10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

معلومات قانونية مهمة

الاستثمار في الأردن | دليل قانوني للمستثمر الأجنبي 2026

الاستثمار في الأردن

الاستثمار في الأردن، الدليل القانوني الشامل للمستثمر الأجنبي 2026

الباب الأول: المقدمة

يشهد العالم اليوم تنافساً متزايداً بين الدول لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، باعتبارها أحد أهم محركات النمو الاقتصادي ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

ولم يعد المستثمر يبحث فقط عن الأسواق ذات العائد المرتفع، وإنما أصبح يبحث أيضاً عن البيئة القانونية المستقرة، والأنظمة الواضحة، وسهولة تأسيس الأعمال، وحماية الحقوق، وسرعة إنجاز الإجراءات.

وفي هذا السياق، استطاع الأردن خلال العقود الأخيرة أن يرسخ مكانته باعتباره إحدى الوجهات الاستثمارية المهمة في منطقة الشرق الأوسط، مستفيداً من موقعه الجغرافي الاستراتيجي، واستقراره السياسي والأمني، ومنظومته التشريعية المتطورة، وشبكة واسعة من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية مع العديد من دول العالم، الأمر الذي أتاح للمستثمرين الوصول إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين.

ولم يقتصر اهتمام المشرّع الأردني على تشجيع الاستثمار فحسب، بل عمل على تطوير البيئة القانونية بشكل مستمر، فصدر قانون البيئة الاستثمارية والأنظمة والتعليمات المرتبطة به، إلى جانب تحديث العديد من التشريعات ذات الصلة، مثل قانون الشركات، وقوانين العمل والضرائب والجمارك والملكية الفكرية، بهدف توفير إطار قانوني أكثر وضوحاً ومرونة للمستثمرين المحليين والأجانب.

ورغم هذه التطورات، ما يزال العديد من المستثمرين الأجانب يواجهون تحديات عملية عند دخول السوق الأردنية، ليس بسبب تعقيد التشريعات بقدر ما يعود إلى تداخلها وتعدد الجهات الرسمية المختصة، فضلاً عن الحاجة إلى فهم دقيق للإجراءات القانونية والإدارية التي تسبق مرحلة الاستثمار وترافقها، بدءاً من اختيار الشكل القانوني المناسب للمشروع، مروراً بإجراءات التسجيل والترخيص، ووصولاً إلى إدارة النشاط التجاري وتسوية المنازعات عند نشوئها.

ومن خلال الخبرة العملية في تأسيس الشركات وتمثيل المستثمرين أمام مختلف الجهات الرسمية والقضائية، يتبين أن كثيراً من المشكلات القانونية التي تواجه المستثمرين كان بالإمكان تجنبها لو توافرت لديهم المعلومات القانونية الصحيحة منذ البداية.

فالاختيار غير المناسب للشكل القانوني للشركة، أو إغفال تسجيل العلامة التجارية، أو عدم تنظيم العلاقة بين الشركاء باتفاقيات واضحة، أو مباشرة النشاط قبل استكمال التراخيص اللازمة، كلها أخطاء قد تترتب عليها آثار مالية وقانونية كبيرة يصعب معالجتها لاحقاً.

ومن هنا جاءت فكرة إعداد “الدليل القانوني الشامل للمستثمر الأجنبي في الأردن 2026” ليكون مرجعاً قانونياً وعملياً يجمع في مكان واحد أهم ما يحتاج إليه المستثمر الأجنبي قبل اتخاذ قرار الاستثمار، وأثناء تأسيس مشروعه، وخلال مرحلة التشغيل والتوسع، مع تقديم شرح مبسط ودقيق للتشريعات الأردنية والإجراءات العملية ذات الصلة.

ولا يقتصر هذا الدليل على استعراض النصوص القانونية، وإنما يسعى إلى تفسيرها وبيان كيفية تطبيقها عملياً، مع توضيح الحقوق والالتزامات، واستعراض أبرز الإشكالات التي قد تواجه المستثمرين، والحلول القانونية المناسبة لها، بما يساعد على اتخاذ قرارات استثمارية سليمة قائمة على معرفة قانونية راسخة.

كما يتميز هذا الدليل بمنهجية شاملة تجمع بين الجوانب القانونية والتجارية والإجرائية، فيتناول مختلف مراحل المشروع الاستثماري، بدءاً من دراسة البيئة الاستثمارية، واختيار الكيان القانوني، وتأسيس شركة أجنبية، والحصول على التراخيص، والاستفادة من الحوافز والإعفاءات، وتنظيم العلاقات التعاقدية، وحماية الملكية الفكرية، وإدارة الالتزامات الضريبية والجمركية، وانتهاءً بآليات تسوية المنازعات والخروج الآمن من الاستثمار عند الحاجة.

 

ويستهدف هذا الدليل شريحة واسعة من القراء، وفي مقدمتهم:

  • المستثمرون الأجانب الراغبون في دخول السوق الأردنية.
  • الشركات الدولية التي تخطط لتأسيس فروع أو شركات تابعة في الأردن.
  • رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الناشئة.
  • الصناديق الاستثمارية والمؤسسات المالية.
  • المحامون والقانونيون المهتمون بقانون الاستثمار.
  • مكاتب المحاسبة والتدقيق.
  • الجهات الأكاديمية والباحثون في مجال الاستثمار.

كما أن هذا الدليل لا يقتصر على المستثمر الذي ما يزال في مرحلة دراسة السوق، وإنما يفيد أيضاً المستثمر الذي بدأ نشاطه بالفعل، إذ يقدم له مرجعاً عملياً يساعده على فهم التزاماته القانونية، وتجنب المخاطر، والاستفادة من المزايا التي يوفرها التشريع الأردني.

لماذا يختلف هذا الدليل عن غيره؟

توجد العديد من المقالات التي تتناول الاستثمار في الأردن، إلا أن معظمها يقتصر على عرض معلومات عامة أو إعادة نشر النصوص القانونية دون تحليل أو ربط عملي بينها. أما هذا الدليل، فقد أُعد وفق رؤية مختلفة تقوم على الجمع بين الدراسة القانونية المتخصصة والخبرة العملية في التعامل مع ملفات تأسيس الشركات والاستثمار الأجنبي.

 

ومن أبرز ما يميز هذا الدليل:

  • الشمول، إذ يغطي جميع المراحل القانونية للاستثمار.
  • الاعتماد على التشريعات الأردنية النافذة.
  • تقديم شرح عملي للإجراءات وليس مجرد نقل للنصوص.
  • بيان الأخطاء الأكثر شيوعاً وكيفية تجنبها.
  • استخدام الجداول والمقارنات لتبسيط المعلومات.
  • تحديث المحتوى بما يواكب التطورات التشريعية.
  • ربط الموضوعات العامة بمقالات قانونية متخصصة للتوسع عند الحاجة.

 

كيف تستخدم هذا الدليل؟

يمكن قراءة الدليل كاملاً لفهم المنظومة القانونية للاستثمار في الأردن، كما يمكن الرجوع إلى كل باب بشكل مستقل وفق احتياجات المستثمر.

فإذا كان القارئ يرغب في معرفة أفضل شكل قانوني لشركته، فيمكنه الانتقال مباشرة إلى الباب الخاص بالأشكال القانونية للشركات، وإذا كان مهتماً بشراء عقار أو بتسجيل علامة تجارية أو بالحوافز الضريبية، فسيجد لكل موضوع باباً مستقلاً يعالجه بصورة تفصيلية.

كما سيُرفق بكل باب روابط إلى مقالات متخصصة تتناول المسائل التفصيلية، بحيث يشكل هذا الدليل المرجع الرئيسي (Pillar Page) الذي تتفرع عنه مكتبة قانونية متكاملة حول الاستثمار الأجنبي في الأردن.

 

الباب الثاني: لماذا الاستثمار في الأردن؟

تمهيد

يُعد قرار الاستثمار في أي دولة من أهم القرارات الاستراتيجية التي يتخذها المستثمر، إذ لا يعتمد نجاح المشروع على جدواه الاقتصادية فحسب، وإنما يتأثر أيضاً بالبيئة القانونية والتنظيمية والسياسية والضريبية التي يعمل في إطارها.

لذلك يحرص المستثمرون، قبل ضخ رؤوس أموالهم، على دراسة مجموعة واسعة من المؤشرات، مثل استقرار الدولة، ووضوح التشريعات، وسهولة تأسيس الشركات، وحماية الملكية الخاصة، وإمكانية تحويل الأرباح، وكفاءة القضاء، ومدى ارتباط الدولة بالأسواق الإقليمية والعالمية.

وفي هذا الإطار، يتمتع الأردن بعدد من المقومات التي جعلته يحافظ على مكانته كوجهة استثمارية مهمة في المنطقة، رغم التحديات الاقتصادية والإقليمية التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.

فقد عمل المشرع الأردني على تطوير البيئة التشريعية للاستثمار، وأقرت الدولة إصلاحات قانونية وإدارية تهدف إلى تسهيل ممارسة الأعمال، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتحقيق التوازن بين حماية المستثمر وحماية المصلحة العامة.

ولا يعني ذلك أن الاستثمار في الأردن يخلو من التحديات، فكل سوق استثماري يحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد.

إلا أن معرفة هذه المزايا والتحديات مسبقاً تساعد المستثمر على اتخاذ قراره على أسس قانونية وتجارية سليمة.

 

أولاً: الموقع الجغرافي الاستراتيجي

يتميز الأردن بموقع جغرافي يجعله حلقة وصل بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ويقع في قلب منطقة الشرق الأوسط، ويجاور عدداً من الأسواق الإقليمية المهمة.

ويتيح هذا الموقع للمستثمر إمكانية الوصول إلى أسواق واسعة من خلال شبكة من الطرق البرية والموانئ والمطارات، إضافة إلى الاتفاقيات التجارية التي تربط الأردن بالعديد من الدول والتكتلات الاقتصادية.

ويُعد ميناء العقبة المنفذ البحري الرئيسي للمملكة، كما يمثل منطقة اقتصادية خاصة توفر العديد من الحوافز الاستثمارية، الأمر الذي يمنح الشركات العاملة فيه مزايا تنافسية في عمليات الاستيراد والتصدير.

 

ثانياً: الاستقرار السياسي والأمني

يعتبر الاستقرار السياسي والأمني من أهم العوامل التي ينظر إليها المستثمر عند اختيار الدولة التي سيستثمر فيها.

وقد حافظ الأردن، رغم الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، على مستوى مرتفع من الاستقرار المؤسسي وسيادة القانون واستمرار عمل مؤسسات الدولة، وهو ما عزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.

ويُعد وجود مؤسسات دستورية مستقرة، واستقلال القضاء، واستمرارية السياسات الاقتصادية، من العوامل التي تمنح المستثمر قدراً أكبر من اليقين عند اتخاذ قراراته الاستثمارية طويلة الأجل.

 

ثالثاً: منظومة تشريعية متطورة للاستثمار

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في التشريعات الاقتصادية الأردنية، بهدف تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات.

 

ومن أهم التشريعات المنظمة للاستثمار:

  • قانون البيئة الاستثمارية.
  • قانون الشركات.
  • قانون الجمارك.

ويتميز الإطار التشريعي الأردني بأنه يمنح المستثمر الأجنبي، في كثير من القطاعات، معاملة لا تقل عن تلك المقررة للمستثمر الأردني، مع وجود بعض القيود في قطاعات محددة ينظمها القانون.

 

رابعاً: حرية تحويل الأموال والأرباح

من أهم الضمانات التي يبحث عنها المستثمر إمكانية تحويل الأرباح ورأس المال إلى الخارج دون قيود تعسفية.

وقد حرص المشرع الأردني على توفير ضمانات قانونية تسمح للمستثمر الأجنبي بتحويل أرباحه وعوائد استثماره ورأس ماله، وفقاً للتشريعات النافذة، وبما يتوافق مع الأنظمة المالية والمصرفية المعمول بها.

وتكتسب هذه الضمانة أهمية خاصة بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات وصناديق الاستثمار الدولية.

 

خامساً: قطاع مصرفي قوي

يتمتع الأردن بقطاع مصرفي يُعد من أكثر القطاعات استقراراً في المنطقة، ويخضع لرقابة البنك المركزي الأردني.

 

ويقدم القطاع المصرفي خدمات متطورة تشمل:

  • تمويل المشاريع.
  • الاعتمادات المستندية.
  • خطابات الضمان.
  • التحويلات الدولية.
  • الخدمات المصرفية الإلكترونية.
  • حلول تمويل التجارة.

ويشكل وجود قطاع مصرفي مستقر عاملاً مهماً في تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.

 

سادساً: شبكة واسعة من الاتفاقيات الدولية

يستفيد المستثمر في الأردن من عدد كبير من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي تمنح المنتجات الأردنية مزايا تفضيلية عند دخول العديد من الأسواق العالمية.

وتشمل هذه الاتفاقيات اتفاقيات تجارة حرة، واتفاقيات حماية وتشجيع الاستثمار، واتفاقيات منع الازدواج الضريبي، وغيرها من الاتفاقيات التي تسهم في تقليل المخاطر القانونية والضريبية وتعزيز القدرة التنافسية للمشروعات.

وسيخصص هذا الدليل باباً مستقلاً لشرح هذه الاتفاقيات وأثرها على المستثمر الأجنبي.

 

سابعاً: العمالة المؤهلة

يتميز الأردن بتوافر كوادر بشرية مؤهلة في العديد من القطاعات، ولا سيما:

  • تكنولوجيا المعلومات.
  • الهندسة.
  • الطب.
  • التعليم.
  • الخدمات المالية.
  • الصناعات الدوائية.

كما تتميز القوى العاملة الأردنية بارتفاع مستويات التعليم مقارنة بالعديد من دول المنطقة، الأمر الذي يسهل على المستثمر الحصول على الكفاءات اللازمة لتشغيل مشروعاته.

 

ثامناً: البنية التحتية الرقمية

شهد الأردن تطوراً كبيراً في الخدمات الإلكترونية الحكومية، وأصبحت العديد من إجراءات تسجيل الشركات والحصول على الخدمات الحكومية تتم إلكترونياً، الأمر الذي أسهم في تقليل الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات.

كما شهد قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات نمواً ملحوظاً، مما جعل الأردن مركزاً إقليمياً للعديد من شركات التكنولوجيا والخدمات الرقمية.

 

تاسعاً: الحوافز الاستثمارية

لا تعتمد جاذبية الاستثمار في الأردن على الموقع الجغرافي أو الاستقرار فحسب، وإنما تمتد لتشمل منظومة من الحوافز والإعفاءات التي تستهدف تشجيع الاستثمار في قطاعات ومناطق معينة.

 

وقد تختلف هذه الحوافز بحسب:

  • نوع النشاط.
  • موقع المشروع.
  • حجم الاستثمار.
  • عدد فرص العمل.
  • القيمة المضافة للمشروع.
  • مدى مساهمته في نقل التكنولوجيا أو التصدير.

وسنتناول هذه الحوافز بالتفصيل في باب مستقل، مع بيان شروط الاستفادة منها وإجراءات الحصول عليها.

 

عاشراً: سهولة تأسيس الشركات

شهدت إجراءات تأسيس الشركات في الأردن تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت العديد من الإجراءات أكثر سرعة وتنظيماً، مع إمكانية إنجاز جزء كبير منها إلكترونياً.

إلا أن سهولة الإجراءات لا تعني الاستغناء عن الدراسة القانونية المسبقة، إذ إن اختيار الشكل القانوني المناسب، وصياغة عقد التأسيس، وتنظيم العلاقة بين الشركاء، والحصول على الموافقات الخاصة لبعض الأنشطة، تعد مسائل جوهرية تؤثر في نجاح المشروع واستقراره على المدى الطويل.

ولهذا سنخصص البابين الخامس والسادس لشرح إجراءات تأسيس الشركات والأشكال القانونية المختلفة بصورة تفصيلية.

 

الحادي عشر: التحديات التي ينبغي أن يضعها المستثمر في اعتباره

إن تقديم صورة متوازنة عن بيئة الاستثمار يقتضي الإشارة إلى بعض التحديات التي قد تواجه المستثمر، ومنها:

  • وجود قيود قانونية على تملك الأجانب أو ممارستهم لبعض الأنشطة الاقتصادية.
  • الحاجة إلى موافقات خاصة في بعض القطاعات المنظمة.
  • تعدد الجهات المختصة في بعض الإجراءات.
  • اختلاف المتطلبات التنظيمية بحسب طبيعة النشاط.
  • ضرورة الالتزام بالمتطلبات الضريبية والجمركية ومتطلبات مكافحة غسل الأموال والإفصاح عن المستفيد الحقيقي.
  • ولا ينبغي النظر إلى هذه التحديات باعتبارها عوائق تحول دون الاستثمار، وإنما باعتبارها اعتبارات قانونية تستوجب التخطيط المسبق والاستعانة بمستشار قانوني متخصص لضمان الامتثال الكامل للتشريعات النافذة.

 

خلاصة الباب

إن الأردن يوفر بيئة استثمارية تجمع بين الاستقرار المؤسسي، والإطار التشريعي المتطور، والموقع الجغرافي المتميز، والانفتاح على الأسواق الإقليمية والعالمية، وهي عوامل تجعل منه خياراً جديراً بالدراسة بالنسبة للمستثمر الأجنبي.

وفي المقابل، فإن نجاح الاستثمار لا يتوقف على توفر هذه المقومات وحدها، بل يعتمد أيضاً على حسن اختيار الهيكل القانوني للمشروع، وفهم الالتزامات النظامية، وإدارة المخاطر القانونية منذ مرحلة التأسيس.

 

 

الباب الثالث: الإطار القانوني للاستثمار الأجنبي في الأردن

تمهيد

لا يقتصر نجاح أي مشروع استثماري على توفر رأس المال أو دراسة الجدوى الاقتصادية، بل يرتبط بصورة وثيقة بفهم البيئة القانونية التي سيعمل ضمنها المشروع.

فالمستثمر الذي يحيط بالتشريعات المنظمة لنشاطه يكون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة، وتجنب النزاعات، والامتثال للالتزامات القانونية، والاستفادة من الحوافز التي يتيحها القانون.

وفي الأردن، لا يوجد قانون واحد يحكم جميع جوانب الاستثمار، وإنما تقوم المنظومة القانونية على مجموعة متكاملة من القوانين والأنظمة والتعليمات، يعمل كل منها على تنظيم جانب معين من النشاط الاستثماري.

ولذلك فإن المستثمر الأجنبي يحتاج إلى رؤية شاملة لهذه المنظومة قبل البدء بإجراءات تأسيس مشروعه.

ويستعرض هذا الباب أهم التشريعات التي تشكل الأساس القانوني للاستثمار في الأردن، مع بيان نطاق تطبيق كل منها، وأهميته العملية بالنسبة للمستثمر.

 

أولاً: قانون البيئة الاستثمارية

يمثل قانون البيئة الاستثمارية حجر الأساس في تنظيم الاستثمار في الأردن، إذ جاء بهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية.

ويضع القانون المبادئ العامة التي تحكم الاستثمار، ومن أبرزها:

  • تعزيز مبدأ المساواة بين المستثمرين وفقاً لأحكام القانون.
  • توفير بيئة استثمارية مستقرة وواضحة.
  • تبسيط الإجراءات الإدارية.
  • تشجيع الاستثمار في القطاعات ذات الأولوية.
  • تنظيم منح الحوافز والإعفاءات.
  • دعم المشاريع التي تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

كما أنشأ القانون إطاراً مؤسسياً لتوحيد إجراءات الاستثمار، بما يسهم في تقليل الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات.

 

ثانياً: قانون الشركات

بعد اختيار المستثمر الدخول إلى السوق الأردنية، يصبح قانون الشركات المرجع الأساسي الذي ينظم الكيان القانوني الذي سيمارس النشاط من خلاله.

ويحدد هذا القانون:

  • أنواع الشركات.
  • شروط تأسيس كل نوع.
  • رأس المال.
  • اجتماعات الهيئة العامة.
  • حقوق المساهمين.
  • انتقال الحصص والأسهم.
  • التحول.

ويعد اختيار الشكل القانوني المناسب من أهم القرارات التي يتخذها المستثمر، إذ ينعكس مباشرة على المسؤولية القانونية، والضرائب، والتمويل، وإدارة المشروع.

ولهذا سيخصص هذا الدليل باباً مستقلاً لمقارنة جميع الأشكال القانونية للشركات.

 

ثالثاً: الأنظمة والتعليمات التنفيذية

لا تقتصر المنظومة القانونية على القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، بل تصدر السلطة التنفيذية أنظمة وتعليمات تبين كيفية تطبيق هذه القوانين.

وتكتسب هذه الأنظمة أهمية عملية كبيرة، لأنها تنظم تفاصيل الإجراءات اليومية التي يتعامل معها المستثمر، مثل:

  • إجراءات التسجيل.
  • متطلبات الترخيص.
  • الإفصاح عن المستفيد الحقيقي.
  • تصنيف الأنشطة الاقتصادية.
  • الموافقات القطاعية.

ولهذا فإن الاطلاع على الأنظمة والتعليمات لا يقل أهمية عن قراءة نصوص القوانين نفسها.

 

رابعاً: الجهات الرسمية ذات العلاقة بالاستثمار

يتعامل المستثمر الأجنبي خلال دورة المشروع مع عدد من الجهات الحكومية، لكل منها اختصاصات محددة.

ومن أبرز هذه الجهات:

1- وزارة الصناعة والتجارة والتموين

وتتولى، من خلال الجهات المختصة، تسجيل الشركات والأسماء التجارية، والإشراف على عدد من الإجراءات المتعلقة بالكيانات التجارية.

2- الجهات المختصة بالاستثمار

تختص باستقبال الطلبات الاستثمارية، وتقديم خدمات المستثمرين، وتنسيق الإجراءات المتعلقة بالحوافز والموافقات التي يقررها القانون.

3- دائرة ضريبة الدخل والمبيعات

وتشرف على تسجيل المكلفين، وإدارة الالتزامات الضريبية، ومتابعة الامتثال لأحكام التشريعات الضريبية.

4- دائرة الجمارك

وتتولى تنظيم عمليات الاستيراد والتصدير، والإعفاءات الجمركية، والرقابة على البضائع.

5- البلديات وأمانة عمان الكبرى

وتختص بإصدار رخص المهن ورخص الأبنية والتنظيم، بحسب موقع المشروع.

6- وزارة العمل

وتنظم إصدار تصاريح العمل للعمالة غير الأردنية، والإشراف على تطبيق تشريعات العمل.

7- المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي

وتشرف على تسجيل المنشآت والعاملين، وضمان الامتثال لأحكام قانون الضمان الاجتماعي.

وتختلف الجهات التي يتعامل معها المستثمر باختلاف طبيعة النشاط الاقتصادي، فقد يحتاج المشروع الصناعي إلى موافقات تختلف عن المشروع التعليمي أو الصحي أو السياحي.

 

خامساً: هل يحق للأجنبي الاستثمار في جميع الأنشطة؟

الأصل في التشريع الأردني هو إتاحة الاستثمار للأجانب، إلا أن بعض الأنشطة الاقتصادية تخضع لقيود أو اشتراطات خاصة، قد تتمثل في:

  • تحديد نسبة معينة لمساهمة المستثمر الأردني.
  • اشتراط الحصول على موافقة مسبقة.
  • قصر بعض الأنشطة على الأردنيين.
  • تنظيم ممارسة بعض المهن الحرة وفق قوانين خاصة.

ولذلك يجب على المستثمر دراسة النشاط الذي يرغب في ممارسته قبل البدء بإجراءات التأسيس، للتأكد من عدم وجود قيود قانونية خاصة عليه.

وسيخصص هذا الدليل باباً مستقلاً لبيان الأنشطة المفتوحة أمام المستثمرين الأجانب، والأنشطة المقيدة، وآلية التعامل معها.

 

سادساً: مبدأ سيادة القانون وحماية المستثمر

من أهم عناصر البيئة الاستثمارية الناجحة وجود نظام قانوني يوفر الحماية للمستثمر، ويضمن إمكانية اللجوء إلى القضاء أو وسائل تسوية المنازعات عند الحاجة.

ويستفيد المستثمر في الأردن من منظومة قضائية تنظر في المنازعات المدنية والتجارية والإدارية، كما يجيز القانون في كثير من الحالات اللجوء إلى التحكيم لتسوية المنازعات التجارية والاستثمارية.

وتشكل هذه الضمانات عاملاً مهماً في تعزيز الثقة بالبيئة الاستثمارية، ولا سيما بالنسبة للمشروعات طويلة الأجل.

 

سابعاً: الامتثال القانوني المستمر

يعتقد بعض المستثمرين أن دور المحامي ينتهي بمجرد تسجيل الشركة، إلا أن الواقع العملي يثبت أن مرحلة التشغيل هي الأكثر حاجة إلى المتابعة القانونية.

ومن أبرز الالتزامات التي تستمر بعد التأسيس:

  • حفظ السجلات والوثائق القانونية.
  • عقد اجتماعات الشركاء أو المساهمين عند الاقتضاء.
  • تحديث بيانات الشركة.
  • الإفصاح عن المستفيد الحقيقي عند تحقق موجباته.
  • تقديم الإقرارات الضريبية ضمن المواعيد القانونية.
  • تجديد الرخص والتصاريح.
  • الامتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب عند انطباقها.

إن الإخلال بهذه الالتزامات قد يؤدي إلى فرض غرامات أو وقف بعض الخدمات أو نشوء مسؤوليات قانونية، رغم أن الشركة تكون قد أُسست بصورة صحيحة منذ البداية.

 

ثامناً: أهمية التخطيط القانوني قبل الاستثمار

يبدأ كثير من المستثمرين بإعداد دراسة الجدوى المالية والتسويقية، لكنهم يؤجلون دراسة الجوانب القانونية إلى مرحلة متأخرة، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة هيكلة المشروع أو تعديل عقوده أو تحمل تكاليف إضافية كان بالإمكان تجنبها.

ويشمل التخطيط القانوني المسبق، على سبيل المثال:

  • اختيار الشكل القانوني الأنسب.
  • دراسة القيود على النشاط.
  • تحديد آلية دخول المستثمرين والشركاء.
  • إعداد اتفاقيات المساهمين أو الشركاء.
  • تقييم الآثار الضريبية.
  • تحديد وسائل تسوية المنازعات.
  • إعداد استراتيجية للتوسع أو التخارج مستقبلاً.

ولا يهدف هذا التخطيط إلى معالجة المشكلات بعد وقوعها، بل إلى الوقاية منها، وهو ما يمثل أحد أهم عناصر الإدارة القانونية الحديثة للمشروعات الاستثمارية.

 

خلاصة الباب

إن الإطار القانوني للاستثمار في الأردن يقوم على منظومة متكاملة من القوانين والأنظمة والتعليمات، ويقتضي من المستثمر الإلمام بها قبل البدء في تنفيذ مشروعه.

فاختيار الكيان القانوني المناسب، وفهم اختصاصات الجهات الرسمية، والامتثال للالتزامات التنظيمية، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في استقرار المشروع ونجاحه.

 

 

الباب الرابع: مزايا وضمانات الاستثمار للأجانب في الأردن

تمهيد

إن جذب الاستثمار الأجنبي لا يتحقق بمجرد إصدار قوانين تشجع الاستثمار، وإنما يتطلب بناء منظومة قانونية تمنح المستثمر الثقة بأن أمواله وحقوقه ستكون محمية، وأنه سيتمكن من إدارة مشروعه في بيئة مستقرة وواضحة، وأن أي نزاع قد ينشأ سيتم حسمه وفق قواعد قانونية عادلة ومستقرة.

ومن هذا المنطلق، عمل المشرع الأردني على إرساء مجموعة من الضمانات القانونية للمستثمر، سواء من خلال قانون البيئة الاستثمارية، أو قانون الشركات، أو التشريعات المالية والضريبية، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية الثنائية ومتعددة الأطراف التي انضم إليها الأردن لحماية وتشجيع الاستثمار.

وتتمثل أهمية هذه الضمانات في أنها تقلل من المخاطر القانونية والتجارية التي قد تواجه المستثمر، وتعزز قدرته على التخطيط طويل الأجل، وتشجعه على إعادة استثمار أرباحه وتوسيع أعماله داخل المملكة.

 

أولاً: مبدأ المساواة بين المستثمر الأردني والأجنبي

يعد مبدأ المساواة من أهم المبادئ التي تقوم عليها البيئة الاستثمارية الحديثة.

ويقصد به أن يتمتع المستثمر الأجنبي، في الأصل، بالحقوق والضمانات المقررة للمستثمر الوطني، ما لم يرد نص قانوني خاص يقرر قيداً أو استثناءً بالنسبة لنشاط معين أو لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة أو الأمن الوطني أو التنظيم الاقتصادي.

وتنعكس هذه المساواة في عدة صور، من أبرزها:

  • إمكانية تأسيس الشركات وفق الأشكال القانونية المقررة.
  • التمتع بالحماية القضائية ذاتها.
  • الاستفادة من الحوافز والإعفاءات متى توافرت شروطها.
  • ممارسة الأنشطة الاقتصادية التي يجيزها القانون.
  • اللجوء إلى القضاء أو التحكيم لتسوية المنازعات.

إلا أن هذا المبدأ ليس مطلقاً، إذ توجد قطاعات وأنشطة يفرض عليها المشرع قيوداً خاصة، سواء من حيث نسب التملك أو اشتراط الحصول على موافقات مسبقة أو غير ذلك من المتطلبات التنظيمية.

 

ثانياً: حماية الملكية الخاصة

تعد حماية الملكية الخاصة من أهم الضمانات الدستورية والقانونية التي يعتمد عليها المستثمر عند تقييم البيئة الاستثمارية.

فنجاح أي مشروع يرتبط بقدرة المستثمر على تملك أصوله وإدارتها واستغلالها والتصرف فيها وفق أحكام القانون، دون تدخل غير مشروع.

وتشمل الحماية القانونية للملكية:

  • أصول الشركة.
  • المباني والمنشآت.
  • المعدات والآلات.
  • الأسهم والحصص.
  • الحقوق المالية.
  • العلامات التجارية.
  • الحقوق المعنوية.

كما يقرر القانون وسائل قضائية تتيح للمستثمر حماية هذه الحقوق عند الاعتداء عليها، سواء من خلال القضاء المدني أو الجزائي أو الإداري بحسب طبيعة النزاع.

 

ثالثاً: الضمان ضد نزع الملكية إلا وفق القانون

من المبادئ المستقرة في الأنظمة القانونية الحديثة أن الملكية الخاصة لا يجوز المساس بها إلا وفقاً للقانون، ولغايات يحددها التشريع، ومع مراعاة الضمانات والإجراءات القانونية المقررة.

ويمثل هذا المبدأ أحد أهم عوامل طمأنة المستثمر، لأنه يحد من التدخلات غير المشروعة في استثماراته، ويخضع أي إجراء يمس الملكية لرقابة القضاء وللشروط التي يقررها القانون.

 

رابعاً: حرية تحويل الأرباح ورأس المال

من أبرز الأسئلة التي يطرحها المستثمر الأجنبي قبل دخول أي سوق:

  • هل سأتمكن من تحويل أرباحي إلى خارج الدولة؟

ويولي التشريع الأردني أهمية لهذه المسألة، إذ يتيح للمستثمر – في إطار القوانين والأنظمة المالية النافذة – تحويل الأرباح والعوائد ورأس المال وفق الإجراءات المقررة، مع الالتزام بالمتطلبات المصرفية والضريبية والتنظيمية.

وتكتسب هذه الضمانة أهمية خاصة بالنسبة إلى:

  • الشركات متعددة الجنسيات.
  • الصناديق الاستثمارية.
  • المستثمرين الأفراد غير المقيمين.
  • الشركات الأم التي تعتمد على تحويل الأرباح الدورية.

 

خامساً: حرية إدارة المشروع

لا تقتصر الحماية القانونية على رأس المال وحده، بل تمتد إلى تمكين المستثمر من إدارة مشروعه وفقاً لعقد التأسيس والنظام الأساسي وأحكام القانون.

ويشمل ذلك، بحسب طبيعة الشركة:

  • تعيين المديرين.
  • تحديد الصلاحيات.
  • تنظيم الإدارة الداخلية.
  • اتخاذ القرارات الاستثمارية.
  • زيادة رأس المال أو تخفيضه.
  • إدخال شركاء جدد.
  • إعادة هيكلة المشروع.

ومع ذلك، تخضع بعض القرارات الجوهرية لرقابة الجهات المختصة أو لموافقة الهيئات العامة للشركة، حمايةً لحقوق الشركاء والدائنين.

 

سادساً: حق اللجوء إلى القضاء

من أهم مؤشرات قوة البيئة الاستثمارية وجود قضاء مستقل وفعال يضمن الفصل في المنازعات وفق القانون.

ويتمتع المستثمر الأجنبي، شأنه شأن المستثمر الأردني، بحق اللجوء إلى المحاكم المختصة للمطالبة بحقوقه أو الدفاع عن مصالحه، سواء تعلق الأمر بمنازعات تجارية أو مدنية أو إدارية أو عمالية أو ضريبية، وفقاً لاختصاص كل جهة قضائية.

ولا تقتصر وسائل الحماية على القضاء الوطني، إذ يجوز في كثير من العقود الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في الباب المخصص لتسوية المنازعات.

 

سابعاً: الحماية بموجب الاتفاقيات الدولية

إلى جانب الحماية التي يقررها القانون الوطني، يستفيد المستثمر في بعض الحالات من الضمانات الواردة في الاتفاقيات الدولية التي يكون الأردن طرفاً فيها، ولا سيما اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار واتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي.

وقد تمنح هذه الاتفاقيات مزايا إضافية، مثل:

  • معايير معاملة محددة للمستثمرين.
  • آليات لتسوية بعض المنازعات الاستثمارية.
  • قواعد خاصة بالتعويض في الحالات التي ينظمها الاتفاق.
  • تخفيف بعض الأعباء الضريبية في إطار الاتفاقيات الضريبية.

وتختلف آثار هذه الاتفاقيات بحسب جنسية المستثمر وطبيعة الاستثمار ونطاق كل اتفاقية، لذلك ينبغي دراستها في كل حالة على حدة.

 

ثامناً: حماية الملكية الفكرية

في الاقتصاد الحديث، قد تكون قيمة العلامة التجارية أو البرمجيات أو الأسرار التجارية أكبر من قيمة الأصول المادية.

ولهذا يوفر النظام القانوني الأردني حماية للعديد من حقوق الملكية الفكرية، بما في ذلك:

  • العلامات التجارية.
  • براءات الاختراع.
  • الرسوم والنماذج الصناعية.
  • حقوق المؤلف.
  • البرامج الحاسوبية.
  • الأسرار التجارية.

غير أن هذه الحماية تكون أكثر فاعلية عندما يبادر المستثمر إلى تسجيل حقوقه واستكمال الإجراءات النظامية اللازمة، وعدم الاكتفاء بالاستخدام الفعلي لها.

 

تاسعاً: إمكانية الاستفادة من الحوافز الاستثمارية

تقرر التشريعات الأردنية حوافز وإعفاءات لمشروعات تستوفي شروطاً معينة، وقد ترتبط هذه الحوافز بطبيعة النشاط أو موقع المشروع أو حجم الاستثمار أو عدد فرص العمل أو غير ذلك من المعايير التي يحددها القانون.

