استملاك
استملاك
يعتبر نص المادة (10/هـ) من قانون الاستملاك رقم (12) لسنة 1987 المصدر القانوني المعتبر للمطالبة بالتعويض عن بدل نقصان قطعة الأرض خارج حدود المساحة المستملكة
والذي يستمد صاحب العقار حقه بالتعويض عنه بصرف النظر عما ورد في أي قانون أو تشريع آخر يحرم المالك من هذه المطالبة.
(مبدأ مستقى من قرار النقض السابق رقم 2022/2309).
إن توصل محكمة الاستئناف بخصوص ادعاءات المدعين المنصبة حول انتقاص قطعة الأرض موضوع الدعوى بعد اقتطاع المدعى عليها لجزء منها لغاية الاستملاك وصيرورتها غير قابلة للبناء
واتباعا لقرار النقض السابق إلى أن الغاية من الاستملاك الذي جرى على قطعة الأرض كان لتوسعة مكب النفايات العائد للمدعى عليه
وأن استعمال المدعى عليه للجزء المستملك كان لغاية تحقق مصلحة عامة والتي هي أولى من المصلحة الخاصة
وبالتالي فهو استعمال مشروع لحق المدعى عليه في استعمال الحق للغاية التي جرى الاستملاك لأجلها
ما دام لم يقدم المميزون البينة على إساءة استعمال الحق بالمعنى المقصود في المادة (66) من القانون المدني
ولم يقم المدعى عليه بأفعال مادية بمحاذاة قطعة الأرض أدت إلى إلحاق الضرر فيها والانتقاص من قيمتها
وبالتالي فإن مطالبة المدعين (المميزين) بالتعويض فاقدة لركازها القانوني ومستوجبة الرد فلا تثريب عليها في ذلك
إذ أنها قررت إتباع النقض الوارد إليها من محكمة التمييز وسارت في الدعوى من النقطة المنقوضة وعالجتها وفصلت فيها
وفقاً لما جاء في قرار النقض وفقاً لأحكام المادة (202) من قانون أصول المحاكمات المدنية.
يقتصر إعمال أحكام المادة (10/هــ) من قانون الاستملاك على الأعمال المادية التي يقوم بها المستملك بمحاذاة قطعة الأرض.
لا يجوز معاودة البحث بأسباب الطعن التمييزي ذاتها التي سبق لمحكمة التمييز معالجتها والرد عليها تفصيلاً في قرار نقضها السابق.
قرار رقم (2023/1297) صادر عن محكمة التمييز بصفتها الحقوق الهيئة العامة.
تعليق قانوني بقلم
أولا: الإطار العام للحكم محل التعليق
جاء قرار تمييز حقوق هيئة عامة رقم (1297/2023) ليُعيد تأكيد اتجاه قضائي مستقر في تفسير المادة (10/هـ) من قانون الاستملاك رقم (12) لسنة 1987.
وذلك في ضوء ما سبق لمحكمة التمييز أن قررته في حكمها النقضي رقم 2023/2309.
باعتبار هذه المادة هي المصدر القانوني الخاص والحصري للمطالبة بالتعويض عن نقصان قيمة الجزء غير المستملك من العقار.
ويُلاحظ أن المحكمة قد تعاملت مع النزاع ليس بوصفه مجرد مطالبة تعويض مدني
وإنما بوصفه نزاع خاص يخضع لنظام الاستملاك كتشريع استثنائي، له فلسفته وضوابطه المختلفة عن القواعد العامة في المسؤولية المدنية.
ثانيا: في نطاق تطبيق المادة (10/هـ) من قانون الاستملاك
تُقرّر المادة (10/هـ) من قانون الاستملاك حق المالك في المطالبة بالتعويض عن نقصان قيمة الجزء المتبقي من العقار إذا كان هذا النقصان ناتج عن أعمال مادية قام بها المستملك بمحاذاة قطعة الأرض غير المستملكة.
