اختلف الفقهاء كثيراً في توصيف اليمين الحاسمة ، فالبعض قال بأنها عبارة عن صلح ، والبعض الآخر قال وهو الرأي الفقهي الراجح ، بأنها عقد ، وهذا العقد أقرب ما يكون إلى عقد التحكيم ، لذلك تعتبر اليمين الحاسمة من التصرفات القانونية التي تترتب عليها آثار قانونية هامة . ولكون توجيه اليمين الحاسمة معتبراً من التصرفات القانونية ، التي تتضمن تحكيم ضمير الخصم ، فإنه يجب لصحة هذا التصرف ما يجب لصحة التحكيم ، فالتحكيم كما هو معلوم لا يصح إلا ممن له التصرف في حقوقه كما إن التصرف القانوني المتضمن توجيه اليمين الحاسمة ، يجب أن لا يكون صادراً عن إرادة مشوبة بغلط أو تدليس أو إكراه ، كما إن التوكيل في توجيه اليمين ( الاستحلاف ) هو أمر جائز ، بخلاف حلف هذه اليمين ( الحلف ) فهو أمر غير جائز ، ولكن التوكيل في توجيه اليمين الحاسمة من التصرفات التي تتطلب ، كما يتطلب التحكيم وكالة خاصة أو نص خاص يجيز ذلك .
وباعتبار أن توجيه اليمن الحاسمة معتبراً من التصرفات القانونية ، فإن هذا التصرف ترد عليه الصورية ، كما هي ترد على الإقرار ، فتوجيه اليمين الحاسمة كالإقرار تُشترط فيه الأهلية الكاملة ، كما يجب أن تكون الإرادة في توجيه اليمين الحاسمة خالية من عيوب الإرادة . لذلك نجد أنه يُشترط فيمن يوجه اليمين الحاسمة أن يكون كامل أهلية التصرف ، أي أن يكون قد بلغ سن الرشد وألا يكون محجوراً عليه ، فالصبي الذي لم يبلغ سن الرشد ، والمحجور عليه لجنون أو عته أو غفلة أو سفه والتاجر المفلس ، لا يجوز لأي منهم أن يوجه اليمين الحاسمة ، إلا عن طريق نائب يملك ذلك وينوب عنهم في ذلك ، والنائب قد يكون الولي وهو يملك توجيه اليمين الحاسمة لأنه يملك التصرف ، في حين أن الوصي أو القيم فلا يجوز لهما ذلك إلا في الإعمال التي يملكانها وهي إعمال الإدارة أما في أعمال التصرف فلا بد لهما من الحصول على إذن بذلك من القاضي الشرعي .
كما يُشترط أن لا يكون توجيه اليمين الحاسمة مشوباً بغلط أو تدليس أو إكراه ، ويكون توجيه اليمين مشوباً بالغلط في الواقع إذا أخفى الخصم الذي وجهت إليه اليمين عن الخصم الذي وجهها مستنداً صالحاً لإثبات الدعوى فيعتقد من وجه اليمين أن لا سبيل أمامه إلا توجيه هذه اليمين ، وقد يكون الغلط واقعاً في القانون كأن يعتقد موجه اليمين أن البينة ما عدا اليمين ممنوعة قانوناً وليس معه دليل كتابي يثبت ما يدعيه فيوجه هذه اليمين إلى خصمه ، ثم تبين له بعد توجيهها أن القانون يجيز الإثبات فيما سواها من بينات ، وقد يكون توجيه اليمين مستنداً إلى تدليس وقع على من وجهها من خصمه كأن يوهمه خصمه أن القانون لا يجيز له الإثبات بالبينات الأخرى وأن ليس أمامه سوى توجيه هذه اليمين ، وقد يكون توجيه اليمين عن إكراه وقع على من وجهها خارج مجلس القضاء فلم يجد بداً من توجيه هذه اليمين ، ولا يعتبر إكراهاً من يجد نفسه مجرداً من الدليل فيوجه هذه اليمين لخصمه ومن ثم يستجد بعد ذلك دليل يحصل عليه ، وفي جميع الأحوال التي يكون فيها توجيه اليمين مشوباً بغلط أو تدليس أو إكراه يعتبر توجيه اليمين غير صحيح ، وكل ذلك بسبب أن اليمين الحاسمة تصرفاً قانونياً ، لذلك يجوز لمن وجه هذه اليمين أن يبطله حتى بعد أن يقبل الخصم الآخر الحلف وحتى بعد أن يحلف . والتوكيل في توجيه اليمين الحاسمة لا يجوز بوكالة عامة ، إذ لا بد من وكالة خاصة في ذلك ، لذلك لا يصح توجيه اليمين من وكيل عام ، ولا يصح من محامي مالم يكن التوكيل الصادر لصالحه من قبل موكله منصوصاً فيه على تفويضه في توجيه هذه اليمين ، ولكن لا يشترط تعين محل توجيه اليمين على التخصيص فيصح التوكيل في توجيه اليمين في خصومة معينة دون تحديد إدعاء معين بالذات . ويجوز أن ترد الصورية على توجيه اليمين ويكون ذلك نتيجة تواطؤ وقع من الخصمين إضراراً بحقوق الغير كالدائنين والشركاء والخلف ، فيخفي الخصم الأدلة التي يملكها لإثبات حقه ويقتصر على توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه فيحلفها هذا الخصم ، فيخسر المدعي الدعوى , ويضر بذلك بحقوق الدائنين أو الشركاء أو الخلف , وغيرهم ممن له مصلحة , لذلك يجوز لهؤلاء التدخل في الدعوى قبل صدور الحكم لمنع الإضرار بحقوقهم ، وإذا كان قد صدر الحكم في الدعوى جاز لهم أن يعارضوا فيه عن طريق اعتراض الغير لإثبات التواطؤ . ____________________________________ .