ومن المهم الإشارة إلى أن الحوافز ليست حقاً تلقائياً لكل مشروع، وإنما تخضع للشروط والإجراءات المقررة، وهو ما يستلزم دراسة المشروع منذ مراحله الأولى للتأكد من إمكانية الاستفادة منها.

وسيخصص الباب الحادي عشر من هذه الموسوعة لشرح هذه الحوافز بالتفصيل.

 

عاشراً: استقرار العلاقة القانونية

من أبرز ما يبحث عنه المستثمر الاستقرار في تطبيق القوانين والإجراءات، لأن القرارات الاستثمارية غالباً ما تكون طويلة الأجل وتتطلب وضوحاً في البيئة التنظيمية.

ويتحقق هذا الاستقرار من خلال:

  • وضوح النصوص القانونية.
  • إمكانية التنبؤ بالإجراءات.
  • احترام العقود.
  • وجود وسائل للطعن في القرارات الإدارية عند الاقتضاء.
  • خضوع أعمال الإدارة لرقابة القضاء في الحدود التي يقررها القانون.

ولا يعني ذلك أن التشريعات لا تتغير، وإنما يعني أن التعديلات تتم وفق الآليات الدستورية والقانونية، وبما يسمح للمستثمر بمتابعة أثرها على مشروعه واتخاذ ما يلزم من إجراءات.

 

الحادي عشر: ما هي الحدود العملية لهذه الضمانات؟

ورغم أهمية الضمانات السابقة، فإن المستثمر ينبغي أن يدرك أنها تمارس في إطار الالتزام بالتشريعات النافذة، ومن ذلك:

  • الحصول على التراخيص اللازمة قبل مباشرة النشاط.
  • الامتثال للالتزامات الضريبية.
  • الالتزام بقوانين العمل والضمان الاجتماعي.
  • الالتزام بالمتطلبات التنظيمية الخاصة بكل قطاع.

فالضمانات القانونية تحمي المستثمر الملتزم بالقانون، لكنها لا تعفيه من المسؤولية عند مخالفة الأحكام النظامية أو التعاقدية.

 

خلاصة الباب

يتبين من العرض السابق أن البيئة القانونية الأردنية توفر للمستثمر الأجنبي مجموعة متكاملة من الضمانات، تشمل حماية الملكية، وحرية إدارة المشروع، وإمكانية تحويل الأرباح، واللجوء إلى القضاء والتحكيم، والاستفادة – عند توافر شروطها – من الحوافز الاستثمارية والاتفاقيات الدولية.

غير أن الاستفادة الفعلية من هذه المزايا تتطلب اختيار الإطار القانوني المناسب للمشروع منذ البداية، لأن الشكل القانوني للشركة يؤثر في المسؤولية، والإدارة، والضرائب، والتمويل، وآليات انتقال الملكية، وحتى في قابلية جذب المستثمرين مستقبلاً.

 

الباب الخامس: الأشكال القانونية للشركات في الأردن: أيها الأنسب للمستثمر الأجنبي؟

تمهيد

يُعد اختيار الشكل القانوني للمشروع من أهم القرارات التي يتخذها المستثمر قبل البدء في ممارسة نشاطه، لأن هذا القرار لا يقتصر أثره على مرحلة التأسيس، وإنما يمتد طوال عمر المشروع، ويؤثر في المسؤولية القانونية للشركاء والمطالبات التجارية، وآليات الإدارة، وإمكانية جذب المستثمرين، والتمويل، والضرائب، والتوسع، والاندماج، والتصفية، وحتى في تقييم المشروع عند بيعه أو إدخال شركاء جدد.

ويلاحظ عملياً أن كثيراً من المستثمرين يختارون نوع الشركة بناءً على اعتبارات غير قانونية، كأن يختاروا الشكل الأقل تكلفة أو الأكثر شيوعاً، دون دراسة ما إذا كان يلائم طبيعة النشاط وخطط النمو المستقبلية.

وقد يؤدي هذا الاختيار إلى صعوبات في إعادة هيكلة المشروع أو جذب مستثمرين جدد أو تنظيم العلاقة بين الشركاء.

لذلك، فإن القرار الصحيح لا يقوم على سؤال: “ما أسهل شركة يمكن تسجيلها؟”، وإنما على سؤال: “ما هو الشكل القانوني الذي يحقق أهداف المشروع ويحمي مصالح المستثمر على المدى الطويل؟”

 

أولاً: ما المقصود بالشكل القانوني للشركة؟

يقصد بالشكل القانوني الإطار الذي ينظم وجود الشركة وحقوق الشركاء والتزاماتهم وطريقة إدارتها ومسؤولية كل منهم، وكذلك مخاصمة الشركاء وفقاً لأحكام قانون الشركات.

ويترتب على اختيار الشكل القانوني آثار مهمة، منها:

  • كيفية اتخاذ القرارات.
  • آلية انتقال الحصص أو الأسهم.
  • متطلبات الإدارة والحوكمة.
  • متطلبات الإفصاح والرقابة.
  • سهولة دخول مستثمرين جدد.
  • إمكان تحويل الشركة إلى شكل قانوني آخر مستقبلاً.

ولهذا، فإن اختيار الشكل القانوني يجب أن يكون جزءاً من دراسة الجدوى القانونية للمشروع، وليس مجرد خطوة إجرائية.

 

ثانياً: ما هي الأشكال القانونية المتاحة للمستثمر الأجنبي؟

يتيح التشريع الأردني للمستثمر، بحسب طبيعة النشاط والقيود النظامية، عدداً من الخيارات، أهمها:

  • فرع شركة أجنبية عاملة.
  • فرع شركة أجنبية غير عاملة (مكتب تمثيل).

الأشكال الأخرى التي يجيزها قانون الشركات بحسب طبيعة النشاط.

إلا أن الواقع العملي يبين أن الغالبية العظمى من المستثمرين الأجانب تتجه إلى تأسيس شركة ذات مسؤولية محدودة أو شركة مساهمة خاصة أو تسجيل فرع لشركة أجنبية، بحسب طبيعة المشروع.

 

ثالثاً: الشركة ذات المسؤولية المحدودة (LLC)

تعد الشركة ذات المسؤولية المحدودة أكثر الأشكال القانونية استخداماً في الأردن، سواء من قبل المستثمرين الأردنيين أو الأجانب، ويرجع ذلك إلى ما توفره من توازن بين سهولة الإدارة وحماية الشركاء.

أهم خصائصها:

  • تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة.
  • ذمتها المالية مستقلة عن ذمم الشركاء.
  • مسؤولية الشريك تقتصر، من حيث الأصل، على مقدار مساهمته في رأس المال، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك أو يثبت سبب لقيام مسؤوليته الشخصية.
  • يمكن أن تتكون من شريك واحد أو أكثر وفقاً لأحكام القانون.
  • تتمتع بمرونة في الإدارة واتخاذ القرارات مقارنة ببعض الأشكال الأخرى.

مزاياها للمستثمر الأجنبي

  • مناسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
  • إجراءات تأسيسها واضحة ومنظمة.
  • تمنح قدراً جيداً من الحماية القانونية للشركاء.
  • تسهل تنظيم العلاقة بين الشركاء من خلال عقد التأسيس.
  • قابلة للتوسع مستقبلاً وإعادة الهيكلة.

 

متى تكون الخيار الأفضل؟

تكون الشركة ذات المسؤولية المحدودة مناسبة عندما يرغب المستثمر في إنشاء مشروع تشغيلي أو خدمي أو صناعي أو تجاري لا يحتاج في مرحلته الأولى إلى طرح أسهم أو استقطاب عدد كبير من المستثمرين.

 

رابعاً: الشركة المساهمة الخاصة

تلجأ بعض المشروعات الكبرى إلى تأسيس شركة مساهمة خاصة، خصوصاً عندما يكون المشروع قائماً على استثمارات مرتفعة أو يتوقع دخول مستثمرين جدد أو صناديق استثمار في مراحل لاحقة.

أبرز خصائصها:

  • يقسم رأس المال إلى أسهم.
  • تتمتع باستقلال مالي وقانوني.
  • تخضع لمتطلبات حوكمة وتنظيم أكثر تفصيلاً.
  • تسهل إعادة هيكلة الملكية وإدخال مستثمرين جدد.

مزاياها

مناسبة للمشروعات الكبيرة.

تمنح مرونة في توزيع الملكية.

تعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات التمويلية.

تسهل تنفيذ صفقات الاندماج والاستحواذ.

متى ينصح بها؟

ينصح بها في المشاريع العقارية الكبرى، والمشروعات الصناعية الضخمة، وشركات التكنولوجيا التي تستهدف جذب مستثمرين، والمشروعات التي تتوقع توسعاً سريعاً.

 

خامساً: الشركة المساهمة العامة

تُعد الشركة المساهمة العامة الإطار القانوني الذي يلائم المشروعات الكبرى التي تسعى إلى تمويل أعمالها من خلال الاكتتاب العام أو الإدراج في السوق المالي، وتخضع لمتطلبات تنظيمية ورقابية أكثر تفصيلاً من غيرها.

ويتميز هذا الشكل بإمكانية جمع رؤوس أموال كبيرة، لكنه يفرض في المقابل التزامات واسعة تتعلق بالإفصاح والحوكمة والرقابة، لذلك لا يكون الخيار الأنسب لمعظم المستثمرين الأجانب في المراحل الأولى من مشاريعهم.

 

سادساً: فرع الشركة الأجنبية العاملة

قد لا يرغب المستثمر في تأسيس شركة أردنية مستقلة، وإنما يفضل ممارسة النشاط من خلال فرع تابع للشركة الأم في الخارج.

وفي هذه الحالة، يجيز القانون تسجيل فرع لشركة أجنبية عاملة، متى توافرت الشروط القانونية اللازمة.

ويتميز هذا الخيار بأنه يحافظ على الارتباط المباشر بين الفرع والشركة الأم، إلا أنه يثير مسائل قانونية تتعلق بمسؤولية الشركة الأجنبية، ونطاق أعمال الفرع، والالتزامات النظامية المترتبة عليه، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في باب مستقل.

 

سابعاً: مكتب التمثيل (الفرع غير العامل)

تلجأ بعض الشركات الأجنبية إلى إنشاء مكتب تمثيل في الأردن لأغراض التسويق، أو دراسة السوق، أو التنسيق الإداري، دون ممارسة نشاط تجاري يحقق إيرادات داخل المملكة.

ويقتصر دور هذا المكتب على الأنشطة التي يجيزها القانون، ولا يعد بديلاً عن تسجيل فرع عامل أو تأسيس شركة إذا كان الهدف هو مزاولة نشاط اقتصادي داخل الأردن.

 

ثامناً: كيف يختار المستثمر الشكل القانوني المناسب؟

لا توجد إجابة واحدة تناسب جميع المستثمرين، وإنما يعتمد الاختيار على مجموعة من المعايير، من أهمها:

  • طبيعة النشاط.
  • حجم الاستثمار.
  • عدد الشركاء.
  • الحاجة إلى تمويل خارجي.
  • خطة التوسع المستقبلية.
  • الرغبة في إدخال مستثمرين جدد.
  • متطلبات الحوكمة.
  • الآثار الضريبية.
  • القيود النظامية الخاصة بالنشاط.

ولهذا فإن الاختيار ينبغي أن يتم بعد دراسة قانونية ومالية متكاملة، وليس اعتماداً على النماذج الشائعة أو التجارب الشخصية للآخرين.

 

تاسعاً: أخطاء شائعة عند اختيار الشكل القانوني

من أبرز الأخطاء التي نلاحظها عملياً:

  • اختيار شركة ذات مسؤولية محدودة رغم التخطيط لإدخال مستثمرين متعددين خلال فترة قصيرة.
  • تسجيل فرع لشركة أجنبية بينما الأنسب قانوناً هو تأسيس شركة أردنية.
  • إغفال تنظيم العلاقة بين الشركاء في اتفاقية مستقلة.
  • التركيز على تكلفة التأسيس وإهمال تكلفة إعادة الهيكلة مستقبلاً.
  • عدم دراسة القيود الخاصة بالنشاط قبل اختيار الكيان القانوني.

 

في النسخة النهائية من الموسوعة سنضيف جدولاً مقارناً يتناول، لكل شكل قانوني:

  • الحد الأدنى للشركاء.
  • المسؤولية.
  • الشخصية الاعتبارية.
  • رأس المال.
  • الإدارة.
  • نقل الملكية.
  • الملاءمة للمستثمر الأجنبي.
  • سهولة جذب المستثمرين.
  • الأنشطة المناسبة.

 

خلاصة الباب

إن اختيار الشكل القانوني للشركة ليس إجراءً شكلياً، بل هو قرار استراتيجي يؤثر في جميع مراحل المشروع، من التأسيس وحتى التوسع أو التخارج.

وفي كثير من الحالات، يكون الاستثمار في استشارة قانونية متخصصة قبل التسجيل أقل تكلفة بكثير من معالجة آثار اختيار غير مناسب بعد بدء النشاط.

 

الباب السادس: خطوات تأسيس شركة للمستثمر الأجنبي في الأردن

تمهيد

يُعد تأسيس الشركة المرحلة الأولى التي ينتقل فيها المستثمر من مرحلة دراسة الفرصة الاستثمارية إلى مرحلة تنفيذ المشروع على أرض الواقع.

ورغم أن إجراءات تأسيس الشركات في الأردن أصبحت أكثر تنظيماً وتطوراً، فإن نجاح هذه المرحلة لا يقاس بسرعة إصدار شهادة التسجيل فحسب، وإنما بمدى سلامة القرارات القانونية التي تُتخذ قبل التسجيل وأثناءه.

وتكشف الخبرة العملية أن كثيراً من المشكلات التي تواجه المستثمرين لاحقاً تعود إلى أخطاء ارتُكبت في مرحلة التأسيس، مثل اختيار نشاط اقتصادي غير مناسب، أو اعتماد هيكل ملكية لا ينسجم مع أهداف المشروع، أو إغفال تنظيم العلاقة بين الشركاء، أو البدء في ممارسة النشاط قبل استكمال التراخيص اللازمة.

ولذلك فإن تأسيس الشركة ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مشروعاً قانونياً متكاملاً، يبدأ قبل تقديم طلب التسجيل، ويستمر إلى حين مباشرة النشاط بصورة نظامية.

 

المرحلة الأولى: دراسة النشاط الاستثماري

قبل البدء بأي إجراء، يجب تحديد النشاط الاقتصادي الذي ستزاوله الشركة بدقة، لأن هذا الاختيار يؤثر في:

  • مدى جواز ممارسة النشاط من قبل المستثمر الأجنبي.
  • الحاجة إلى موافقات خاصة.
  • الجهة المختصة بالترخيص.
  • المتطلبات الفنية.
  • الحوافز التي قد يستفيد منها المشروع.
  • الالتزامات الضريبية والتنظيمية.

ومن الأخطاء الشائعة أن يختار المستثمر وصفاً عاماً للنشاط، ثم يكتشف بعد التسجيل أن النشاط الفعلي يحتاج إلى موافقات إضافية أو يخضع لقيود خاصة.

 

المرحلة الثانية: اختيار الشكل القانوني

بعد تحديد النشاط، ينتقل المستثمر إلى اختيار الشكل القانوني المناسب، وقد تناولنا في الباب السابق المعايير التي ينبغي مراعاتها عند هذا الاختيار.

ويجب أن يسبق هذا القرار تحليل لعدد من العناصر، أهمها:

  • عدد المستثمرين.
  • طبيعة المشروع.
  • حجم رأس المال.
  • خطة التوسع المستقبلية.
  • الحاجة إلى التمويل.
  • آلية الإدارة.
  • خطة التخارج أو نقل الملكية مستقبلاً.

 

المرحلة الثالثة: اختيار اسم الشركة

يمثل الاسم التجاري أو اسم الشركة جزءاً مهماً من الهوية القانونية والتسويقية للمشروع.

ويستحسن عند اختيار الاسم مراعاة ما يأتي:

  • أن يكون مميزاً وغير مضلل.
  • ألا يؤدي إلى اللبس مع اسم قائم.
  • ألا يخالف النظام العام أو الآداب العامة.
  • أن يكون قابلاً للاستخدام في الأسواق الدولية إذا كان المشروع يستهدف التصدير.
  • التحقق من إمكانية تسجيله كعلامة تجارية، إذا كان ذلك ضمن استراتيجية المشروع.

ومن الأفضل أن تتم دراسة الاسم من الناحية القانونية والتجارية في الوقت ذاته، حتى لا يضطر المستثمر إلى تغييره بعد إطلاق المشروع.

 

المرحلة الرابعة: إعداد الوثائق القانونية

تختلف الوثائق المطلوبة بحسب نوع الشركة وجنسية المستثمر وطبيعة النشاط، إلا أن مرحلة الإعداد غالباً ما تشمل:

  • وثائق إثبات الشخصية أو التسجيل بالنسبة للشركات الأجنبية.
  • الوكالات اللازمة إذا تم التأسيس بواسطة وكيل.
  • مشروع عقد التأسيس.
  • النظام الأساسي عند الاقتضاء.
  • البيانات المتعلقة بالشركاء أو المساهمين.
  • بيانات المديرين والمفوضين بالتوقيع.
  • الوثائق التي تثبت استيفاء المتطلبات الخاصة لبعض الأنشطة.

وفي حال صدور الوثائق من خارج الأردن، فقد تستلزم استكمال إجراءات التصديق أو التوثيق والترجمة وفقاً للقوانين والاتفاقيات النافذة.

 

المرحلة الخامسة: تقديم طلب التسجيل

بعد استكمال الوثائق، يُقدم طلب تسجيل الشركة إلى الجهة المختصة، مرفقاً بالمستندات المطلوبة والبيانات المتعلقة بالشركة.

وتقوم الجهة المختصة بمراجعة الطلب للتأكد من استيفائه للشروط القانونية، وقد تطلب استكمال بعض البيانات أو تعديلها قبل السير في إجراءات التسجيل.

ويُنصح بعدم توقيع عقود تجارية طويلة الأجل أو الالتزام بتوريدات أو تعهدات باسم الشركة قبل اكتمال تسجيلها واكتسابها الشخصية الاعتبارية، إلا في الحدود التي يجيزها القانون.

 

المرحلة السادسة: اكتساب الشخصية الاعتبارية

عند استكمال إجراءات التسجيل، تكتسب الشركة شخصيتها الاعتبارية وفقاً لأحكام القانون، ويترتب على ذلك:

  • استقلال ذمتها المالية.
  • أهليتها لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات.
  • قدرتها على التعاقد والتقاضي.
  • مباشرة النشاط ضمن حدود أغراضها المسجلة.
  • ويعد هذا التاريخ نقطة الانطلاق القانونية لوجود الشركة، ويترتب عليه العديد من الآثار بالنسبة للشركاء والدائنين والغير.

 

المرحلة السابعة: استكمال التراخيص اللازمة

لا يكفي تسجيل الشركة لمباشرة النشاط في جميع الحالات، إذ تتطلب كثير من الأنشطة الحصول على تراخيص أو موافقات إضافية من الجهات المختصة.

وقد تختلف هذه المتطلبات بحسب طبيعة النشاط، مثل:

  • الأنشطة الصناعية.
  • المؤسسات التعليمية.
  • المنشآت الصحية.
  • الأنشطة المالية.
  • السياحة.
  • النقل.
  • الاتصالات.
  • الصناعات الغذائية.

ولذلك ينبغي التأكد من استكمال جميع الموافقات النظامية قبل بدء التشغيل الفعلي.

 

المرحلة الثامنة: التسجيل لدى الجهات ذات العلاقة

بعد تأسيس الشركة، قد تلتزم بالتسجيل أو استكمال إجراءات لدى عدد من الجهات المختصة، بحسب طبيعة نشاطها والتزاماتها القانونية، مثل الجهات الضريبية، والضمان الاجتماعي، والجهات المنظمة للقطاع الذي تعمل فيه.

ويختلف نطاق هذه الالتزامات بحسب كل مشروع، ولذلك لا يمكن اعتماد قائمة موحدة لجميع الشركات.

 

المرحلة التاسعة: تنظيم العلاقة بين الشركاء

من أكثر الأخطاء التي تظهر بعد سنوات من تأسيس الشركة الاعتماد على عقد التأسيس وحده دون تنظيم المسائل العملية التي قد تنشأ بين الشركاء.

ولهذا يُنصح، متى اقتضت طبيعة المشروع، بإبرام اتفاقية مستقلة بين الشركاء تتناول موضوعات مثل:

  • آلية اتخاذ القرارات.
  • تمويل الشركة.
  • توزيع الأرباح.
  • معالجة الخلافات.
  • بيع الحصص.
  • حق الأولوية.
  • حالات الانسحاب.
  • آلية تقييم الحصص.
  • السرية وعدم المنافسة.

وتعد هذه الاتفاقيات من أهم أدوات الوقاية من النزاعات، خاصة في المشاريع المشتركة بين مستثمرين من جنسيات مختلفة.

 

المرحلة العاشرة: الاستعداد لبدء التشغيل

بعد اكتمال التسجيل والحصول على التراخيص اللازمة، تبدأ مرحلة التشغيل، وهي تتطلب إعداد الشركة للوفاء بالتزاماتها القانونية منذ اليوم الأول، بما يشمل:

  • إعداد العقود التجارية الأساسية.
  • تنظيم ملفات الموظفين.
  • وضع سياسات الامتثال الداخلي.
  • حماية العلامات التجارية والحقوق الفكرية.
  • اعتماد نظام لحفظ السجلات والوثائق.
  • متابعة الالتزامات الضريبية والتنظيمية الدورية.
  • إن نجاح مرحلة التأسيس لا يقاس بسرعة إصدار شهادة التسجيل، وإنما بمدى جاهزية الشركة لمباشرة نشاطها بصورة قانونية ومنظمة.
  • أكثر عشرة أخطاء يقع فيها المستثمر عند تأسيس الشركة
  • اختيار نشاط اقتصادي دون التحقق من القيود النظامية.
  • اختيار شكل قانوني لا يتناسب مع خطة المشروع.
  • إهمال تسجيل العلامة التجارية منذ البداية.
  • الاعتماد على عقد تأسيس لا ينظم العلاقة العملية بين الشركاء.
  • البدء بالنشاط قبل استكمال التراخيص.
  • عدم التحقق من المتطلبات الخاصة بالوثائق الأجنبية.
  • إغفال دراسة الآثار الضريبية قبل التأسيس.
  • منح صلاحيات واسعة دون ضوابط واضحة.
  • عدم التخطيط لإدخال مستثمرين جدد مستقبلاً.
  • الاكتفاء بالإجراءات الشكلية دون إعداد منظومة قانونية متكاملة للشركة.

 

رأي قانوني

من واقع الخبرة العملية، فإن أكثر النزاعات التي تصل إلى المحاكم لا تنشأ بسبب خطأ في إجراءات تسجيل الشركة ذاتها، بل بسبب غياب التخطيط القانوني السابق للتأسيس.

ولذلك فإن مرحلة ما قبل التسجيل لا تقل أهمية عن التسجيل نفسه، بل قد تكون هي المرحلة الحاسمة في حماية الاستثمار وتقليل المخاطر المستقبلية.

 

خلاصة الباب

يمثل تأسيس الشركة بداية الرحلة القانونية للمستثمر، لكنه ليس نهاية الإجراءات.

فبعد اكتمال التسجيل، تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي معرفة متى يكون الأنسب تأسيس شركة أردنية مستقلة، ومتى يكون الأنسب تسجيل فرع لشركة أجنبية أو مكتب تمثيل.

 

 

الباب السابع: تسجيل الشركات الأجنبية في الأردن

تمهيد

لا يشترط القانون الأردني أن يبدأ المستثمر الأجنبي نشاطه بتأسيس شركة أردنية جديدة، إذ قد تكون له شركة قائمة في دولته الأم، ويرغب في توسيع أعمالها إلى الأردن من خلال إنشاء فرع أو مكتب تمثيل، أو من خلال تأسيس شركة تابعة تتمتع بشخصية قانونية مستقلة.

ويُعد اختيار وسيلة دخول المستثمر الأجنبي إلى السوق الأردنية من القرارات الجوهرية التي تؤثر في طبيعة المسؤولية القانونية، والالتزامات التنظيمية، والعلاقة بين الشركة الأم والنشاط في الأردن، والآثار الضريبية، وإمكانية التوسع مستقبلاً.

ومن هنا، فإن المستثمر لا يواجه سؤالاً واحداً هو: “كيف أسجل شركة في الأردن؟”، وإنما يواجه سؤالاً أكثر أهمية:

  • هل أؤسس شركة أردنية مستقلة، أم أسجل فرعاً لشركتي الأجنبية، أم أكتفي بمكتب تمثيل؟
  • ولا توجد إجابة واحدة تصلح لجميع الحالات، إذ يعتمد الاختيار على طبيعة المشروع، ومدته، وحجم الاستثمار، وطبيعة العقود التي ينفذها المستثمر داخل المملكة.

 

أولاً: ما المقصود بالشركة الأجنبية؟

يقصد بالشركة الأجنبية، لأغراض هذا الدليل، كل شركة أو شخص اعتباري تم تأسيسه وفق قوانين دولة أخرى، ويرغب في ممارسة نشاط أو إنشاء وجود قانوني داخل المملكة الأردنية الهاشمية.

ولا يغير من وصف الشركة كون جميع مساهميها أردنيين أو أجانب، وإنما العبرة بالقانون الذي تأسست بموجبه والشخصية الاعتبارية التي اكتسبتها في دولة التأسيس.

 

ثانياً: ما هي الخيارات القانونية المتاحة للشركة الأجنبية؟

يمكن للشركة الأجنبية دخول السوق الأردنية بعدة صور، من أهمها:

  • تأسيس شركة أردنية جديدة مملوكة كلياً أو جزئياً للشركة الأجنبية.
  • تسجيل فرع لشركة أجنبية عاملة.
  • تسجيل فرع غير عامل (مكتب تمثيل).
  • الدخول في مشروع مشترك مع مستثمر أردني، متى كان ذلك مناسباً أو مطلوباً لطبيعة النشاط.
  • ويختلف كل خيار من حيث الإجراءات، والآثار القانونية، والالتزامات المترتبة عليه.

 

ثالثاً: تأسيس شركة أردنية تابعة

في كثير من الحالات، يكون تأسيس شركة أردنية مستقلة هو الخيار الأكثر ملاءمة، خاصة إذا كان المستثمر يعتزم ممارسة نشاط طويل الأجل داخل المملكة.

وتتمتع الشركة الأردنية التابعة بشخصية اعتبارية مستقلة عن الشركة الأم، وتخضع لأحكام قانون الشركات الأردني، مع احتفاظ الشركة الأجنبية بملكيتها للحصص أو الأسهم، وفقاً لما يسمح به القانون.

متى يُنصح بهذا الخيار؟

  • عند التخطيط لاستثمار دائم.
  • عند الرغبة في التوسع داخل السوق الأردنية.
  • عند توقع التعاقد مع جهات متعددة.
  • عندما تتطلب طبيعة النشاط وجود شركة أردنية مستقلة.
  • عند التخطيط لإدخال مستثمرين جدد في المستقبل.

 

رابعاً: الفرع الأجنبي العامل

الفرع العامل هو امتداد قانوني للشركة الأجنبية داخل الأردن، ويباشر النشاط الذي سجل من أجله، دون أن تكون له شخصية قانونية مستقلة عن الشركة الأم.

ويترتب على ذلك أن الحقوق والالتزامات التي تنشأ عن نشاط الفرع ترتبط، من حيث الأصل، بالشركة الأجنبية التي أنشأته، وذلك في الحدود التي يقررها القانون والعقود المبرمة.

متى يكون الفرع العامل مناسباً؟

يكون هذا الخيار ملائماً عندما تكون الشركة الأجنبية قد حصلت على مشروع أو عقد داخل الأردن، أو ترغب في تنفيذ نشاط محدد من خلال وجود مباشر تابع لها، دون إنشاء شركة مستقلة.

ومن الأمثلة على ذلك:

  • تنفيذ مشاريع إنشائية.
  • تنفيذ عقود هندسية.
  • مشروعات البنية التحتية.
  • عقود الخدمات الفنية.
  • المشاريع الممولة من جهات دولية.

 

تنبيه قانوني

من الأخطاء المتكررة أن تعتقد بعض الشركات أن تسجيل فرع عامل يمنحها الحرية لممارسة أي نشاط داخل المملكة. والحقيقة أن نطاق عمل الفرع يرتبط بطبيعة التسجيل والموافقات والأنشطة التي يجيزها القانون، وقد يؤدي تجاوز هذا النطاق إلى مساءلة قانونية أو تنظيمية.

 

خامساً: الفرع غير العامل (مكتب التمثيل)

يختلف الفرع غير العامل عن الفرع العامل اختلافاً جوهرياً، إذ لا يهدف إلى ممارسة نشاط تجاري يدر إيرادات داخل الأردن، وإنما يقتصر دوره على الأنشطة التمهيدية أو الإدارية أو التسويقية التي يسمح بها القانون.

ومن أبرز وظائفه:

  • دراسة السوق الأردنية.
  • إجراء البحوث الاقتصادية.
  • التنسيق مع الشركة الأم.
  • متابعة العملاء والموردين.
  • الترويج لمنتجات الشركة خارج إطار التعاقدات التجارية المباشرة.
  • ولا يجوز استخدام مكتب التمثيل لمزاولة نشاط تجاري يخالف الغاية التي سُجل من أجلها.

 

سادساً: المقارنة بين الشركة التابعة والفرع العامل ومكتب التمثيل

ينبغي على المستثمر أن يقارن بين هذه الخيارات وفق معايير متعددة، من أهمها:

  • الشخصية الاعتبارية.
  • المسؤولية القانونية.
  • طبيعة النشاط.
  • مدة المشروع.
  • حجم الاستثمار.
  • المرونة في التوسع.
  • الالتزامات التنظيمية.
  • العلاقة مع الشركة الأم.

وسيُدرج في النسخة النهائية من الموسوعة جدول مقارن يوضح هذه الفروق بصورة عملية، بما يساعد المستثمر على اتخاذ القرار المناسب.

 

سابعاً: الوثائق المطلوبة لتسجيل وجود الشركة الأجنبية

تختلف المستندات المطلوبة بحسب نوع التسجيل وطبيعة الشركة، إلا أن الإجراءات تتطلب عادةً وثائق تثبت الوجود القانوني للشركة في دولة تأسيسها، والقرارات الصادرة عن الجهات المختصة فيها، والوكالات اللازمة، وغيرها من الوثائق التي قد تستلزم التوثيق أو التصديق والترجمة وفقاً للقانون الأردني.

وينبغي للمستثمر التأكد من أن جميع الوثائق الأجنبية مستوفية للمتطلبات الشكلية قبل تقديمها، لأن أي نقص أو خلل في التصديق أو الترجمة قد يؤدي إلى تأخير إجراءات التسجيل.

 

ثامناً: هل تتحمل الشركة الأم مسؤولية أعمال الفرع؟

من المسائل التي تثير اهتمام المستثمرين نطاق مسؤولية الشركة الأم عن الالتزامات الناشئة عن نشاط الفرع في الأردن.

وتختلف الإجابة بحسب طبيعة الكيان المسجل، والعقود المبرمة، وأحكام القانون، إلا أن الفرع العامل، بوصفه امتداداً للشركة الأجنبية وليس شخصاً اعتبارياً مستقلاً، يختلف في هذا الجانب عن الشركة الأردنية التابعة التي تتمتع بشخصية قانونية مستقلة.

ولهذا، ينبغي دراسة الآثار القانونية لاختيار كل نموذج قبل اتخاذ قرار التسجيل.

 

تاسعاً: متى يكون تأسيس شركة أردنية أفضل من تسجيل فرع؟

تكون الشركة الأردنية، في كثير من الحالات، الخيار الأنسب إذا كان المستثمر:

  • يخطط لاستثمار طويل الأجل.
  • يرغب في بناء علامة تجارية محلية.
  • يعتزم التوسع في السوق الأردنية.
  • يتوقع دخول شركاء أو مستثمرين جدد.
  • يحتاج إلى مرونة أكبر في إدارة المشروع.
  • أما الفرع العامل، فقد يكون أكثر ملاءمة لتنفيذ مشروع محدد أو عقد معين مرتبط بالشركة الأم.

 

عاشراً: أخطاء شائعة عند تسجيل الشركات الأجنبية

من أبرز الأخطاء التي يقع فيها المستثمرون:

  • اختيار فرع عامل رغم أن طبيعة النشاط تتطلب شركة أردنية.
  • استخدام مكتب التمثيل لممارسة نشاط تجاري.
  • عدم دراسة القيود الخاصة بالنشاط قبل التسجيل.
  • تقديم وثائق أجنبية غير مستوفية لمتطلبات التوثيق أو الترجمة.
  • إهمال دراسة الآثار الضريبية لاختيار الكيان القانوني.
  • عدم وضع خطة لتحويل الفرع إلى شركة مستقلة عند توسع النشاط.

 

رأي قانوني

من واقع الخبرة العملية، فإن قرار اختيار وسيلة دخول المستثمر الأجنبي إلى السوق الأردنية يجب أن يسبق أي إجراء شكلي للتسجيل.

فالاختيار السليم بين الشركة التابعة، والفرع العامل، ومكتب التمثيل قد يوفر على المستثمر وقتاً وتكاليف كبيرة، ويمنحه مرونة قانونية وتشغيلية تتناسب مع أهدافه المستقبلية.

 

خلاصة الباب

إن تسجيل الشركة الأجنبية في الأردن ليس إجراءً واحداً، بل هو مجموعة من الخيارات القانونية التي ينبغي تقييمها في ضوء طبيعة المشروع ومدته وهيكله الاستثماري.

ويؤدي الاختيار الصحيح منذ البداية إلى تعزيز الاستقرار القانوني للمشروع وتقليل الحاجة إلى إعادة الهيكلة في المستقبل.

 

 

الباب الثامن: شراء العقارات في الأردن للأجانب

تمهيد

يُعد العقار من أهم عناصر أي مشروع استثماري، سواء كان مصنعاً أو فندقاً أو مدرسة أو مستشفى أو مقراً إدارياً أو مشروعاً سياحياً أو لوجستياً.

ولذلك فإن مسألة تملك المستثمر الأجنبي للعقارات تُعد من أولى المسائل التي ينبغي دراستها قبل بدء الاستثمار.

وفي الأردن، لا يُحظر على غير الأردنيين تملك العقارات بصورة مطلقة، إلا أن هذا الحق يخضع لأحكام قانونية وتنظيمية تهدف إلى تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المصلحة العامة، وهو ما يعني أن التملك يتم وفق شروط وإجراءات وموافقات تختلف بحسب صفة المستثمر، وطبيعة العقار، والغرض من التملك، وموقعه.

ومن هنا، فإن نجاح صفقة شراء العقار لا يتوقف على الاتفاق مع البائع فحسب، بل يبدأ بالتأكد من أهلية المستثمر للتملك، وسلامة الوضع القانوني للعقار، واستكمال الموافقات النظامية قبل تسجيل عقد البيع.