ومن خلال الحكم محل التعليق، يتضح أن محكمة التمييز قد وضعت قيدًا تفسيرياً دقيقًا على هذا النص، يتمثل في:
قصر تطبيق المادة (10/هـ) على الأضرار الناشئة عن الأعمال المادية المباشرة التي يقوم بها المستملك، وليس مجرد الأثر القانوني أو الواقعي المترتب على الاستملاك ذاته.
وهذا التفسير ينسجم تمامًا مع ما استقر عليه الفقه المدني، ولا سيما ما قرره السنهوري في مؤلفاته حول أن التعويض الاستثنائي لا يُفترض ولا يُتوسع فيه، بل يجب أن يُفسر تفسيرًا ضيقًا باعتباره خروجًا على القواعد العامة.
ثالثا: التمييز بين الاستملاك المشروع وإساءة استعمال الحق
أصابت المحكمة حين ربطت بين المطالبة بالتعويض وبين إثبات إساءة استعمال الحق وفقًا لأحكام المادة (66) من القانون المدني الأردني، والتي تشترط:
انحراف صاحب الحق عن الغاية المشروعة، أو قصد الإضرار بالغير، أو عدم التناسب الفاحش بين المصلحة المرجوة والضرر الواقع.
إذ ثبت لمحكمة الموضوع – وبما لا رقابة لمحكمة التمييز عليه – أن الاستملاك جرى لتحقيق مصلحة عامة (توسعة مكب نفايات)
وأن استعمال الجهة المستملكة لحقها جاء في حدود الغاية التي قررها القانون، دون قيامها بأي أعمال مادية ضارة بمحاذاة العقار المتبقي.
وعليه، فإن مجرد صيرورة الأرض غير قابلة للبناء لا يُنشئ بذاته مسؤولية، ما لم يُثبت أن ذلك كان نتيجة فعل مادي غير مشروع، وهو ما عجز المميزون عن إثباته.
رابعا: حجية قرار النقض السابق وحدود إعادة البحث
من أهم ما كرّسه الحكم محل التعليق تأكيده لمبدأ إجرائي بالغ الأهمية، مفاده:
لا يجوز معاودة البحث في ذات أسباب الطعن التمييزي التي سبق لمحكمة التمييز معالجتها والرد عليها تفصيلاً.
وهو تطبيق سليم لأحكام المادة (202) من قانون أصول المحاكمات المدنية، التي تُلزم محكمة الإحالة بالسير في الدعوى من النقطة التي نُقض عندها الحكم
دون الخروج عن نطاق ما حسمته محكمة التمييز، وهذا المبدأ يجد سنده الفقهي في نظرية حجية الأمر المقضي به الجزئية في مرحلة النقض، والتي تهدف إلى:
استقرار المراكز القانونية، منع تسلسل الخصومة بلا نهاية، حماية هيبة الأحكام القضائية
خامسا: الرأي القانوني والنتيجة
أرى أن الحكم محل التعليق يُعد حكم منضبط من الناحية القانونية، ومتسق مع:
فلسفة قانون الاستملاك بوصفه تشريع استثنائي
القواعد العامة في إساءة استعمال الحق
الاجتهاد القضائي المستقر لمحكمة التمييز
والفقه المدني المقارن، خاصة ما قرره السنهوري بشأن التعويض عن الأضرار غير المباشرة
وقد أحسنت المحكمة حين فرّقت بين:
الضرر الناتج عن الاستملاك ذاته (وهو ضرر مشروع لا يُعوض عنه إلا بنص)،
والضرر الناتج عن أفعال مادية مستقلة (وهو وحده محل تطبيق المادة 10/هـ).
وهو ما يجعل مطالبة المدعين بالتعويض – في ظل غياب الفعل المادي الضار أو إساءة استعمال الحق – فاقدة لركازها القانوني، كما انتهى إليه الحكم.
المحامي محمد زهير العبادي
مختص في القانون المدني والاستملاك