عبد الرحمن السنهوري – شرح القانون المدني الجديد – الصفحات من ( 521 ) إلى ( 524 ) بتصرف بسيط . ______________________________________ .
من المبادئ القانونية المعروفة أنه لا يجوز توجيه اليمين على سبيل الاحتياط ، ولكن البعض يفهم هذا المبدأ بشكل مغلوط بعض الشيء ، فالاحتياط المقصود قد يكون على ثلاث حالات أحدها جائزة والباقي غير جائز .
في الحالة الأولى وهي الحالة الجائزة ، قد يقدم الخصم أدلة على صحة إدعائه ، فيفحصها القاضي ولا يقتنع بها ، فإذا عرف الخصم منه ذلك ، ينزل عما قدم من أدلة ، ويقتصر على توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه وهذا قطعاً ودون شك هو أمر جائز فيجوز للخصم أن يلتجأ إلى توجيه اليمين الحاسمة بعد تقديم العديد من الأدلة حتى أمام محكمة الاستئناف لا بل إنه يجوز له أن يطلب إعادة القضية إلى المرافعة لتوجيه اليمين الحاسمة .
والحالة الثانية وهي حالة غير جائزة فقد يوجه الخصم اليمين الحاسمة إلى خصمه ، ويقول إنه يوجهها ابتداء فإذا حلفها الخصم فإنه يحتفظ لنفسه بالحق في تقديم أدلة أخرى ، وهذا دون شك أمر غير جائز ، ذلك إنه متى ما حلف الخصم اليمين الحاسمة خسر من وجه اليمين الحاسمة الدعوى وبالتالي لا يُسمح له بالرجوع إلى هذه الدعوى على أية صورة كانت بل إن مجرد قبول من وجهت إليه اليمين الحاسمة بحلفها تمنع من وجه هذه اليمين من الرجوع في توجيهها ومن ثم هذا يمنعه من التقدم بأدلة أخرى .
والحالة الثالثة وهي أيضاً حالة غير جائزة ، فقد يقدم الخصم الأدلة على إدعائه ، ويقول إنه على سبيل الاحتياط ، وفي حالة ما إذا لم يقنع القاضي بهذه الأدلة ، يوجه يمينه الحاسمة إلى خصمه وهذا هو توجيه اليمين الحاسمة على سبيل الاحتياط ، وهي الحالة الدقيقة التي يجب أن نقف عندها قليلاً .
بادئ ذي بدء نذكر بأن الخصم قد يجد نفسه في حاجة إلى مثل هذا الاحتياط ، فقد يكون الحكم الذي يوشك أن يصدر في دعواه حكماً نهائياً بأن تكون الدعوى أمام محكمة الاستئناف أو إذا كان الحكم الذي سيصدر في الدعوى مما لا يجوز الاستئناف فيه ، وهو كان قد قدم في هذه الدعوى ما توفر لديه من أدلة ، وهو في شك من مبلغ اقتناع القاضي بها فيخشى إن هو ترك القاضي يفصل في الدعوى بحالتها هذه أن يصدر حكم نهائي برفضها فلا يستطيع بعد ذلك توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه ، لذلك لا يجد نفسه مضطراً لمثل هذا الاحتياط ، فيطلب في حالة ما إذا لم يقنع القاضي بالأدلة المقدمة ، أن تُعاد القضية إلى المرافعة لكي تتاح له الفرصة لتوجيه اليمين الحاسمة لخصمه .
