباية الأموال العامة , ويعتبر من الموارد الخاصة لوزارة الزراعة , وتزال يد الشاغل بقرار إداري يصدر عن وزير الزراعة ويتم تنفيذه بالطريقة الإدارية , وهذا القرار يقبل الطعن أمام اللجنة القضائية المنصوص عليها في قانون الإصلاح الزراعي , خلال ثلاثين يوماً من تاريخ التبليغ , ويكون قرار اللجنة في هذا الخصوص مبرماً , وبالمقابل القانون أجاز لهذه اللجان عقد التسوية على المخالفات الواقعة على عقارات أملاك الدولة الخاصة. وقد يحصل ويتم توزيع عقارات الدولة على الفلاحين , ففي هذه الحالة لا يجوز لهم التصرف بها , أو إنشاء أي حق عيني عليها للغير , قبل مرور خمس سنوات على تسجيل هذه العقارات على أسمائهم في الدوائر العقارية , وبعد الحصول على موافقة وزير الزراعة أو من ينوب عنه على هذا التصرف , في حين يستثنى من هذا المنع رهن هذه الأراضي لدى المصرف الزراعي , أما من يشتري عقاراً من عقارات الدولة , فلا يحق له التصرف به أو ترتيب أي حق عيني للغير عليه , إلا بموافقة وزير الزراعة , وبشرط تسديد كامل ثمنه للدولة. وقد يحصل أن يكون لبعض الأفراد أو لجماعة ما , حقوق ارتفاق أو استعمال أو انتفاع على بعض عقارات الدولة الخاصة , كما في حالة البيادر والمراعي مثلاً , فهنا القانون أجاز لوزير الزراعة إسقاط هذه الحقوق للمصلحة العامة , وقرار الإسقاط هذا يقبل الطعن أمام اللجنة القضائية المنصوص عليها في قانون الإصلاح الزراعي. أما إذا زالت صفة النفع العام عن عقار من عقارات الأملاك العامة , فيسجل هذا العقار في خانة الأملاك الخاصة للدولة , وهذا التسجيل يحصل بموجب قرار يصدر عن وزير الزراعة والإصلاح الزراعي. والقانون خول موظفي مؤسسة الإصلاح الزراعي وضابطة الحراج ورجال الشرطة وسائر رجال الضابطة العامة وكافة الموظفين المعتبرين من الضابطة العدلية , تنظيم الضبوط بالمخالفات التي تقع على أملاك الدولة الخاصة , وهو اعتبر الضبط المنظم بهذا الخصوص من الضبوط الرسمية التي يعمل بها حتى ثبوت عكسها , وبالمقابل القانون أجاز إثبات المخالفات بكافة طرق الإثبات , وذلك في حال لم يتم تنظيم ضبط بها أو في حال تم تنظيم ضبط بها , ولكنه كان فاقداً لأحد الشروط القانونية التي تمنحه الحجية.
بانتهاء عملية التصفية وقيام المصفي بوفاء ديون الشركة المترتبة عليها قبل حلها وأثناء التصفية , يقوم المصفي بتسليم الشركاء صافي أموال الشركة التي ستوزع على الشركاء , ومن الناحية القانونية بهذا الإجراء تنتهي سلطات مصفي الشركة. والقانون والمقصود قانون الشركات لم يحدد الجهة التي ستقوم بقسمة صافي أموال الشركة بين الشركاء ولا القواعد التي يجب إتباعها خلال ذلك , وإنما قال بأن القسمة تكون وفق ما ورد من شروط في عقد الشركة. القسمة كعملية هي تهم الشركاء فقط , والأصل أن يتفق الشركاء في عقد الشركة على تعين الشخص الذي يقوم بالقسمة , وإذا لم يكن مثل هذا الشرط موجوداً فقد يتفق الشركاء على أن يقوم المصفي أو أحدهم أو شخص أخر بهذا العمل. والغالب أن يتولى الشركاء أنفسهم هذا العمل , فيقومون جميعهم بها , أما إذا ما حصل خلاف حول ذلك جاز لأياً منهم مراجعة القضاء , وهنا تحصل القسمة عن طريق المحكمة , وكذلك إذا كان أحد الشركاء فاقداً للأهلية كأن يكون قاصراً أو محجوراً عليه بسبب السفه أو العته أو الجنون , أو أن يكون غائباً , ففي مثل هذه الحالة يجب اللجوء إلى القضاء لإجراء القسمة. والمحكمة المختصة لإجراء القسمة هي المحكمة التي يقع مقر الشركة الرئيسي فيها , والسبب في ذلك أن عملية التصفية , وكما ذكرنا سابقاً , لا تعتبر منتهية إلا بقسمة صافي أموال الشركة بين الشركاء. وتطبق المحكمة على القسمة بين الشركاء القواعد