 

أولاً: هل يجوز للأجنبي تملك العقارات في الأردن؟

الأصل أن التشريعات الأردنية تجيز لغير الأردنيين تملك العقارات، إلا أن هذا الحق يمارس ضمن الضوابط التي تقررها القوانين والأنظمة النافذة.

وقد تختلف الإجراءات بحسب ما إذا كان المشتري:

  • شخصاً طبيعياً.
  • شركة أجنبية.
  • شركة أردنية مملوكة لمستثمرين أجانب.
  • جهة استثمارية أو مؤسسة دولية.
  • كما تختلف الأحكام باختلاف الغاية من التملك، سواء كانت السكن، أو الاستثمار، أو إقامة مشروع صناعي أو سياحي أو تعليمي أو غير ذلك.

 

ثانياً: متى يكون شراء العقار أفضل من استئجاره؟

ليس من الضروري أن يبدأ كل مشروع استثماري بشراء عقار، فقد يكون الاستئجار هو الخيار الأكثر ملاءمة في بعض الحالات.

ومن العوامل التي تساعد في المفاضلة بين الخيارين:

  • مدة المشروع.
  • قيمة الاستثمار.
  • طبيعة النشاط.
  • الحاجة إلى إنشاء مبانٍ أو توسعات.
  • تكلفة التمويل.
  • مرونة الانتقال إلى موقع آخر.
  • خطة التخارج من المشروع مستقبلاً.

فعلى سبيل المثال، قد يكون شراء الأرض مناسباً للمشروعات الصناعية أو اللوجستية طويلة الأجل، بينما يكون الاستئجار أكثر ملاءمة لبعض الأنشطة التجارية أو التقنية في مراحلها الأولى.

 

ثالثاً: التحقق من الوضع القانوني للعقار

قبل توقيع أي عقد، ينبغي إجراء فحص قانوني شامل للعقار (Legal Due Diligence)، للتأكد من سلامة مركزه القانوني.

ويشمل ذلك، على سبيل المثال:

  • التحقق من سند التسجيل.
  • مطابقة بيانات المالك.
  • التأكد من مساحة العقار وحدوده.
  • التحقق من وجود أي قيود أو إشارات أو حقوق للغير.
  • التأكد من الصفة التنظيمية للعقار.
  • مراجعة الاستعمالات المسموح بها وفق التنظيم.

ويُعد هذا الفحص من أهم مراحل الصفقة، إذ قد يؤدي إغفاله إلى شراء عقار لا يحقق الغرض الاستثماري المقصود.

 

تنبيه قانوني

لا يكفي أن يكون العقار مسجلاً باسم البائع حتى يُعد صالحاً للاستثمار.

فقد يكون العقار خاضعاً لقيود تنظيمية أو حقوق ارتفاق أو التزامات أخرى تؤثر في إمكانية استغلاله، ولذلك يجب أن يسبق الشراء فحص قانوني وفني متكامل.

رابعاً: الموافقات المطلوبة

قد يتطلب تملك غير الأردنيين للعقارات الحصول على موافقات من الجهات المختصة وفقاً للتشريعات النافذة.

ويختلف نطاق هذه الموافقات بحسب:

  • جنسية المستثمر.
  • طبيعة العقار.
  • موقعه.
  • الغاية من التملك.
  • مساحة العقار.
  • صفة المشتري.

ولهذا لا يجوز افتراض أن الإجراءات ستكون متماثلة في جميع الحالات، بل يجب دراسة كل معاملة على حدة.

 

خامساً: شراء العقار باسم الشركة أم باسم المستثمر؟

من القرارات المهمة التي ينبغي حسمها قبل إتمام الصفقة تحديد الجهة التي ستتملك العقار.

فقد يكون الأنسب أن يكون العقار مملوكاً للشركة، وقد يكون الأنسب أن يتملكه المستثمر بصفته الشخصية، ويعتمد ذلك على عوامل عديدة، منها:

  • طبيعة المشروع.
  • الاعتبارات الضريبية.
  • آليات التمويل.
  • مسؤولية الشركة.
  • خطة نقل الملكية مستقبلاً.
  • متطلبات المستثمرين أو الممولين.

ولهذا فإن هذا القرار يجب أن يسبقه تقييم قانوني ومالي متكامل.

 

سادساً: شراء الأراضي للمشروعات الاستثمارية

تختلف متطلبات شراء الأراضي المخصصة للمشروعات الاستثمارية عن شراء العقارات السكنية وفق قانون الملكية العقارية.

ومن أبرز المسائل التي يجب التحقق منها:

  • تصنيف الأرض.
  • استعمالات التنظيم.
  • إمكانية إصدار رخص البناء.
  • توفر البنية التحتية.
  • القيود البيئية إن وجدت.
  • متطلبات الجهات القطاعية المختصة.

وقد يكون العقار مناسباً قانوناً للتملك، لكنه غير مناسب لإقامة المشروع المخطط له بسبب قيود تنظيمية أو فنية.

 

سابعاً: العقود الأولية قبل نقل الملكية

في بعض الصفقات، يبرم الطرفان اتفاقيات تمهيدية قبل التسجيل النهائي، كاتفاقية بيع أو مذكرة تفاهم أو عقد وعد بالبيع.

وينبغي أن تتضمن هذه الاتفاقيات أحكاماً واضحة بشأن:

  • وصف العقار.
  • الثمن وآلية السداد.
  • المواعيد.
  • التزامات كل طرف.
  • الحصول على الموافقات اللازمة.
  • الجزاءات عند الإخلال.
  • آلية فض النزاعات.

وصياغة هذه العقود بدقة تقلل من احتمالات النزاع وتوفر حماية أفضل للطرفين.

 

ثامناً: المخاطر القانونية في صفقات شراء العقارات

من أبرز المخاطر التي ينبغي على المستثمر تجنبها:

  • شراء عقار قبل التحقق من قابليته للاستغلال في النشاط المقصود.
  • إغفال الحصول على الموافقات النظامية.
  • الاعتماد على اتفاقات شفهية.
  • عدم تنظيم شروط الدفع وربطها بإتمام الإجراءات.
  • عدم إجراء فحص قانوني للعقار.
  • إهمال دراسة الالتزامات الضريبية والرسوم المرتبطة بالصفقة.

 

تاسعاً: هل يمنح شراء العقار الإقامة للمستثمر؟

يعتقد بعض المستثمرين أن مجرد شراء عقار في الأردن يؤدي تلقائياً إلى الحصول على إقامة.

وهذا الاعتقاد غير دقيق، إذ إن الإقامة للمستثمر تخضع لأحكام وشروط مستقلة تحددها التشريعات والقرارات المنظمة، وقد ترتبط بطبيعة الاستثمار أو قيمته أو استيفاء شروط معينة، وليس بمجرد إبرام عقد شراء.

وسنفرد لهذا الموضوع الباب التالي من هذه الموسوعة.

 

عاشراً: توصيات عملية قبل إتمام الصفقة

قبل شراء أي عقار في الأردن، يُنصح المستثمر بما يلي:

  • تحديد الغرض الاستثماري بدقة.
  • التحقق من أهلية التملك وفق حالته القانونية.
  • إجراء فحص قانوني للعقار.
  • مراجعة الوضع التنظيمي والاستعمالات المسموح بها.
  • إعداد عقد يحمي مصالح جميع الأطراف.
  • استكمال الموافقات النظامية قبل التسجيل النهائي.
  • دراسة الآثار الضريبية والرسوم ذات الصلة.
  • الاحتفاظ بجميع المستندات والوثائق المرتبطة بالصفقة.

 

رأي قانوني

إن أكبر خطأ يقع فيه بعض المستثمرين هو التعامل مع شراء العقار باعتباره معاملة عقارية بحتة، بينما هو في الحقيقة قرار استثماري وقانوني متكامل.

فنجاح المشروع قد يتوقف على صحة اختيار العقار وصلاحيته القانونية والتنظيمية، وليس على موقعه أو سعره فقط.

 

خلاصة الباب

يتيح النظام القانوني الأردني للمستثمر الأجنبي تملك العقارات ضمن الضوابط التي تقررها التشريعات النافذة، إلا أن نجاح عملية التملك يتطلب دراسة مسبقة للمركز القانوني للعقار، واستكمال الإجراءات النظامية، واختيار الهيكل المناسب للتملك بما يخدم أهداف المشروع الاستثمارية.

 

 

الباب التاسع: الإقامة عن طريق الاستثمار في الأردن

تمهيد

لا يقتصر اهتمام المستثمر الأجنبي عند دراسة مشروعه في الأردن على الجوانب التجارية والمالية، بل يمتد إلى معرفة مركزه القانوني من حيث الإقامة، وإمكانية إدارته لمشروعه بصورة مستقرة، وإمكانية اصطحاب أفراد أسرته، والمدة التي يمكنه البقاء خلالها داخل المملكة.

ويثور في هذا السياق سؤال يتكرر كثيراً:

هل يمنح الاستثمار في الأردن إقامة للمستثمر الأجنبي؟

والإجابة أن التشريعات الأردنية مثل قانون الإقامة وشؤون الأجانب والقرارات التنظيمية تجيز في حالات معينة منح إقامة للمستثمر، إلا أن ذلك لا يتحقق تلقائياً بمجرد تأسيس شركة أو شراء عقار، وإنما يخضع لشروط وضوابط وإجراءات تختلف بحسب نوع الاستثمار، وقيمته، وطبيعته، والأنظمة والتعليمات النافذة وقت تقديم الطلب.

ومن هنا، فإن المستثمر ينبغي أن ينظر إلى الإقامة باعتبارها أثراً قانونياً قد يترتب على استيفاء شروط محددة، وليس حقاً مطلقاً ينشأ بمجرد الاستثمار.

 

أولاً: مفهوم إقامة المستثمر

إقامة المستثمر هي الإقامة التي تُمنح للأجنبي الذي يباشر أو يعتزم مباشرة استثمار في المملكة، وفقاً للشروط التي تحددها التشريعات والقرارات النافذة.

وتهدف هذه الإقامة إلى تمكين المستثمر من متابعة مشروعه وإدارته والإشراف عليه بصورة قانونية، بما ينسجم مع أهداف الدولة في جذب الاستثمارات وتنمية الاقتصاد الوطني.

ويجب التمييز بين إقامة المستثمر وغيرها من أنواع الإقامات، مثل الإقامة للعمل أو الدراسة أو لمّ الشمل، إذ إن لكل منها أساساً قانونياً وإجراءات مختلفة.

 

ثانياً: هل يكفي تسجيل شركة للحصول على إقامة؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن تسجيل شركة في الأردن يؤدي تلقائياً إلى منح المستثمر إقامة.

والواقع أن تأسيس الشركة قد يكون أحد العناصر التي تؤخذ في الاعتبار، لكنه لا يغني وحده عن استيفاء الشروط والمتطلبات التي تحددها الجهات المختصة.

 

وقد تتعلق هذه الشروط، بحسب الحالة، بعوامل مثل:

  • طبيعة المشروع.
  • جدية النشاط.
  • حجم الاستثمار.
  • استمرار المشروع.
  • استيفاء المتطلبات النظامية.
  • تقديم الوثائق اللازمة.

ولذلك ينبغي على المستثمر عدم بناء خطته على افتراض أن التسجيل وحده يكفي للحصول على الإقامة.

 

ثالثاً: العلاقة بين الاستثمار والإقامة

الإقامة ليست بديلاً عن الاستثمار، كما أن الاستثمار ليس بديلاً عن الإقامة.

فالاستثمار ينظم ممارسة النشاط الاقتصادي، بينما تنظم الإقامة حق الأجنبي في البقاء داخل المملكة وفقاً للقوانين والأنظمة ذات الصلة.

ومن الناحية العملية، يسير المساران بصورة متوازية، إذ يحتاج المستثمر إلى استكمال إجراءات مشروعه، وفي الوقت نفسه استكمال الإجراءات المتعلقة بإقامته متى انطبقت عليه الشروط.

 

رابعاً: أفراد أسرة المستثمر

من المسائل التي يثيرها المستثمرون كثيراً مدى إمكانية إقامة أفراد الأسرة معهم في الأردن.

وتختلف الأحكام المنظمة لذلك بحسب نوع الإقامة، والقرارات النافذة، ومدى استيفاء الشروط الخاصة بكل حالة.

ولهذا يُنصح بدراسة الوضع القانوني للأسرة منذ بداية المشروع، حتى لا تضطر الشركة أو المستثمر إلى تعديل خططهما بعد بدء النشاط.

 

خامساً: حقوق المستثمر المقيم

عند حصول المستثمر على الإقامة وفقاً للقانون، فإنه يتمتع بالحقوق التي تقررها التشريعات النافذة لهذه الفئة، مع الالتزام بالواجبات القانونية المرتبطة بها.

ولا يعني منح الإقامة إعفاء المستثمر من الالتزام بجميع القوانين الأخرى، بل يبقى ملزماً بالامتثال لأحكام:

  • قانون الشركات.
  • التشريعات الضريبية.
  • الأنظمة التنظيمية الخاصة بالنشاط.
  • القوانين المتعلقة بالإقامة وشؤون الأجانب.

 

سادساً: الحالات التي قد تؤثر في استمرار الإقامة

ينبغي على المستثمر أن يدرك أن الإقامة قد ترتبط باستمرار توافر الشروط التي منحت على أساسها.

وقد تستوجب بعض التغييرات الجوهرية، مثل توقف النشاط أو تغيير هيكل الاستثمار أو انتهاء المشروع، مراجعة المركز القانوني للإقامة وفقاً للتشريعات النافذة.

ولهذا فإن أي تعديل جوهري في المشروع ينبغي أن يُدرس من زاوية أثره على الإقامة، وليس من الناحية التجارية فقط.

 

تنبيه قانوني

يلاحظ عملياً أن بعض المستثمرين يؤجلون دراسة موضوع الإقامة إلى ما بعد تأسيس الشركة، ثم يكتشفون أن مشروعهم لا يحقق الغاية التي كانوا يسعون إليها من ناحية الإقامة أو إدارة أعمالهم داخل المملكة.

ولهذا يُنصح ببحث المسألتين معاً منذ مرحلة التخطيط، حتى تتوافق هيكلة المشروع مع الأهداف الاستثمارية والشخصية للمستثمر.

 

سابعاً: الفرق بين الإقامة والجنسية

قد يختلط على بعض المستثمرين مفهوم الإقامة بمفهوم الجنسية.

والحقيقة أن الإقامة تمنح حق البقاء داخل المملكة وفقاً للشروط القانونية، بينما ترتبط الجنسية بأحكام دستورية وقانونية مستقلة، ولكل منهما نظام قانوني مختلف وآثار قانونية مختلفة.

ومن ثم، فإن الحصول على إقامة للمستثمر لا يعني اكتساب الجنسية الأردنية، ولا يرتب الحقوق والالتزامات المرتبطة بها.

 

ثامناً: أهمية التخطيط القانوني قبل طلب الإقامة

من الأفضل أن تُبنى هيكلة المشروع الاستثماري منذ البداية مع مراعاة الأهداف المتعلقة بالإقامة، وذلك من خلال:

  • اختيار الشكل القانوني المناسب.
  • تنظيم الملكية والإدارة بصورة واضحة.
  • استيفاء جميع المتطلبات النظامية.
  • الاحتفاظ بالوثائق والسجلات اللازمة.
  • متابعة أي تحديثات تشريعية قد تؤثر في شروط الإقامة.

فهذا النهج يقلل من احتمالات التأخير أو الحاجة إلى إعادة ترتيب المشروع لاحقاً.

 

تاسعاً: أسئلة يطرحها المستثمرون

من أكثر الأسئلة التي ترد في هذا المجال:

  • هل يكفي شراء عقار للحصول على إقامة؟
  • هل تختلف شروط الإقامة بحسب نوع الشركة؟
  • هل يمكن للمدير الأجنبي الحصول على إقامة؟
  • هل تشمل الإقامة أفراد الأسرة؟
  • ما مدة الإقامة؟ وهل يمكن تجديدها؟
  • هل يؤثر توقف المشروع في استمرار الإقامة؟

وسيُفرد لكل سؤال من هذه الأسئلة شرح تفصيلي في المقالات المتخصصة المرتبطة بهذه الموسوعة.

 

إضاءات قضائية وفقهية

تؤكد المبادئ العامة في القانون الإداري أن منح الإقامة للأجانب يخضع للقوانين والأنظمة والقرارات التنظيمية النافذة، وأن الإدارة تمارس اختصاصاتها في هذا المجال ضمن الحدود التي رسمها القانون، مع خضوع قراراتها – متى كانت قابلة للطعن – لرقابة القضاء وفقاً للقواعد المقررة.

 

خلاصة الباب

تمثل الإقامة عن طريق الاستثمار أحد العناصر المهمة التي ينظر إليها المستثمر الأجنبي عند اختيار الدولة التي سيباشر فيها نشاطه، إلا أنها ليست غاية مستقلة عن المشروع، بل هي نتيجة قانونية ترتبط باستيفاء الشروط والمتطلبات التي تحددها التشريعات النافذة.

 

 

الباب العاشر: الحوافز والإعفاءات الاستثمارية في الأردن

تمهيد

أصبحت الحوافز الاستثمارية إحدى أهم الأدوات التي تستخدمها الدول لاستقطاب رؤوس الأموال وتعزيز تنافسية اقتصادها.

فالمستثمر، إلى جانب دراسته للسوق والفرص التجارية، يقارن بين الأنظمة الضريبية والجمركية والإجرائية في الدول المختلفة، ويبحث عن البيئة التي تحقق له أفضل توازن بين العائد والمخاطر.

وقد تبنى الأردن سياسة تشريعية تهدف إلى تشجيع الاستثمار من خلال منح حوافز وإعفاءات لمشروعات تستوفي شروطاً معينة، مع التركيز على القطاعات ذات الأولوية، والمشروعات التي تحقق قيمة مضافة، وتوفر فرص عمل، أو تسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز الصادرات.

ومع ذلك، فإن الحوافز ليست امتيازات عامة تُمنح لجميع المشروعات بصورة تلقائية، وإنما تخضع لشروط قانونية وإجرائية تختلف باختلاف طبيعة النشاط وموقع المشروع والأنظمة النافذة.

 

أولاً: ما المقصود بالحوافز الاستثمارية؟

يقصد بالحوافز الاستثمارية مجموعة المزايا التي تمنحها التشريعات أو القرارات المختصة للمستثمرين بهدف تشجيع إقامة المشاريع أو توسيعها أو تطويرها.

وقد تكون هذه الحوافز:

  • ضريبية.
  • إجرائية.
  • تنظيمية.
  • مالية، في الحالات التي يقررها القانون أو البرامج الحكومية.

والهدف من هذه الحوافز ليس منح أفضلية لمستثمر على آخر، وإنما توجيه الاستثمارات نحو القطاعات أو المناطق التي تسعى الدولة إلى تنميتها.

 

ثانياً: الأهداف الاقتصادية للحوافز

تسعى الدولة من خلال نظام الحوافز إلى تحقيق جملة من الأهداف، من أبرزها:

  • زيادة حجم الاستثمار المحلي والأجنبي.
  • خلق فرص عمل.
  • دعم الصناعات الوطنية.
  • تشجيع التصدير.
  • نقل التكنولوجيا والمعرفة.
  • تحفيز الابتكار.
  • تنمية المحافظات والمناطق الأقل نمواً.
  • تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

ومن ثم، فإن منح الحوافز يرتبط غالباً بمدى مساهمة المشروع في تحقيق هذه الأهداف.

 

ثالثاً: أنواع الحوافز الاستثمارية

يمكن تصنيف الحوافز التي قد يستفيد منها المستثمر إلى عدة فئات رئيسية.

1- الحوافز الضريبية

قد تتضمن التشريعات مزايا ضريبية لبعض المشاريع أو القطاعات أو المناطق، وفقاً للشروط التي يحددها القانون.

ولا يعني ذلك إعفاءً دائماً أو شاملاً من جميع الضرائب، وإنما يخضع كل حافز لنطاقه ومدته وضوابطه.

2- الحوافز الجمركية

قد تستفيد بعض المشروعات من مزايا تتعلق بالرسوم الجمركية على الآلات أو المعدات أو مدخلات الإنتاج، وفقاً للتشريعات والأنظمة النافذة.

3- الحوافز التنظيمية

ومن أمثلتها تبسيط الإجراءات، أو توحيد خدمات المستثمر، أو تسريع بعض المعاملات، أو اعتماد الخدمات الإلكترونية.

4- الحوافز المرتبطة بالموقع

قد تختلف المزايا باختلاف موقع المشروع، كالمشروعات المقامة في المناطق التنموية أو المناطق الحرة أو غيرها من المناطق التي ينظمها القانون.

 

رابعاً: هل يحصل جميع المستثمرين على الحوافز نفسها؟

الإجابة هي: لا.

فالحوافز تختلف بحسب عوامل متعددة، منها:

  • طبيعة النشاط.
  • حجم المشروع.
  • موقعه.
  • نوع الاستثمار.
  • القطاع الاقتصادي.
  • استيفاء الشروط النظامية.
  • استمرار المشروع في الالتزام بالمتطلبات القانونية.

ولهذا، فإن المستثمر ينبغي ألا يبني دراسته على افتراض أن جميع المشروعات تتمتع بالمزايا ذاتها.

 

خامساً: العلاقة بين الحوافز والقطاعات الاقتصادية

تركز السياسات الاستثمارية عادة على تشجيع القطاعات التي تحقق أثراً اقتصادياً أكبر، مثل:

  • الصناعة.
  • التكنولوجيا.
  • الطاقة.
  • السياحة.
  • الرعاية الصحية.
  • التعليم.
  • الخدمات اللوجستية.
  • الصناعات الإبداعية.

وقد تختلف طبيعة الحوافز باختلاف كل قطاع، وهو ما يستلزم دراسة خاصة قبل بدء المشروع.

 

سادساً: الحوافز في المناطق التنموية والحرة

تتمتع بعض المناطق المنظمة بقوانين أو أنظمة خاصة بمزايا تختلف عن غيرها من المناطق.

وقد تشمل هذه المزايا – وفقاً للتشريعات النافذة – معاملة ضريبية أو جمركية مختلفة، أو إجراءات تنظيمية ميسرة، أو مزايا مرتبطة بطبيعة الأنشطة المسموح بها.

وسيخصص الباب الحادي عشر من هذه الموسوعة لشرح المناطق الحرة والتنموية بصورة تفصيلية.

 

تنبيه قانوني

من الأخطاء الشائعة أن يباشر المستثمر تنفيذ مشروعه قبل دراسة شروط الاستفادة من الحوافز، ثم يكتشف بعد ذلك أنه لم يعد مستوفياً لبعض المتطلبات النظامية التي كان يمكن تحقيقها لو خُطط للمشروع بصورة صحيحة منذ البداية.

 

سابعاً: الالتزام بشروط الحوافز

لا يقتصر الأمر على الحصول على الحوافز، بل يمتد إلى المحافظة عليها.

فقد تشترط التشريعات استمرار المشروع في استيفاء متطلبات معينة، مثل:

  • ممارسة النشاط الذي مُنحت الحوافز من أجله.
  • الالتزام باستخدام الموجودات أو المعدات في الأغراض المحددة.
  • الاحتفاظ بالسجلات والوثائق.
  • الامتثال للالتزامات الضريبية والتنظيمية.

وفي حال الإخلال بالشروط، قد تترتب آثار قانونية أو مالية وفقاً لما يقرره القانون.

 

ثامناً: التخطيط للاستفادة من الحوافز

أفضل وقت لدراسة الحوافز هو قبل تأسيس المشروع، وليس بعد بدء النشاط.

ويشمل التخطيط القانوني في هذا الجانب:

  • اختيار الموقع المناسب.
  • اختيار النشاط الذي يحقق شروط الحوافز.
  • إعداد هيكل الاستثمار بصورة ملائمة.
  • دراسة الآثار الضريبية.
  • مراجعة المتطلبات النظامية قبل شراء المعدات أو بدء الإنشاءات.

إن التخطيط المبكر قد يحدث فرقاً كبيراً في الكلفة الإجمالية للمشروع.

 

تاسعاً: أخطاء شائعة تحرم المستثمر من الحوافز

من أكثر الأخطاء التي تظهر عملياً:

  • البدء بتنفيذ المشروع قبل استكمال الإجراءات اللازمة.
  • تغيير النشاط دون مراجعة أثر ذلك على الحوافز.
  • شراء معدات لا تدخل ضمن نطاق الإعفاءات المقررة.
  • عدم الاحتفاظ بالمستندات المؤيدة للاستفادة من الحوافز.
  • الاعتقاد بأن جميع الحوافز دائمة أو غير مشروطة.
  • الاعتماد على معلومات غير محدثة بشأن الأنظمة النافذة.

 

عاشراً: دور المستشار القانوني في تعظيم الاستفادة من الحوافز

لا يقتصر دور المستشار القانوني على تقديم الرأي في مشروعية المشروع، بل يمتد إلى مساعدة المستثمر في تصميم الهيكل القانوني للمشروع بما يحقق أفضل استفادة ممكنة من الحوافز التي يجيزها القانون، مع الالتزام الكامل بالتشريعات والأنظمة.

ويشمل ذلك:

  • تحليل النشاط المقترح.
  • مراجعة شروط الحوافز.
  • التنسيق مع المستشارين الماليين والضريبيين عند الحاجة.
  • متابعة الإجراءات النظامية.
  • تقييم أثر أي تعديل في المشروع على استمرار الاستفادة من الحوافز.

 

إضاءات قضائية وفقهية

تستقر المبادئ العامة في القانون الإداري على أن الحوافز والإعفاءات ذات طبيعة استثنائية، فلا يجوز التوسع في تفسيرها أو تطبيقها خارج الحدود التي رسمها القانون، كما أن التمتع بها يبقى رهناً باستيفاء الشروط والإجراءات التي قررها المشرع.

 

خلاصة الباب

تشكل الحوافز والإعفاءات إحدى الركائز الأساسية لجاذبية البيئة الاستثمارية في الأردن، إلا أن تحقيق الاستفادة القصوى منها يتطلب فهماً دقيقاً للتشريعات النافذة، وتخطيطاً قانونياً يسبق تنفيذ المشروع، ومتابعة مستمرة لضمان استمرار استيفاء الشروط النظامية.

 

 

الباب الحادي عشر: المناطق الحرة والمناطق التنموية في الأردن

الدليل القانوني الكامل للمستثمر الأجنبي

تمهيد

عندما يخطط المستثمر لإنشاء مشروع جديد، فإن السؤال لا يقتصر على “ما نوع الشركة التي سأؤسسها؟”، بل يمتد إلى سؤال لا يقل أهمية:

 

أين يجب أن أقيم مشروعي؟

فقد يكون نجاح المشروع مرتبطاً بموقعه بقدر ارتباطه بفكرته أو رأس ماله.

ولهذا السبب، أنشأ المشرع الأردني منظومة خاصة للمناطق الحرة والمناطق التنموية، بهدف توفير بيئة استثمارية أكثر تنافسية، من خلال تقديم مزايا تنظيمية وضريبية وجمركية تتناسب مع طبيعة كل منطقة، وتدعم قطاعات اقتصادية محددة.

ومع أن المصطلحين يُستخدمان أحياناً على أنهما مترادفان، فإنهما يختلفان من حيث الغاية، والإطار القانوني، وطبيعة الأنشطة، والحوافز، والإجراءات التنظيمية.

ويُعد فهم هذه الفروق من أهم عناصر التخطيط الاستثماري، لأن اختيار المنطقة غير المناسبة قد يؤدي إلى فقدان مزايا كان يمكن للمشروع الاستفادة منها لو أُحسن اختيار موقعه منذ البداية.

 

أولاً: ما هي المنطقة الحرة؟

المنطقة الحرة هي منطقة تُنظم وفق تشريعات خاصة، وتستهدف بالدرجة الأولى تشجيع الأنشطة التجارية والصناعية واللوجستية التي تعتمد على الاستيراد والتخزين وإعادة التصدير والتصنيع والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية.

وتتميز هذه المناطق بوجود نظام خاص يهدف إلى تسهيل حركة البضائع وتقليل بعض الأعباء التنظيمية والجمركية في الحدود التي يقررها القانون.

ومن أبرز الأنشطة التي تناسب المناطق الحرة:

  • الصناعات التصديرية.
  • المستودعات اللوجستية.
  • مراكز التوزيع الإقليمية.
  • إعادة التصدير.
  • تجميع المنتجات.
  • الصناعات الخفيفة.

بعض الأنشطة الخدمية التي يجيزها القانون.

 

ثانياً: ما هي المنطقة التنموية؟

المنطقة التنموية هي منطقة تُنشأ لتحقيق أهداف تنموية واقتصادية أشمل، من خلال جذب الاستثمارات إلى قطاعات ومناطق معينة، وتوفير بيئة أعمال متكاملة تتضمن بنية تحتية، وتنظيماً خاصاً، وحوافز موجهة بحسب طبيعة النشاط.

ولا يقتصر دور المنطقة التنموية على التجارة أو التخزين، بل تمتد إلى تشجيع مشروعات:

  • الصناعة.
  • السياحة.
  • التكنولوجيا.
  • التعليم.
  • الرعاية الصحية.
  • الخدمات.
  • الطاقة.
  • الابتكار.

ويُنظر إلى المنطقة التنموية باعتبارها أداة لتحقيق التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، إلى جانب جذب الاستثمارات.

 

ثالثاً: الفرق بين المنطقة الحرة والمنطقة التنموية

رغم وجود بعض أوجه التشابه، إلا أن الفروق بينهما جوهرية، من حيث الهدف

المنطقة الحرة: تركز على حركة التجارة، والتخزين، وإعادة التصدير، والأنشطة ذات الصلة.

المنطقة التنموية: تستهدف التنمية الاقتصادية المستدامة وجذب استثمارات متنوعة في قطاعات متعددة.

من حيث طبيعة النشاط

المنطقة الحرة: يغلب عليها الطابع التجاري واللوجستي والصناعي المرتبط بالتجارة الدولية.

المنطقة التنموية: تستوعب طيفاً أوسع من الأنشطة الاستثمارية، بحسب الخطط التنموية والتشريعات النافذة.

من حيث الحوافز

تختلف الحوافز المقررة لكل منطقة بحسب القانون والأنظمة والتعليمات، ولا يجوز افتراض تماثلها، لذلك يجب دراسة المشروع في ضوء الإطار القانوني الخاص بالمنطقة المختارة.

رابعاً: لماذا يختار المستثمر المنطقة الحرة؟

قد يكون اختيار المنطقة الحرة مناسباً عندما يكون المشروع قائماً على:

  • الاستيراد وإعادة التصدير.
  • الخدمات اللوجستية.
  • التخزين الإقليمي.
  • التجميع الصناعي.
  • التجارة الدولية.
  • توزيع المنتجات في أسواق متعددة.

وفي هذه الحالات، قد تحقق المنطقة الحرة مزايا تشغيلية وتنظيمية تتلاءم مع طبيعة المشروع.

 

خامساً: لماذا يختار المستثمر المنطقة التنموية؟

تكون المنطقة التنموية أكثر ملاءمة عندما يهدف المشروع إلى:

  • إنشاء مصنع.
  • إقامة منشأة سياحية.
  • تطوير مشروع تعليمي.
  • إنشاء مركز تقني.
  • الاستثمار في الطاقة أو الصناعات المتقدمة.
  • إقامة مشروع طويل الأجل يعتمد على السوق المحلية أو الإقليمية.

كما قد توفر هذه المناطق بيئة متكاملة تساعد المشروع على النمو والتوسع.

 

تنبيه قانوني

من الأخطاء الشائعة أن يختار المستثمر موقع مشروعه بناءً على قيمة الأرض أو تكلفة الإيجار فقط، دون دراسة أثر الموقع على التراخيص، أو الحوافز، أو طبيعة النشاط، أو الالتزامات التنظيمية.

وفي كثير من الحالات، يكون اختيار الموقع المناسب أكثر تأثيراً في نجاح المشروع من الفارق في تكلفة العقار.

 

سادساً: تسجيل الشركات في المناطق الحرة والتنموية

يخضع تسجيل الشركات العاملة في هذه المناطق لإجراءات قانونية وتنظيمية خاصة، تختلف في بعض جوانبها عن إجراءات تسجيل الشركات التي تمارس أعمالها خارج هذه المناطق.

وتشمل هذه الإجراءات، بحسب نوع المشروع وطبيعة النشاط:

  • دراسة النشاط الاستثماري.
  • اختيار الشكل القانوني المناسب.
  • استكمال الوثائق المطلوبة.
  • الحصول على الموافقات القطاعية عند الاقتضاء.
  • التسجيل لدى الجهات المختصة.
  • استكمال إجراءات الترخيص والتشغيل.

وتختلف المتطلبات من مشروع إلى آخر، لذلك ينبغي إعداد خطة قانونية لكل استثمار على حدة.

 

سابعاً: البنية التحتية والخدمات

من أهم المزايا التي يبحث عنها المستثمر عند اختيار موقع مشروعه توفر البنية التحتية والخدمات المساندة.

وتتميز العديد من المناطق الحرة والتنموية في الأردن بتوفير:

  • شبكات الطرق.
  • الخدمات اللوجستية.
  • المرافق الأساسية.
  • خدمات الاتصالات.
  • الخدمات الجمركية.
  • المراكز الإدارية.
  • البيئة المناسبة للأعمال.

وتختلف هذه المزايا بحسب المنطقة وطبيعة النشاط.

 

ثامناً: كيف يختار المستثمر المنطقة المناسبة؟

لا توجد منطقة مثالية لجميع المشروعات، وإنما يعتمد الاختيار على عدة معايير، من أهمها:

  • طبيعة النشاط.
  • السوق المستهدف.
  • مصادر المواد الأولية.
  • احتياجات النقل.
  • حجم الاستثمار.
  • عدد العاملين.
  • خطة التوسع.
  • الحوافز المتاحة.
  • متطلبات العملاء.

ولهذا، ينبغي أن يسبق اختيار الموقع إعداد دراسة قانونية واقتصادية متكاملة.

 

تاسعاً: أخطاء شائعة في الاستثمار داخل المناطق الخاصة

من أكثر الأخطاء التي تواجه المستثمرين:

  • اختيار منطقة لا تتناسب مع طبيعة النشاط.
  • الاعتقاد بأن جميع الأنشطة مسموح بها في جميع المناطق.
  • إغفال دراسة الحوافز الخاصة بكل منطقة.
  • عدم مراجعة الالتزامات التنظيمية قبل بدء التشغيل.
  • الاعتماد على معلومات قديمة بشأن الأنظمة أو الإجراءات.
  • إهمال أثر موقع المشروع على تكاليف النقل وسلسلة الإمداد.

 

عاشراً: الاعتبارات المستقبلية

عند اختيار المنطقة، لا ينبغي النظر إلى احتياجات المشروع الحالية فقط، بل يجب مراعاة:

  • إمكانية التوسع.
  • إدخال خطوط إنتاج جديدة.
  • زيادة عدد العاملين.
  • جذب مستثمرين جدد.
  • التوسع نحو التصدير.
  • إعادة هيكلة المشروع مستقبلاً.

فالموقع الذي يناسب المشروع في مرحلته الأولى قد لا يكون الأنسب بعد خمس أو عشر سنوات إذا لم يُؤخذ النمو المتوقع في الاعتبار.