ومما لا شك فيه أن مثل هذا الطلب هو طلب غير مقبول ، لأن طلبه إعادة القضية إلى المرافعة ليس بطلب منجزاً كما هو في الحالة الأولى ، بل هو طلب معلق على شرط عدم اقتناع القاضي بالأدلة التي قدمها ، ومن هنا جاءت القاعدة القانونية المعروفة التي تنص على أنه لا يجوز توجيه اليمين الحاسمة على سبيل الاحتياط ، لأن التكليف بحلف اليمين الحاسمة يفيد ترك ما عداها من أوجه الإثبات للمادة المراد الاستحلاف عليها ، لذلك فإن هذه الحالة تحمل على الحالة الثانية والتي هي حالة غير مقبولة قانوناً .
____________________________________ .
عبد الرحمن السنهوري – شرح القانون المدني الجديد – الصفحات من ( 534 ) إلى ( 537 ) بتصرف بسيط .
______________________________________ .
عرّفت مواد القانون أن الشيوع هو الحالة التي يملك فيها اثنان أو أكثر شيئا غير مفرزة حصة كل منهم فيه . أي إذا اختلف الشركاء في اقتسام المال الشائع ، فعلى من يُريد الخروج من الشيوع أن يُقيم الدعوى بذلك أمام لجنة إزالة الشيوع في دائرة الأراضي الموجودة في مكان المال الشائع . وفي سبيل قسمة المال الشائع إذا لم تمكن القسمة عينا ، أو كان من شأنها إحداث نقص كبير في قيمة المال المراد قسمته ، يُقرر القاضي بيع المال بالمزاد العلني بالطريق المبينة في قانون التنفيذ ، وتقتصر المزايدة على الشركاء ، إذا طلبوا هذا بالإجماع.
وعليه على الراغب بالخروج من حالة الشيوع ، في حالة عدم الاتفاق الرضائي على الخروج منها ، أن يُقيم الدعوى بذلك أمام لجان إزالة الشيوع ، وعادة ما كان يتم الخروج من الشيوع عن طريق بيع المال بالمزاد العلني .
وكان يحصل أن يكون المدعى عليه في دعوى إزالة الشيوع ، هو الشاغل للعقار المراد الخروج من حالة الشيوع في ملكيته ، فكان هذا المالك لا يترك وسيلة إلا ويلجأ إليها لعرقلة سير هذه الدعوى، من إدعاء فسخ تسجيل حصة المدعي أو سواه من دعاوى الغاية منها وقف السير في دعوى إزالة الشيوع ، وأحياناَ ما كان يذهب إلى أبعد من ذلك ، بأن يلجأ إلى إحداث إنشاءات جديدة في العقار مما يؤدي إلى التغيير في أوصاف العقار ، بهدف وقف دعوى إزالة الشيوع ، ذلك أن التعامل القضائي جرى على عدم بيع أي عقار بالمزاد العلني إذا كانت أوصاف هذا العقار على أرض الواقع مخالفة لما ورد في قيده العقار ، كل ذلك من باب المحافظة على حقوق المشتري عن طريق المزاد والذي يُفترض أنه يشتري بالاستناد إلى الأوصاف الواردة في القيد العقاري دونما مشاهدة حسية للعقار على أرض الواقع .
وأمام رغبة المشرع لتلافي مثل هذه الحالات ، والتي تؤدي إلى عرقلة مسعى الأفراد للخروج من حالة الشيوع ، حيث إذا حُكم ببيع العقار المشترك لعدم إمكان قسمته يجري بيعه بطريق المزايدة بناء على قائمة تتضمن شروط البيع يقرها رئيس التنفيذ ، كما وتُطبق على بيع العقار لعدم إمكان قسمته أو لاستيفاء حقوق الامتياز والتأمين والرهن المسجلة ، الأحكام المقررة للتنفيذ على العقار . وفيما يخص أوصاف العقار الذي سيجري بيعه بالمزاد العلني وأصافه نبين التالي :
– إذا تبين وجود اختلاف في أوصاف العقار بين الواقع و القيد العقاري فعلى مباشر الإجراءات أن يبرز من الجهات المختصة بيانا بقابلية العقار لتصحيح الأوصاف و في هذه الحالة يصدر رئيس التنفيذ قرارا بالتصحيح مع قرار الإحالة القطعية وذلك على نفقة المحال عليه . – أما إذا كان العقار غير قابل لتصحيح الأوصاف كلياً أو جزئياً فيُباع على وضعه الراهن .
وبالتالي في مثل هذه الحالات ، وفيما يخص الحالة موضوع البحث ، وسواء أكان التبديل في أوصاف العقار جرى بحسن أو سوء نية ، يجب علينا أن نفرق بين حالتين :
الأولى : ـــــــــ .