المنصوص عليها في القانون أو في عقد الشركة , وسواء تمت القسمة بالطريقة الودية أو عن طريق القضاء , فيجب في البداية أن يوزع على الشركاء ما يعادل قيمة الحصص التي سبق وإن قدموها مساهمة في رأسمال الشركة , ومن ثم يتم توزيع صافي الأموال بينهم , أي توزيع ما يعادل صافي الأرباح المحققة من عمل الشركة بينهم , أم إذا كانت أموال الشركة مما لا يكفي الحصص التي سبق وإن قدمها الشركاء عند تأسيس الشركة , فإن ما نقص يعتبر من قبيل الخسائر , ويجري توزيع الخسائر والأرباح وفقاَ للقواعد المتفق عليها في العقد أو وفقاً للقواعد المقررة في القانون. وإن ما يقدمه الشركاء كمساهمة في رأسمال الشركة عند تأسيسها الشركاء , تستحق للشركاء فوراً عند انتهاء أعمال التصفية ووفاء ديون الشركة , وقانوناً لا تعتبر هذه الأموال من الأموال الخاضعة للقسمة , بل هي تعتبر بمثابة دين للشريك صاحب العلاقة على الشركة , ويجب على الشركة ردها إلى هذا الشريك بكامل قيمتها بتاريخ تقديمها , ومن ثم تجري القسمة على صافي ألموال المشتركة ,و هي الأرباح التي حققها الشركة خلال عملها , لذلك لا تجري عملية إعادة الحصص إلى الشركاء بنفس نسبة توزيع الأرباح أو الخسائر , طالما هي تمثل رأسمال الشركة , بل يجري إعادتها إلى الشركاء بقيمتها الأصلية , فإذا كانت الحصة المقدمة من الشريك عبارة عن نقود , فيستعيد هذا الشريك مثل قيمتها بالنقود , أما إذا كانت من المثليات , ففي الغالب أن يكون طالها الاستهلاك خلال عمل الشركة , فيرد بدلها بالنقود , وإذا كانت الحصة حق انتفاع من شيء معين , تم رد هذا الشيء إلى هذا الشريك , وإذا كان عملاً فلا يسترد الشريك شيئاً من رأس المال , بل يستعيد حريته في استغلال هذا العمل وبالطريقة التي تناسبه , أما إذا كانت الحصة شيئاً معيناً بالذات قدمه الشريك للشركة على سبيل التمليك , كأن يكون عقاراً أو متجراً , فهنا يجب علينا أن نسأل هل من حقه بموجب نص في عقد الشركة استرداده بالذات إذا لم يزل موجوداً بين أموال الشركة أم لا. فإذا كان هذا الشيء لا يزال موجوداً بين أموال الشركة , وإذا كان عقد الشركة قد تضمن مثل هذه الصلاحية فهنا يكون من حق هذا الشريك استعادة هذا المال , كما يمكنه استعادته باتفاق الشركاء , أما إذا لم يكن هناك مثل هذا الشرط أو إذا لم يعد هذا الشيء موجوداً بين أموال الشركة , فلا يحق لهذا الشريك استعادته , لكونه دخل في سائر موجودات الشركة وبذلك أصبح حق الشريك قائماً تجاه الشركة كشخص معنوي لا تجاه مال معين بالذات من أموال الشركة , وفي هذه الحالة يكون من حق هذا الشريك استرداد بدل العين المقدمة من قبله بالنقود بحسب القيمة المعينة لها في العقد , وإلا استرداد القيمة التي تقدر له وقت تقديمه. ما يزيد عن نصيب الشركاء يعتبر أرباحاً صافية للشركة يجري توزيعها بين الشركاء وفق ما تم الاتفاق عليه بموجب العقد وإلا فوفق أحكام القانون , وقد يكون ذلك من النقود فتسهل عملية قسمتها وتوزيعها بين الشركاء , ولكن قد يكون بين هذه الأموال أعيان وعقارات , وبالتالي تصعب عملية قسمتها فهنا يجري بيعها وقسمة ثمنها على الشركاء , أما إذا كان من الممكن قسمتها فيكون من رأي الشركاء أن يختاروا قسمتها عيناً أو بيعها , كما يكون من حقهم إدخال هذه الأعيان في حصة بعض الشركاء أو أحدهم وإعطاء الآخرين حصصاً نقدية , كما يمكن جعل جزء من الحصص من الأعيان والجزء الآخر من النقود , كي تصبح الحصص متعادلة , أو اعتماد أية طريقة أخرى يرى الشركاء اختيارها لقسمة , لتسهيل عملية القسمة بينهم , فإذا لم يتفق الشركاء على طريقة القسمة كان من حق أياً منهم العودة إلى القضاء لإجراء القسمة واختيار طريقتها.