 

إضاءات قضائية وفقهية

تؤكد المبادئ العامة في القانون الإداري أن الأنظمة الخاصة بالمناطق الحرة والتنموية تمثل تشريعات استثنائية تُطبق في حدودها وبالقدر الذي نص عليه القانون، ولا يجوز التوسع في تفسير الحوافز أو الامتيازات المقررة فيها خارج نطاق النصوص المنظمة لها.

 

خلاصة الباب

تمثل المناطق الحرة والمناطق التنموية أدوات تشريعية واقتصادية مهمة لتعزيز الاستثمار في الأردن، إلا أن نجاح المشروع لا يرتبط بمجرد وجوده داخل إحدى هذه المناطق، بل بحسن اختيار المنطقة التي تتوافق مع طبيعة النشاط وأهداف المستثمر وخططه المستقبلية.

 

 

الباب الثاني عشر: العقود والاتفاقيات التجارية للمستثمر الأجنبي في الأردن

الدليل القانوني لصياغة العقود وإدارة المخاطر التعاقدية

تمهيد

لا توجد صفقة استثمارية ناجحة دون عقد قانوني سليم.

فالعقد ليس مجرد وثيقة تثبت اتفاق الطرفين، وإنما هو الإطار القانوني الذي يحكم العلاقة بينهما طوال مدة المشروع، ويحدد حقوق كل طرف والتزاماته، وآلية تنفيذ العقد، ووسائل معالجة الإخلال، والطريقة التي تُحل بها النزاعات عند وقوعها.

ويعتقد بعض المستثمرين أن العقد لا تبرز أهميته إلا عند نشوء النزاع، بينما الواقع أن العقد الجيد يمنع النزاع قبل وقوعه، لأنه يحدد بدقة كيفية التعامل مع الحالات التي قد تواجه المشروع مستقبلاً.

ولهذا، فإن صياغة العقد لا ينبغي أن تقتصر على نقل نماذج جاهزة أو ترجمة عقود أجنبية، بل يجب أن تُبنى على دراسة المشروع، وطبيعة النشاط، والقانون الواجب التطبيق، والبيئة القانونية التي سينفذ فيها العقد.

 

أولاً: ما هو العقد التجاري؟

العقد التجاري هو اتفاق قانوني يبرمه شخصان أو أكثر بقصد إنشاء التزامات أو تعديلها أو إنهائها، ويكون مرتبطاً بممارسة نشاط تجاري أو استثماري.

وتتنوع العقود التي يبرمها المستثمر خلال دورة المشروع، فقد تشمل:

  • اتفاقيات الشركاء.
  • عقود الخدمات.
  • عقود التوزيع.
  • عقود التمويل.

وقد يخضع كل نوع من هذه العقود لقواعد قانونية خاصة، إلى جانب القواعد العامة في القانون المدني والتشريعات التجارية.

 

ثانياً: المبادئ الأساسية التي تحكم العقود في الأردن

يقوم النظام التعاقدي في الأردن على مجموعة من المبادئ القانونية المستقرة، من أهمها:

1- مبدأ سلطان الإرادة

للأطراف حرية تنظيم علاقاتهم التعاقدية واختيار الشروط التي تناسبهم، ما دامت لا تخالف القوانين الآمرة أو النظام العام أو الآداب العامة.

2- حسن النية

يجب تنفيذ العقد بحسن نية، فلا يجوز لأي طرف استغلال النصوص التعاقدية بصورة تتعارض مع الغاية المشروعة للعقد.

3- القوة الملزمة للعقد

العقد الصحيح الملزم للطرفين يجب تنفيذه وفقاً لما اتفقا عليه، ولا يجوز لأي منهما التحلل منه بإرادته المنفردة إلا في الحالات التي يجيزها القانون أو العقد.

4- التوازن التعاقدي

رغم احترام إرادة الأطراف، فإن بعض النصوص القانونية تتدخل لحماية الطرف الأضعف أو لتحقيق التوازن في حالات معينة، وفقاً لما يقرره القانون.

 

ثالثاً: أهم العقود التي يحتاجها المستثمر الأجنبي

خلال المراحل المختلفة للمشروع، قد يحتاج المستثمر إلى عدد من العقود، أبرزها:

  • اتفاقية الشركاء
  • وتعد من أهم العقود التي يغفلها المستثمرون.

فهي تنظم مسائل لا يتناولها عقد تأسيس الشركة بالتفصيل، مثل:

  • آلية اتخاذ القرارات.
  • زيادة رأس المال.
  • توزيع الأرباح.
  • حل الخلافات.
  • خروج أحد الشركاء.
  • بيع الحصص.
  • حق الأولوية.
  • تقييم الحصص.
  • عدم المنافسة.
  • السرية.

– وفي المشاريع المشتركة بين مستثمرين من دول مختلفة، تُعد هذه الاتفاقية ضرورة قانونية وليست مجرد خيار.

عقد التوريد، ينظم العلاقة بين المورد والمشتري، ويجب أن يتضمن بصورة واضحة:

  • مواصفات المنتجات.
  • الكميات.
  • الجودة.
  • مواعيد التسليم.
  • الفحص والاستلام.
  • الضمان.
  • المسؤولية عن التأخير.
  • حالات رفض البضائع.
  • الجزاءات.
  • عقد التوزيع

إذا كان المستثمر يخطط لتسويق منتجاته في الأردن أو خارجه من خلال موزعين، فينبغي أن ينظم العقد مسائل مثل:

  • الإقليم الجغرافي.
  • الحصرية.
  • الحد الأدنى للمبيعات.
  • إنهاء العلاقة.
  • المنافسة.
  • عقد الوكالة التجارية

ينبغي التمييز بين الوكالة التجارية والتوزيع، لأن لكل منهما آثاراً قانونية مختلفة، وقد يخضعان لتنظيمات خاصة بحسب طبيعة النشاط.

عقد الامتياز التجاري (Franchise)

أصبح الامتياز التجاري من أكثر وسائل التوسع انتشاراً.

ويجب أن يعالج العقد، على سبيل المثال:

  • نقل المعرفة الفنية.
  • استخدام العلامة التجارية.
  • التدريب.
  • الرقابة على الجودة.
  • الرسوم.
  • التجديد.
  • الإنهاء.

 

رابعاً: البنود التي يجب ألا يخلو منها أي عقد استثماري

بغض النظر عن نوع العقد، توجد بنود أساسية ينبغي صياغتها بعناية، منها:

تعريفات المصطلحات، لتجنب اختلاف تفسير العبارات.

نطاق العقد، لتحديد الالتزامات بدقة.

المقابل المالي، مع بيان طريقة السداد، والعملة، وآلية معالجة التأخير.

مدة العقد، وتاريخ بدايته ونهايته.

حالات الإنهاء، وبيان الحقوق المترتبة على كل حالة.

المسؤولية والتعويض، وتحديد حدود المسؤولية عند الاقتضاء في الحدود التي يجيزها القانون.

السرية، لحماية المعلومات التجارية.

الملكية الفكرية، لتحديد مالك الحقوق الناتجة عن تنفيذ العقد.

القوة القاهرة، لتنظيم أثر الأحداث الخارجة عن إرادة الأطراف.

القانون الواجب التطبيق، خصوصاً في العقود الدولية.

الاختصاص القضائي أو التحكيم، لتحديد الجهة التي ستفصل في النزاع.

 

تنبيه قانوني

من أكثر الأخطاء شيوعاً أن ينسخ المستثمر عقداً من مشروع سابق أو من الإنترنت ويستخدمه في مشروع جديد.

وهذا من أخطر الممارسات، لأن العقد يجب أن يُصاغ وفقاً لطبيعة الصفقة والقانون الذي سيحكمها، وليس وفقاً لعقد أُعد لظروف مختلفة.

 

خامساً: العقود الدولية

إذا كان أحد أطراف العقد أجنبياً، أو كان تنفيذ العقد سيتم في أكثر من دولة، فينبغي معالجة مسائل إضافية، مثل:

  • القانون الواجب التطبيق.
  • لغة العقد.
  • النسخة المعتمدة عند الاختلاف.
  • مكان تنفيذ الالتزامات.
  • تحويل العملات.
  • الضرائب.

وإهمال هذه المسائل قد يؤدي إلى نزاعات معقدة يصعب معالجتها بعد نشوئها.

 

سادساً: أكثر عشرين خطأً في العقود الاستثمارية

من أبرز الأخطاء التي تتكرر في الواقع العملي:

  • استخدام نماذج جاهزة دون تعديل.
  • عدم تعريف المصطلحات الأساسية.
  • الغموض في وصف الالتزامات.
  • عدم تحديد معايير الجودة.
  • إغفال آلية تعديل الأسعار.
  • عدم تنظيم القوة القاهرة.
  • إهمال بند السرية.
  • عدم حماية الملكية الفكرية.
  • عدم النص على آلية حل النزاع.
  • إغفال القانون الواجب التطبيق.
  • عدم تنظيم الإنهاء المبكر.
  • عدم تحديد الاختصاص المكاني.
  • عدم معالجة التأخير في التنفيذ.
  • عدم النص على آلية استلام الأعمال.
  • تجاهل المسؤولية عن أفعال المقاولين من الباطن.
  • عدم ربط الدفعات بمراحل الإنجاز.
  • غياب آلية الإخطار بين الأطراف.
  • عدم تنظيم التعديل أو التنازل عن العقد.
  • توقيع العقد قبل مراجعته قانونياً.

 

إضاءات قضائية وفقهية

استقر الفقه والقضاء على أن العقد هو شريعة المتعاقدين، وأن القاضي يلتزم بتفسيره وفق عباراته ومقصده الحقيقي، ولا يجوز له تعديل التزامات الأطراف أو إنشاء حقوق لم يتفقوا عليها، إلا في الحدود التي يقررها القانون حماية للنظام العام أو تحقيقاً للعدالة العقدية في الحالات التي نص عليها المشرع.

 

خلاصة الباب

يمثل العقد التجاري حجر الأساس في حماية الاستثمار، فكلما كانت صياغته أكثر وضوحاً وتوازناً، انخفضت احتمالات النزاع، وزادت فرص نجاح المشروع واستقراره.

 

 

الباب الثالث عشر: النظام الضريبي للمستثمر الأجنبي والشركات في الأردن

دليل قانوني لفهم الالتزامات الضريبية وإدارة المخاطر

تمهيد

لا يقتصر نجاح المشروع الاستثماري على اختيار النشاط المناسب أو تحقيق أرباح مرتفعة، بل يعتمد كذلك على إدارة الالتزامات الضريبية بصورة صحيحة. فكثير من المشروعات تحقق نجاحًا تجاريًا، لكنها تواجه لاحقًا نزاعات أو غرامات أو أعباء مالية بسبب سوء فهم النظام الضريبي أو عدم الامتثال لمتطلباته.

ومن هذا المنطلق، فإن المستثمر الأجنبي لا يحتاج فقط إلى معرفة مقدار الضريبة التي قد تترتب على مشروعه، وإنما يحتاج إلى فهم الإطار القانوني الذي يحكم علاقته بالإدارة الضريبية، وحقوقه، وواجباته، وآليات الاعتراض والطعن، والالتزامات المستمرة التي تبدأ منذ تأسيس الشركة ولا تنتهي إلا بانقضائها.

ويتميز النظام الضريبي في الأردن بوجود تشريعات تنظم أنواعًا مختلفة من الضرائب والرسوم، مع اختلاف الأحكام بحسب طبيعة النشاط، والقطاع الاقتصادي، والكيان القانوني، ومكان ممارسة النشاط.

 

أولاً: لماذا يجب أن يهتم المستثمر بالنظام الضريبي منذ البداية؟

يعتقد بعض المستثمرين أن الضرائب مسألة محاسبية تُعالج بعد بدء التشغيل، بينما الواقع أن لها أثرًا مباشرًا على:

  • اختيار الشكل القانوني للشركة.
  • هيكل التمويل.
  • توزيع الأرباح.
  • العقود التجارية.
  • التوسع داخل الأردن أو خارجه.
  • استقطاب المستثمرين.
  • تقييم المشروع عند بيعه.

ولذلك، فإن التخطيط الضريبي المشروع يجب أن يبدأ قبل تسجيل الشركة، وليس بعد مباشرتها النشاط.

 

ثانياً: المبادئ العامة للنظام الضريبي

يقوم النظام الضريبي على عدد من المبادئ القانونية، من أهمها:

مبدأ المشروعية، لا تُفرض الضريبة ولا تُعدل ولا تُلغى إلا بموجب قانون.

مبدأ المساواة، يخضع المكلفون للقواعد التي يقررها القانون، مع مراعاة الأحكام الخاصة التي قد تنطبق على بعض القطاعات أو الحالات.

مبدأ اليقين، ينبغي أن تكون الالتزامات الضريبية واضحة وقابلة للتحديد وفق التشريعات النافذة.

مبدأ الرقابة القضائية، تخضع القرارات الضريبية، في الحدود التي يقررها القانون، لوسائل الاعتراض والطعن أمام الجهات المختصة.

 

ثالثاً: أنواع الضرائب التي قد تهم المستثمر

قد يترتب على المشروع أكثر من نوع من الالتزامات الضريبية، بحسب طبيعته ونشاطه.

ومن أبرزها:

  • ضريبة المبيعات.
  • الاقتطاعات الضريبية في الحالات التي يقررها القانون.
  • الرسوم والالتزامات المالية الأخرى التي تنظمها تشريعات خاصة.

ولا تخضع جميع المشروعات لجميع هذه الالتزامات بالدرجة نفسها، إذ تختلف باختلاف النشاط والقطاع والوقائع المنشئة للضريبة.

 

رابعاً: التسجيل الضريبي

بعد تأسيس الشركة، قد يلتزم المستثمر باستكمال إجراءات التسجيل لدى الإدارة الضريبية وفقًا لأحكام التشريعات النافذة.

ولا يُعد التسجيل إجراءً شكليًا فحسب، بل يمثل نقطة البداية للعلاقة القانونية بين المكلف والإدارة الضريبية، ويترتب عليه التزامات دورية تتعلق بالإقرارات والسجلات والاحتفاظ بالوثائق.

 

خامساً: السجلات والوثائق

يفرض النظام الضريبي على المكلفين الاحتفاظ بالسجلات والدفاتر والمستندات التي تثبت العمليات المالية والتجارية، وذلك للمدة وبالشروط التي يحددها القانون.

ولا تقتصر أهمية هذه السجلات على الجانب المحاسبي، بل تمثل وسيلة إثبات رئيسية عند إجراء أي تدقيق أو مراجعة ضريبية.

ولهذا، فإن إنشاء نظام داخلي لحفظ الوثائق منذ اليوم الأول من عمر المشروع يُعد من أهم وسائل تقليل المخاطر القانونية.

 

تنبيه قانوني

من الأخطاء المتكررة أن تعتمد الشركات الصغيرة على سجلات غير مكتملة أو على مستندات غير منظمة، اعتقادًا منها أن ذلك لن يثير أي إشكال ما دام حجم النشاط محدودًا.

إلا أن الامتثال للمتطلبات القانونية لا يرتبط بحجم المشروع وحده، وإنما بطبيعة الالتزامات التي يفرضها القانون على المكلف.

 

سادساً: الإقرارات الضريبية

من أهم الالتزامات التي تقع على عاتق المستثمر تقديم الإقرارات الضريبية في المواعيد المحددة قانونًا، مع تضمينها البيانات الصحيحة والمستندات اللازمة بحسب طبيعة كل التزام.

ويُعد التأخير في تقديم الإقرارات، أو تقديم بيانات غير دقيقة، من أكثر أسباب نشوء المنازعات والغرامات.

ولهذا ينبغي اعتماد نظام داخلي يضمن متابعة جميع المواعيد النظامية وعدم تركها للاجتهاد الشخصي.

 

سابعاً: التخطيط الضريبي المشروع

ينبغي التمييز بين:

التخطيط الضريبي المشروع، الذي يقوم على اختيار الهيكل القانوني أو الترتيبات التي يجيزها القانون لتقليل العبء الضريبي بصورة مشروعة.

التهرب الضريبي، الذي يقوم على مخالفة القانون أو إخفاء البيانات أو تقديم معلومات غير صحيحة بقصد التخلص من الالتزامات الضريبية.

ويُعد التخطيط الضريبي المشروع جزءًا من الإدارة الرشيدة للمشروعات، بينما يشكل التهرب مخالفة قد تترتب عليها مسؤوليات مالية أو جزائية بحسب الأحوال.

 

ثامناً: المستثمر الأجنبي واتفاقيات منع الازدواج الضريبي

أبرم الأردن عددًا من الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى تجنب الازدواج الضريبي بين الأردن ودول أخرى.

وتكتسب هذه الاتفاقيات أهمية خاصة بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين غير المقيمين، إذ قد تؤثر في معالجة بعض الدخول أو الأرباح أو المدفوعات العابرة للحدود.

إلا أن الاستفادة من هذه الاتفاقيات تتطلب دراسة كل حالة على حدة، في ضوء نصوص الاتفاقية ذاتها، والتشريعات الوطنية، والوقائع العملية.

 

تاسعاً: الاعتراض والطعن

إذا نشأ خلاف بين المكلف والإدارة الضريبية بشأن تطبيق القانون أو تقدير الالتزام الضريبي، فإن التشريعات تتيح وسائل للاعتراض والطعن وفق الإجراءات والمواعيد التي يحددها القانون.

وينبغي على المستثمر عدم إهمال هذه المواعيد، لأن فواتها قد يؤثر في مركزه القانوني.

 

عاشراً: أكثر الأخطاء الضريبية التي يقع فيها المستثمرون

من أبرز الأخطاء العملية:

  • عدم دراسة الآثار الضريبية قبل اختيار الشكل القانوني.
  • التأخر في التسجيل عندما يوجبه القانون.
  • عدم تنظيم السجلات والوثائق.
  • تقديم الإقرارات بعد انتهاء المواعيد القانونية.
  • الاعتماد على تقديرات غير موثقة.
  • إهمال مراجعة العقود من الناحية الضريبية.
  • عدم دراسة أثر التعاملات الدولية.
  • الاعتقاد بأن الشركة الجديدة معفاة تلقائيًا من جميع الالتزامات.
  • إهمال حفظ المستندات المؤيدة للمصروفات أو الإيرادات.
  • عدم استشارة مختص قبل تنفيذ عمليات ذات أثر ضريبي كبير.

 

الحادي عشر: العلاقة بين المحامي والمحاسب

من أكثر أسباب نجاح المشروعات الاستثمارية وجود تعاون بين المستشار القانوني والمستشار الضريبي أو المحاسب القانوني.

فالمحامي يركز على سلامة الهيكل القانوني والعقود والامتثال، بينما يركز المحاسب على المعالجة المالية والضريبية، ويؤدي التكامل بينهما إلى تقليل المخاطر وتعزيز استقرار المشروع.

 

إضاءات قضائية وفقهية

استقر القضاء الإداري والضريبي على أن الضريبة تفرض وتستوفى في حدود النصوص القانونية، وأن الإدارة الضريبية، كما يحق لها التحقق من صحة البيانات، تبقى ملزمة باحترام الضمانات والإجراءات التي كفلها القانون للمكلفين، بما في ذلك حقهم في الاعتراض والطعن وفق الأصول.

 

خلاصة الباب

يمثل الامتثال الضريبي أحد أهم عناصر استدامة الاستثمار، ولا ينبغي النظر إليه بوصفه عبئًا ماليًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من الحوكمة القانونية للمشروع.

 

 

الباب الرابع عشر: الجمارك والاستيراد والتصدير للمستثمر الأجنبي في الأردن

الإطار القانوني والعملي للتجارة الدولية

تمهيد

أصبحت التجارة الدولية اليوم من أهم محركات الاقتصاد العالمي، ولم يعد نجاح المشروع الاستثماري مرتبطاً فقط بقدرته على الإنتاج أو تقديم الخدمات، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرته على إدارة سلسلة الإمداد، واستيراد المواد الأولية، وتصدير المنتجات، والامتثال للأنظمة الجمركية التي تنظم حركة البضائع عبر الحدود.

وفي الأردن، يحتل النظام الجمركي مكانة محورية في البيئة الاستثمارية، نظراً لموقع المملكة الجغرافي، وارتباطها بعدد كبير من الاتفاقيات التجارية، ووجود مناطق حرة ومناطق تنموية، وميناء بحري ومراكز حدودية تربطها بالدول المجاورة.

ولا يقتصر دور التشريعات الجمركية على تحصيل الرسوم، وإنما يمتد إلى حماية الاقتصاد الوطني، وتنظيم حركة التجارة، ومكافحة التهريب، وتطبيق الاتفاقيات الدولية، وضمان سلامة البضائع، وحماية الصحة العامة والبيئة والأمن الوطني.

ولهذا، فإن المستثمر الذي يتعامل مع الاستيراد أو التصدير يحتاج إلى فهم المنظومة الجمركية منذ مرحلة التخطيط للمشروع، وليس بعد وصول أول شحنة إلى الحدود.

 

أولاً: ما هو النظام الجمركي؟

يقصد بالنظام الجمركي مجموعة القواعد القانونية والإجرائية التي تنظم دخول البضائع إلى المملكة، وخروجها منها، وعبورها عبر الأراضي الأردنية، وتحدد الحقوق والالتزامات المتعلقة بالتصريح عن البضائع، وتصنيفها، وتقييمها، واستيفاء الرسوم والضرائب المستحقة عليها، متى كانت واجبة.

ويشمل هذا النظام أيضاً الرقابة الجمركية، والإجراءات الخاصة بالمناطق الحرة، والمستودعات الجمركية، والإعفاءات، والتسويات، والعقوبات المتعلقة بالمخالفات والجرائم الجمركية.

 

ثانياً: من هو المستورد ومن هو المصدر؟

قد يكون المستثمر:

  • مستورداً للمواد الخام.
  • مستورداً للآلات والمعدات.
  • مستورداً للمنتجات النهائية.
  • مصدراً للسلع المنتجة في الأردن.
  • أو يجمع بين الاستيراد والتصدير في آن واحد.

ويترتب على كل نشاط التزامات قانونية تختلف بحسب نوع البضاعة، والجهة المختصة، وطبيعة العمليات التجارية.

 

ثالثاً: مراحل العملية الجمركية

تمر عملية الاستيراد أو التصدير بعدة مراحل متتابعة، من أهمها:

  • إبرام العقد التجاري.
  • إعداد المستندات التجارية.
  • شحن البضائع.
  • وصولها إلى المركز الجمركي.
  • التصريح الجمركي.
  • فحص البضاعة عند الاقتضاء.
  • استكمال الموافقات المطلوبة.
  • استيفاء الرسوم والضرائب إذا كانت مستحقة.
  • الإفراج عن البضاعة أو تصديرها.

وأي خلل في إحدى هذه المراحل قد يؤدي إلى تأخير الإفراج عن الشحنة أو نشوء مسؤوليات قانونية.

 

رابعاً: التصنيف الجمركي

يعد التصنيف الجمركي من أهم المسائل الفنية والقانونية في العمل الجمركي، لأنه يؤثر بصورة مباشرة في تحديد المعاملة الجمركية المطبقة على البضاعة.

ويعتمد التصنيف على طبيعة السلعة وخصائصها، وفق القواعد والأنظمة المعمول بها.

ومن الأخطاء الشائعة تصنيف البضاعة بناءً على اسمها التجاري أو وصفها التسويقي، بينما العبرة تكون بخصائصها الفنية والقانونية وفق قواعد التصنيف.

 

تنبيه قانوني

قد يؤدي الخطأ في التصنيف الجمركي إلى فرض رسوم غير صحيحة، أو إلى نزاع مع الإدارة الجمركية، أو إلى تأخير الإفراج عن البضائع. ولذلك ينبغي التحقق من التصنيف قبل الشحن كلما كان ذلك ممكناً.

 

خامساً: قيمة البضاعة للأغراض الجمركية

إلى جانب التصنيف، تثير قيمة البضاعة أهمية كبيرة في تحديد الالتزامات المالية المترتبة على الاستيراد.

ويخضع تحديد القيمة للقواعد التي يقررها القانون والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ولا يجوز الاعتماد على تقديرات غير موثقة أو فواتير لا تعكس حقيقة الصفقة.

ولهذا، ينبغي الاحتفاظ بجميع المستندات التجارية الداعمة، مثل العقود والفواتير ومستندات النقل والتأمين، لإثبات القيمة عند الحاجة.

 

سادساً: قواعد المنشأ

لا يكفي معرفة الدولة التي شُحنت منها البضاعة، إذ قد تختلف دولة الشحن عن دولة المنشأ.

وتكتسب قواعد المنشأ أهمية خاصة لأنها قد تؤثر في:

  • الاستفادة من الاتفاقيات التجارية.
  • تطبيق الإعفاءات أو المعاملة التفضيلية.
  • متطلبات إثبات المنشأ.
  • القيود المفروضة على بعض السلع.
  • ومن ثم، فإن التحقق من منشأ البضاعة يعد جزءاً أساسياً من التخطيط لعمليات الاستيراد والتصدير.

 

سابعاً: الاتفاقيات التجارية

يرتبط الأردن بعدد من الاتفاقيات التجارية الإقليمية والدولية، وقد تمنح هذه الاتفاقيات مزايا لبعض السلع المستوفية لشروطها.

إلا أن الاستفادة من هذه المزايا لا تتم تلقائياً، وإنما تتطلب الالتزام بالشروط والإجراءات وإثبات المنشأ متى كان ذلك مطلوباً.

وسيخصص لهذه الاتفاقيات باب مستقل في النسخة الموسعة من هذه الموسوعة، يتناول أثرها على المستثمر الأجنبي.

 

ثامناً: المستودعات الجمركية والمناطق الحرة

في بعض الحالات، قد يختار المستثمر تخزين البضائع في مستودعات أو مناطق تخضع لأنظمة خاصة قبل طرحها في السوق أو إعادة تصديرها.

ويتيح هذا النظام مرونة تشغيلية في بعض الأنشطة، إلا أنه يخضع لضوابط قانونية وتنظيمية ينبغي الالتزام بها.

 

تاسعاً: المخالفات الجمركية

قد تنشأ المسؤولية الجمركية نتيجة مخالفات تختلف في طبيعتها وجسامتها، مثل:

  • تقديم بيانات غير صحيحة.
  • الخطأ في التصريح.
  • مخالفة القيود المفروضة على بعض السلع.
  • عدم استكمال الوثائق المطلوبة.
  • التصرف بالبضائع خلافاً للشروط النظامية.

ولا يشترط دائماً أن يكون الخطأ مقصوداً حتى تترتب عليه آثار قانونية، ولذلك فإن الامتثال والرقابة الداخلية عنصران أساسيان في إدارة المخاطر.

 

عاشراً: إدارة المخاطر الجمركية

من أفضل الممارسات التي ينبغي أن يعتمدها المستثمر:

  • مراجعة العقود التجارية قبل الاستيراد.
  • التحقق من التصنيف والمنشأ.
  • مراجعة المستندات قبل الشحن.
  • التنسيق بين الإدارة القانونية والإدارة اللوجستية.
  • الاحتفاظ بملف كامل لكل عملية استيراد أو تصدير.
  • مراجعة أي استفسارات أو قرارات جمركية فور صدورها.
  • إن معالجة الخطأ قبل وصول الشحنة أقل تكلفة بكثير من معالجته بعد احتجازها.

 

الحادي عشر: أكثر الأخطاء الجمركية شيوعاً

  • الاعتماد على وصف غير دقيق للبضاعة.
  • الخطأ في التصنيف الجمركي.
  • إغفال متطلبات إثبات المنشأ.
  • عدم مراجعة القيود الخاصة بالسلعة قبل الشحن.
  • تقديم فواتير أو مستندات غير مكتملة.
  • تجاهل أثر الاتفاقيات التجارية.
  • البدء بالاستيراد قبل دراسة الالتزامات التنظيمية.
  • عدم الاحتفاظ بالمستندات المؤيدة للمعاملة الجمركية.
  • إهمال متابعة التعديلات التشريعية.
  • عدم طلب المشورة القانونية في العمليات المعقدة.

 

إضاءات قضائية وفقهية

استقر الاجتهاد القضائي على أن الإجراءات الجمركية يجب أن تُمارس في إطار القانون، مع تمكين أصحاب العلاقة من ممارسة حقوقهم في الاعتراض والطعن وفق الأصول، وفي المقابل فإن المستورد أو المصدر يلتزم بتقديم بيانات صحيحة وكاملة، لأن صحة التصريح الجمركي تمثل أساس العلاقة مع الإدارة الجمركية.

 

خلاصة الباب

تمثل الجمارك نقطة الالتقاء بين التجارة الدولية والقانون، ويؤدي حسن إدارة العمليات الجمركية إلى تقليل الكلفة، وتسريع حركة البضائع، والحد من النزاعات مع الجهات المختصة.

 

 

الباب الخامس عشر: الملكية الفكرية للمستثمر الأجنبي في الأردن

العلامات التجارية وبراءات الاختراع وحقوق المؤلف والأسرار التجارية

تمهيد

لم يعد الاستثمار في القرن الحادي والعشرين قائماً على المباني والمعدات والآلات وحدها، بل أصبحت الأصول غير المادية تمثل العنصر الأكثر قيمة في كثير من المشروعات.

فالاسم التجاري، والعلامة التجارية، والبرمجيات، وقواعد البيانات، والتكنولوجيا، والتصاميم الصناعية، والأسرار التجارية، وحقوق التأليف، كلها تمثل اليوم أصولاً اقتصادية قد تتجاوز قيمتها قيمة الأصول المادية للشركة.

ولهذا، فإن المستثمر الذي يهمل حماية ملكيته الفكرية قد يخسر أهم عناصر مشروعه، حتى لو نجح في تأسيس الشركة وتحقيق المبيعات.

ومن هنا، فإن حماية الملكية الفكرية يجب أن تبدأ قبل دخول السوق، لا بعد ظهور المنافسين.

 

أولاً: ما هي الملكية الفكرية؟

يقصد بالملكية الفكرية مجموعة الحقوق التي يقررها القانون لحماية الإبداعات والابتكارات والحقوق الصناعية والتجارية والفنية والأدبية.

وبالنسبة للمستثمر، فإن أهم عناصر الملكية الفكرية تشمل:

  •  العلامات التجارية.
  • الأسماء التجارية.
  • براءات الاختراع.
  • الرسوم والنماذج الصناعية.
  • حقوق المؤلف.
  • البرامج الحاسوبية.
  • قواعد البيانات.
  • الأسرار التجارية.
  • المعرفة الفنية (Know-how).
  • التراخيص التقنية.

وتختلف طبيعة الحماية القانونية لكل حق من هذه الحقوق، كما تختلف إجراءات اكتسابه وإنفاذه.

 

ثانياً: لماذا تعد الملكية الفكرية من أهم أصول المستثمر؟

قد يستطيع المنافس تقليد المنتج أو تقديم خدمة مشابهة، لكنه لا يستطيع استخدام علامة تجارية محمية أو استغلال براءة اختراع أو نسخ برنامج حاسوبي أو كشف سر تجاري دون التعرض للمساءلة القانونية.

ولهذا، فإن حماية الملكية الفكرية تحقق للمستثمر عدة أهداف، منها:

  • حماية السمعة التجارية.
  • تعزيز ثقة العملاء.
  • منع التقليد غير المشروع.
  • زيادة قيمة المشروع.
  • تسهيل منح التراخيص للغير.
  • جذب المستثمرين.
  • دعم عمليات الاندماج والاستحواذ.
  • حماية الميزة التنافسية.

ولهذا السبب، أصبحت الشركات الكبرى تعتبر الملكية الفكرية جزءاً من استراتيجيتها الاستثمارية، وليس مجرد إجراء قانوني.

 

ثالثاً: العلامات التجارية

تُعد العلامة التجارية أكثر حقوق الملكية الفكرية ارتباطاً بالنشاط التجاري، لأنها الوسيلة التي تميز منتجات المشروع أو خدماته عن منتجات وخدمات المنافسين.

وقد تكون العلامة:

اسماً، شعاراً، رسماً، رمزاً، حرفاً أو رقماً.

مزيجاً من العناصر السابقة، وفي بعض الأنظمة القانونية، قد تمتد الحماية إلى عناصر أخرى إذا أجازها القانون.

 

أهمية تسجيل العلامة

من أكثر الأخطاء التي يقع فيها المستثمر الاعتقاد بأن استخدام العلامة يكفي لحمايتها.

والواقع أن التسجيل، متى كان القانون يشترطه أو يرتب عليه آثاراً خاصة، يوفر للمستثمر مركزاً قانونياً أقوى، وييسر حماية العلامة عند الاعتداء عليها أو عند محاولة تسجيلها من الغير.

ولهذا، ينبغي أن يكون تسجيل العلامة جزءاً من خطة دخول السوق، لا خطوة مؤجلة إلى ما بعد بدء النشاط.

 

تنبيه قانوني

قد يسجل المستثمر شركته ويطلق منتجاته ويصرف مبالغ كبيرة على التسويق، ثم يكتشف أن العلامة التي يستخدمها سبق تسجيلها أو أن تسجيلها غير ممكن بسبب تعارضها مع حقوق قائمة.

ولهذا، فإن البحث المسبق عن العلامة وتقييم قابليتها للتسجيل يجب أن يسبق إطلاقها في السوق.

 

رابعاً: الأسماء التجارية

يجب التمييز بين الاسم التجاري والعلامة التجارية.

فالاسم التجاري هو الاسم الذي تمارس الشركة أعمالها من خلاله، بينما العلامة التجارية هي الشارة التي تميز المنتجات أو الخدمات.

وقد يكون الاسم التجاري هو نفسه العلامة التجارية، وقد يختلف عنها، ولذلك ينبغي دراسة حماية كل منهما بصورة مستقلة.

 

خامساً: براءات الاختراع

إذا كان المستثمر يمتلك ابتكاراً تقنياً جديداً، فإن براءة الاختراع قد تمثل أهم وسيلة لحمايته.

وتهدف البراءة إلى منح صاحبها حقاً قانونياً في استغلال الاختراع ضمن الحدود والشروط التي يقررها القانون، مقابل الإفصاح عن الاختراع وفق الإجراءات النظامية.

ولا تُمنح البراءة لكل فكرة جديدة، بل يجب أن تستوفي الشروط التي يحددها القانون، ومنها الجدة، والخطوة الابتكارية، والقابلية للتطبيق الصناعي، وفقاً للتشريعات النافذة.

 

سادساً: الرسوم والنماذج الصناعية

لا يقتصر الابتكار على التكنولوجيا، بل قد يشمل التصميم الخارجي للمنتج.

ولهذا، تمنح التشريعات حماية لبعض التصاميم الصناعية التي تستوفي الشروط القانونية، بما يساعد المستثمر على حماية المظهر المميز لمنتجاته من التقليد غير المشروع.

 

سابعاً: حقوق المؤلف

قد يعتمد المشروع على:

  • برامج حاسوبية.
  • تطبيقات إلكترونية.
  • مواقع إلكترونية.
  • قواعد بيانات.
  • كتيبات تشغيل.
  • مواد تدريبية.
  • محتوى إعلامي أو تسويقي.