أن تكون الأوصاف قابلة للتصحيح ، وفي هذه الحالة يجب على مباشر الإجراءات أن يُبرز من الجهات المختصة ما يُفيد بقابلية هذه الأوصاف للتصحيح وهنا على رئيس التنفيذ أن يُضمن قرار الإحالة القطعية ما يُفيد بإجازة المحال عليه بتصحيح الأوصاف على نفقته الخاصة .
الثانية : ـــــــــ .
أن تكون الأوصاف غير قابلة للتصحيح ، كلياَ أو جزئياَ ، فهنا يُباع العقار على وضعه الراهن .
من المعلوم أنه في حال كان لأحدهم حقاً عينياً أو ديناً بذمة آخر ، قانون أصول المحاكمات المدنية , ولكي يضمن لهذا الدائن تحصيل دينه , هو أجاز له أن يمنع مدينه من تهريب أمواله , لذلك هو وبموجب المادة ( 314 ) وما بعد كان قد أجاز له أن يطلب إلقاء الحجز على أموال هذا المدين المنقولة وغير المنقولة. والقانون من باب التسهيل على هذا المدين , هو بموجب المادة ( 317 ) منه أجاز له التقدم بهذا الطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة , كطلب مستقل بمعزل عن دعوى الأساس أو الطلبات في أصل الحق , كما أجاز له بموجب المادة ( 318 ) منه أن يتقدم به كطلب تبعاً لطلباته في الأساس , فعندها ينظر في هذا الطلب قاضي الموضوع كقاضي أمور مستعجلة , وفي الحالتين مثل هذا الطلب ووفق المادة ( 320 ) من قانون أصول المحاكمات المدنية يصدر عن القاضي في غرفة المذاكرة دون أي تبليغ للمدعى عليه المحجوز عليه , سواء أكان قاضياً للأمور المستعجلة أم قاضياً للموضوع. وبمقابل ذلك كلنا يعلم بأن الفقرة الأولى من المادة ( 323 ) من قانون أصول المحاكمات المدنية أجازت للمحجوز عليه أن يطعن بقرار الحجز الاحتياطي , عن طريق دعوى مستقلة , يتقدم بها خلال ثمانية أيام تلي تاريخ تبلغه صورة عن قرار الحجز , إلى المحكمة التي قررت إلقاء الحجز , سواء أكانت محكمة الموضوع أم قاضي الأمور المستعجلة. ولكون القانون اوجب أن يصدر قرار الحجز في غرفة المذاكرة , ودون تبليغ للمدين المدعى عليه , سواء أكان صادراً عن قاضي الأمور المستعجلة ً أم عن قاضي الموضوع , لذلك نجد أن نفس القانون , ولهذا السبب كان قد أجاز للمحجوز عليه أن يطعن بهذا القرار. وعليه قد تكون هذه الإجازة هي من مخالفات القانون العثماني , فكما هو معلوم في ظل هذا القانون كان من الجائز صدور الأحكام بالصورة الغيابية , لذلك كان من المقبول الاعتراض على الأحكام الصادرة على هذه الصورة , وما يدلل على هذا الأمر نص المادة ( 39 ) من قانون البينات , فهذا النص لا زال فيه أثر مما يدلل على مثل هذا الحق , بالرغم من أنه لم يعد له أي أثر في مواد ونصوص قانون أصول المحاكمات المدنية. ومن مراجعة أولية سريعة لنص الفقرة الأولى من المادة ( 323 ) من قانون أصول المحاكمات المدنية , نجد أن هذا النص عبر عن هذه الإجازة وعن هذا الحق أولاً بكلمة ( طعن ) ومن ثم عاد وأكد بأن ممارسة هذا الحق في الطعن , إنما يكون عن طريق دعوى مستقلة , يتقدم بها المحجوز عليه خلال ثمانية أيام تلي تاريخ تبلغه صورة عن قرار الحجز , إلى المحكمة التي قررت إلقاء الحجز , سواء أكانت محكمة الموضوع أم قاضي الأمور المستعجلة.
لا تسمع دعوى التجاوز بين الشركاء على الشيوع الذين يملكون أسهما محددة في العقار ، حتى لو اتفقوا على أن يتصرف كل شريك منهم بقسم معين من العقار يعادل أسهم كل شريك ، و بحيث لا بد من تسجيل القسمة في دائرة الأراضي والمساحة في حال وجودها .
مكتب العبادي للمحاماة
إجتهادات محاكم عربية / سوريا / قرار محكمة النقض رقم 1083أساس 1698 تاريخ 30/7/2000 المنشور في مجلة المحامون لعام 2003 صفحة 267).