عندما يقوم المصفي بقسمة أموال الشركة على الشركاء , هو يقوم بعمل قانوني , وهذا العمل يكون ذا أثر إعلاني كاشف بين الشركاء , ونتيجة هذا العمل يكون كل شريك مالكاً لنصيبه من أموال الشركة منذ تاريخ انتهاء الشركة , سواء أكانت هذه الأموال قد وقعت في نصيبه من جراء القسمة أو من جراء شرائها بالمزاد نتيجة بيع الأموال المشتركة , وبذلك لا يبقى له أي حق على باقي الأموال التي وقعت في نصيب باقي الشركاء المتقاسمين.
والقسمة تنتج التزام بجانب كل واحد من الشركاء المتقاسمين , وذلك بضمان أنصبة باقي الشركاء مما يحتمل أن يقع عليها من تصرف أو استحقاق لسبب يسبق القسمة , وكل شريك يكون ملزماً وفق حصته بالتعويض على مستحق الضمان على أساس قيمة الشيء المقدرة وقت القسمة , ويحصل أن يكون أحد المتقاسمين معسراً , فهنا يوزع ما يترتب عليه لمستحق الضمان على جميع المتقاسمين الآخرين , وفق نصيب كل واحد منهم , وبموجب هذا الضمان يلتزم باقي الشركاء بأن لا يقوموا بأية مزاحمة غير مشروعة للشريك الذي وقع متجر الشركة في نصيبه مثلاً , بحيث لا يجوز لهم أن يعرضوا أنفسهم للجمهور بصورة غير صحيحة كخلف للشركة.
والقسمة سواء جرت بطريقة اتفاقية أو قانونية أم قضائية , تنتج جميع آثارها بين الشركاء , ولكنها ككل تعتبر من التصرفات القانونية , وهي بمثل هذه الوصف تكون قابلة للإبطال , وفق القواعد العامة لإبطال العقود , كأن يكون سبب الإبطال الغلط أو الإكراه أو الخداع أو الغبن.
كما إن القسمة تنتج أثراً هاماً بمواجهة دائني الشركة , فهي تجعل أموال الشركة والتي وقعت في نصيب الشريك من الأموال الخاصة بهذا الشريك , فيزول بسببها حق الأفضلية الذي كان مترتباً لهؤلاء الدائنين , ويتزاحمون في التنفيذ عليها مع دائني الشركاء الشخصيين , ولكن يشترط لترتب هذا الحكم القانوني أن يكون دائنو الشركة والذين لم توف ديونهم قد تبلغوا الدعوة للحضور لأجل استيفاء حقوقهم , فلم يحضروا إلا بعد الانتهاء من القسمة , ولم يقدموا قبل ذلك اعتراضاً على إجرائها , أما إذا كانوا قد قدموا الاعتراض على إجراء القسمة ولم يلتفت إلى هذا الاعتراض وأجريت القسمة في غيابهم , فيكون من حقهم طلب إبطال هذه القسمة لهذا السبب , وتقام الدعوى بطلب إبطال القسمة في خلال سنة من تاريخ القسمة تحت طائلة رفضها , أما إذا لم يجري تبليغ للدائنين أية دعوة للحضور , فيكون من حقهم المطالبة بإبطال القسمة وفق القواعد العامة , ويكون من حقهم على الأخص إقامة الدعوى البوليصية عند توفر شروطها.
ومما يمكن ملاحظته أن لدائني الشركة ليس فقط الحق في إقامة دعوى إبطال القسمة عند إجرائها بدون دعوتهم أو في غيابهم , بل يكون من حقهم أيضاً التدخل في القسمة سواء أكانت تجري بالطريقة الاتفاقية أو القضائية , والغرض من هذا التدخل هو الحيلولة دون إجراءا لقسمة بغاية الإضرار بحقوق الدائنين والسهر على توفر شروط القسمة القانونية , وقد يحصل التدخل بالرغم من دعوة الدائنين أو حتى بدون حصول أية دعوة لهم للحضور.