وجميع هذه العناصر قد تتمتع بالحماية وفق تشريعات حقوق المؤلف، بحسب طبيعتها واستيفائها للشروط القانونية.

ومن المهم أن ينظم المستثمر، بعقود واضحة، ملكية هذه الحقوق إذا كانت تُنتج بواسطة موظفين أو متعاقدين أو شركات تطوير خارجية.

 

ثامناً: الأسرار التجارية

ليست جميع عناصر المعرفة قابلة للتسجيل.

فبعض المعلومات تستمد قيمتها من سريتها، مثل:

  • طرق التصنيع.
  • الوصفات.
  • قواعد العملاء.
  • استراتيجيات التسويق.
  • خطط التسعير.
  • البيانات الفنية.

وتحمي التشريعات هذه المعلومات متى استوفت شروط السرية واتخذ صاحبها إجراءات معقولة للمحافظة عليها.

ولهذا، فإن حماية الأسرار التجارية لا تعتمد على القانون وحده، بل على السياسات الداخلية للشركة واتفاقيات السرية.

 

تاسعاً: عقود نقل التكنولوجيا والترخيص

قد لا يرغب المستثمر في نقل ملكية حقوقه الفكرية، وإنما يفضل منح الغير ترخيصاً باستخدامها.

وفي هذه الحالة، ينبغي أن يعالج العقد مسائل مثل:

  • نطاق الترخيص.
  • مدته.
  • الإقليم الجغرافي.
  • المقابل المالي.
  • معايير الجودة.
  • إنهاء الترخيص.
  • حماية السرية.
  • معالجة التحسينات المستقبلية.

وصياغة هذه العقود بصورة دقيقة تضمن تحقيق التوازن بين استغلال الحق والمحافظة عليه.

 

عاشراً: إنفاذ حقوق الملكية الفكرية

لا تكفي حماية الحق على الورق، بل يجب أن تتوافر وسائل فعالة لإنفاذه.

وقد يلجأ صاحب الحق، بحسب طبيعة الاعتداء، إلى:

  • المطالبة بوقف الاعتداء.
  • المطالبة بالتعويض.
  • اتخاذ الإجراءات التحفظية التي يجيزها القانون.
  • اللجوء إلى القضاء المدني أو الجزائي أو الإداري بحسب الأحوال.

وتختلف الوسائل القانونية باختلاف نوع الحق المعتدى عليه والوقائع المحيطة به.

 

الحادي عشر: أكثر الأخطاء التي يقع فيها المستثمرون

  • إطلاق العلامة التجارية قبل التحقق من إمكانية تسجيلها.
  • الاعتقاد بأن تسجيل الشركة يحمي العلامة التجارية.
  • عدم تسجيل الحقوق الفكرية في الوقت المناسب.
  • إغفال توقيع اتفاقيات السرية مع الموظفين أو الشركاء.
  • استخدام صور أو برامج أو محتوى دون التحقق من حقوق استخدامها.
  • عدم تنظيم ملكية البرمجيات التي يطورها المتعاقدون.
  • منح تراخيص استخدام دون عقود مكتوبة.
  • عدم متابعة التعديات على الحقوق الفكرية.
  • التأخر في اتخاذ الإجراءات عند اكتشاف التقليد.
  • الاعتقاد بأن الحماية في دولة أخرى تمتد تلقائياً إلى الأردن.

 

إضاءات قضائية وفقهية

استقر الفقه والقضاء على أن حقوق الملكية الفكرية، وإن كانت غير مادية، فإنها تعد من الأموال التي تستحق الحماية القانونية، ويترتب على الاعتداء عليها مسؤولية مدنية، وقد تترتب في بعض الحالات مسؤولية جزائية أو إدارية وفقاً لطبيعة الحق المعتدى عليه وأحكام التشريعات الخاصة.

 

خلاصة الباب

تمثل الملكية الفكرية رأس المال غير المرئي للمشروع، وهي في كثير من الأحيان العنصر الذي يميز المستثمر عن منافسيه ويمنحه ميزة تنافسية مستدامة.

ومن ثم، فإن حماية العلامة التجارية، والابتكارات، والبرمجيات، والأسرار التجارية يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية الاستثمار منذ اليوم الأول، لا مجرد إجراء قانوني يُتخذ بعد نجاح المشروع.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك الحسين.

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604   00962

محامي في الموقر

محامي في الموقر

محامي في الموقر – الخدمات القانونية في لواء الموقر

مقدمة

تُعد الاستعانة بمحامٍ من الوسائل القانونية التي تكفل للأفراد والشركات فهم حقوقهم والتزاماتهم، والتعامل مع الإجراءات القانونية على نحو يتفق مع أحكام التشريعات النافذة.

ولا يقتصر دور المحامي على الحضور أمام المحاكم، بل يمتد ليشمل تقديم المشورة القانونية، وصياغة العقود، وتمثيل الموكلين أمام الجهات القضائية والإدارية، والمساهمة في تسوية المنازعات بالطرق التي يجيزها القانون.

ويشهد لواء الموقر تطوراً عمرانياً واقتصادياً ملحوظاً، مع ازدياد المشروعات السكنية والاستثمارية والصناعية والزراعية، الأمر الذي ادى الى توسع مكتب العبادي للمحاماة ليغطي خدمات هذا اللواء.

حيث وقع مكتب العبادي للمحاماة اتفاقية تعاون مع مكتب المرشد للمحاماة في لواء الموقر.

 

تتناول هذه المقالة الدور الذي يؤديه المحامي في الموقر، وأبرز الخدمات القانونية التي قد يحتاج إليها الأفراد والمنشآت، مع بيان أهمية الاستشارة القانونية المبكرة في الحد من المنازعات وحماية الحقوق.

 

أولاً: من هو المحامي وما طبيعة دوره؟

المحامي هو الشخص المجاز قانوناً لممارسة مهنة المحاماة بعد استيفاء الشروط التي حددها قانون نقابة المحامين النظاميين الأردنيين، ويباشر عمله في الدفاع عن الحقوق، وتقديم الاستشارات القانونية، وتمثيل الموكلين أمام المحاكم والنيابة العامة والجهات الرسمية وهيئات التحكيم، وذلك ضمن الحدود التي يرسمها القانون.

وتقوم رسالة المحاماة على المساهمة في تحقيق العدالة وسيادة القانون، من خلال ضمان ممارسة حق الدفاع، وإبداء الرأي القانوني، ومساعدة الأفراد والمؤسسات على فهم التشريعات والإجراءات التي تنظم معاملاتهم ونزاعاتهم.

ولذلك فإن دور المحامي لا يبدأ عند إقامة الدعوى فحسب، وإنما يبدأ في كثير من الأحيان قبل نشوء النزاع، عندما يطلب أحد الأطراف استشارة قانونية أو مراجعة عقد أو تقييم إجراء قانوني قبل اتخاذه.

 

ثانياً: متى تكون الاستعانة بمحامٍ أمراً مهماً؟

قد يواجه الشخص خلال حياته اليومية مواقف قانونية متعددة، بعضها يبدو بسيطاً في ظاهره، إلا أنه قد يرتب آثاراً قانونية مهمة إذا لم يُتعامل معه بطريقة صحيحة.

 

ومن أبرز الحالات التي يُستحسن فيها استشارة محامٍ:

– قبل توقيع العقود والاتفاقيات.

– عند شراء أو بيع العقارات والأراضي.

– عند تأسيس شركة أو الانضمام إلى شراكة تجارية.

– عند تلقي مطالبة مالية أو إنذار عدلي.

– عند التعرض لحادث ترتب عليه ضرر أو إصابة.

– عند وجود نزاع عمالي بين العامل وصاحب العمل.

– عند فتح تحقيق جزائي أو تقديم شكوى جزائية.

– عند الرغبة في تنفيذ حكم قضائي أو الاعتراض عليه.

– عند وجود خلافات تتعلق بالميراث أو الأموال المشتركة وإزالة الشيوع.

– عند الحاجة إلى تسجيل علامة تجارية أو حماية حق من حقوق الملكية الفكرية.

 

فالاستشارة القانونية المبكرة قد تساعد على تجنب كثير من المنازعات، أو الحد من آثارها، أو اختيار الإجراء القانوني الأنسب منذ البداية.

 

ثالثاً: أبرز القضايا القانونية في لواء الموقر

بحكم طبيعة النشاط الاقتصادي والعمراني في لواء الموقر، تبرز مجموعة من المنازعات القانونية التي تتكرر بصورة ملحوظة، من أهمها:

 

القضايا العقارية

تُعد المنازعات العقارية من أكثر القضايا شيوعاً، وتشمل النزاعات المتعلقة بعقود البيع، وإثبات الملكية، ومنع المعارضة، وإزالة الشيوع، والقسمة، وفسخ العقود، والمطالبة بالتعويض عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية.

كما قد تنشأ منازعات بشأن حدود الأراضي، أو تنفيذ عقود البيع، أو تسجيل الحقوق العينية، وهي مسائل تستلزم مراعاة أحكام القانون المدني وقوانين التسجيل والأراضي.

 

القضايا والمطالبات التجارية

مع توسع الأنشطة التجارية والاستثمارية في المنطقة، قد تنشأ منازعات بين التجار أو الشركات حول تنفيذ العقود، أو المطالبات المالية، أو الشراكات التجارية، أو الأوراق التجارية، أو المسؤولية الناشئة عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية.

وفي مثل هذه القضايا، يكون من المهم دراسة العلاقة القانونية بين الأطراف، والاطلاع على المستندات والاتفاقيات، واختيار الوسيلة القانونية المناسبة للمطالبة بالحقوق أو الدفاع عنها.

 

القضايا الجزائية

تشمل القضايا الجزائية طيفاً واسعاً من الجرائم التي تختلف بحسب طبيعتها وظروفها مثل قضايا المخدرات والجنايات الكبرى، ويكفل القانون لكل من المشتكي والمشتكى عليه حقوقاً وإجراءات يجب احترامها خلال مراحل التحقيق والمحاكمة، بما في ذلك حق الدفاع، وحق تقديم البينات، والطعن بالأحكام وفقاً للقانون.

 

قضايا العمل

قد تنشأ منازعات بين العامل وصاحب العمل بشأن الأجور، أو إنهاء عقد العمل، أو مكافأة نهاية الخدمة، أو الإجازات، أو إصابات العمل، أو غير ذلك من الحقوق التي نظمها قانون العمل الأردني.

وتتطلب هذه القضايا دراسة عقد العمل، وطبيعة العلاقة بين الطرفين، ومدى انطباق النصوص القانونية على الوقائع محل النزاع.

 

رابعاً: أهمية صياغة العقود بصورة قانونية

العقد هو الأساس الذي ينظم كثيراً من العلاقات المدنية والتجارية، ولذلك فإن صياغته بصورة واضحة ودقيقة تساعد على تقليل فرص النزاع مستقبلاً.

ويُراعى عند إعداد العقود تحديد حقوق والتزامات كل طرف، وآلية التنفيذ، والحالات التي يترتب عليها الفسخ أو التعويض، وطريقة تسوية المنازعات، مع مراعاة الأحكام الآمرة الواردة في التشريعات الأردنية.

كما أن مراجعة العقد قبل توقيعه قد تكشف عن بنود تحتاج إلى تعديل أو توضيح، بما يحقق التوازن بين الأطراف ويحد من الخلافات المستقبلية.

 

خامساً: دور المحامي في تسوية المنازعات

لا يقتصر عمل المحامي على إقامة الدعاوى أمام القضاء، بل قد يكون من الأنسب في بعض الحالات السعي إلى تسوية النزاع ودياً إذا كانت ظروف القضية تسمح بذلك، وبما يحقق مصلحة الأطراف ويوفر الوقت والجهد والنفقات.

كما قد تُحل بعض المنازعات عن طريق التفاوض أو الوساطة أو التحكيم، متى أجاز القانون ذلك واتفق عليه الأطراف.

ويختلف الأسلوب الأنسب لتسوية النزاع باختلاف طبيعة العلاقة القانونية والوقائع الخاصة بكل حالة.

 

سادساً: اختيار المحامي

عند اختيار المحامي، يُستحسن مراعاة عدد من الاعتبارات، من أهمها:

– أن يكون مجازاً لممارسة المهنة وفق القانون.

– أن يوضح للموكل الإجراءات القانونية المتوقعة بصورة واقعية.

– أن يلتزم بالمحافظة على سرية المعلومات.

– أن يتواصل مع موكله بصورة منتظمة بشأن مستجدات القضية.

– أن يبين الخيارات القانونية المتاحة وآثار كل خيار.

ولا يرتبط اختيار المحامي بقرب المكتب الجغرافي فحسب، إذ إن المحامين النظاميين في الأردن يباشرون أعمالهم أمام المحاكم ضمن الحدود التي يقررها القانون، ويستطيعون تمثيل موكليهم في مختلف المحافظات بحسب طبيعة القضية واختصاص المحكمة.

 

خاتمة

إن المعرفة القانونية تمثل خطوة أساسية في حماية الحقوق والوفاء بالالتزامات، سواء تعلق الأمر بعلاقة تعاقدية، أو نزاع مدني، أو قضية جزائية، أو معاملة تجارية أو إدارية.

ويُعد اللجوء إلى المشورة القانونية في الوقت المناسب من الوسائل التي تساعد على تجنب كثير من الإشكالات العملية، كما يسهم في اختيار الإجراء القانوني الملائم وفقاً لظروف كل حالة، وبما ينسجم مع أحكام التشريعات الأردنية النافذة.

وتبقى كل قضية ذات ظروفها ووقائعها الخاصة، الأمر الذي يجعل التقييم القانوني مرتبطاً بملابسات كل حالة على حدة، وبما يظهر من مستندات وبيانات وأدلة، دون إمكانية تعميم نتيجة قانونية واحدة على جميع الحالات.

 

مكتب العبادي للمحاماة

هاتف رقم: 0798333357

محامي في الموقر

7 مبادئ قانونية تتعلق بالمطالبات التجارية وشركات التضامن

المطالبة التجارية وشركات التضامن

7 مبادئ قانونية أرستها محكمة التمييز بشأن المطالبات التجارية وشركات التضامن

مقدمة

تشكل الأحكام الصادرة عن محكمة التمييز الأردنية مرجعاً مهماً في توحيد الاجتهاد القضائي وتفسير النصوص القانونية، ولا سيما في المنازعات التجارية التي تتشابك فيها أحكام قانون التجارة مع قانون الشركات والقانون المدني وقانون البينات.

ويعد القرار رقم (1400 لسنة 2025) من الأحكام التي عالجت في قضية واحدة عدداً من المسائل القانونية الدقيقة، أبرزها تحديد مدة التقادم الواجب تطبيقها على المطالبات التجارية، ومدى اشتراط توجيه الإنذار العدلي قبل إقامة الدعوى، وحجية القيود التجارية وكشوف الحساب الإلكترونية في الإثبات، وحدود مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة، وأثر التخارج من التركة على تلك المسؤولية، فضلاً عن تطبيق يمين الاستظهار في مواجهة ورثة الشريك المتوفى.

وتبرز أهمية هذا القرار في أنه لم يقتصر على الفصل في النزاع المعروض، وإنما وضع مجموعة من المبادئ العملية التي يسترشد بها المحامون والقضاة والشركات التجارية عند مباشرة دعاوى المطالبة بالديون التجارية، الأمر الذي يجعله من الأحكام الجديرة بالدراسة والتحليل.

 

تتناول هذه المقالة أهم المبادئ القانونية التي أرستها المحكمة، مع بيان الأساس التشريعي لكل مبدأ وأثره العملي في الدعاوى التجارية.

 

أولاً: التقادم في المطالبات التجارية بين التجار يخضع لقانون التجارة لا للقانون المدني

من أبرز الدفوع التي أثارها الطاعن أمام محكمة التمييز تمسكه بأن الدعوى أصبحت غير مسموعة لمرور الزمن استناداً إلى أحكام القانون المدني، باعتبار أن المطالبة مضى عليها أكثر من المدة التي اعتبرها واجبة التطبيق.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع بصورة قاطعة، وأكدت أن العبرة ليست بطبيعة الدين فحسب، وإنما بطبيعة العلاقة القانونية التي نشأ عنها الدين.

فقد ثبت للمحكمة أن المدعية شركة تمارس بيع الباطون الجاهز، وأن المدعى عليها شركة تضامن تمارس أعمال المقاولات، وأن المطالبة ناشئة عن تعامل تجاري بين تاجرين، الأمر الذي يجعل العلاقة خاضعة لأحكام قانون التجارة لا لأحكام القانون المدني.

وبناءً على ذلك طبقت المحكمة أحكام المادة (58) من قانون التجارة، واعتبرت أن التقادم الواجب التطبيق هو التقادم التجاري ومدته عشر سنوات، وليس التقادم المدني الذي استند إليه المميز، وانتهت إلى أن الدعوى أقيمت قبل انقضاء هذه المدة، مما يجعلها مسموعة قانوناً.

ويؤكد هذا الاتجاه قاعدة قانونية مستقرة مؤداها أن الوصف التجاري للعلاقة القانونية يطغى على القواعد العامة الواردة في القانون المدني، باعتبار أن قانون التجارة هو قانون خاص، والقاعدة أن الخاص يقيد العام.

ومن الناحية العملية، فإن هذا المبدأ يمنع المدين من التمسك بالتقادم المدني كلما كانت المطالبة ناشئة عن علاقة تجارية بين تاجرين، حتى ولو كانت المطالبة عبارة عن رصيد حساب أو قيمة بضائع أو خدمات تم توريدها.

كما يبرز من هذا الحكم أن تحديد القانون الواجب التطبيق يبدأ أولاً بتكييف العلاقة القانونية، لأن الخطأ في التكييف يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في تحديد مدة التقادم.

وبذلك أرست المحكمة مبدأ بالغ الأهمية يتمثل في أن المطالبة التجارية بين تاجرين تخضع للتقادم التجاري المنصوص عليه في قانون التجارة، ولا يجوز إخضاعها للتقادم المدني لمجرد أن المطالبة تتعلق بدين مالي.

 

ثانياً: المطالبة برصيد المديونية التجارية لا تستوجب توجيه إنذار عدلي قبل إقامة الدعوى

من المسائل التي كثيراً ما تثار أمام المحاكم، سواء من قبل المدينين أو حتى بعض الممارسين، الاعتقاد بأن إقامة أي دعوى ناشئة عن عقد تستوجب بالضرورة توجيه إنذار عدلي أو إعذار مسبق، استناداً إلى نص المادة (246/1) من القانون المدني.

وقد حسمت محكمة التمييز هذه المسألة في القرار محل الدراسة، ووضعت حداً للخلط بين نوعين مختلفين من الدعاوى.

فقد تمسك المميز بأن الدعوى أقيمت قبل أوانها لعدم قيام الشركة المدعية بتوجيه إنذار عدلي إليه قبل إقامة الدعوى، واحتج بأن المادة (246/1) من القانون المدني تشترط إعذار المدين قبل اللجوء إلى القضاء، وأن عدم مراعاة هذا الشرط يؤدي إلى عدم سماع الدعوى.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وبيّنت أن المادة (246) من القانون المدني تنطبق على حالة خاصة، وهي الحالة التي يطلب فيها أحد المتعاقدين تنفيذ العقد أو فسخه بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزاماته العقدية، حيث يكون الإعذار وسيلة لمنح المدين فرصة أخيرة لتنفيذ التزامه قبل ترتيب الآثار القانونية المترتبة على عدم التنفيذ.

أما إذا كانت الدعوى لا تستهدف فسخ العقد أو إجبار المدين على تنفيذ التزام تعاقدي، وإنما تهدف إلى المطالبة بدين مستحق أو برصيد مديونية ثابت نشأ عن تنفيذ العقد فعلاً، فإن الإعذار لا يكون شرطاً لقبول الدعوى.

وفي القضية محل البحث، كانت العلاقة العقدية قد نُفذت بالفعل؛ إذ قامت الشركة المدعية بتوريد الباطون الجاهز إلى شركة المقاولات، وأصبح محل النزاع مقتصراً على عدم سداد قيمة البضائع الموردة.

وبالتالي فإن الدعوى لم تكن دعوى تنفيذ عقد أو فسخه، وإنما دعوى مطالبة بقيمة دين تجاري مستحق، الأمر الذي لا يستوجب توجيه إنذار عدلي.

ولتعزيز هذا الاتجاه، استندت المحكمة إلى اجتهادها السابق في القرار التمييزي الحقوقي رقم (3507/2018) ، الذي قرر صراحة أن المطالبة برصيد المديونية لا تستوجب توجيه إنذار عدلي قبل إقامة الدعوى، وهو ما يدل على استقرار هذا المبدأ في القضاء الأردني.

 

التفرقة بين الإعذار والمطالبة القضائية

تكمن أهمية هذا الحكم في أنه يميز بين مرحلتين قانونيتين مختلفتين:

الأولى، مرحلة تنفيذ العقد، حيث يكون العقد ما يزال قائماً، ويكون المطلوب إلزام المدين بتنفيذ التزامه أو فسخ العقد بسبب إخلاله به.

وفي هذه الحالة، يكون الإعذار في كثير من الصور شرطاً لازماً حتى يثبت امتناع المدين عن التنفيذ رغم مطالبته بذلك.

أما الثانية، فهي مرحلة ما بعد تنفيذ الالتزام من جانب الدائن، حيث يصبح محل النزاع ديناً مالياً محدداً ومستحق الأداء.

ففي هذه المرحلة لا يكون محل الدعوى هو العقد ذاته، وإنما الالتزام المالي الناشئ عنه، ولذلك لا يشترط القانون إنذار المدين قبل إقامة الدعوى، لأن حق الدائن في المطالبة القضائية يكون قد نشأ بمجرد حلول أجل الدين وامتناع المدين عن الوفاء.

ومن ثم فإن الخلط بين هاتين الحالتين يؤدي إلى التمسك بدفوع لا سند لها من القانون، وهو ما أكدته محكمة التمييز بوضوح في هذا القرار.

 

الأهمية العملية للمبدأ

يكتسب هذا المبدأ أهمية كبيرة في المنازعات التجارية، إذ إن معظم دعاوى التجار تدور حول المطالبة بقيمة بضائع أو خدمات أو مستحقات مالية، وليس حول فسخ العقود أو إجبار المتعاقد على تنفيذها.

فلو اشترط توجيه إنذار عدلي في جميع هذه الحالات لأصبح ذلك قيداً غير مبرر على حق الدائن في اللجوء إلى القضاء، ولأدى إلى إطالة أمد المنازعات التجارية وتعطيل سرعة الفصل فيها، وهو ما يتعارض مع الطبيعة الخاصة للمعاملات التجارية التي تقوم على السرعة والائتمان واستقرار التعامل.

كما يوجه هذا الحكم رسالة عملية للمحامين عند إعداد لوائح الدعاوى والدفوع، مفادها أن الدفع بعدم توجيه إنذار عدلي لن يكون منتجاً إذا كانت الدعوى مجرد مطالبة بدين تجاري مستحق، لأن المحكمة ستنظر إلى طبيعة الطلبات لا إلى مجرد وجود عقد بين الطرفين.

 

وعليه، فإن المبدأ الذي استقر عليه القضاء الأردني يمكن صياغته بالعبارة الآتية:

إذا كان محل الدعوى هو المطالبة برصيد مديونية أو دين تجاري مستحق بعد تنفيذ العقد، فإن توجيه الإنذار العدلي لا يعد شرطاً لقبول الدعوى، ولا يؤدي عدم توجيهه إلى اعتبار الدعوى سابقة لأوانها، لأن الإعذار المنصوص عليه في المادة (246) من القانون المدني يقتصر على دعاوى تنفيذ العقد أو فسخه، ولا يمتد إلى دعاوى المطالبة بالديون التجارية المستحقة.

 

ثالثاً: مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة والتنفيذ على أمواله الخاصة

من المبادئ المهمة التي أكدها هذا القرار ما يتعلق بحدود مسؤولية الشريك المتضامن عن الالتزامات المالية التي تترتب في ذمة شركة التضامن، وهي من أكثر المسائل إثارة للنزاع أمام المحاكم، ولا سيما عندما تتعثر الشركة في الوفاء بديونها، فيسعى الدائن إلى التنفيذ مباشرة على أموال الشركاء الشخصية.

وقد أثار المميز في هذه الدعوى دفعاً مؤداه أن محكمة الاستئناف لم تطبق بصورة صحيحة أحكام المادتين (26) و(27) من قانون الشركات، ولم تتحقق من تاريخ شراكته في الشركة وما إذا كان شريكاً عند نشوء الدين، كما دفع بعدم التثبت من وجود تركة للشريك المتوفى، معتبراً أن ذلك يؤثر في مدى مسؤوليته عن الدين المطالب به.

إلا أن محكمة التمييز لم تأخذ بهذه الدفوع، وقررت أن الحكم المطعون فيه جاء موافقاً لصحيح القانون.

 

أولاً: مسؤولية الشريك المتضامن ليست مسؤولية مستقلة عن الشركة

الأصل أن شركة التضامن تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة عن شخصية الشركاء، ولها ذمة مالية مستقلة تكتسب بها الحقوق وتتحمل الالتزامات.

إلا أن المشرع الأردني، حمايةً للدائنين وتعزيزاً للائتمان التجاري، قرر مسؤولية الشركاء المتضامنين مسؤولية شخصية وغير محدودة عن ديون الشركة.

غير أن هذه المسؤولية لا تعني جواز التنفيذ مباشرة على الأموال الخاصة للشريك بمجرد صدور الحكم، وإنما يجب احترام الترتيب الذي رسمه القانون، والمتمثل في التنفيذ على أموال الشركة أولاً، فإذا لم تكفِ للوفاء بالدين، جاز الرجوع على الأموال الخاصة للشركاء المتضامنين.

وهذا ما التزمت به محكمة البداية، وأيدته محكمتا الاستئناف والتمييز، عندما قضت بإلزام الشركة والشريك المتضامن بالدين، مع النص صراحة على عدم التنفيذ على أموال الشريك الخاصة إلا بعد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين، تطبيقاً لأحكام المادة (27) من قانون الشركات.

ويؤكد هذا القضاء أن مسؤولية الشريك المتضامن، وإن كانت شخصية وغير محدودة، إلا أنها ليست مسؤولية ابتدائية، وإنما هي مسؤولية احتياطية من حيث إجراءات التنفيذ، بحيث تظل أموال الشركة هي الضمان الأول للوفاء بحقوق الدائنين.

 

ثانياً: عبء إثبات عدم صفة الشريك يقع على من يدعيها

حاول المميز أن يدفع بأن المحكمة لم تتحقق مما إذا كان شريكاً وقت نشوء الدين، وكأن المحكمة كان يتعين عليها أن تبحث من تلقاء نفسها تاريخ انضمامه إلى الشركة.

غير أن محكمة التمييز رفضت هذا الطرح، وقررت أن شهادة تسجيل الشركة أثبتت أنه شريك مؤسس ومفوض بالتوقيع عنها، ولم يقدم أي بينة تفيد أنه انضم إلى الشركة بعد نشوء الدين، بل إنه لم يدفع بذلك أصلاً أمام محكمة الموضوع، وإنما اكتفى بالقول إن المحكمة لم تتحقق من هذه المسألة.

ولذلك رأت المحكمة أنه لا محل لإثارة هذا الدفع، لأن من يتمسك بعدم مسؤوليته لعدم كونه شريكاً وقت نشوء الالتزام يقع عليه عبء إثبات هذا الادعاء، ولا يلتزم القضاء بإجراء تحقيق من تلقاء نفسه في واقعة لم ينازع فيها الخصوم بصورة جدية.

ويستفاد من ذلك أن شهادة تسجيل الشركة الصادرة عن مراقب الشركات تتمتع بقيمة إثباتية عالية فيما يتعلق ببيان أسماء الشركاء وصفاتهم، وأن من يدعي خلاف ما ورد فيها يقع عليه عبء تقديم الدليل.

 

ثالثاً: حماية استقرار المعاملات التجارية

يعكس هذا التوجه القضائي فلسفة تشريعية واضحة تقوم على حماية استقرار الائتمان التجاري.

فالتاجر الذي يتعامل مع شركة تضامن يعتمد في كثير من الأحيان على الملاءة المالية للشركاء المتضامنين، ولذلك فإن السماح للشريك بالتخلص من مسؤوليته بمجرد إثارة دفوع شكلية أو بادعاءات غير مثبتة من شأنه أن يهدر الثقة في هذا النوع من الشركات.

ومن هنا، فإن القضاء الأردني يتعامل بحزم مع الدفوع التي تستهدف نفي صفة الشريك أو التملص من الالتزامات التجارية دون تقديم بينة قانونية واضحة تؤيدها.

 

رابعاً: التنفيذ على الشريك لا يكون إلا وفق الضوابط القانونية

ويبرز من القرار أيضاً أن المحكمة فرقت بين الحكم بالمسؤولية وإجراءات التنفيذ.

فالحكم قد يصدر بإلزام الشركة والشريك المتضامن معاً، إلا أن التنفيذ على الأموال الخاصة للشريك يبقى مقيداً بالضوابط التي رسمها قانون الشركات، فلا يجوز تجاوز الذمة المالية للشركة والانتقال مباشرة إلى أموال الشريك، إلا بعد استنفاد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين.

 

وهذا التطبيق يحقق التوازن بين مصلحتين متعارضتين:

مصلحة الدائن في الحصول على حقه وعدم تعطيل التنفيذ.

ومصلحة الشريك في عدم تعريض أمواله الخاصة للتنفيذ قبل استنفاد الضمان الأصلي المتمثل في أموال الشركة.

وبذلك يكون القرار قد أكد أن المسؤولية الشخصية للشريك المتضامن لا تلغي استقلال الذمة المالية للشركة، وإنما تكملها عند عجزها عن الوفاء.

 

خلاصة المبدأ

يمكن استخلاص المبدأ الذي أرسته محكمة التمييز بالصياغة الآتية:

يظل الشريك المتضامن مسؤولاً شخصياً عن ديون شركة التضامن متى ثبتت صفته كشريك عند نشوء الالتزام، إلا أن التنفيذ على أمواله الخاصة لا يكون إلا بعد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين، كما أن عبء إثبات زوال صفة الشريك أو عدم قيامها يقع على من يتمسك بهذا الدفع، ولا تلتزم المحكمة بالبحث فيه من تلقاء نفسها ما لم يقدم بشأنه دليل جدي.

 

رابعاً: حجية كشوف الحساب الإلكترونية والقيود التجارية في إثبات المطالبات التجارية وحدود رقابة محكمة التمييز على وزن البينة

يعد الإثبات من أكثر الجوانب حساسية في المنازعات التجارية، إذ لا يكفي أن يدعي التاجر وجود دين في ذمة المدين، وإنما يتعين عليه إقامة الدليل على مصدر هذا الدين ومقداره واستحقاقه.

ومع التطور التقني واعتماد الشركات على الأنظمة المحاسبية الإلكترونية، برز التساؤل حول مدى حجية كشوف الحساب الإلكترونية والمستخرجات المحاسبية في الإثبات، وهل تكفي وحدها لإثبات المديونية، أم لا بد من وجود مستندات ورقية موقعة من المدين؟

وقد أجابت محكمة التمييز عن هذه التساؤلات من خلال القرار محل الدراسة، حيث رفضت جميع الدفوع التي تمسك بها المميز بشأن عدم وجود توقيع أو ختم على كشف الحساب أو على سندات التسليم، وأقرت بصحة ما انتهت إليه محكمتا الموضوع من اعتماد تلك البينات في إثبات المديونية.

 

أولاً: كشف الحساب الإلكتروني لا يفقد قيمته الثبوتية لمجرد خلوه من توقيع المدين

استند الطاعن إلى أن كشف الحساب المقدم من الشركة المدعية لم يحمل توقيعاً أو خاتماً صادراً عن الشركة المدعى عليها، كما أنه أنكر نسبته إليه، واعتبر أن ذلك يفقده أي حجية قانونية.

إلا أن المحكمة لم تنظر إلى كشف الحساب باعتباره ورقة منفردة، وإنما تعاملت معه باعتباره جزءاً من منظومة متكاملة من وسائل الإثبات، حيث ثبت لها أن الكشف مستخرج من النظام المحاسبي الإلكتروني للشركة، ويتضمن جميع البيانات المتعلقة بعمليات التوريد، بما في ذلك تاريخ كل عملية، ورقم سند المبيعات، وقيمة البضاعة، وبداية التوريد ونهايته، الأمر الذي يمنحه قدراً كبيراً من المصداقية عند اقترانه بباقي عناصر الإثبات.

ويستفاد من هذا التوجه أن القضاء الأردني لا يقف عند الشكل الظاهري للمستند، وإنما يبحث في مصدره وطريقة تنظيمه ومدى انسجامه مع بقية البينات، وهو اتجاه يتلاءم مع طبيعة التعاملات التجارية الحديثة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الأنظمة الإلكترونية في إدارة الحسابات والقيود المالية.

 

ثانياً: تكامل الأدلة هو الأساس في الإثبات التجاري

لم تعتمد المحكمة على كشف الحساب وحده، وإنما أشارت إلى أن المدعية قدمت اتفاقية توريد الباطون المبرمة مع الشركة المدعى عليها، كما قدمت كشف الحساب التفصيلي، إضافة إلى شهادات عدد من موظفيها الذين أكدوا صحة عمليات التوريد ومطابقة كشف الحساب لسندات التسليم والقيود المحاسبية الداخلية.

فقد شهد مندوب المبيعات الذي أبرم اتفاقية التوريد بأنه أشرف على تنظيم الاتفاقية، وأن الشركة قامت فعلاً بتوريد الباطون إلى المشروع محل الدعوى، وأنه كان يتابع مع الشريك المتضامن المطالبة بسداد قيمة المستحقات.

كما شهد الموظف المختص بالحسابات بأنه هو الذي نظم كشف الحساب، وأنه استند في ذلك إلى سندات التسليم الموجودة في ملفات الشركة، وأن الرصيد الوارد في الكشف مطابق للسجلات المحاسبية.

وأكد شاهد ثالث أن الشركة تعمل وفق نظام محاسبي أصولي، وأن سندات التسليم موجودة، وأن الذمة المالية للمدعى عليها ما زالت مشغولة بالمبلغ المطالب به.

ومن خلال هذه البينات مجتمعة، خلصت المحكمة إلى أن المدعية أقامت الدليل الكافي على وجود الدين، وأن إنكار المدعى عليه لم يكن مجرداً من الدليل فحسب، بل خلا أيضاً من أي مطعن جدي في صحة المستندات أو النظام المحاسبي الذي استخرجت منه.

 

ثالثاً: الإنكار المجرد لا يهدم الدليل

من المبادئ المهمة التي يمكن استخلاصها من هذا الحكم أن الإنكار المجرد لا يكفي لإهدار قيمة البينات التجارية.

فليس كل إنكار لخط أو توقيع يؤدي تلقائياً إلى سقوط المستند، وإنما يتعين على من يتمسك بهذا الإنكار أن يبين أوجه الطعن بصورة جدية، وأن يقدم ما يثير الشك في صحة المستند أو في مصدره أو في طريقة تنظيمه.

أما إذا اقتصر الأمر على مجرد القول بأن كشف الحساب لا يحمل توقيع المدين، مع وجود اتفاقية التوريد وشهادة الموظفين والقيود المحاسبية المؤيدة له، فإن هذا الإنكار لا يكون منتجاً، ولا يزعزع اقتناع المحكمة بصحة المديونية.

وهذا الاتجاه يتفق مع الطبيعة العملية للمعاملات التجارية، إذ إن كثيراً من عمليات التوريد اليومية لا يوقع فيها التاجر على كشف الحساب النهائي، وإنما يتم إثباتها من خلال النظام المحاسبي والفواتير وسندات التسليم والقيود التجارية.

 

رابعاً: سلطة محكمة الموضوع في وزن البينة

لم يقتصر الطعن على المستندات، بل امتد إلى الطعن في شهادات الشهود، حيث ادعى المميز أنها جاءت متناقضة وغير منسجمة وغير منتجة.

إلا أن محكمة التمييز أعادت التأكيد على أحد المبادئ القضائية المستقرة، وهو أن وزن البينة وتقدير أقوال الشهود واستخلاص الوقائع من الأدلة يدخل في صميم السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، ولا تخضع هذه السلطة لرقابة محكمة التمييز، ما دام استخلاص المحكمة سائغاً وله أصل ثابت في أوراق الدعوى ولم يشبه فساد في الاستدلال أو مخالفة للقانون.

ويعد هذا المبدأ من أكثر المبادئ استقراراً في القضاء الأردني، إذ يميز بين وظيفتين مختلفتين:

محكمة الموضوع هي صاحبة الاختصاص في سماع الشهود، ومناقشة البينات، وتقدير قوتها، وترجيح بعضها على بعض.

أما محكمة التمييز فليست محكمة وقائع، وإنما محكمة قانون، يقتصر دورها على مراقبة سلامة تطبيق القانون وصحة التكييف القانوني، ولا تعيد مناقشة الوقائع إلا إذا كان الاستنتاج الذي انتهت إليه محكمة الموضوع غير منطقي أو يخالف الثابت بالأوراق.

ومن ثم، فإن مجرد عدم اقتناع أحد الخصوم بتقدير المحكمة للبينة لا يشكل سبباً لنقض الحكم، ما لم يثبت أن المحكمة أغفلت دليلاً جوهرياً أو استندت إلى وقائع لا أصل لها في الملف.

 

خامساً: الدلالة العملية للحكم

تكمن الأهمية العملية لهذا الجزء من القرار في أنه يبعث برسالة واضحة إلى الشركات والتجار، مفادها أن حسن تنظيم السجلات المحاسبية والاحتفاظ بالقيود الإلكترونية وسندات التوريد، وربطها بشهادة الموظفين المختصين، يشكل منظومة إثبات متكاملة يمكن أن تؤسس عليها الأحكام القضائية.

كما يوجه رسالة إلى المحامين بأن الطعن في البينات التجارية يجب أن يكون قائماً على أسباب فنية وقانونية جدية، وليس على مجرد إنكار شكلي لعدم وجود توقيع أو ختم على كشف الحساب، لأن القضاء ينظر إلى مجمل الأدلة كوحدة واحدة، لا إلى كل دليل بمعزل عن غيره.

 

خلاصة المبدأ

يمكن تلخيص ما استقر عليه هذا القرار بالقول:

تكتسب كشوف الحساب الإلكترونية والقيود التجارية حجيتها في الإثبات متى كانت صادرة عن نظام محاسبي منتظم، ومؤيدة ببينات أخرى كاتفاقية التوريد وشهادة الموظفين وسندات التسليم، ولا يكفي الإنكار المجرد أو خلو كشف الحساب من توقيع المدين لإهدار قيمته الثبوتية، كما أن تقدير هذه البينات وترجيحها يدخل في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع التي لا تخضع لرقابة محكمة التمييز ما دام استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت في الأوراق.

 

خامساً: يمين الاستظهار في مواجهة ورثة الشريك المتوفى ضمانة لحماية التركات من المطالبات غير الثابتة

من المسائل الإجرائية التي عالجها القرار محل الدراسة، وأعطاها أهمية خاصة، مسألة يمين الاستظهار عند إقامة الدعوى في مواجهة ورثة المدين المتوفى أو في مواجهة التركة. وتعد هذه اليمين من الضمانات التي أوجدها المشرع لتحقيق التوازن بين حق الدائن في المطالبة بحقه، وحق الورثة في عدم تحميل التركة ديوناً تكون قد أوفيت أو انقضت قبل وفاة مورثهم.

وقد تمسك المميز بأن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق أحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات، وأنها وجهت يمين الاستظهار في غير محلها، الأمر الذي يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

إلا أن محكمة التمييز رفضت هذا الدفع، وأكدت أن ما قامت به محكمة الاستئناف جاء موافقاً لصحيح القانون، وأن توجيه يمين الاستظهار كان إجراءً لازماً في ظل إقامة الدعوى في مواجهة ورثة الشريك المتوفى بالإضافة إلى التركة.

 

أولاً: الغاية من يمين الاستظهار

يقوم نظام الإثبات في الدعاوى المقامة على التركات على فكرة مؤداها أن الورثة قد لا يكون لديهم علم بكافة التصرفات التي أجراها مورثهم قبل وفاته، وقد لا يستطيعون إثبات أن الدين المطالب به قد تم الوفاء به أو انقضى بأي سبب من أسباب انقضاء الالتزام.

ومن هنا، أوجب المشرع على الدائن أن يحلف يميناً تؤكد – بحسب علمه – أن الدين ما زال قائماً ولم يتم استيفاؤه أو الإبراء منه أو تحويله أو انقضاؤه بأي سبب آخر.

فهي ليست يميناً لإثبات أصل الحق، وإنما هي يمين مكملة تهدف إلى تعزيز الثقة في المطالبة وصيانة حقوق الورثة والتركات.

 

ثانياً: سلامة تطبيق المحكمة للمادة (54/2/أ) من قانون البينات

أكدت محكمة التمييز أن محكمة الاستئناف، بعد أن تبين لها وفاة أحد الشركاء المتضامنين وإدخال ورثته في الدعوى، قامت بتوجيه يمين الاستظهار إلى المفوض بالتوقيع عن الشركة المدعية، بحيث انصبت على عدم علمه باستيفاء قيمة الدين من مورث المدعى عليهم، وعدم إبراء ذمته منه، وعدم انتقال الحق إلى الغير، وعدم وجود رهن أو مقابل للدين يؤدي إلى انقضائه.

ورأت المحكمة أن صيغة اليمين جاءت متفقة مع أحكام قانون البينات، ومنسجمة مع وقائع الدعوى، وبالتالي فإن الإجراء الذي اتخذته محكمة الاستئناف كان سليماً ولا يشوبه أي مخالفة قانونية.

ويؤكد هذا القضاء أن يمين الاستظهار ليست إجراءً شكلياً يمكن الاستغناء عنه، وإنما تمثل ضمانة جوهرية كلما كانت المطالبة موجهة إلى التركة أو إلى الورثة ضمن الحدود التي رسمها القانون.

 

ثالثاً: أهمية هذا المبدأ في الدعاوى التجارية

تزداد أهمية هذا الحكم في الواقع العملي، لأن كثيراً من شركات التضامن تستمر بعد وفاة أحد الشركاء، أو تقام دعاوى للمطالبة بديون نشأت قبل الوفاة، فتكون الخصومة موجهة في مواجهة الورثة بالإضافة إلى التركة.

وفي هذه الحالات، ينبغي على المحامي أن يراعي الأحكام الخاصة بقانون البينات، وألا يقتصر على إثبات أصل الدين، بل يتأكد أيضاً من استكمال الإجراءات المتعلقة بيمين الاستظهار، حتى لا يتعرض الحكم للطعن بسبب نقص إجراء جوهري.

كما يبين هذا القرار أن القضاء الأردني لا ينظر إلى يمين الاستظهار باعتبارها مجرد إجراء شكلي، وإنما يعتبرها جزءاً من النظام القانوني لحماية التركات، ولذلك يحرص على تطبيقها كلما توافرت شروطها.

 

خلاصة المبدأ

يمكن استخلاص المبدأ الذي أرسته المحكمة بالصياغة الآتية:

إذا كانت الدعوى مقامة في مواجهة ورثة المدين أو بالإضافة إلى التركة، فإن توجيه يمين الاستظهار وفق أحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات يعد إجراءً قانونياً سليماً يهدف إلى حماية التركة من المطالبات التي يحتمل أن تكون قد انقضت أو تم الوفاء بها، ولا يعيب الحكم ما دام توجيه اليمين قد تم وفق الصيغة التي رسمها القانون.

 

سادساً: التخارج من التركة لا يعفي الشريك المتضامن من مسؤوليته الناشئة عن صفته كشريك

من الدفوع التي كثيراً ما تثار في المنازعات المتعلقة بشركات الأشخاص، الدفع بأن أحد الشركاء قد تخارج من تركة شريك متوفى، أو تنازل عن حقوقه الإرثية، وبالتالي لم يعد مسؤولاً عن الالتزامات المتعلقة بالشركة.

وقد عالجت محكمة التمييز هذه المسألة بصورة دقيقة، ووضعت حداً للخلط بين الصفة الإرثية والصفة التجارية.

فقد دفع المميز بأنه تخارج مما آل إليه من مورثه بموجب سند تخارج رسمي، وبالتالي فإنه لا يكون مسؤولاً عن أي التزامات تتعلق بالتركة.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وقررت أن سند التخارج يتعلق فقط بالحقوق الإرثية التي آلت من التركة، ولا يؤثر إطلاقاً في مركز المميز كشريك متضامن في الشركة، لأن الدعوى لم تقم عليه بصفته وارثاً فحسب، وإنما أقيمت عليه أساساً بصفته شريكاً متضامناً ثابتة صفته في شهادة تسجيل الشركة.

 

أولاً: التفرقة بين المسؤولية الإرثية والمسؤولية التجارية

يميز هذا الحكم بين مصدرين مختلفين للمسؤولية:

المسؤولية الإرثية، وهي التي تنشأ بسبب انتقال الحقوق والالتزامات إلى الورثة في حدود ما آل إليهم من التركة.

المسؤولية التجارية، وهي التي تنشأ مباشرة من صفة الشخص كشريك متضامن في شركة التضامن، وهي مسؤولية مستقلة عن صفته كوارث.

وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن زوال أحد المصدرين لا يؤدي بالضرورة إلى زوال الآخر.

فقد يتخارج الشخص من حصته الإرثية، ومع ذلك يبقى مسؤولاً عن ديون الشركة إذا كان لا يزال شريكاً متضامناً فيها، لأن التزامه في هذه الحالة لا يستند إلى الإرث، وإنما إلى عقد الشركة وأحكام قانون الشركات.

 

ثانياً: التخارج لا يعد سبباً لانقضاء الالتزامات التجارية

أكدت المحكمة أن سند التخارج لا يعد وسيلة قانونية للإفلات من الالتزامات التجارية الناشئة عن الشراكة، لأن أثره يقتصر على تنظيم العلاقة بين الورثة فيما يتعلق بالتركة، ولا يمتد إلى حقوق الدائنين الذين استندت مطالباتهم إلى مركز قانوني آخر مستقل عن الإرث.

ويحقق هذا التفسير حماية مهمة لاستقرار المعاملات التجارية، إذ يمنع الشريك من التذرع بإجراءات تتعلق بالتركة للتخلص من التزاماته الشخصية كشريك متضامن.

 

ثالثاً: القيمة العملية لهذا المبدأ

يعد هذا المبدأ من المبادئ ذات الأهمية البالغة للمحامين عند صياغة الدفوع واللوائح.

فإذا كانت المطالبة مؤسسة على صفة الشريك المتضامن، فإن الدفع بالتخارج من التركة لن يكون منتجاً، لأن المحكمة ستبحث عن مصدر الالتزام، فإذا تبين أنه ناشئ عن الشراكة، فإن التخارج الإرثي يصبح غير ذي أثر.

أما إذا كانت المطالبة موجهة حصراً إلى الورثة بصفتهم ورثة، فإن سند التخارج قد تكون له آثار قانونية مختلفة بحسب نطاقه ومدى انتقال الحقوق والالتزامات.

ومن ثم، فإن نجاح هذا الدفع يتوقف على تحديد مصدر الالتزام تحديداً دقيقاً قبل إثارته أمام المحكمة.

 

خلاصة المبدأ

يمكن تلخيص ما انتهت إليه محكمة التمييز بالقول:

التخارج من التركة لا يؤدي إلى إعفاء الشخص من المسؤولية الناشئة عن صفته كشريك متضامن في شركة التضامن، لأن المسؤولية الإرثية تختلف عن المسؤولية التجارية، فإذا كانت الدعوى مؤسسة على صفة الشريك، بقيت مسؤوليته قائمة ولو تخارج من كامل حصته الإرثية، ما دام لم تثبت زوال صفته كشريك وفقاً للقانون.

 

سابعاً: الدروس العملية المستفادة من قرار محكمة التمييز رقم (1400) لسنة 2025

لا تقتصر أهمية هذا القرار على حسم النزاع الذي كان معروضاً أمام المحكمة، وإنما تمتد إلى كونه يرسم مجموعة من الضوابط العملية التي ينبغي أن يسترشد بها المحامون والشركات والتجار عند إدارة المنازعات التجارية، سواء عند إقامة الدعوى أو عند إعداد وسائل الدفاع فيها. وقد جمع القرار بين تطبيق قواعد القانون التجاري، وقانون الشركات، والقانون المدني، وقانون البينات، بما يجعله نموذجاً متكاملاً للاجتهاد القضائي في الدعاوى التجارية.

 

أولاً: ضرورة التكييف الصحيح للعلاقة القانونية قبل تحديد النص الواجب التطبيق

أبرز ما يظهر من هذا القرار أن نجاح الدعوى أو الدفع لا يتوقف على الاستناد إلى النصوص القانونية فحسب، وإنما يبدأ بتكييف العلاقة القانونية تكييفاً صحيحاً.

فقد أخطأ الطاعن عندما استند إلى قواعد التقادم المدني، في حين أن العلاقة كانت علاقة تجارية خالصة بين شركتين تمارسان الأعمال التجارية، الأمر الذي أدى إلى تطبيق أحكام قانون التجارة بدلاً من أحكام القانون المدني.

 

وهذا يبين أن المحامي يجب أن يبدأ دائماً بالإجابة عن سؤال جوهري:

هل العلاقة مدنية أم تجارية؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد القانون الواجب التطبيق، ومدة التقادم، وقواعد الإثبات، بل وأحياناً المحكمة المختصة أيضاً.

 

ثانياً: عدم التوسع في اشتراط الإنذار العدلي

أكد القرار أن الإنذار العدلي ليس إجراءً لازماً في جميع الدعاوى.

ففي الواقع العملي يلاحظ أن بعض الخصوم يتمسكون بعدم توجيه الإنذار العدلي في كل دعوى تقريباً، رغم أن القانون لا يشترطه إلا في حالات معينة.

وقد وضع هذا القرار حداً لهذا الخلط، عندما قرر أن دعوى المطالبة بقيمة البضائع أو برصيد الحساب ليست دعوى تنفيذ أو فسخ للعقد، وبالتالي لا يشترط لقبولها سبق توجيه إنذار عدلي.

ومن شأن هذا الاتجاه أن يحقق السرعة في الفصل في المنازعات التجارية، وأن يمنع إثارة دفوع شكلية لا تؤثر في أصل الحق.

 

ثالثاً: أهمية الاحتفاظ بالسجلات والقيود التجارية

يبعث القرار برسالة واضحة إلى الشركات والمؤسسات التجارية، مفادها أن حسن تنظيم السجلات المحاسبية يمثل خط الدفاع الأول عند وقوع النزاع.

فقد استندت المحكمة إلى اتفاقية التوريد، وكشف الحساب الإلكتروني، والقيود المحاسبية، وشهادات الموظفين المختصين، لتكوين قناعتها بثبوت الدين.

ويؤكد ذلك أن الشركات التي تعتمد نظاماً محاسبياً منتظماً، وتحافظ على مستنداتها وسندات التسليم وفواتيرها، تكون في مركز قانوني أقوى عند المطالبة بحقوقها أمام القضاء.

وفي المقابل، فإن الإهمال في تنظيم القيود أو فقدان المستندات قد يؤدي إلى صعوبة إثبات الحق، مهما كان ثابتاً في الواقع.

 

رابعاً: ضرورة اختيار الدفوع المنتجة

يكشف القرار أيضاً أهمية اختيار الدفوع القانونية المنتجة، وعدم إثارة دفوع شكلية لا تؤثر في النتيجة القانونية.

فقد أثار الطاعن عدداً كبيراً من الأسباب، شملت التقادم، والإنذار العدلي، والإثبات، ومحاضر الجلسات، والتخارج، ويمين الاستظهار، وغيرها، إلا أن المحكمة رفضتها جميعاً لأنها لم تمس الأساس القانوني الذي بني عليه الحكم.

وهذا يبين أن كثرة الدفوع لا تعني قوة الدفاع، وإنما العبرة بمدى اتصال الدفع بجوهر النزاع وقدرته على التأثير في النتيجة التي يمكن أن تنتهي إليها المحكمة.

 

خامساً: تعزيز الثقة في التعاملات التجارية

يعكس القرار توجهاً قضائياً واضحاً نحو حماية استقرار المعاملات التجارية.

فلو قبلت المحكمة الدفوع المتعلقة بغياب توقيع المدين على كشف الحساب، أو اعتبرت التخارج من التركة سبباً لإعفاء الشريك من مسؤوليته التجارية، أو اشترطت الإنذار العدلي في جميع دعاوى المطالبة بالديون، لأدى ذلك إلى إضعاف الائتمان التجاري وزعزعة الثقة في التعامل بين التجار.

أما الاتجاه الذي تبنته المحكمة، فيحقق التوازن بين حماية الدائن من جهة، وضمان حقوق المدين من جهة أخرى، وهو ما يتفق مع الغاية التي استهدفها المشرع من تنظيم المعاملات التجارية.

 

خاتمة

يعد قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1400 لسنة 2025 من الأحكام المرجعية في المنازعات التجارية، لما تضمنه من معالجة دقيقة لجملة من المسائل القانونية التي تتكرر بصورة مستمرة أمام المحاكم الأردنية.

فقد أكد أن العلاقة التجارية بين التجار تخضع للتقادم العشري المنصوص عليه في قانون التجارة، وأن دعوى المطالبة برصيد المديونية لا تستلزم توجيه إنذار عدلي، كما رسخ مبدأ مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة مع مراعاة ترتيب التنفيذ على أموال الشركة قبل أموال الشركاء، وأقر حجية منظومة الإثبات التجارية القائمة على القيود المحاسبية وكشوف الحساب الإلكترونية متى دعمتها البينات الأخرى، وأوضح الأحكام الخاصة بيمين الاستظهار عند مقاضاة التركة، وأكد أن التخارج من التركة لا يؤثر في المسؤولية الناشئة عن صفة الشريك المتضامن.

ولا تقتصر القيمة القانونية لهذا القرار على المبادئ التي انتهى إليها، وإنما تكمن أيضاً في منهجه في تفسير النصوص القانونية وربطها بطبيعة العلاقة محل النزاع، إذ قدم نموذجاً واضحاً لتطبيق مبدأ تغليب القانون الخاص على القانون العام، وأعاد التأكيد على أن التكييف الصحيح للعلاقة القانونية هو المدخل الأساسي لتحديد الأحكام الواجبة التطبيق.

ومن المتوقع أن يشكل هذا الحكم مرجعاً مهماً في الدعاوى المتعلقة بالمطالبات التجارية، ولا سيما تلك الناشئة عن عقود التوريد والمقاولات والمعاملات بين الشركات، وأن تسترشد به محاكم الموضوع عند نظر المنازعات المماثلة، لما يتضمنه من مبادئ تحقق استقرار الائتمان التجاري، وتحافظ في الوقت ذاته على الضمانات القانونية المقررة للمتقاضين.

وبالنسبة للمحامين والمستشارين القانونيين، فإن هذا القرار يؤكد أن نجاح الدعوى أو الدفاع لا يتوقف على كثرة الدفوع، وإنما على حسن التكييف القانوني للنزاع، واختيار النصوص الواجبة التطبيق، وتقديم منظومة متكاملة من الأدلة والبينات التي تقنع المحكمة بثبوت الحق أو انتفائه.

ومن هنا، فإن استيعاب المبادئ التي أرساها هذا الحكم يمثل إضافة عملية مهمة لكل من يمارس العمل في مجال القضاء والتقاضي التجاري.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي.

هاتف رقم: 0799999604 ، 0798333357

المطالبة التجارية وشركات التضامن

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

دراسة قانونية مقارنة في ضوء الفقه والقضاء

تُعد رابطة السببية الركن الأساسي في الجرائم غير المقصودة، فلا يكفي مجرد ثبوت خطأ المتهم حتى تقوم مسؤوليته الجزائية، وإنما يجب أن يكون هذا الخطأ هو السبب القانوني المنتج للنتيجة الجرمية.

ومن هنا برزت نظرية مهمة في الفقه والقضاء مفادها أن خطأ المجني عليه قد يبلغ من الجسامة حداً يستغرق معه خطأ الجاني، فيقطع رابطة السببية ويؤدي إلى انتفاء المسؤولية الجزائية والمدنية معاً.

وتظهر أهمية هذه النظرية بصورة خاصة في قضايا حوادث السير، والأخطاء الطبية، وحوادث العمل، وغيرها من الجرائم غير العمدية التي قد تتداخل فيها أخطاء عدة أطراف، ويتمسك بها محامي الدفاع في القضايا الجزائية.

 

أولاً: المقصود باستغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني

يقصد باستغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني أن يكون سلوك المجني عليه هو السبب الحقيقي والمباشر والحاسم في وقوع النتيجة الإجرامية، بحيث يصبح خطأ الجاني ثانوياً أو عديم الأثر في إحداثها.

فلا يكفي أن يكون المجني عليه قد أخطأ، وإنما يجب أن يكون خطؤه:

  • مستقلاً.
  • جسيماً.
  • غير متوقع.
  • كافياً وحده لإحداث النتيجة.

وعندئذ تنقطع رابطة السببية بين فعل الجاني والنتيجة، فتنتفي المسؤولية الجزائية.

 

ثانياً: الأساس القانوني للنظرية

الأصل في المسؤولية الجزائية أنها تقوم على ثلاثة أركان:

  • الخطأ.
  • النتيجة.
  • علاقة السببية.

فإذا ثبت أن النتيجة لم تكن ثمرة خطأ المتهم وإنما كانت نتيجة مباشرة لخطأ المجني عليه، فإن أحد أركان الجريمة ينهار، وهو رابطة السببية.

ولذلك فإن القضاء لا يبرئ المتهم لعدم وجود الخطأ، وإنما لأنه لا يمكن قانوناً نسبة النتيجة إليه.

 

ثالثاً: قضاء محكمة النقض المصرية

من أبرز الأحكام التي أرست هذه القاعدة الحكم الصادر عن محكمة النقض المصرية بتاريخ 8 نوفمبر 1932، والمنشور في مجموعة القواعد القانونية، الجزء 83، رقم 22، ص 32، قانون العقوبات، والذي قرر:

“كلما كان خطأ المجني عليه جسيماً إلى درجة يتلاشى معه خطأ الفاعل، وإلى حد انتفاء المسؤوليتين الجنائية والمدنية معاً، فإن خطأ المجني عليه يستوعب خطأ الفاعل الأقل جسامة.”

ويعد هذا الحكم من الأحكام المؤسسة لنظرية استغراق خطأ المجني عليه، إذ قرر أن مجرد وجود خطأ من جانب المتهم لا يكفي للحكم بإدانته متى كان خطأ المجني عليه هو السبب الحقيقي في النتيجة.

 

رابعاً: موقف القضاء الفرنسي

سبقت محكمة النقض الفرنسية إلى تقرير هذه الفكرة في حكمها الشهير الصادر بتاريخ 30 نوفمبر 1916.

 

وتتلخص وقائع القضية في أن:

طفلاً حاول عبور الطريق ليلاً بصورة مفاجئة، كان السائق يقود سيارته بسرعة معتدلة، كانت أنوار السيارة مضاءة، ثبت لاحقاً أن السائق لا يحمل رخصة قيادة، ورغم مخالفة السائق لقانون السير بقيادته دون رخصة، قضت المحكمة ببراءته من جريمة القتل الخطأ، لأن:

  • عدم حمل الرخصة لم يكن سبب الحادث.
  • السائق لم يكن يستطيع تلافي الحادث.
  • ومن ثم اقتصرت مسؤوليته على مخالفة القيادة بدون رخصة، دون مساءلته عن وفاة الطفل.

 

ويبرز هذا الحكم قاعدة مهمة مفادها:

ليس كل مخالفة قانونية تؤدي إلى قيام المسؤولية عن النتيجة، وإنما يجب أن تكون تلك المخالفة سبباً مباشراً لها.

 

خامساً: شروط استغراق خطأ المجني عليه

لا يؤدي خطأ المجني عليه إلى قطع رابطة السببية إلا إذا توافرت عدة شروط، أهمها:

  • أولاً: أن يكون الخطأ جسيماً

أي يبلغ درجة من الخطورة تجعل النتيجة متولدة عنه وحده.

أما الأخطاء البسيطة أو العادية فلا تقطع رابطة السببية.

  • ثانياً: أن يكون مستقلاً

بمعنى ألا يكون ناشئاً عن فعل المتهم نفسه.

فإذا دفع المتهم المجني عليه إلى التصرف الخاطئ فلا يمكن الاحتجاج بخطأ المجني عليه.

  • ثالثاً: أن يكون السبب المباشر للنتيجة

أي أن النتيجة كانت ستقع حتى لو لم يوجد خطأ المتهم.

فإذا بقي خطأ المتهم مؤثراً في إحداث النتيجة فلا مجال لاستغراق الخطأ.

  • رابعاً: أن يكون غير متوقع

فالفاعل يلتزم بتوقع السلوك المعتاد للأشخاص.

أما السلوك الشاذ أو المفاجئ بصورة لا يمكن توقعها، فإنه قد يقطع رابطة السببية.

 

سادساً: تطبيقات عملية

من التطبيقات التي كثيراً ما يثار بشأنها هذا الدفع:

  • السير داخل المكان المخصص للباص السريع.
  • عبور شخص للطريق السريع من مكان غير مخصص للمشاة بصورة مفاجئة.
  • إلقاء شخص نفسه أمام مركبة متحركة.
  • دخول طفل فجأة إلى مسار السيارة دون إمكانية لتفاديه.
  • قيام عامل بإزالة وسائل السلامة رغم التحذير منها.
  • استعمال شخص لجهاز بطريقة مخالفة بصورة جسيمة رغم التنبيه.

 

في جميع هذه الصور، يكون السؤال الأساسي أمام المحكمة:

هل كان خطأ المتهم سبباً في النتيجة، أم أن خطأ المجني عليه استقل بإحداثها؟

 

سابعاً: الفرق بين استغراق الخطأ والمساهمة في الخطأ

ينبغي التمييز بين حالتين:

الحالة الأولى: مساهمة المجني عليه في الخطأ

  • وهنا يبقى خطأ المتهم منتجاً للنتيجة.
  • فتظل المسؤولية الجزائية قائمة.

 

الحالة الثانية: استغراق خطأ المجني عليه

وهنا يصبح خطأ المجني عليه وحده هو السبب المنتج للنتيجة.

فتنتفي المسؤولية الجزائية.

كما تنتفي المسؤولية المدنية الناشئة عن النتيجة ذاتها.

 

ثامناً: موقف الفقه

استقر جانب كبير من الفقه الجنائي على أن رابطة السببية لا تقوم بمجرد سبق الخطأ للنتيجة، وإنما يشترط أن يكون الخطأ منتجاً لها.

فإذا تدخل سبب أجنبي مستقل يستغرق خطأ الفاعل، فإن النتيجة القانونية تنسب إلى السبب الجديد وحده.

ويعد خطأ المجني عليه أحد أهم صور السبب الأجنبي متى بلغ من الجسامة ما يجعله السبب الوحيد في وقوع الضرر.

 

تاسعاً: مدى تطبيق النظرية في القضاء الأردني

رغم عدم وجود نص خاص في التشريع الأردني يتناول استغراق خطأ المجني عليه، إلا أن القواعد العامة في المسؤولية الجزائية، وخاصة ما يتعلق برابطة السببية، تسمح للمحاكم بالأخذ بهذه النظرية متى ثبت أن النتيجة لم تكن ثمرة لخطأ المتهم.

وقد استقر الاجتهاد الأردني على أن المسؤولية الجزائية في الجرائم غير المقصودة لا تقوم إلا إذا ثبت أن خطأ المتهم كان السبب المنتج للنتيجة، وأن رابطة السببية تنتفي إذا تدخل سبب مستقل يستغرق أثر ذلك الخطأ.

ومن ثم فإن الدفع باستغراق خطأ المجني عليه يعد من الدفوع الموضوعية المهمة التي يجوز التمسك بها متى كانت وقائع الدعوى تؤيده.

 

خاتمة

إن نظرية استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني تمثل إحدى أهم التطبيقات العملية لرابطة السببية في القانون الجزائي، فهي تحقق التوازن بين حماية المجتمع وعدم تحميل الشخص مسؤولية نتيجة لم يكن خطؤه سبباً حقيقياً في وقوعها.

ولا يكفي لإدانة المتهم مجرد ثبوت ارتكابه مخالفة أو خطأ، بل يجب أن تثبت المحكمة أن هذا الخطأ هو الذي أحدث النتيجة الإجرامية.

فإذا ثبت أن المجني عليه قد ارتكب خطأً جسيماً ومستقلاً استأثر بإحداث النتيجة، انقطعت رابطة السببية، وانتفت المسؤولية الجزائية والمدنية عن تلك النتيجة.

وتؤكد أحكام القضاء المقارن، وعلى رأسها حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 8 نوفمبر 1932، وحكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 30 نوفمبر 1916، أن العدالة الجنائية لا تقوم على مجرد وجود الخطأ، وإنما على إقامة علاقة سببية حقيقية بين فعل الجاني والنتيجة، وهو ما يجعل نظرية استغراق خطأ المجني عليه إحدى الضمانات الأساسية لتحقيق العدالة في الجرائم غير العمدية.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين.

هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دراسة تأصيلية وتحليلية في ضوء قانون الشركات والقانون المدني واجتهادات محكمة التمييز الأردنية

إعداد: المحامي محمد زهير العبادي

ماجستير في القانون العام

 

المقدمة

تُعد دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء من أكثر الدعاوى تعقيداً في منازعات الشركات، نظراً لتداخل قواعد القانون المدني مع أحكام قانون الشركات وقواعد الإثبات وأصول المحاكمات المدنية، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بمبادئ الحراسة القضائية والتصفية والمسؤولية المدنية وإدارة الشركات. فالشركة، منذ نشأتها، تقوم على مبدأ التعاون وتحقيق المصلحة المشتركة، إلا أن الواقع العملي يكشف أن استمرار النشاط الاقتصادي كثيراً ما يرافقه خلاف بين الشركاء حول إدارة المشروع أو توزيع الأرباح أو الإنفاق على موجودات الشركة أو استيفاء أحد الشركاء لإيراداتها دون تقديم حساب لبقية الشركاء، الأمر الذي يجعل دعوى المحاسبة الوسيلة القضائية الأساسية لإعادة التوازن المالي والقانوني بين الشركاء.

ولا تقتصر أهمية هذه الدعوى على تحديد الحقوق المالية لكل شريك، وإنما تمتد لتشمل المحافظة على أموال الشركة، وضمان سلامة إدارتها، وتمكين الشركاء من ممارسة حقهم في الرقابة والاطلاع على الحسابات والدفاتر، كما قد تشكل الأساس القانوني لطلبات أخرى كعزل المدير، أو إخراج الشريك، أو تعيين حارس قضائي (قيم)، أو تصفية الشركة وإنهاء شخصيتها القانونية عندما يصبح استمرارها مستحيلاً أو غير مجدٍ.

ورغم كثرة الدعاوى المنظورة أمام المحاكم الأردنية في هذا المجال، فإن التشريع الأردني لم يضع تنظيماً متكاملاً لدعوى المحاسبة بين الشركاء، وإنما توزعت أحكامها بين نصوص قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، الأمر الذي جعل القضاء الأردني، ولا سيما محكمة التمييز، يقوم بدور رئيس في رسم معالم هذه الدعوى وتحديد شروطها وآثارها والتمييز بينها وبين غيرها من الدعاوى المشابهة.

وقد أظهرت الاجتهادات القضائية الحديثة تطوراً ملحوظاً في معالجة هذا النوع من المنازعات، إذ عالجت محكمة التمييز مسائل دقيقة تتعلق بتكييف دعوى المحاسبة، وصحة الخصومة، والشخصية المعنوية للشركة، وإثبات الشراكة في شركة المحاصة، وحدود الخبرة المحاسبية، وعبء الإثبات، والحراسة القضائية، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، والتمييز بين حق الشركة وحق الشريك، فضلاً عن العلاقة بين المحاسبة والتصفية، وهي موضوعات لم تحظ – في حدود ما اطلع عليه الباحث – بدراسة علمية مستقلة وشاملة في الفقه الأردني.

وتزداد أهمية هذا الموضوع في ظل ازدياد النزاعات بين الشركاء في الشركات العائلية، وشركات التضامن، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، وشركات المحاصة، حيث كثيراً ما يلجأ أحد الشركاء إلى إقامة دعوى يصفها بأنها دعوى محاسبة، في حين تكون حقيقتها دعوى مطالبة مالية، أو دعوى استرداد أموال الشركة، أو دعوى مسؤولية ضد المدير، أو دعوى تصفية، مما يترتب عليه اختلاف جوهري في شروط قبول الدعوى، والخصومة، وعبء الإثبات، والنتائج القانونية المترتبة عليها.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، التي تهدف إلى تأصيل دعوى المحاسبة بين الشركاء تأصيلاً قانونياً وقضائياً، وتحليل أحكامها في ضوء التشريعات الأردنية وأحدث اجتهادات محكمة التمييز، مع بيان الاتجاهات القضائية المستقرة، ورصد ما قد يظهر من تباين في بعض الأحكام، وصولاً إلى وضع إطار علمي متكامل ييسر على الباحثين والقضاة والمحامين تحديد الطبيعة القانونية لهذه الدعوى، وشروط قبولها، ووسائل إثباتها، وعلاقتها بالحراسة القضائية والتصفية وغيرها من المنازعات الناشئة بين الشركاء.

 

مشكلة الدراسة

تتمثل مشكلة الدراسة في غياب تنظيم تشريعي متكامل لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني، وما نتج عن ذلك من اعتماد كبير على الاجتهاد القضائي في تحديد طبيعتها القانونية، وشروط قبولها، والتمييز بينها وبين غيرها من الدعاوى المتقاربة، مما يثير عدداً من الإشكاليات العملية، أهمها:

  • ما المقصود بدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء، وما طبيعتها القانونية؟
  • هل تعد دعوى مستقلة أم مجرد وسيلة تمهيدية للمطالبة بالحقوق المالية؟
  • ما شروط قبولها موضوعياً وإجرائياً؟
  • من يقع عليه عبء الإثبات فيها، وما حدود دور الخبرة المحاسبية؟
  • متى يجوز تعيين حارس قضائي على أموال الشركة أو إدارتها؟
  • ما العلاقة بين دعوى المحاسبة ودعوى التصفية؟
  • ما أثر الشخصية المعنوية للشركة في تحديد الخصومة؟
  • كيف عالجت محكمة التمييز الأردنية هذه المسائل، وهل استقر اجتهادها على مبادئ موحدة؟

 

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى:

  • تأصيل مفهوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء وبيان طبيعتها القانونية.
  • تحديد الأساس التشريعي لهذه الدعوى في القانون الأردني.
  • بيان شروط قبول دعوى المحاسبة وإجراءاتها.
  • تحليل قواعد الإثبات والخبرة المحاسبية في منازعات الشركاء.
  • دراسة الأحكام القانونية المتعلقة بتعيين الحارس القضائي (القيم).
  • بيان العلاقة بين دعوى المحاسبة ودعوى التصفية.
  • استخلاص المبادئ المستقرة في قضاء محكمة التمييز الأردنية وتحليلها ونقدها.
  • تقديم رؤية علمية تسهم في توحيد التطبيق القضائي واقتراح ما يلزم من تطوير تشريعي.

 

أهمية الدراسة

تستمد هذه الدراسة أهميتها من عدة اعتبارات، أهمها:

  • تناولها موضوعاً يكثر عرضه أمام القضاء الأردني، في ظل ندرة الدراسات المتخصصة التي تجمع بين الجوانب التشريعية والقضائية.
  • اعتمادها على تحليل موسع لاجتهادات محكمة التمييز الأردنية الحديثة، بما يسمح باستقراء الاتجاه القضائي المستقر.
  • معالجتها للترابط بين دعوى المحاسبة والحراسة القضائية والتصفية والدعوى المشتقة والدعوى الفردية للمساهم، وهي موضوعات غالباً ما تختلط في التطبيق العملي.
  • تقديمها مرجعاً عملياً للقضاة والمحامين والباحثين في منازعات الشركات.

 

منهج الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على المنهج التأصيلي التحليلي المقارن، وذلك من خلال:

  • تحليل النصوص القانونية ذات الصلة في قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات.
  • استقراء وتحليل أحكام محكمة التمييز الأردنية، ولا سيما القرارات الحديثة التي أرست مبادئ مؤثرة في موضوع المحاسبة بين الشركاء، والحراسة القضائية، والتصفية.
  • الاستفادة من الفقه القانوني الأردني والعربي، وإجراء المقارنات اللازمة مع بعض التطبيقات القضائية المقارنة كلما اقتضت طبيعة البحث ذلك.
  • استخلاص المبادئ العامة وتقييم الاتجاهات القضائية وبيان مدى اتساقها مع النصوص التشريعية.

 

الباب الأول: االإطار القانوني لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

الفصل الأول: ماهية دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

المبحث الأول: مفهوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

أولاً: تمهيد

تُعد دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء من الدعاوى ذات الطبيعة الخاصة في القانون المدني والتجاري، إذ لا يقصد منها ابتداءً المطالبة بمبلغ مالي محدد، وإنما تهدف إلى الكشف عن المركز المالي الحقيقي للعلاقة التي تربط الشركاء، وبيان الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهم تمهيداً للوصول إلى الرصيد النهائي المستحق لكل منهم. ولهذا فإنها تختلف في طبيعتها وأهدافها عن دعوى المطالبة بالدين أو دعوى التعويض أو دعوى تنفيذ الالتزام، لأنها لا تنطلق من دين ثابت ومحدد، وإنما من علاقة مالية متشابكة تستوجب إجراء تصفية حسابية دقيقة قبل تحديد مقدار الحق المطالب به.

وتبرز أهمية هذه الدعوى في الشركات التي تقوم على الاعتبار الشخصي، كشركات التضامن والمحاصة، كما تظهر في الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة في بعض الحالات التي يدعي فيها أحد الشركاء أو المساهمين إخلال المدير أو الشريك القائم بالإدارة بالتزامه بتقديم الحسابات أو توزيع الأرباح أو المحافظة على أموال الشركة.

كما تمتد تطبيقاتها إلى الأموال الشائعة متى انفرد أحد الشركاء بإدارة المال المشترك واستيفاء ريعه دون تقديم حساب لباقي الشركاء، وهو ما أكدته محكمة التمييز في عدد من أحكامها المتعلقة بالمحاسبة عن أجور العقارات المشتركة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في قرارها الصادر بتاريخ 29/12/2022 الذي اعتبر أن للشريك على الشيوع الحق في مطالبة من استأثر بإدارة المال المشترك بإجراء المحاسبة عن الإيرادات والأجور المستوفاة، مع خضوع هذه الدعوى للقواعد العامة في الإثبات ووجوب مناقشة جميع البينات المتعلقة بادعاء إجراء المحاسبة السابقة.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة لا تنشئ الحق، وإنما تكشف عنه، فهي وسيلة قانونية للوصول إلى الرصيد النهائي بعد مراجعة الإيرادات والمصروفات والالتزامات المتبادلة، الأمر الذي يجعلها مرحلة لازمة في كثير من المنازعات قبل إمكان الحكم بمبلغ معين أو تقرير مسؤولية أحد الشركاء.

 

ثانياً: التعريف الفقهي لدعوى المحاسبة

لم يضع المشرع الأردني تعريفاً لدعوى إجراء المحاسبة، شأنه في ذلك شأن غالبية التشريعات العربية، تاركاً أمر تحديد مفهومها للفقه والاجتهاد القضائي.

 

وقد عرفها الفقه بأنها:

الدعوى التي يقيمها أحد أطراف العلاقة القانونية التي تقتضي تبادل الحسابات، بقصد إلزام الطرف الآخر بتقديم كشف تفصيلي بجميع العمليات المالية التي أجراها لحساب العلاقة المشتركة، تمهيداً لتحديد الرصيد النهائي المستحق لكل طرف.

 

كما عرفت بأنها:

وسيلة قضائية تهدف إلى تصفية الحسابات الناشئة عن علاقة قانونية مستمرة أو مركبة، يكون أحد أطرافها قد انفرد بالإدارة أو القبض أو الإنفاق أو الاستثمار، بحيث يتعذر تحديد الحقوق المالية إلا بعد مراجعة جميع العمليات الحسابية المتعلقة بتلك العلاقة.

ويستفاد من هذين التعريفين أن جوهر الدعوى لا يتمثل في المطالبة بمبلغ مالي محدد، وإنما في إلزام الخصم بكشف الحساب وإجراء المحاسبة، ثم تحديد الرصيد النهائي الذي قد يثبت لمصلحة أي من الطرفين.

 

ثالثاً: التعريف القضائي لدعوى المحاسبة

على الرغم من أن محكمة التمييز الأردنية لم تضع تعريفاً مباشراً لدعوى المحاسبة، إلا أن أحكامها المتعاقبة رسمت معالمها القانونية من خلال التطبيقات العملية.

فقد قررت في العديد من أحكامها أن الغاية من الدعوى هي الوصول إلى تحديد الحقوق المالية بعد مراجعة الحسابات، وأن المحكمة لا تستطيع الحكم بالمبالغ المطالب بها إلا بعد إجراء المحاسبة وفق الأصول متى كانت طبيعة العلاقة تقتضي ذلك.

 

كما بينت المحكمة أن دعوى المحاسبة تختلف باختلاف مصدر العلاقة القانونية، فقد تكون ناشئة عن:

عقد شركة، شركة محاصة، شركة مضاربة، إدارة مال شائع، إدارة أحد الشركاء لأموال الشركة، علاقة مدير الشركة بالشركة.

 

ومن أبرز التطبيقات القضائية في هذا المجال:

قرار محكمة التمييز رقم 3342/2023، الذي أكد حق الشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة في طلب إجراء المحاسبة وبيان الأرباح وحصته منها، مع إلزام المحكمة بتمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات والدفاتر الموجودة تحت يد الشركة أو المدير قبل الفصل في الدعوى، وعدم ردها بسبب نقص المستندات التي يحتفظ بها الخصم.

قرار محكمة التمييز رقم 9490/2023، الذي ميز بين دعوى المحاسبة ودعوى استرداد أموال الشركة، وقرر أن مطالبة الشركة مديرها أو أحد شركائها برد الأموال التي قبضها لحسابها ليست دعوى محاسبة بين الشركاء، وإنما دعوى لاسترداد أموال الشركة، وهو تمييز بالغ الأهمية في التكييف القانوني للدعوى.

قرار محكمة التمييز رقم 1338/2024، الذي قرر أن دعوى المحاسبة في شركة المحاصة توجه إلى الشريك الظاهر، وأن وجود شركة محاصة لا يمنع إقامة دعوى المحاسبة رغم عدم وجود شخصية معنوية مستقلة لها، مع جواز إثباتها بجميع طرق الإثبات.

قرار محكمة التمييز رقم 2785/2023، الذي فرق بين دعوى المحاسبة، ودعوى استرداد الحصة، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، مؤكداً أن تحديد طبيعة الحق المدعى به هو الذي يرسم حدود الدعوى والخصومة والآثار القانونية المترتبة عليها.

ومن استقراء هذه الأحكام يتبين أن القضاء الأردني ينظر إلى دعوى المحاسبة باعتبارها دعوى كاشفة للحقوق وليست منشئة لها، وأنها تهدف إلى تحديد المركز المالي الحقيقي للأطراف قبل القضاء بأي مبلغ.

 

رابعاً: خصائص دعوى المحاسبة

يمكن استخلاص عدد من الخصائص التي تميز دعوى المحاسبة عن غيرها من الدعاوى، وهي:

 

1- أنها دعوى حسابية مركبة

فهي لا تقوم على التزام بسيط أو دين محدد، وإنما على مجموعة من العمليات المالية المتبادلة التي تستوجب المراجعة والتدقيق واستخراج الرصيد النهائي.

 

2- أنها دعوى كاشفة وليست منشئة

فالمحاسبة لا تنشئ الحق، وإنما تكشف عن وجوده ومقداره، ولذلك قد تنتهي إلى ثبوت حق للمدعي أو للمدعى عليه، بحسب نتيجة الحساب.

 

3- أنها تستلزم وجود علاقة قانونية سابقة

فلا تقبل دعوى المحاسبة استقلالاً دون وجود علاقة قانونية تبرر تبادل الحسابات، كالشركة، أو الوكالة، أو الإدارة، أو الشيوع، أو المضاربة.

 

4- أنها كثيراً ما تستلزم الاستعانة بالخبرة

غير أن الخبرة في هذه الدعوى ليست وسيلة لإثبات أصل الحق، وإنما وسيلة فنية لتقدير الحقوق التي ثبتت بالأدلة القانونية، وهو ما قررته الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قرارها رقم 813/2022 عندما أكدت أن الخبرة وسيلة لتقدير الدليل وليست وسيلة لإثباته، وأن الخبير لا يجوز له إنشاء الوقائع أو جمع الأدلة من خارج ملف الدعوى، وإنما يقتصر دوره على احتساب الحقوق وفق البينات المقدمة.

 

5- أنها ترتبط غالباً بطلبات أخرى

فالواقع العملي يكشف أن دعوى المحاسبة كثيراً ما تقترن بطلبات أخرى، مثل:

تعيين حارس قضائي (قيم)، عزل المدير، إخراج الشريك، تصويب الحصص، فسخ الشركة، تصفيتها، تعيين مصفٍ.

وهذا ما سنعالجه تفصيلاً في الأبواب اللاحقة من هذه الدراسة.

 

 

المبحث الثاني: الطبيعة القانونية لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

أولاً: تمهيد

تحديد الطبيعة القانونية لأي دعوى ليس مجرد بحث نظري، وإنما يترتب عليه آثار عملية بالغة الأهمية، إذ يتحدد من خلاله أساس الدعوى، والاختصاص القضائي، وعبء الإثبات، ونطاق الخصومة، وسلطة المحكمة، وحتى الحكم الذي يجوز للمحكمة إصداره. ويزداد هذا الأمر أهمية في دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء، نظراً لتعدد الصور التي قد تظهر بها المنازعة، فقد تبدو لأول وهلة مطالبة مالية، بينما تكون في حقيقتها دعوى محاسبة، وقد يصفها المدعي بأنها دعوى محاسبة، في حين يتبين للمحكمة أنها دعوى مسؤولية ضد المدير، أو دعوى استرداد أموال الشركة، أو دعوى تصفية، أو دعوى تعويض.

ومن هنا، فإن التكييف القانوني الصحيح لهذه الدعوى يمثل نقطة البداية في التطبيق القضائي السليم، وهو ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في أكثر من حكم عندما قررت أن تكييف الدعوى والعلاقة القانونية هو من سلطة المحكمة، ولا تتقيد المحكمة بالوصف الذي يسبغه الخصوم على دعواهم، وهو ما ظهر بوضوح في قرارها رقم 7170/2024 الذي اعتبر أن المحكمة هي صاحبة الولاية في تحديد الطبيعة القانونية للنزاع وترتيب الآثار القانونية المترتبة عليه، بصرف النظر عن الألفاظ التي استخدمها الخصوم في لوائحهم.

كما كرست هذا الاتجاه في قرارها الصادر في 24/10/2023 عندما كيفت العلاقة بين طرفي الدعوى بأنها شركة مضاربة وليست شركة محاصة، رغم تمسك الطاعنة بتطبيق أحكام شركة المحاصة وقانون الأوراق المالية، وانتهت إلى أن الطريق القانوني الصحيح بعد انتهاء المضاربة هو المحاسبة والتصفية، وليس المطالبة المباشرة برد رأس المال والأرباح المقطوعة.

 

ثانياً: دعوى المحاسبة دعوى تقريرية تمهيدية

يرى الباحث أن أول ما يميز دعوى المحاسبة أنها دعوى تقريرية (Declaratory Action) ، لا يقصد منها ابتداءً إلزام المدعى عليه بدفع مبلغ مالي محدد، وإنما تهدف إلى تقرير المركز المالي الحقيقي للعلاقة بين الطرفين، وإظهار الرصيد النهائي الناتج عن العمليات الحسابية المتبادلة.

ويترتب على هذه الطبيعة عدة نتائج مهمة:

أولها، أن المدعي قد لا يكون قادراً عند إقامة الدعوى على تحديد مقدار حقه تحديداً دقيقاً، لأن هذا المقدار يتوقف على مراجعة الدفاتر والقيود والحسابات الموجودة غالباً تحت يد المدير أو الشريك القائم بالإدارة، وهو ما يبرر إقامة دعوى المحاسبة ابتداءً.

وثانيها، أن الحكم الصادر في دعوى المحاسبة لا ينشئ الحق، وإنما يكشف عن وجوده ومقداره، فالحق يكون قائماً قبل إقامة الدعوى، إلا أن مقداره يظل مجهولاً إلى أن تنتهي المحكمة من مراجعة الحسابات وإجراء الخبرة عند الاقتضاء.

وثالثها، أن المحكمة لا تستطيع الحكم بالمبلغ المطالب به إلا بعد استكمال مرحلة المحاسبة، لأن الرصيد النهائي قد يكون لمصلحة المدعي، وقد يكون لمصلحة المدعى عليه، أو قد ينتهي إلى براءة ذمة الطرفين.

ومن التطبيقات العملية لذلك ما استقرت عليه محكمة التمييز من أن مطالبة الشريك بحصته من الأرباح في الشركة ذات المسؤولية المحدودة تقتضي أولاً إجراء المحاسبة والاطلاع على دفاتر الشركة وسجلاتها قبل تحديد ما إذا كانت أرباح قابلة للتوزيع قد تحققت فعلاً، وهو ما أكدته في قرارها رقم 3342/2023 عندما اعتبرت أن رد الدعوى قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات الموجودة تحت يد الشركة أو المدير يعد مخالفاً للقانون.

 

ثالثاً: دعوى المحاسبة ليست دعوى مطالبة بدين

من أكثر الأخطاء شيوعاً في التطبيق العملي اعتبار دعوى المحاسبة مجرد دعوى مطالبة بدين، مع أن الفارق بينهما جوهري.

ففي دعوى المطالبة بالدين يكون الدين محدداً وثابتاً ومعلوماً وقت إقامة الدعوى، ولا يبقى أمام المحكمة سوى التحقق من وجوده وإلزام المدين بأدائه.

أما في دعوى المحاسبة، فإن أصل العلاقة المالية قد يكون ثابتاً، إلا أن مقدار الحق لا يكون معلوماً، إذ يتوقف على مراجعة الحسابات واستخراج الرصيد النهائي.

ولذلك فإن عبء المحكمة في دعوى المحاسبة أوسع بكثير، لأنها لا تقتصر على التحقق من وجود الالتزام، وإنما تبحث أيضاً في الإيرادات، والمصروفات، والالتزامات، والدفعات، والمبالغ المقبوضة، والنفقات المشتركة، وما إذا كانت هناك محاسبة سابقة بين الأطراف.

وقد أبرزت محكمة التمييز هذا الفارق في قرارها رقم 9490/2023 عندما فرقت بين دعوى المحاسبة ودعوى الشركة الرامية إلى استرداد الأموال التي قبضها مديرها ولم يوردها إلى ذمتها، وقررت أن الدعوى الأخيرة ليست دعوى محاسبة، وإنما دعوى استرداد أموال الشركة، وأن مهمة الخبير فيها تختلف عن مهمته في دعوى المحاسبة.

 

رابعاً: دعوى المحاسبة ليست دعوى تصفية

ورغم الترابط الوثيق بين المحاسبة والتصفية، إلا أنهما يختلفان من حيث الطبيعة والغاية.

فالمحاسبة تهدف إلى تحديد الحقوق والالتزامات المالية الناشئة عن العلاقة القائمة بين الشركاء، وقد تتم أثناء استمرار الشركة أو بعد انقضائها.

أما التصفية، فهي مرحلة قانونية تلي انقضاء الشركة، وتهدف إلى إنهاء شخصيتها القانونية، وسداد ديونها، وتحويل موجوداتها إلى نقود، ثم توزيع صافي أموالها على الشركاء.

ومن ثم، فإن المحاسبة قد تكون وسيلة من وسائل التصفية، لكنها ليست التصفية ذاتها.

وقد كرست محكمة التمييز هذا التمييز في أكثر من حكم، ولا سيما في القرار المتعلق بعقد المضاربة، عندما قررت أن انتهاء العلاقة بانتهاء مدتها يقتضي إجراء المحاسبة والتصفية قبل المطالبة برد رأس المال، وأن مطالبة الشريك باسترداد حصته مباشرة تكون سابقة لأوانها متى كانت التصفية لم تتم بعد.

 

خامساً: دعوى المحاسبة ليست دعوى مسؤولية

كثيراً ما تختلط دعوى المحاسبة بدعوى المسؤولية المدنية المقامة على المدير أو الشريك القائم بالإدارة، إلا أن لكل منهما نطاقاً مختلفاً.

فدعوى المحاسبة تهدف إلى كشف الحسابات وتحديد الرصيد المالي، دون أن يكون ثبوت الخطأ شرطاً لقبولها.

أما دعوى المسؤولية، فتقوم على أركان المسؤولية المدنية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، وتهدف إلى الحكم بالتعويض.

وقد أوضحت محكمة التمييز هذا الفارق في قرارها رقم 2785/2023، عندما ميزت بين الدعوى التي يقيمها المساهم لمصلحة الشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة، والدعوى الفردية التي يطالب فيها بالتعويض عن ضرر شخصي أصابه، مؤكدة أن تحديد طبيعة الضرر هو الذي يرسم حدود الدعوى ويحدد صاحب الحق في التعويض.

 

سادساً: الطبيعة المختلطة لدعوى المحاسبة

بعد استقراء النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، يخلص الباحث إلى أن دعوى المحاسبة تتمتع بطبيعة قانونية مختلطة، فهي تجمع بين عناصر موضوعية وأخرى إجرائية.

فهي من الناحية الموضوعية تستند إلى علاقة قانونية سابقة، كعقد الشركة أو الشيوع أو الوكالة أو المضاربة، وتستهدف تحديد الحقوق والالتزامات المالية الناشئة عنها.

ومن الناحية الإجرائية، تعتمد على وسائل خاصة في الإثبات، وفي مقدمتها إلزام الخصم بتقديم الدفاتر والسجلات، والاستعانة بالخبرة المحاسبية، ومناقشة الخبراء، وتوجيه اليمين الحاسمة عند الاقتضاء، وهي وسائل لا تظهر بهذه الكثافة في غالبية الدعاوى المدنية الأخرى.

وهذه الطبيعة المزدوجة هي التي تفسر كثرة الإشكالات العملية في دعاوى المحاسبة، وتبرر الحاجة إلى تنظيم تشريعي أكثر تفصيلاً يبين إجراءاتها وشروطها بصورة مستقلة.

 

النتائج الأولية للمبحث

ومن خلال ما تقدم، يمكن استخلاص النتائج الآتية:

  • دعوى المحاسبة دعوى تقريرية كاشفة للحقوق وليست منشئة لها.
  • الغاية منها تحديد الرصيد النهائي للعلاقة المالية بين الشركاء قبل القضاء بأي مبلغ.
  • تختلف عن دعوى المطالبة بالدين لاختلاف محل الالتزام ومرحلة تحديد الحق.
  • تختلف عن دعوى التصفية رغم الترابط الوثيق بينهما، إذ قد تكون المحاسبة مرحلة من مراحل التصفية دون أن تتطابق معها.
  • تختلف عن دعوى المسؤولية، لأن قبولها لا يتوقف على إثبات الخطأ، وإنما على وجود علاقة قانونية تستوجب تبادل الحسابات.
  • تتمتع بطبيعة قانونية مختلطة تجمع بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية، وهو ما يفسر خصوصيتها في التطبيق القضائي.

 

المبحث الثالث: الأساس القانوني لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

أولاً: تمهيد

تقوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء على فكرة قانونية جوهرية مؤداها أن العلاقة بين الشركاء ليست علاقة دائن بمدين، وإنما علاقة تعاون وائتمان وإدارة مشتركة لمال أو مشروع اقتصادي، يلتزم فيها كل شريك بمراعاة مصلحة الشركة وبقية الشركاء، ويترتب على ذلك التزام قانوني بتقديم الحساب عن الأعمال التي يجريها لحساب الشركة أو لحساب المال المشترك.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة لا تستند إلى نص واحد في التشريع الأردني، وإنما تقوم على مجموعة متكاملة من النصوص القانونية والمبادئ العامة، تتوزع بين قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، إضافة إلى المبادئ التي أرستها محكمة التمييز في اجتهادها المستقر.

ويلاحظ أن المشرع الأردني، بخلاف بعض التشريعات المقارنة، لم يضع تنظيماً مستقلاً لدعوى المحاسبة، الأمر الذي جعل القضاء يضطلع بدور أساسي في استنباط قواعدها وتحديد نطاقها، وهو ما أضفى على الاجتهاد القضائي أهمية خاصة في هذا المجال.

 

ثانياً: الأساس القانوني في قانون الشركات

يعد قانون الشركات المصدر التشريعي الأول لدعوى المحاسبة متى كانت العلاقة محل النزاع ناشئة عن شركة، إذ يقوم هذا القانون على مبدأ أساسي يتمثل في وجوب إدارة الشركة لمصلحة جميع الشركاء، وخضوع القائمين على الإدارة لالتزام دائم بالإفصاح والشفافية وتقديم الحسابات.

ويتجلى هذا الالتزام في عدة صور، أهمها:

  • التزام المدير بإدارة الشركة بعناية الشخص المعتاد.
  • إعداد البيانات المالية والميزانيات.
  • تمكين الشركاء من الاطلاع على الحسابات.
  • المحافظة على أموال الشركة وعدم خلطها بالأموال الخاصة.
  • توزيع الأرباح وفقاً للقانون وعقد الشركة.

ومن ثم، فإذا أخل المدير أو الشريك القائم بالإدارة بهذه الالتزامات، فإن دعوى المحاسبة تصبح الوسيلة القضائية الطبيعية لإلزامه بالكشف عن العمليات المالية التي أجراها.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها رقم 3342/2023 عندما قررت أن للشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة الحق في طلب إجراء المحاسبة وبيان الأرباح المستحقة له، وأن المحكمة لا يجوز لها رد الدعوى قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على دفاتر الشركة وسجلاتها الموجودة تحت يد المدير أو الشركة، لأن هذه المستندات هي الوسيلة الأساسية للكشف عن المركز المالي الحقيقي للشركة.

كما عززت المحكمة هذا الاتجاه في قرارها رقم 1616/2024، عندما اعتبرت أن امتناع الشريك المفوض في شركة التضامن عن تمكين بقية الشركاء من الاطلاع على دفاتر الشركة وقيودها، وعدم تقديم الحسابات لهم، يشكل إخلالاً جسيماً بالتزاماته القانونية، ويعد سبباً يبرر إخراجه من الشركة حفاظاً على استمرارها.

ويستفاد من ذلك أن الالتزام بتقديم الحسابات ليس مجرد التزام أدبي أو تنظيمي، وإنما هو التزام قانوني يترتب على مخالفته قيام المسؤولية وإمكان اللجوء إلى القضاء بطلب المحاسبة.

 

ثالثاً: الأساس القانوني في القانون المدني

إذا كان قانون الشركات ينظم الإطار المؤسسي للعلاقة بين الشركاء، فإن القانون المدني يمثل المصدر العام الذي تستند إليه دعوى المحاسبة، ولا سيما في المسائل التي لم يرد بشأنها نص خاص في قانون الشركات.

ويقوم هذا الأساس على عدة مبادئ قانونية، من أهمها:

1- مبدأ تنفيذ العقد بحسن نية

يعد عقد الشركة من عقود حسن النية، فلا يقتصر التزام الشريك على تنفيذ ما ورد صراحة في عقد الشركة، وإنما يمتد إلى جميع الالتزامات التي تفرضها طبيعة العلاقة والشرف والأمانة والثقة المتبادلة.

ومن مقتضيات حسن النية أن يقدم الشريك الذي يتولى الإدارة حساباً واضحاً عن الأموال التي قبضها أو أنفقها أو استثمرها لحساب الشركة.

2- الالتزام بتقديم الحساب

يقرر الفقه المدني أن كل من يتولى إدارة مال يعود لغيره يلتزم بتقديم حساب عن هذه الإدارة، سواء استندت الإدارة إلى وكالة أو شركة أو شيوع أو أي مصدر قانوني آخر.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة ليست مرتبطة بالشركة وحدها، وإنما تمتد إلى كل علاقة قانونية تستوجب تقديم الحساب.

3- منع الإثراء بلا سبب

إذا استأثر أحد الشركاء بإيرادات الشركة أو قبض الأموال دون توزيعها أو دون بيان كيفية التصرف بها، فإن بقاء هذه الأموال تحت يده دون محاسبة قد يؤدي إلى إثراء غير مشروع على حساب بقية الشركاء.

ومن هنا تعد دعوى المحاسبة وسيلة عملية لمنع هذا الإثراء وإعادة التوازن المالي بين أطراف العلاقة.

 

رابعاً: الأساس القانوني في قانون أصول المحاكمات المدنية

تستمد دعوى المحاسبة جانباً مهماً من أحكامها من قانون أصول المحاكمات المدنية، لأن نجاح هذه الدعوى يعتمد إلى حد كبير على الإجراءات التي تتخذها المحكمة أثناء نظرها.

 

ومن أهم هذه الإجراءات:

  • إلزام الخصوم بتقديم المستندات.
  • تكليف الغير بإبراز الدفاتر.
  • إجراء الخبرة المحاسبية.
  • مناقشة الخبراء.
  • إعادة الخبرة عند قصورها.
  • توجيه اليمين الحاسمة أو المتممة عند الاقتضاء.

وقد أولت محكمة التمييز أهمية كبيرة لهذه الإجراءات، واعتبرت أن إغفال المحكمة لطلبات الإثبات الجوهرية يؤدي إلى نقض الحكم.

ففي قرارها رقم 1338/2024 قررت أن امتناع المحكمة عن الفصل في طلب توجيه اليمين الحاسمة يشكل مخالفة جوهرية تستوجب نقض الحكم، لأن اليمين الحاسمة تعد من وسائل الإثبات التي يجوز للخصوم اللجوء إليها في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

كما قررت في حكمها الصادر بتاريخ 29/12/2022 أن إغفال المحكمة الرد على طلب توجيه اليمين الحاسمة بشأن واقعة إجراء المحاسبة السابقة يجعل الحكم سابقاً لأوانه، لأن هذه الواقعة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت ذمة المدعى عليه ما تزال مشغولة أم لا.

 

خامساً: الأساس القانوني في قانون البينات

تمثل قواعد الإثبات الركيزة العملية لدعوى المحاسبة، إذ لا يكفي الادعاء بوجود حق في الأرباح أو الإيرادات، وإنما يجب إثبات الوقائع المنشئة لهذا الحق.

وقد كرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذا المبدأ في قرارها رقم 813/2022 عندما قررت أن الأصل براءة الذمة، وأن المدعي هو المكلف بإثبات حقه، وأن الخبرة ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة لتقدير الحقوق التي ثبتت بالبينات القانونية.

ويعد هذا الحكم من أهم الأحكام المؤسسة لدعوى المحاسبة، لأنه رسم الحدود الفاصلة بين وظيفة الخصوم في الإثبات ووظيفة الخبير في التقدير، وقرر أن الخبير لا يجوز له إنشاء الدليل أو جمع المعلومات من خارج ملف الدعوى، وإنما يقتصر دوره على احتساب الحقوق وفقاً لما ثبت أمام المحكمة من بينات.

ويؤدي هذا المبدأ إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي أن دعوى المحاسبة لا تعفي المدعي من عبء الإثبات، وإنما تخفف عنه في حدود ما تكون المستندات والدفاتر تحت يد الخصم، إذ يظل ملزماً بإثبات وجود العلاقة القانونية ومصدر حقه والوقائع الأساسية التي يستند إليها في دعواه.

 

سادساً: الأساس المستمد من الاجتهاد القضائي

إذا كان التشريع قد رسم الإطار العام، فإن القضاء الأردني هو الذي وضع القواعد التفصيلية لدعوى المحاسبة.

ومن خلال الأحكام التي جمعناها يتبين أن محكمة التمييز أرست مجموعة من المبادئ، من أهمها:

  • أن دعوى المحاسبة دعوى مستقلة عن دعوى استرداد أموال الشركة.
  • أن الخبرة وسيلة تقدير وليست وسيلة إثبات.
  • أن مجرد وجود خلاف بين الشركاء لا يبرر تعيين حارس قضائي.
  • أن للشريك الحق في الاطلاع على الدفاتر والحسابات.
  • أن المحكمة تملك سلطة تكييف الدعوى بصرف النظر عن وصف الخصوم لها.
  • أن المحاسبة قد تكون لازمة قبل التصفية أو قبل المطالبة بالحقوق المالية النهائية.
  • أن تحديد طبيعة العلاقة القانونية بين الأطراف هو الأساس الذي يبنى عليه تحديد نوع الدعوى والإجراءات الواجبة الاتباع.

ويلاحظ أن هذه المبادئ لم تصدر في حكم واحد، وإنما تكونت عبر سلسلة من الأحكام الحديثة، الأمر الذي يدل على أن القضاء الأردني يسير نحو بناء نظرية قضائية متكاملة لدعوى المحاسبة، رغم غياب تنظيم تشريعي مستقل لها.

 

الفصل الثاني: الأساس القانوني للالتزام بالمحاسبة بين الشركاء

تمهيد

لا تنشأ دعوى المحاسبة من مجرد رغبة أحد الشركاء في معرفة المركز المالي للشركة، وإنما تستند إلى التزام قانوني سابق يقع على عاتق كل من يتولى إدارة مال مشترك أو يتصرف في أموال الشركة لحسابها. فالمحاسبة ليست التزاماً اتفاقياً فحسب، بل هي التزام يفرضه القانون كلما وجد شخص يدير أموالاً لا تخصه وحده، أو يتصرف فيها لحساب الغير.

ومن هنا، فإن الالتزام بالمحاسبة لا يعد أثراً من آثار الخصومة القضائية، وإنما هو التزام سابق على إقامة الدعوى، تنشأ الدعوى بسبب الإخلال به، ويكون القضاء وسيلة لإجبار الممتنع عن تنفيذه.

ويلاحظ أن هذا الالتزام لا يقوم على مصدر واحد، وإنما تتعدد مصادره بحسب طبيعة الشركة ونوع العلاقة بين أطرافها، فقد يكون مصدره عقد الشركة، أو نصوص قانون الشركات، أو أحكام القانون المدني، أو المبادئ العامة التي تحكم إدارة المال المشترك.

 

المبحث الأول: عقد الشركة باعتباره المصدر الأول للالتزام بالمحاسبة

يعد عقد الشركة المصدر المباشر لالتزام الشريك أو المدير بتقديم الحساب، لأن الشركة ليست مجرد تجميع لرؤوس الأموال، وإنما رابطة قانونية تقوم على التعاون وتحقيق غاية مشتركة، ويترتب على هذه الرابطة التزامات متبادلة بين الشركاء، أهمها الالتزام بالإفصاح والشفافية وعدم الاستئثار بالمعلومات المالية.

ويتميز عقد الشركة عن كثير من العقود الأخرى بأنه من عقود التنفيذ المستمر، إذ لا تنتهي التزامات أطرافه بمجرد إبرامه، وإنما تستمر طوال حياة الشركة، الأمر الذي يجعل الالتزام بالمحاسبة التزاماً دورياً ومتجدداً.

ومن هذا المنطلق، فإن كل عملية مالية يجريها المدير أو الشريك المفوض لحساب الشركة تدخل في نطاق التزامه بتقديم الحساب، سواء تعلقت بقبض الإيرادات، أو سداد النفقات، أو إبرام العقود، أو إدارة الموجودات، أو توزيع الأرباح.

ولا يقتصر هذا الالتزام على المدير المعين في عقد الشركة، بل يمتد إلى كل شريك يتولى الإدارة الفعلية، ولو لم يكن يحمل صفة المدير رسمياً، لأن العبرة في الالتزام بالمحاسبة ليست بالصفة الشكلية، وإنما بمباشرة الإدارة والتصرف في الأموال.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها رقم 7170/2024 عندما اعتبرت أن الشخص الذي انفرد بإدارة المشروع، وتحصيل الإيرادات، والتصرف بالحسابات، يصبح ملزماً بتقديم الحساب متى ثبتت إدارته الفعلية للمشروع، بغض النظر عن الوصف الذي يطلقه الخصوم على هذه العلاقة.

 

المبحث الثاني: الالتزام بالمحاسبة باعتباره أثراً لمبدأ حسن النية

من المبادئ الراسخة في القانون المدني أن العقود يجب تنفيذها وفقاً لما يوجبه حسن النية، ولا يقف هذا الالتزام عند تنفيذ البنود الصريحة للعقد، وإنما يمتد إلى كل ما تقتضيه طبيعة الالتزام والأمانة والثقة المتبادلة.

وتبرز أهمية هذا المبدأ في عقد الشركة أكثر من غيره من العقود، لأن الشركة تقوم على الاعتبار الشخصي والثقة المتبادلة، ولا يمكن تصور استمرارها إذا استأثر أحد الشركاء بالمعلومات المالية أو أخفى الحسابات عن بقية الشركاء.

ومن ثم فإن التزام المدير أو الشريك المفوض بتقديم الحساب لا يعد مجرد التزام محاسبي، وإنما هو تطبيق مباشر لمبدأ حسن النية في تنفيذ عقد الشركة.

ولهذا السبب اعتبرت محكمة التمييز أن امتناع الشريك المفوض عن تمكين بقية الشركاء من الاطلاع على الدفاتر والسجلات، وعدم تقديم الحسابات، يشكل إخلالاً جسيماً بالتزاماته القانونية، ويبرر إخراجه من الشركة إذا أدى ذلك إلى تعطيل أعمالها أو الإضرار بمصالحها، كما جاء في قرارها رقم 1616/2024.

ويكشف هذا الاتجاه عن أن القضاء الأردني لم يعد ينظر إلى المحاسبة بوصفها مجرد إجراء مالي، وإنما باعتبارها التزاماً قانونياً جوهرياً يضمن احترام مبدأ حسن النية داخل الشركة.

 

المبحث الثالث: الالتزام بالمحاسبة باعتباره أثراً لإدارة مال الغير

إذا كان عقد الشركة يمثل المصدر التقليدي للالتزام بالمحاسبة، فإن هذا الالتزام قد يقوم حتى في غياب عقد شركة بالمعنى الفني، متى تولى شخص إدارة مال يملكه غيره أو يشترك فيه معه.

ولهذا نجد أن القضاء الأردني لم يقصر دعوى المحاسبة على الشركات، وإنما أجازها أيضاً في الأموال الشائعة، حيث انفرد أحد الشركاء بإدارة العقارات المشتركة وقبض أجورها دون تقديم حساب لبقية الشركاء.

وفي القرار الصادر بتاريخ 29/12/2022، أقرت محكمة التمييز بحق الشريك على الشيوع في مطالبة من استأثر بإدارة العقارات المشتركة بإجراء المحاسبة عن جميع الإيرادات المتحققة، كما أكدت أن ادعاء المدعى عليه بإجراء محاسبة سابقة يعد واقعة جوهرية يجب بحثها من خلال البينات واليمين الحاسمة عند الاقتضاء.

ويؤكد هذا الحكم أن مصدر الالتزام بالمحاسبة ليس وجود الشركة وحده، وإنما قيام شخص بإدارة مال مشترك أو التصرف فيه لحساب غيره.

 

المبحث الرابع: الالتزام بالمحاسبة في ضوء الشخصية المعنوية للشركة

من أهم التطورات التي شهدها القضاء الأردني في السنوات الأخيرة التمييز بين المحاسبة التي تكون مستحقة للشركة، والمحاسبة التي تكون مستحقة للشريك.

فالمدير قد يكون ملتزماً بتقديم الحساب للشركة باعتبارها شخصاً اعتبارياً مستقلاً، وليس لكل شريك على حدة، كما أن بعض الحقوق تكون للشركة وحدها، ولا يجوز للشريك المطالبة بها باسمه الشخصي.

وقد أكدت محكمة التمييز هذه القاعدة في أكثر من حكم، أبرزها القراران 7170/2024 و659/2023، إذ قررت أن الشخصية المعنوية للشركة تقتضي أن تكون الخصومة متجهة إلى الشركة متى كان الحق المطالب به من حقوقها، وأن الضرر الواقع على أموال الشركة لا يتحول تلقائياً إلى حق شخصي لكل شريك، وإنما يبقى حقاً للشركة ذاتها.

 

ويترتب على هذا التمييز نتائج عملية بالغة الأهمية، منها:

تحديد الخصم الصحيح في دعوى المحاسبة.

تحديد صاحب الصفة في المطالبة.

التمييز بين الدعوى الفردية للشريك والدعوى التي ترفع لمصلحة الشركة.

تحديد الجهة التي يؤول إليها المبلغ المحكوم به.

وسيكون لهذه المسألة أثر بالغ عند بحث شروط قبول الدعوى وصحة الخصومة في الباب الثاني من هذه الدراسة.

 

تعليق الباحث (إضافة علمية)

وأرى أن الاجتهاد القضائي الأردني قد تجاوز النظرة التقليدية لدعوى المحاسبة باعتبارها مجرد وسيلة لتحديد الأرباح، وأرسى مفهوماً أكثر شمولاً يقوم على أن الالتزام بالمحاسبة هو التزام قانوني مستقل ينشأ بمجرد إدارة مال مشترك أو مال مملوك لشخص اعتباري، وأن هذا الالتزام يستمد وجوده من طبيعة العلاقة القانونية ذاتها، لا من وجود نص خاص يفرضه.

ومن ثم، فإن الامتناع عن تقديم الحساب لا يمثل مجرد إخلال بالتزام عقدي، وإنما يشكل إخلالاً بمبدأ الشفافية والائتمان الذي تقوم عليه جميع العلاقات القانونية التي تتضمن إدارة أموال الغير. وهذا الاتجاه، في تقديري، يمثل نواةً لنظرية عامة في القانون الأردني يمكن تسميتها “نظرية الالتزام بالمحاسبة في علاقات الإدارة المشتركة”، وهي نظرية تتجاوز نطاق الشركات لتشمل الوكالة، والشيوع، والمضاربة، وشركة المحاصة، وكل علاقة يكون فيها أحد الأطراف ممسكاً بالحسابات أو متصرفاً بالأموال المشتركة.

 

الباب الثاني: شروط قبول دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

تمهيد

لا يكفي لنجاح دعوى المحاسبة أن يدعي أحد الشركاء وجود حقوق مالية له في ذمة شريك آخر، بل يجب أن تتوافر مجموعة من الشروط الموضوعية والإجرائية التي تجعل الدعوى مقبولة ابتداءً وقابلة للفصل في موضوعها.

ولم ينظم المشرع الأردني هذه الشروط في نصوص مستقلة، وإنما استخلصتها محكمة التمييز من القواعد العامة في قانون الشركات والقانون المدني وقانون أصول المحاكمات المدنية وقانون البينات، حتى أصبحت تشكل منظومة قضائية متكاملة تحكم هذا النوع من الدعاوى.

ومن خلال استقراء الأحكام التي جمعناها، يمكن القول إن شروط قبول دعوى المحاسبة تنقسم إلى نوعين:

شروط موضوعية تتعلق بوجود الحق ذاته، شروط إجرائية تتعلق بطريقة ممارسة هذا الحق أمام القضاء، وسوف نتناول كل شرط بصورة مستقلة.

 

الفصل الأول: الشروط الموضوعية لقبول دعوى المحاسبة

 

المبحث الأول: وجود علاقة قانونية تستوجب المحاسبة

يعد هذا الشرط الركن الأساسي في دعوى المحاسبة، إذ لا تقوم هذه الدعوى في فراغ، وإنما تستند دائماً إلى علاقة قانونية سابقة توجب على أحد الأطراف تقديم حساب للطرف الآخر.

فإذا انتفت هذه العلاقة، انتفى الالتزام بالمحاسبة من أساسه.

ولهذا فإن المحكمة تبدأ دائماً ببحث مصدر العلاقة القانونية قبل الانتقال إلى بحث الحسابات.

وقد تكون هذه العلاقة:

عقد شركة، شركة محاصة، شركة تضامن، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة، مضاربة، شيوع، وكالة، إدارة مال الغير.

أما إذا كانت العلاقة مجرد دين عادي، أو قرض، أو بيع، أو التزام مستقل لا يقتضي إدارة أموال مشتركة، فلا محل لإقامة دعوى المحاسبة، وإنما تكون الدعوى دعوى مطالبة مالية عادية.

 

سلطة المحكمة في تكييف العلاقة

من المبادئ الراسخة في القضاء الأردني أن المحكمة غير مقيدة بالتكييف الذي يسبغه الخصوم على العلاقة القانونية.

فقد يصف المدعي العلاقة بأنها شركة محاصة، بينما ترى المحكمة أنها مضاربة، وقد يصفها بأنها مطالبة مالية، بينما ترى المحكمة أنها دعوى محاسبة.

وقد كرست محكمة التمييز هذا المبدأ بصورة واضحة في القرار الصادر بتاريخ 24/10/2023 عندما رفضت اعتبار العلاقة شركة محاصة، وكيفتها بأنها شركة مضاربة، ورتبت على ذلك وجوب إجراء المحاسبة والتصفية قبل المطالبة برد رأس المال، كما أكدت في القرار 7170/2024 أن تكييف العلاقة القانونية من سلطة المحكمة، لا من سلطة الخصوم.

 

المبحث الثاني: وجود إدارة فعلية للأموال المشتركة

لا يكفي وجود شركة حتى تقبل دعوى المحاسبة، وإنما يجب أن يكون المدعى عليه قد باشر إدارة الأموال أو قبض الإيرادات أو تصرف بالحسابات.

فإذا لم يثبت أنه كان يدير الأموال أو يستوفي الإيرادات، انتفى موجب إلزامه بالمحاسبة.

 

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين:

الشريك العادي، الشريك المدير، المدير المفوض، المدير الفعلي.

فالالتزام بالمحاسبة يتعلق بالإدارة، وليس بمجرد صفة الشريك.

وقد أبرزت محكمة التمييز هذا المعنى في القرار 7170/2024 عندما استخلصت من الوقائع أن أحد الشركاء هو الذي كان يدير المشروع، ويوقع العقود، ويقبض الإيرادات، ويشرف على المحاسب، ومن ثم اعتبرت أن المطالبة بالمحاسبة تتجه إليه بوصفه مديراً فعلياً.

كما ظهر هذا الاتجاه في قرار 1616/2024 عندما اعتبرت المحكمة أن امتناع الشريك المفوض عن تقديم الحسابات للشركاء يعد إخلالاً يبرر إخراجه من الشركة.

 

المبحث الثالث: وجود عمليات مالية قابلة للمحاسبة

لا تقبل دعوى المحاسبة إذا لم تكن هناك عمليات مالية تستوجب مراجعتها.

ويشترط أن يكون النزاع متعلقاً بأمور مثل:

الإيرادات، الأرباح، المصروفات، النفقات، الرواتب، التحصيلات، العقود، الذمم، الموجودات.

أما إذا كان النزاع يدور حول مسألة قانونية مجردة لا تتعلق بحسابات مالية، فإن دعوى المحاسبة تكون غير منتجة.

ولهذا السبب ميزت محكمة التمييز في القرار 9490/2023 بين دعوى المحاسبة وبين دعوى استرداد الأموال التي قبضها المدير لحساب الشركة، وقررت أن الأخيرة ليست دعوى محاسبة، لأن موضوعها لا يتمثل في مراجعة الحسابات، وإنما في إعادة أموال معلومة إلى ذمة الشركة.

 

المبحث الرابع: وجود مصلحة قانونية قائمة

الأصل أن الدعوى لا تسمع إلا إذا كان للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة وقائمة.

ويكتسب هذا الشرط أهمية خاصة في دعاوى المحاسبة، لأن بعض الحقوق تكون للشركة، وليس للشريك.

 

ومن ثم يجب التحقق أولاً:

هل المطالبة تخص الشركة؟ أم تخص الشريك شخصياً؟

وقد عالجت محكمة التمييز هذه المسألة في القرار 2785/2023 عندما ميزت بين الدعوى المشتقة التي يقيمها المساهم لمصلحة الشركة، والدعوى الفردية التي يقيمها للمطالبة بحق شخصي، كما أكدت في القرار 659/2023 أن الضرر الواقع على الشركة لا يتحول تلقائياً إلى ضرر شخصي لكل شريك، وأن التعويض في هذه الحالة يكون للشركة لا للشركاء.

ومن ثم، فإن من أول واجبات المحكمة تحديد صاحب الحق الحقيقي قبل الانتقال إلى بحث الحسابات.

 

المبحث الخامس: أن تكون الدعوى غير سابقة لأوانها

ويعد هذا الشرط من أكثر الشروط دقة في التطبيق.

فقد تكون المحاسبة واجبة، ولكن الوقت لم يحن بعد لإقامتها.

ومن أبرز صور ذلك:

المطالبة باسترداد رأس المال قبل انتهاء المضاربة، المطالبة بحصة الشريك قبل إجراء التصفية، المطالبة بالأرباح قبل اعتماد الميزانيات أو تحديد الأرباح القابلة للتوزيع، المطالبة بحقوق تتوقف على إجراء محاسبة أولية.

وقد كرست محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها الصادر بتاريخ 24/10/2023 عندما اعتبرت أن المطالبة باسترداد رأس المال مباشرة بعد انتهاء عقد المضاربة تعد سابقة لأوانها، لأن الطريق الصحيح يبدأ بإجراء المحاسبة، ثم التصفية، ثم تحديد نصيب كل طرف.

كما انتهت في قرار 3342/2023 إلى أن رد دعوى المحاسبة قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات يجعل الحكم سابقاً لأوانه، لأن المحكمة لم تستكمل الوسائل اللازمة للوصول إلى الحقيقة.

 

تعليق الباحث (إضافة علمية)

ومن خلال استقراء هذه الأحكام، أرى أن القضاء الأردني قد طور معياراً عملياً لقبول دعوى المحاسبة يمكن صياغته على النحو الآتي:

تقبل دعوى المحاسبة كلما وجدت علاقة قانونية تقتضي إدارة مال مشترك، وثبت أن المدعى عليه باشر الإدارة أو استأثر بالحسابات أو الإيرادات، وكانت هناك عمليات مالية غير محسومة تستوجب كشف الحساب، وكان المدعي هو صاحب المصلحة القانونية المباشرة، ولم تكن المطالبة متوقفة على إجراء قانوني سابق يجعل الدعوى سابقة لأوانها.

وهذا المعيار لا يرد في أي نص تشريعي، وإنما يمثل خلاصة الاتجاه القضائي لمحكمة التمييز الأردنية المستنبط من أحكامها الحديثة، وهو في تقديري يصلح لأن يكون معياراً قضائياً عاماً يمكن للمحاكم الاسترشاد به عند الفصل في دعاوى المحاسبة.

 

الفصل الثاني: الشروط الإجرائية لقبول دعوى إجراء المحاسبة

تمهيد

إذا كانت الشروط الموضوعية تحدد وجود الحق في إقامة دعوى المحاسبة، فإن الشروط الإجرائية تحدد إمكانية وصول المحكمة إلى الحقيقة القضائية.

فدعوى المحاسبة بطبيعتها تختلف عن غالبية الدعاوى المدنية، لأن الحق المدعى به لا يكون ثابتاً في وثيقة واحدة أو سند محدد، وإنما يستخلص من مجموعة كبيرة من القيود والسجلات والدفاتر والعقود والإيرادات والمصروفات التي تتوزع غالباً بين الشركة ومديرها أو الشريك القائم بالإدارة.

ولهذا السبب، فإن الإثبات في دعوى المحاسبة لا يقتصر على القواعد التقليدية، وإنما يمتد إلى وسائل خاصة كإلزام الخصوم بتقديم المستندات، والاستعانة بالخبرة المحاسبية، وتوجيه اليمين الحاسمة، ومناقشة الخبراء، والاطلاع على الدفاتر التجارية، وهي وسائل يتوقف عليها في كثير من الأحيان مصير الدعوى.

 

المبحث الأول: عبء الإثبات في دعوى المحاسبة

 

أولاً: الأصل العام

الأصل في القانون المدني الأردني أن البينة على من ادعى، وأن الأصل براءة الذمة، فلا يكلف المدعى عليه بإثبات البراءة، وإنما يقع على المدعي عبء إثبات الحق الذي يدعيه.

وينطبق هذا الأصل أيضاً على دعوى المحاسبة، إلا أن تطبيقه يثير إشكالية خاصة، لأن معظم المستندات التي تثبت الإيرادات والمصروفات والعمليات المالية تكون موجودة تحت يد المدير أو الشركة، وليس تحت يد الشريك الذي يطالب بالمحاسبة.

ومن هنا كان لا بد من التوفيق بين القاعدة العامة في الإثبات، وبين الطبيعة الخاصة لدعوى المحاسبة.

 

ثانياً: موقف محكمة التمييز

أرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز قاعدة تعد من أهم القواعد في هذا المجال، وذلك في قرارها رقم 813/2022، حيث قررت أن:

الأصل براءة الذمة، وأن المدعي هو المكلف بإثبات مصدر حقه، وأن الخبرة ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة لتقدير الحقوق الثابتة بالبينات القانونية.

وهذا المبدأ يترتب عليه نتائج مهمة:

لا يجوز للمدعي الاكتفاء بطلب الخبرة دون تقديم الحد الأدنى من الأدلة.

لا يجوز للخبير أن ينشئ وقائع جديدة.

لا يجوز للمحكمة أن تجعل الخبرة بديلاً عن الإثبات.

ويعد هذا القرار حجر الزاوية في تحديد عبء الإثبات في دعاوى المحاسبة.

 

ثالثاً: خصوصية دعوى المحاسبة

غير أن تطبيق هذا الأصل في دعاوى الشركات يجب أن يتم بحذر، لأن الشريك لا يستطيع غالباً الوصول إلى الدفاتر أو السجلات أو الحسابات البنكية للشركة.

ولهذا السبب، فإن القضاء الأردني لم يقف عند القاعدة التقليدية، وإنما طور تطبيقها بما ينسجم مع طبيعة الدعوى.

ففي القرار رقم 3342/2023 قررت محكمة التمييز أن المحكمة لا يجوز لها رد الدعوى بحجة نقص المستندات إذا كانت هذه المستندات موجودة تحت يد الشركة أو المدير، بل يتعين عليها استعمال سلطاتها القانونية لتمكين الخبراء من الاطلاع عليها، أو إلزام الخصم بتقديمها، لأن خلاف ذلك يؤدي إلى حرمان الشريك من حقه بسبب احتفاظ خصمه بالأدلة.

وهذا الاجتهاد يمثل، في تقديري، أحد أهم تطبيقات مبدأ العدالة الإجرائية في القضاء الأردني.

 

المبحث الثاني: المستندات والدفاتر التجارية

تحتل الدفاتر التجارية والسجلات المحاسبية مركز الصدارة في دعاوى المحاسبة، لأنها تمثل المصدر الرئيسي لاستخراج المركز المالي الحقيقي للشركة.

 

وتشمل هذه المستندات على سبيل المثال:

الميزانيات، دفاتر اليومية، كشوف الحسابات البنكية، القيود المحاسبية، عقود البيع والشراء، عقود الإيجار، كشوف الرواتب.

فواتير المصروفات، الإقرارات الضريبية، بيانات الضمان الاجتماعي، سجلات القبض والصرف.

ولا يجوز للمدير أو الشريك القائم بالإدارة الاحتجاج بعدم تقديم هذه المستندات إذا كانت تحت يده، لأن احتفاظه بها يفرض عليه التزاماً قانونياً بإبرازها عند قيام النزاع.

 

تعليق الباحث

وأرى أن القضاء الأردني لم يمنح حتى الآن الدفاتر التجارية المكانة التي تستحقها في دعاوى المحاسبة، إذ ما تزال بعض المحاكم تميل إلى الاكتفاء بالخبرة المجردة، مع أن الخبرة لا قيمة لها إذا لم تستند إلى دفاتر صحيحة ومستندات مكتملة.

ولهذا أقترح أن يتدخل المشرع مستقبلاً بالنص صراحة على إلزام المدير أو المفوض بالتوقيع بتقديم جميع السجلات المحاسبية خلال مدة محددة من تاريخ إقامة الدعوى، وإلا قامت قرينة قانونية على صحة ادعاءات الشريك طالب المحاسبة، على غرار بعض التشريعات المقارنة.

 

المبحث الثالث: الخبرة المحاسبية

 

أولاً: الطبيعة القانونية للخبرة

تعد الخبرة المحاسبية الوسيلة الفنية الأكثر استخداماً في دعاوى المحاسبة، إلا أنها ليست وسيلة إثبات مستقلة، وإنما وسيلة فنية تساعد المحكمة على فهم الأدلة والبيانات المحاسبية.

وقد حسمت الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذه المسألة في قرارها رقم 813/2022 عندما قررت أن:

الخبرة وسيلة لتقدير الدليل وليست وسيلة لإثباته.

ويعد هذا المبدأ من أهم المبادئ التي سنبني عليها هذا الفصل.

 

ثانياً: حدود مهمة الخبير

من خلال استقراء أحكام محكمة التمييز، يمكن تحديد مهمة الخبير في دعوى المحاسبة بما يلي:

مراجعة الدفاتر والسجلات، احتساب الإيرادات، احتساب المصروفات، تحديد الأرباح، احتساب نصيب كل شريك، بيان الرصيد النهائي.

ولا يجوز له إنشاء الوقائع، سماع الشهود خارج المحكمة، إجراء تحريات شخصية، سؤال الجيران أو العملاءن الاعتماد على التخمين.

وقد اعتبرت الهيئة العامة في قرارها رقم 813/2022 أن قيام الخبراء بالتحري وسؤال الناس لمعرفة دخل الملحمة ومصاريفها يمثل خروجاً عن المهمة الفنية الموكولة إليهم، ويجعل تقريرهم مخالفاً للأصول.

 

ثالثاً: رقابة المحكمة على الخبرة

لا يكفي أن تذكر المحكمة أنها اقتنعت بالخبرة، وإنما يجب أن تبين أسباب اقتناعها.

وقد شددت محكمة التمييز في القرار 9490/2023 على أن تقرير الخبرة إذا كان غامضاً أو غير معلل أو لم يبين كيفية الوصول إلى النتيجة، فلا يجوز للمحكمة أن تعتمد عليه، بل يتعين عليها مناقشة الخبراء أو إعادة الخبرة.

ويكشف هذا الاتجاه عن أن المحكمة ليست مجرد ناقل لنتيجة الخبرة، وإنما تمارس رقابة قانونية كاملة عليها.

 

المبحث الرابع: اليمين الحاسمة

من وسائل الإثبات ذات الأهمية الخاصة في دعاوى المحاسبة اليمين الحاسمة، ولا سيما عندما يدور النزاع حول وقائع لا يمكن إثباتها بالمستندات، مثل:

حصول محاسبة سابقة، تسلم الأرباح، قبض الحصص، الاتفاق الشفهي بين الشركاء.

وقد أكدت محكمة التمييز في القرار 1338/2024 أن المحكمة ملزمة بالفصل في طلب توجيه اليمين الحاسمة، وأن إغفالها هذا الطلب يشكل سبباً مستقلاً لنقض الحكم.

كما أكدت في قرارها الصادر بتاريخ 29/12/2022 أن طلب توجيه اليمين بشأن واقعة إجراء المحاسبة السابقة يعد طلباً جوهرياً لا يجوز للمحكمة تجاهله.

 

النتائج الأولية للفصل

ومن خلال ما تقدم يمكن استخلاص النتائج الآتية:

يظل الأصل أن عبء الإثبات يقع على المدعي، إلا أن طبيعة دعوى المحاسبة تفرض على المحكمة استخدام سلطاتها لإلزام الخصم بتقديم المستندات التي يحتفظ بها.

الدفاتر التجارية ليست مجرد وسيلة مساعدة، بل تمثل المصدر الرئيس لإجراء المحاسبة.

الخبرة المحاسبية وسيلة فنية لتقدير الحقوق، وليست وسيلة لإثبات الوقائع.

لا يجوز للخبير تجاوز مهمته الفنية إلى إنشاء الأدلة أو إجراء التحريات.

تمارس المحكمة رقابة كاملة على تقرير الخبرة، ويجب أن يكون التقرير معللاً ومبنياً على مستندات ثابتة.

اليمين الحاسمة تمثل وسيلة إثبات جوهرية في دعاوى المحاسبة، ويترتب على إغفال المحكمة الفصل في طلب توجيهها بطلان الحكم.

 

الفصل الثالث: شروط قبول دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

دراسة تحليلية في ضوء اجتهاد محكمة التمييز الأردنية

 

تمهيد

على الرغم من أن قانون الشركات الأردني والقانون المدني لم يضعا نصاً عاماً يحدد شروط إقامة دعوى المحاسبة بين الشركاء، إلا أن القضاء الأردني، وعلى رأسه محكمة التمييز، استطاع عبر عشرات الأحكام أن يرسم نظرية قضائية متكاملة لهذه الدعوى، بحيث لم يعد قبولها يخضع لمجرد الادعاء بوجود حق مالي، وإنما أصبح مشروطاً بتوافر عناصر قانونية محددة يمكن استخلاصها من الاتجاه القضائي المستقر.

ومن خلال الدراسة التحليلية للأحكام التي سبق جمعها، يمكن للباحث أن يستخلص أن القضاء الأردني يشترط لنجاح دعوى المحاسبة اجتماع سبعة شروط رئيسية، ويؤدي تخلف أحدها إلى رد الدعوى أو اعتبارها سابقة لأوانها.

وهذه الشروط ليست منصوصاً عليها في مادة واحدة، وإنما هي نتاج استقراء متكامل لأحكام محكمة التمييز، وهو ما يمنحها قيمة علمية وعملية خاصة.

 

الشرط الأول: وجود علاقة قانونية تستوجب تبادل الحسابات

يعد هذا الشرط حجر الأساس في دعوى المحاسبة، إذ لا يمكن تصور وجود التزام بالمحاسبة دون وجود علاقة قانونية سابقة تفرض على أحد الطرفين تقديم حساب للطرف الآخر.

 

وتتعدد مصادر هذه العلاقة، فقد تكون:

عقد شركة تضامن، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة، شركة محاصة، شركة مضاربة، إدارة مال شائع، وكالة، إدارة مال الغير.

ولا يكفي مجرد وجود علاقة مالية، وإنما يجب أن تكون طبيعتها تستوجب إدارة أموال أو قبض إيرادات أو الإنفاق لحساب مشترك.

ولهذا السبب رفضت محكمة التمييز في بعض الأحكام تكييف العلاقة بأنها شركة محاصة، واعتبرتها مضاربة تخضع للقانون المدني، ورتبت على ذلك آثاراً قانونية مختلفة، أهمها وجوب المحاسبة والتصفية قبل المطالبة بالحقوق المالية.

ويستخلص من ذلك أن المحكمة لا تتقيد بالتسمية التي يطلقها الخصوم على العلاقة، وإنما تبحث عن حقيقتها القانونية.

 

الشرط الثاني: وجود إدارة فعلية للأموال

لا يكفي أن يكون المدعى عليه شريكاً، بل يجب أن يكون قد أدار الشركة، قبض الأموال، استوفى الإيرادات.

وقع العقود، احتفظ بالحسابات، تصرف بالأموال المشتركة، فالالتزام بالمحاسبة لا ينشأ عن مجرد الشراكة، وإنما ينشأ عن الإدارة.

ولهذا نجد أن محكمة التمييز تميز دائماً بين:

الشريك المستثمر، والشريك المدير، والمدير الفعلي، والمدير المفوض، ولا تلزم بالمحاسبة إلا من ثبتت إدارته.

 

الشرط الثالث: وجود حسابات غير مصفاة

من المبادئ التي لم تُذكر صراحة في الفقه الأردني، ولكن يمكن استخلاصها من القضاء، أن المحاسبة لا تكون إلا إذا بقيت العلاقة المالية مفتوحة.

فإذا ثبت أن الحسابات أغلقت، جرت محاسبة نهائية، وقع مخالصة عامة، اعتمدت ميزانيات نهائية دون اعتراض، تمت التصفية، فلا يبقى محل لدعوى المحاسبة.

ولهذا السبب نجد أن كثيراً من دفوع المدعى عليهم تقوم على القول لقد تمت المحاسبة، وهنا يصبح عبء المحكمة هو التحقق من صحة هذه الواقعة.

 

الشرط الرابع: وجود نزاع حقيقي

دعوى المحاسبة ليست وسيلة للحصول على تقرير استشاري من المحكمة.

بل يجب أن يكون هناك نزاع حول:

الإيرادات، أو الأرباح، أو المصاريف، والحصص، والإدارة، والنفقات.

أما إذا لم يوجد نزاع، أو كانت الحسابات متفقاً عليها، فلا محل لإقامة الدعوى.

 

الشرط الخامس: أن يكون الحق مجهول المقدار

وهذا الشرط من أهم ما يميز دعوى المحاسبة، فالحق في هذه الدعوى ليس مجهول الوجود، وإنما مجهول المقدار.

وهذا ما يميزها عن دعوى الدين، إذ يكون الدين فيها محدداً.

أما في المحاسبة فالمجهول هو الرصيد النهائي، ومن هنا تأتي الحاجة إلى الخبرة الفنية لمراجعة الحسابات واستخراج القيود.

 

الشرط السادس: أن يكون للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة

ويعد هذا الشرط من أكثر الشروط ارتباطاً بالشخصية المعنوية للشركة.

فقد يكون الحق للشركة، وليس للشريك.

وقد يكون للشريك وليس للشركة، وقد يكون لجميع الشركاء.

ولهذا نجد أن محكمة التمييز في قرارات:

659/2023 ، 2785/2023 ، 7170/2024

أولت أهمية كبيرة لتحديد، صاحب الحق الحقيقي، قبل بحث موضوع الدعوى.

 

الشرط السابع: أن تكون الدعوى منتجة

أي أن تكون المحاسبة قادرة على إنتاج أثر قانوني، فإذا كانت الشركة مصفاة، والحسابات مقفلة، والحقوق سقطت بالتقادم.

أو سبق الفصل فيها، أو استحال إجراء المحاسبة، فإن الدعوى تصبح غير منتجة.

 

الرأي الفقهي للباحث

وأرى أن ما استقر عليه القضاء الأردني يؤدي إلى نتيجة في غاية الأهمية، وهي أن دعوى المحاسبة ليست حقاً مطلقاً لكل شريك، وإنما هي حق مشروط بقيام مركز قانوني معين.

فالشريك لا يكتسب الحق في مطالبة غيره بالمحاسبة لمجرد صفته كشريك، وإنما يكتسب هذا الحق عندما يثبت أن العلاقة القانونية بينهما أفرزت التزاماً قائماً بتقديم الحساب، وأن هذا الالتزام لم ينفذ، وأن ثمة عمليات مالية ما زالت بحاجة إلى تصفية أو مراجعة.

وهذا التحليل يفسر كثيراً من الأحكام التي بدت للوهلة الأولى متعارضة؛ فبعضها رفض دعوى المحاسبة لا لأن المحاسبة غير جائزة، وإنما لأن شرطاً من شروطها لم يكن متوافراً، كعدم صحة الخصومة، أو سبق المحاسبة، أو كون الدعوى سابقة لأوانها، أو أن الحق المطالب به يعود للشركة لا للشريك.

ومن ثم، فإن فهم هذه الشروط يساعد على تفسير الاتجاه القضائي تفسيراً منسجماً، ويحول دون الاعتقاد بوجود تناقض بين الأحكام.

 

 

خاتمة الباب الأول والباب الثاني

يتبين من الدراسة السابقة أن دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء لا تمثل مجرد وسيلة إجرائية للمطالبة بحقوق مالية، وإنما تشكل نظاماً قانونياً متكاملاً يقوم على مجموعة من القواعد الموضوعية والإجرائية التي تستمد أصولها من قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، فضلاً عن المبادئ التي أرستها محكمة التمييز الأردنية عبر اجتهاداتها المتعاقبة.

وقد أظهرت الدراسة أن المشرع الأردني لم ينظم دعوى المحاسبة تنظيماً مستقلاً، وإنما ترك للقضاء مهمة استكمال بنائها القانوني، الأمر الذي أدى إلى نشوء نظرية قضائية متكاملة، استقرت على أن دعوى المحاسبة ليست دعوى مطالبة مالية عادية، وإنما دعوى ذات طبيعة تقريرية كاشفة، تهدف إلى تحديد المركز المالي الحقيقي للأطراف، واستخراج الرصيد النهائي المستحق لكل منهم بعد مراجعة العمليات المالية المتبادلة.

كما تبين أن قبول هذه الدعوى لا يرتبط بمجرد صفة الشريك، وإنما بقيام علاقة قانونية تستوجب تقديم الحساب، وبثبوت إدارة المدعى عليه للأموال المشتركة أو استئثاره بالإيرادات أو الحسابات، وبوجود نزاع حقيقي حول الحقوق المالية لم يسبق حسمه، مع توافر المصلحة القانونية والخصومة الصحيحة، وعدم سبق إجراء المحاسبة أو انتهاء العلاقة القانونية بما يمنع إعادة فتح الحسابات، ما لم يقم سبب قانوني يبرر ذلك.

وأظهرت الدراسة كذلك أن القضاء الأردني أولى أهمية خاصة للتكييف القانوني للدعوى، فلم يتقيد بالأوصاف التي يسبغها الخصوم على علاقاتهم، وإنما اعتبر أن تحديد الطبيعة القانونية للنزاع يدخل في صميم سلطة المحكمة، وهو ما ترتب عليه التمييز بين دعوى المحاسبة، ودعوى المطالبة بالدين، ودعوى استرداد أموال الشركة، ودعوى المسؤولية، ودعوى التصفية، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، وهو تمييز كان له أثر مباشر في تحديد الخصومة، وعبء الإثبات، والطلبات المقبولة، والنتائج القانونية المترتبة على كل دعوى.

وفي مجال الإثبات، كرست محكمة التمييز مبدأً بالغ الأهمية مؤداه أن عبء الإثبات يبقى على عاتق المدعي، إلا أن طبيعة دعوى المحاسبة تفرض على المحكمة استعمال سلطاتها لإلزام الخصم بتقديم الدفاتر والسجلات والمستندات التي يحتفظ بها، كما أكدت أن الخبرة المحاسبية ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة فنية لتقدير الحقوق الثابتة بالأدلة القانونية، وهو ما يشكل ضمانة لتحقيق التوازن بين مصلحة الشريك طالب المحاسبة، وحقوق الشريك أو المدير الذي يحتفظ بالحسابات.

ويخلص الباحث من مجموع الأحكام محل الدراسة إلى أن محكمة التمييز الأردنية قد أرست، وإن بصورة غير مباشرة، نظرية قضائية متماسكة لدعوى المحاسبة، يمكن اختصارها في أن المحاسبة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة قضائية للكشف عن الحقوق المالية الكامنة داخل علاقة قانونية مستمرة، لا يمكن تحديدها إلا من خلال مراجعة دقيقة للحسابات والعمليات المالية. ويعد هذا الاتجاه، في تقدير الباحث، من أهم مظاهر التطور الذي شهده القضاء الأردني في منازعات الشركات خلال السنوات الأخيرة.

وانطلاقاً من ذلك، فإن ما تم عرضه في هذا الباب لا يمثل سوى الأساس النظري لدعوى المحاسبة، إذ ستنتقل الدراسة في الأبواب التالية إلى التطبيقات العملية لهذه الدعوى، وفي مقدمتها الحراسة القضائية (تعيين القيم)، بوصفها الإجراء الوقتي الأكثر ارتباطاً بمنازعات الشركاء، ثم إلى دعوى تصفية الشركة باعتبارها الوسيلة القانونية لإنهاء العلاقة بين الشركاء عندما يصبح استمرار الشركة متعذراً أو مخالفاً لمقتضيات العدالة، مع بيان الضوابط التي استقر عليها القضاء الأردني في كل من هذين المجالين.

 

مكتب العبادي للمحاماة

0798333357

موقع المكتب:

العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء