10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

Author: mohammad al abbadi

محامي في الموقر

محامي في الموقر

محامي في الموقر – الخدمات القانونية في لواء الموقر

مقدمة

تُعد الاستعانة بمحامٍ من الوسائل القانونية التي تكفل للأفراد والشركات فهم حقوقهم والتزاماتهم، والتعامل مع الإجراءات القانونية على نحو يتفق مع أحكام التشريعات النافذة.

ولا يقتصر دور المحامي على الحضور أمام المحاكم، بل يمتد ليشمل تقديم المشورة القانونية، وصياغة العقود، وتمثيل الموكلين أمام الجهات القضائية والإدارية، والمساهمة في تسوية المنازعات بالطرق التي يجيزها القانون.

ويشهد لواء الموقر تطوراً عمرانياً واقتصادياً ملحوظاً، مع ازدياد المشروعات السكنية والاستثمارية والصناعية والزراعية، الأمر الذي ادى الى توسع مكتب العبادي للمحاماة ليغطي خدمات هذا اللواء.

حيث وقع مكتب العبادي للمحاماة اتفاقية تعاون مع مكتب المرشد للمحاماة في لواء الموقر.

 

تتناول هذه المقالة الدور الذي يؤديه المحامي في الموقر، وأبرز الخدمات القانونية التي قد يحتاج إليها الأفراد والمنشآت، مع بيان أهمية الاستشارة القانونية المبكرة في الحد من المنازعات وحماية الحقوق.

 

أولاً: من هو المحامي وما طبيعة دوره؟

المحامي هو الشخص المجاز قانوناً لممارسة مهنة المحاماة بعد استيفاء الشروط التي حددها قانون نقابة المحامين النظاميين الأردنيين، ويباشر عمله في الدفاع عن الحقوق، وتقديم الاستشارات القانونية، وتمثيل الموكلين أمام المحاكم والنيابة العامة والجهات الرسمية وهيئات التحكيم، وذلك ضمن الحدود التي يرسمها القانون.

وتقوم رسالة المحاماة على المساهمة في تحقيق العدالة وسيادة القانون، من خلال ضمان ممارسة حق الدفاع، وإبداء الرأي القانوني، ومساعدة الأفراد والمؤسسات على فهم التشريعات والإجراءات التي تنظم معاملاتهم ونزاعاتهم.

ولذلك فإن دور المحامي لا يبدأ عند إقامة الدعوى فحسب، وإنما يبدأ في كثير من الأحيان قبل نشوء النزاع، عندما يطلب أحد الأطراف استشارة قانونية أو مراجعة عقد أو تقييم إجراء قانوني قبل اتخاذه.

 

ثانياً: متى تكون الاستعانة بمحامٍ أمراً مهماً؟

قد يواجه الشخص خلال حياته اليومية مواقف قانونية متعددة، بعضها يبدو بسيطاً في ظاهره، إلا أنه قد يرتب آثاراً قانونية مهمة إذا لم يُتعامل معه بطريقة صحيحة.

 

ومن أبرز الحالات التي يُستحسن فيها استشارة محامٍ:

– قبل توقيع العقود والاتفاقيات.

– عند شراء أو بيع العقارات والأراضي.

– عند تأسيس شركة أو الانضمام إلى شراكة تجارية.

– عند تلقي مطالبة مالية أو إنذار عدلي.

– عند التعرض لحادث ترتب عليه ضرر أو إصابة.

– عند وجود نزاع عمالي بين العامل وصاحب العمل.

– عند فتح تحقيق جزائي أو تقديم شكوى جزائية.

– عند الرغبة في تنفيذ حكم قضائي أو الاعتراض عليه.

– عند وجود خلافات تتعلق بالميراث أو الأموال المشتركة وإزالة الشيوع.

– عند الحاجة إلى تسجيل علامة تجارية أو حماية حق من حقوق الملكية الفكرية.

 

فالاستشارة القانونية المبكرة قد تساعد على تجنب كثير من المنازعات، أو الحد من آثارها، أو اختيار الإجراء القانوني الأنسب منذ البداية.

 

ثالثاً: أبرز القضايا القانونية في لواء الموقر

بحكم طبيعة النشاط الاقتصادي والعمراني في لواء الموقر، تبرز مجموعة من المنازعات القانونية التي تتكرر بصورة ملحوظة، من أهمها:

 

القضايا العقارية

تُعد المنازعات العقارية من أكثر القضايا شيوعاً، وتشمل النزاعات المتعلقة بعقود البيع، وإثبات الملكية، ومنع المعارضة، وإزالة الشيوع، والقسمة، وفسخ العقود، والمطالبة بالتعويض عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية.

كما قد تنشأ منازعات بشأن حدود الأراضي، أو تنفيذ عقود البيع، أو تسجيل الحقوق العينية، وهي مسائل تستلزم مراعاة أحكام القانون المدني وقوانين التسجيل والأراضي.

 

القضايا والمطالبات التجارية

مع توسع الأنشطة التجارية والاستثمارية في المنطقة، قد تنشأ منازعات بين التجار أو الشركات حول تنفيذ العقود، أو المطالبات المالية، أو الشراكات التجارية، أو الأوراق التجارية، أو المسؤولية الناشئة عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية.

وفي مثل هذه القضايا، يكون من المهم دراسة العلاقة القانونية بين الأطراف، والاطلاع على المستندات والاتفاقيات، واختيار الوسيلة القانونية المناسبة للمطالبة بالحقوق أو الدفاع عنها.

 

القضايا الجزائية

تشمل القضايا الجزائية طيفاً واسعاً من الجرائم التي تختلف بحسب طبيعتها وظروفها مثل قضايا المخدرات والجنايات الكبرى، ويكفل القانون لكل من المشتكي والمشتكى عليه حقوقاً وإجراءات يجب احترامها خلال مراحل التحقيق والمحاكمة، بما في ذلك حق الدفاع، وحق تقديم البينات، والطعن بالأحكام وفقاً للقانون.

 

قضايا العمل

قد تنشأ منازعات بين العامل وصاحب العمل بشأن الأجور، أو إنهاء عقد العمل، أو مكافأة نهاية الخدمة، أو الإجازات، أو إصابات العمل، أو غير ذلك من الحقوق التي نظمها قانون العمل الأردني.

وتتطلب هذه القضايا دراسة عقد العمل، وطبيعة العلاقة بين الطرفين، ومدى انطباق النصوص القانونية على الوقائع محل النزاع.

 

رابعاً: أهمية صياغة العقود بصورة قانونية

العقد هو الأساس الذي ينظم كثيراً من العلاقات المدنية والتجارية، ولذلك فإن صياغته بصورة واضحة ودقيقة تساعد على تقليل فرص النزاع مستقبلاً.

ويُراعى عند إعداد العقود تحديد حقوق والتزامات كل طرف، وآلية التنفيذ، والحالات التي يترتب عليها الفسخ أو التعويض، وطريقة تسوية المنازعات، مع مراعاة الأحكام الآمرة الواردة في التشريعات الأردنية.

كما أن مراجعة العقد قبل توقيعه قد تكشف عن بنود تحتاج إلى تعديل أو توضيح، بما يحقق التوازن بين الأطراف ويحد من الخلافات المستقبلية.

 

خامساً: دور المحامي في تسوية المنازعات

لا يقتصر عمل المحامي على إقامة الدعاوى أمام القضاء، بل قد يكون من الأنسب في بعض الحالات السعي إلى تسوية النزاع ودياً إذا كانت ظروف القضية تسمح بذلك، وبما يحقق مصلحة الأطراف ويوفر الوقت والجهد والنفقات.

كما قد تُحل بعض المنازعات عن طريق التفاوض أو الوساطة أو التحكيم، متى أجاز القانون ذلك واتفق عليه الأطراف.

ويختلف الأسلوب الأنسب لتسوية النزاع باختلاف طبيعة العلاقة القانونية والوقائع الخاصة بكل حالة.

 

سادساً: اختيار المحامي

عند اختيار المحامي، يُستحسن مراعاة عدد من الاعتبارات، من أهمها:

– أن يكون مجازاً لممارسة المهنة وفق القانون.

– أن يوضح للموكل الإجراءات القانونية المتوقعة بصورة واقعية.

– أن يلتزم بالمحافظة على سرية المعلومات.

– أن يتواصل مع موكله بصورة منتظمة بشأن مستجدات القضية.

– أن يبين الخيارات القانونية المتاحة وآثار كل خيار.

ولا يرتبط اختيار المحامي بقرب المكتب الجغرافي فحسب، إذ إن المحامين النظاميين في الأردن يباشرون أعمالهم أمام المحاكم ضمن الحدود التي يقررها القانون، ويستطيعون تمثيل موكليهم في مختلف المحافظات بحسب طبيعة القضية واختصاص المحكمة.

 

خاتمة

إن المعرفة القانونية تمثل خطوة أساسية في حماية الحقوق والوفاء بالالتزامات، سواء تعلق الأمر بعلاقة تعاقدية، أو نزاع مدني، أو قضية جزائية، أو معاملة تجارية أو إدارية.

ويُعد اللجوء إلى المشورة القانونية في الوقت المناسب من الوسائل التي تساعد على تجنب كثير من الإشكالات العملية، كما يسهم في اختيار الإجراء القانوني الملائم وفقاً لظروف كل حالة، وبما ينسجم مع أحكام التشريعات الأردنية النافذة.

وتبقى كل قضية ذات ظروفها ووقائعها الخاصة، الأمر الذي يجعل التقييم القانوني مرتبطاً بملابسات كل حالة على حدة، وبما يظهر من مستندات وبيانات وأدلة، دون إمكانية تعميم نتيجة قانونية واحدة على جميع الحالات.

 

مكتب العبادي للمحاماة

هاتف رقم: 0798333357

محامي في الموقر

بطلان عقد الإيجار عدم الانتفاع بالمأجور

بطلان عقد الإيجار عدم الانتفاع بالمأجور

بطلان عقد الإيجار لاستحالة الانتفاع بالمأجور في ضوء قرار محكمة التمييز الأردنية رقم 2538 لسنة 2026

دراسة قانونية تحليلية

المقدمة

يُعد عقد الإيجار من العقود الملزمة للجانبين التي تقوم على تمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور مقابل بدل معلوم، ولذلك فإن المنفعة تمثل محل الالتزام الجوهري في هذا العقد، فإذا استحال تحقيقها منذ نشأة العقد فإن ذلك يثير إشكالية قانونية تتعلق بمدى صحة العقد وآثاره.

وقد عالجت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية هذه الإشكالية في قرارها رقم (2538 لسنة 2026) الصادر بتاريخ 2026/5/17، والذي يُعد من أهم الأحكام الحديثة في القضاء المدني الأردني، إذ رسم بصورة واضحة الحدود الفاصلة بين البطلان الأصلي لعقد الإيجار وبين فسخه نتيجة المنع الإداري اللاحق، كما تناول التزامات المؤجر، وأثر استحالة المنفعة، واسترداد الأجور، وبدل الانتفاع، واليمين الحاسمة، وسلطة المحكمة في التكييف القانوني للدعوى.

وتبرز أهمية هذا الحكم في أنه لم يقتصر على الفصل في نزاع يتعلق بترخيص صيدلية، وإنما وضع مبادئ عامة يمكن تطبيقها على مختلف عقود الإيجار التي ترتبط فيها المنفعة بغرض محدد يتطلب ترخيصاً أو موافقة قانونية، بحيث يغدو الحكم مرجعاً مهماً للقضاء والمحامين والباحثين في القانون المدني.

 

أولاً: وقائع الدعوى

تتلخص وقائع النزاع في إبرام عقد إيجار بين المدعي والمدعى عليهم لاستئجار محل تجاري لمدة خمس سنوات، وبأجرة شهرية مقدارها (800) دينار، وقد نص العقد صراحة على أن الغاية من الإيجار هي استعمال المأجور كصيدلية ومستودع أدوية ومستحضرات تجميل.

وبعد إبرام العقد، باشر المستأجر إجراءات الحصول على التراخيص اللازمة، إلا أن وزارة الصحة رفضت الموافقة على الترخيص، لوجود طلب سابق لترخيص صيدلية في الموقع ذاته واستكمال إجراءات ترخيص صيدلية مجاورة وفقاً للتشريعات الناظمة للمسافات القانونية بين الصيدليات.

وعلى أثر ذلك، أقام المستأجر دعواه مطالباً بفسخ عقد الإيجار واسترداد ما دفعه من أجور، بينما دفع المؤجر بأن عدم الترخيص يعود إلى تقصير المستأجر، وأن المأجور يمكن استعماله لأغراض أخرى نص عليها العقد، كبيع مستحضرات التجميل أو استعماله مستودعاً للأدوية.

إلا أن محكمة التمييز انتهت إلى نتيجة مغايرة، واعتبرت أن النزاع لا يتعلق بفسخ عقد صحيح، وإنما يتعلق بعقد باطل منذ نشأته، لأن المنفعة المقصودة منه كانت مستحيلة التحقيق ابتداءً.

 

ثانياً: سلطة المحكمة في تكييف الدعوى

أكدت المحكمة مبدأً مستقراً في الفقه والاجتهاد، يتمثل في أن تكييف الدعوى وإعطاءها وصفها القانوني الصحيح يدخل ضمن سلطة محكمة الموضوع، ولا يخضع لما يطلقه الخصوم على طلباتهم أو لأوصافهم القانونية.

فالمحكمة لا تلتزم بالتكييف الذي يورده المدعي أو المدعى عليه، وإنما تبحث في حقيقة الوقائع والأسانيد القانونية ثم تنزل عليها النص القانوني الواجب التطبيق.

وتكمن أهمية هذا المبدأ في أن المدعي كان قد أقام دعواه على أساس فسخ عقد الإيجار، بينما انتهت المحكمة إلى أن الواقعة القانونية الحقيقية تتمثل في بطلان العقد، وهو ما غيّر بصورة جوهرية الأساس القانوني للحكم والآثار المترتبة عليه.

وهذا التطبيق يجسد الدور الإيجابي للقاضي المدني في حماية التطبيق الصحيح للقانون، إذ إن التكييف القانوني ليس حقاً للخصوم، وإنما واجب على المحكمة.

 

ثالثاً: المنفعة هي محل عقد الإيجار

قرر القانون المدني الأردني أن محل عقد الإيجار هو المنفعة، وليس العين المؤجرة بذاتها.

ومن ثم فإن التزام المؤجر لا يقتصر على تسليم العقار مادياً، وإنما يمتد إلى تمكين المستأجر من الانتفاع الحقيقي بالمأجور وفق الغاية التي تعاقد الطرفان من أجلها.

ومن هذا المنطلق، فإن مجرد تسليم مفاتيح المأجور لا يعني تنفيذ المؤجر لالتزامه إذا كانت المنفعة المتفق عليها مستحيلة التحقيق قانوناً.

وفي القضية محل البحث، لم يكن هدف المستأجر مجرد استئجار محل تجاري، وإنما استئجار محل صالح قانوناً لاستعماله كصيدلية، وهي الغاية التي شكلت الدافع الرئيسي لإبرام العقد.

ولذلك اعتبرت المحكمة أن تعذر الحصول على الترخيص بسبب يتعلق بالمأجور نفسه يعني استحالة استيفاء المنفعة المقصودة، وهو ما يؤدي إلى بطلان العقد منذ البداية.

 

رابعاً: متى يكون عقد الإيجار باطلاً؟

استندت المحكمة إلى عدد من نصوص القانون المدني، أهمها المواد (157) و(163) و(167) و(168) ، والتي تشترط أن يكون محل العقد قابلاً لحكمه، وأن تكون المنفعة مشروعة وممكنة وقابلة للاستيفاء.

ويستفاد من هذه النصوص أن العقد لا يكون صحيحاً إلا إذا كان محل الالتزام قابلاً للتحقق وقت التعاقد.

أما إذا تبين منذ البداية أن المنفعة المتفق عليها يستحيل تحقيقها قانوناً، فإن العقد يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً.

وقد رأت المحكمة أن رفض ترخيص الصيدلية لم يكن بسبب تقصير المستأجر، وإنما لأن الموقع ذاته لا يحقق الشروط القانونية اللازمة لمنح الترخيص، وهو ما يجعل المأجور غير صالح لتحقيق الغاية الأساسية للعقد.

وبذلك أصبح محل العقد غير قابل لحكمه، وهو أحد أسباب البطلان المنصوص عليها في القانون المدني.

وتكمن أهمية هذا القضاء في أنه يميز بين استحالة المنفعة التي تكون قائمة منذ نشأة العقد، وبين الظروف التي تطرأ بعد انعقاده.

 

خامساً: التمييز بين بطلان عقد الإيجار وفسخه

يُعد ما انتهت إليه محكمة التمييز في هذا القرار من أبرز ما يميزه عن غيره من الأحكام، إذ فرّقت بصورة دقيقة بين البطلان والفسخ، وهما نظامان قانونيان يختلفان في سبب كل منهما وآثارهما.

فالفسخ يفترض ابتداءً وجود عقد صحيح استوفى أركانه وشروط انعقاده، ثم يطرأ بعد ذلك سبب يؤدي إلى إنهائه، سواء كان هذا السبب إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته أو صدور قرار من جهة مختصة يحول دون استمرار تنفيذ العقد. أما البطلان، فإنه يعني أن العقد لم يكن صالحاً لإنتاج آثاره القانونية منذ لحظة إبرامه، بسبب تخلف أحد أركانه أو شروط صحته، فلا ينشئ العقد أي أثر قانوني، ويعد كأن لم يكن منذ البداية.

ومن هذا المنطلق، انتقدت محكمة التمييز تطبيق محكمة البداية بصفتها الاستئنافية لأحكام المادة (698) من القانون المدني، إذ رأت أن هذه المادة تعالج حالة مغايرة تماماً للحالة المعروضة عليها.

فالمادة (698) من القانون المدني تنظم حالة صدور أمر من السلطات المختصة يمنع الانتفاع بالمأجور كلياً أو جزئياً بعد انعقاد عقد صحيح، وهو ما يؤدي إلى فسخ العقد أو سقوط الأجرة بحسب الأحوال، أما في القضية محل البحث فإن المنع لم يكن طارئاً بعد انعقاد العقد، وإنما كان قائماً منذ البداية بسبب عدم قابلية المأجور قانوناً لتحقيق الغاية التي أُبرم العقد من أجلها، الأمر الذي يجعل النص الواجب التطبيق هو أحكام البطلان المنصوص عليها في المواد (163) و(168) من القانون المدني، وليس المادة (698).

ويُعد هذا التمييز من أدق ما ورد في الحكم، لأنه يمنع الخلط بين الاستحالة الأصلية التي تصيب محل العقد منذ نشأته، والاستحالة اللاحقة التي تطرأ على عقد صحيح.

 

سادساً: التزام المؤجر بتسليم مأجور صالح للانتفاع

كرّس القرار مفهوماً مهماً للالتزام الواقع على عاتق المؤجر، إذ أكد أن تنفيذ هذا الالتزام لا يقتصر على مجرد التسليم المادي للمأجور، وإنما يشمل تمكين المستأجر من استيفاء المنفعة المقصودة من العقد بصورة فعلية وقانونية.

وقد استندت المحكمة إلى المادة (677) من القانون المدني، التي تلزم المؤجر بتسليم المأجور وتوابعه بالحالة التي تمكن المستأجر من استيفاء المنفعة المتفق عليها كاملة طوال مدة الإيجار.

وهذا يعني أن صلاحية المأجور لا تقاس فقط بسلامته المادية أو الفنية، وإنما تمتد إلى صلاحيته القانونية لتحقيق الغرض الذي أُجر من أجله.

فإذا كان العقار غير قابل قانوناً لاستعماله في النشاط المتفق عليه، فإن المؤجر يكون قد أخل بالتزامه الجوهري، حتى لو كان العقار صالحاً من الناحية الإنشائية أو حتى لو كان المستأجر قد تسلمه فعلياً.

وتظهر أهمية هذا المبدأ في العقارات التي تستأجر لممارسة الأنشطة المهنية أو الطبية أو التعليمية أو الصناعية، حيث تكون إمكانية الحصول على التراخيص جزءاً لا يتجزأ من المنفعة المقصودة من العقد.

وقد أكدت المحكمة أن عبء إثبات صلاحية المأجور لاستيفاء هذه المنفعة يقع على عاتق المؤجر، باعتباره ملتزماً بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور وفق الغاية التي تم الاتفاق عليها.

 

سابعاً: أثر البطلان على استرداد الأجور وبدل الانتفاع

يترتب على الحكم ببطلان العقد زوال جميع آثاره القانونية بأثر رجعي، ويصبح كل ما تم تنفيذه بموجب العقد واجب الرد، تطبيقاً لقاعدة إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد.

إلا أن محكمة التمييز لم تقف عند هذا الحد، وإنما قررت مبدأً يحقق العدالة بين الطرفين، مؤداه أن المستأجر لا يسترد كامل الأجور التي دفعها إذا كان قد انتفع بالمأجور فعلاً خلال فترة معينة، إذ يجب في هذه الحالة احتساب بدل الانتفاع أو أجر المثل عن المدة التي بقي فيها المأجور تحت يده.

وقد بيّن الحكم أن المحكمة الاستئنافية، بعد اتباعها لحكم النقض، قامت بحسم قيمة الانتفاع الفعلي للمستأجر عن الفترة الممتدة من 1/1/2023 وحتى 11/6/2023، ثم قضت برد باقي الأجور، وهو ما اعتبرته محكمة التمييز تطبيقاً صحيحاً للقانون.

ويعكس هذا التوجه توازناً بين مبدأ إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد وبين منع الإثراء بلا سبب، فلا يجوز للمستأجر أن يجمع بين الانتفاع المجاني بالمأجور واسترداد كامل الأجرة، كما لا يجوز للمؤجر الاحتفاظ بالأجرة عن منفعة لم تتحقق.

 

ثامناً: موقف المحكمة من اليمين الحاسمة

تناول القرار أيضاً مسألة إجرائية مهمة تتعلق باليمين الحاسمة، حيث طلب المدعى عليهم توجيهها إلى المستأجر لإثبات أن عدم الحصول على الترخيص كان نتيجة تراخيه، وكذلك لإثبات أن جزءاً من المبالغ المدفوعة لم يكن بدل أجرة.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الطلب، وقررت أن اليمين الحاسمة لا تكون مقبولة إلا إذا انصبت على واقعة منتجة في النزاع ولم تكن ثابتة بأدلة قانونية أخرى.

ولما كانت المحكمة قد انتهت إلى بطلان العقد استناداً إلى البينات الخطية الرسمية، وفي مقدمتها كتاب الجهة المختصة الذي أثبت أن سبب رفض الترخيص يتعلق بالموقع ذاته، فإن الواقعة المطلوب إثباتها باليمين أصبحت غير منتجة في النزاع، ولم يعد لتوجيهها أي أثر قانوني.

كما رفضت المحكمة توجيه اليمين بشأن طبيعة المبالغ المدفوعة، لأن وكيل المدعى عليهم سبق أن أقر بأنها دفعت تنفيذاً لعقد الإيجار، الأمر الذي جعل الواقعة ثابتة بالإقرار القضائي، فلا يجوز إثبات خلافها باليمين الحاسمة.

ويؤكد هذا القضاء أن اليمين الحاسمة ليست وسيلة لإعادة مناقشة وقائع حسمتها الأدلة القطعية، وإنما هي وسيلة استثنائية يلجأ إليها عند غياب الدليل.

 

تاسعاً: المبادئ القضائية التي أرساها القرار

يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ القانونية المهمة التي رسخها هذا الحكم، من أبرزها:

تكييف الدعوى وإعطاؤها الوصف القانوني الصحيح من سلطة المحكمة، ولا تتقيد فيه بتكييف الخصوم.

إذا كانت المنفعة المقصودة من عقد الإيجار مستحيلة التحقيق منذ إبرام العقد، فإن العقد يكون باطلاً لا مفسوخاً.

لا تطبق المادة (698) من القانون المدني إلا على العقود الصحيحة التي يطرأ عليها منع لاحق من السلطات المختصة.

التزام المؤجر يشمل تمكين المستأجر من الانتفاع القانوني بالمأجور، وليس مجرد تسليمه مادياً.

بطلان العقد يؤدي إلى إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، مع مراعاة خصم بدل الانتفاع الفعلي.

لا حاجة إلى توجيه إنذار عدلي إذا كان العقد باطلاً، لأن الإنذار يرد على العقود الصحيحة.

لا يجوز توجيه اليمين الحاسمة بشأن وقائع أصبحت ثابتة بالبينة الخطية أو بالإقرار القضائي.

تلتزم محكمة الموضوع باتباع المبادئ القانونية التي فصلت فيها محكمة التمييز عند النقض والإعادة، ولا يجوز إعادة بحثها.

 

الخاتمة

يمثل قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (2538 لسنة 2026) محطة مهمة في تطور القضاء المدني الأردني، إذ قدم معالجة قانونية دقيقة لمفهوم المنفعة في عقد الإيجار، وربط بين صحة العقد وإمكانية تحقيق الغاية المقصودة منه منذ لحظة إبرامه.

كما رسخ التمييز بين البطلان والفسخ، وأوضح أن استحالة الانتفاع الأصلية تخضع لأحكام البطلان، بينما يقتصر تطبيق المادة (698) من القانون المدني على حالات المنع الإداري اللاحق التي ترد على عقد صحيح.

وتبرز القيمة العملية لهذا الحكم في أنه يضع معياراً واضحاً للمحاكم والمتعاملين في عقود الإيجار، مؤداه أن العبرة ليست بمجرد تسليم المأجور، وإنما بتمكين المستأجر من الانتفاع القانوني الحقيقي وفق الغاية التي تعاقد من أجلها. ومن ثم، فإن المؤجر الذي يؤجر عقاراً لغرض معين يجب أن يكون هذا العقار صالحاً قانوناً لتحقيق ذلك الغرض، وإلا تعرض العقد للبطلان بكل ما يترتب على ذلك من آثار، وفي مقدمتها إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد مع مراعاة قواعد العدالة في احتساب بدل الانتفاع.

ويُنتظر أن يكون لهذا الاجتهاد أثر مهم في توحيد التطبيق القضائي مستقبلاً، ولا سيما في المنازعات المتعلقة بالعقارات المؤجرة للأنشطة المهنية أو الطبية أو التجارية التي تتطلب موافقات أو تراخيص خاصة، إذ وضع الحكم معياراً موضوعياً يوازن بين استقرار المعاملات وحماية المتعاقد حسن النية، ويعزز الأمن القانوني في مجال عقود الإيجار.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك الحسين.

هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604

7 مبادئ قانونية تتعلق بالمطالبات التجارية وشركات التضامن

المطالبة التجارية وشركات التضامن

7 مبادئ قانونية أرستها محكمة التمييز بشأن المطالبات التجارية وشركات التضامن

مقدمة

تشكل الأحكام الصادرة عن محكمة التمييز الأردنية مرجعاً مهماً في توحيد الاجتهاد القضائي وتفسير النصوص القانونية، ولا سيما في المنازعات التجارية التي تتشابك فيها أحكام قانون التجارة مع قانون الشركات والقانون المدني وقانون البينات.

ويعد القرار رقم (1400 لسنة 2025) من الأحكام التي عالجت في قضية واحدة عدداً من المسائل القانونية الدقيقة، أبرزها تحديد مدة التقادم الواجب تطبيقها على المطالبات التجارية، ومدى اشتراط توجيه الإنذار العدلي قبل إقامة الدعوى، وحجية القيود التجارية وكشوف الحساب الإلكترونية في الإثبات، وحدود مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة، وأثر التخارج من التركة على تلك المسؤولية، فضلاً عن تطبيق يمين الاستظهار في مواجهة ورثة الشريك المتوفى.

وتبرز أهمية هذا القرار في أنه لم يقتصر على الفصل في النزاع المعروض، وإنما وضع مجموعة من المبادئ العملية التي يسترشد بها المحامون والقضاة والشركات التجارية عند مباشرة دعاوى المطالبة بالديون التجارية، الأمر الذي يجعله من الأحكام الجديرة بالدراسة والتحليل.

 

تتناول هذه المقالة أهم المبادئ القانونية التي أرستها المحكمة، مع بيان الأساس التشريعي لكل مبدأ وأثره العملي في الدعاوى التجارية.

 

أولاً: التقادم في المطالبات التجارية بين التجار يخضع لقانون التجارة لا للقانون المدني

من أبرز الدفوع التي أثارها الطاعن أمام محكمة التمييز تمسكه بأن الدعوى أصبحت غير مسموعة لمرور الزمن استناداً إلى أحكام القانون المدني، باعتبار أن المطالبة مضى عليها أكثر من المدة التي اعتبرها واجبة التطبيق.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع بصورة قاطعة، وأكدت أن العبرة ليست بطبيعة الدين فحسب، وإنما بطبيعة العلاقة القانونية التي نشأ عنها الدين.

فقد ثبت للمحكمة أن المدعية شركة تمارس بيع الباطون الجاهز، وأن المدعى عليها شركة تضامن تمارس أعمال المقاولات، وأن المطالبة ناشئة عن تعامل تجاري بين تاجرين، الأمر الذي يجعل العلاقة خاضعة لأحكام قانون التجارة لا لأحكام القانون المدني.

وبناءً على ذلك طبقت المحكمة أحكام المادة (58) من قانون التجارة، واعتبرت أن التقادم الواجب التطبيق هو التقادم التجاري ومدته عشر سنوات، وليس التقادم المدني الذي استند إليه المميز، وانتهت إلى أن الدعوى أقيمت قبل انقضاء هذه المدة، مما يجعلها مسموعة قانوناً.

ويؤكد هذا الاتجاه قاعدة قانونية مستقرة مؤداها أن الوصف التجاري للعلاقة القانونية يطغى على القواعد العامة الواردة في القانون المدني، باعتبار أن قانون التجارة هو قانون خاص، والقاعدة أن الخاص يقيد العام.

ومن الناحية العملية، فإن هذا المبدأ يمنع المدين من التمسك بالتقادم المدني كلما كانت المطالبة ناشئة عن علاقة تجارية بين تاجرين، حتى ولو كانت المطالبة عبارة عن رصيد حساب أو قيمة بضائع أو خدمات تم توريدها.

كما يبرز من هذا الحكم أن تحديد القانون الواجب التطبيق يبدأ أولاً بتكييف العلاقة القانونية، لأن الخطأ في التكييف يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في تحديد مدة التقادم.

وبذلك أرست المحكمة مبدأ بالغ الأهمية يتمثل في أن المطالبة التجارية بين تاجرين تخضع للتقادم التجاري المنصوص عليه في قانون التجارة، ولا يجوز إخضاعها للتقادم المدني لمجرد أن المطالبة تتعلق بدين مالي.

 

ثانياً: المطالبة برصيد المديونية التجارية لا تستوجب توجيه إنذار عدلي قبل إقامة الدعوى

من المسائل التي كثيراً ما تثار أمام المحاكم، سواء من قبل المدينين أو حتى بعض الممارسين، الاعتقاد بأن إقامة أي دعوى ناشئة عن عقد تستوجب بالضرورة توجيه إنذار عدلي أو إعذار مسبق، استناداً إلى نص المادة (246/1) من القانون المدني.

وقد حسمت محكمة التمييز هذه المسألة في القرار محل الدراسة، ووضعت حداً للخلط بين نوعين مختلفين من الدعاوى.

فقد تمسك المميز بأن الدعوى أقيمت قبل أوانها لعدم قيام الشركة المدعية بتوجيه إنذار عدلي إليه قبل إقامة الدعوى، واحتج بأن المادة (246/1) من القانون المدني تشترط إعذار المدين قبل اللجوء إلى القضاء، وأن عدم مراعاة هذا الشرط يؤدي إلى عدم سماع الدعوى.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وبيّنت أن المادة (246) من القانون المدني تنطبق على حالة خاصة، وهي الحالة التي يطلب فيها أحد المتعاقدين تنفيذ العقد أو فسخه بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزاماته العقدية، حيث يكون الإعذار وسيلة لمنح المدين فرصة أخيرة لتنفيذ التزامه قبل ترتيب الآثار القانونية المترتبة على عدم التنفيذ.

أما إذا كانت الدعوى لا تستهدف فسخ العقد أو إجبار المدين على تنفيذ التزام تعاقدي، وإنما تهدف إلى المطالبة بدين مستحق أو برصيد مديونية ثابت نشأ عن تنفيذ العقد فعلاً، فإن الإعذار لا يكون شرطاً لقبول الدعوى.

وفي القضية محل البحث، كانت العلاقة العقدية قد نُفذت بالفعل؛ إذ قامت الشركة المدعية بتوريد الباطون الجاهز إلى شركة المقاولات، وأصبح محل النزاع مقتصراً على عدم سداد قيمة البضائع الموردة.

وبالتالي فإن الدعوى لم تكن دعوى تنفيذ عقد أو فسخه، وإنما دعوى مطالبة بقيمة دين تجاري مستحق، الأمر الذي لا يستوجب توجيه إنذار عدلي.

ولتعزيز هذا الاتجاه، استندت المحكمة إلى اجتهادها السابق في القرار التمييزي الحقوقي رقم (3507/2018) ، الذي قرر صراحة أن المطالبة برصيد المديونية لا تستوجب توجيه إنذار عدلي قبل إقامة الدعوى، وهو ما يدل على استقرار هذا المبدأ في القضاء الأردني.

 

التفرقة بين الإعذار والمطالبة القضائية

تكمن أهمية هذا الحكم في أنه يميز بين مرحلتين قانونيتين مختلفتين:

الأولى، مرحلة تنفيذ العقد، حيث يكون العقد ما يزال قائماً، ويكون المطلوب إلزام المدين بتنفيذ التزامه أو فسخ العقد بسبب إخلاله به.

وفي هذه الحالة، يكون الإعذار في كثير من الصور شرطاً لازماً حتى يثبت امتناع المدين عن التنفيذ رغم مطالبته بذلك.

أما الثانية، فهي مرحلة ما بعد تنفيذ الالتزام من جانب الدائن، حيث يصبح محل النزاع ديناً مالياً محدداً ومستحق الأداء.

ففي هذه المرحلة لا يكون محل الدعوى هو العقد ذاته، وإنما الالتزام المالي الناشئ عنه، ولذلك لا يشترط القانون إنذار المدين قبل إقامة الدعوى، لأن حق الدائن في المطالبة القضائية يكون قد نشأ بمجرد حلول أجل الدين وامتناع المدين عن الوفاء.

ومن ثم فإن الخلط بين هاتين الحالتين يؤدي إلى التمسك بدفوع لا سند لها من القانون، وهو ما أكدته محكمة التمييز بوضوح في هذا القرار.

 

الأهمية العملية للمبدأ

يكتسب هذا المبدأ أهمية كبيرة في المنازعات التجارية، إذ إن معظم دعاوى التجار تدور حول المطالبة بقيمة بضائع أو خدمات أو مستحقات مالية، وليس حول فسخ العقود أو إجبار المتعاقد على تنفيذها.

فلو اشترط توجيه إنذار عدلي في جميع هذه الحالات لأصبح ذلك قيداً غير مبرر على حق الدائن في اللجوء إلى القضاء، ولأدى إلى إطالة أمد المنازعات التجارية وتعطيل سرعة الفصل فيها، وهو ما يتعارض مع الطبيعة الخاصة للمعاملات التجارية التي تقوم على السرعة والائتمان واستقرار التعامل.

كما يوجه هذا الحكم رسالة عملية للمحامين عند إعداد لوائح الدعاوى والدفوع، مفادها أن الدفع بعدم توجيه إنذار عدلي لن يكون منتجاً إذا كانت الدعوى مجرد مطالبة بدين تجاري مستحق، لأن المحكمة ستنظر إلى طبيعة الطلبات لا إلى مجرد وجود عقد بين الطرفين.

 

وعليه، فإن المبدأ الذي استقر عليه القضاء الأردني يمكن صياغته بالعبارة الآتية:

إذا كان محل الدعوى هو المطالبة برصيد مديونية أو دين تجاري مستحق بعد تنفيذ العقد، فإن توجيه الإنذار العدلي لا يعد شرطاً لقبول الدعوى، ولا يؤدي عدم توجيهه إلى اعتبار الدعوى سابقة لأوانها، لأن الإعذار المنصوص عليه في المادة (246) من القانون المدني يقتصر على دعاوى تنفيذ العقد أو فسخه، ولا يمتد إلى دعاوى المطالبة بالديون التجارية المستحقة.

 

ثالثاً: مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة والتنفيذ على أمواله الخاصة

من المبادئ المهمة التي أكدها هذا القرار ما يتعلق بحدود مسؤولية الشريك المتضامن عن الالتزامات المالية التي تترتب في ذمة شركة التضامن، وهي من أكثر المسائل إثارة للنزاع أمام المحاكم، ولا سيما عندما تتعثر الشركة في الوفاء بديونها، فيسعى الدائن إلى التنفيذ مباشرة على أموال الشركاء الشخصية.

وقد أثار المميز في هذه الدعوى دفعاً مؤداه أن محكمة الاستئناف لم تطبق بصورة صحيحة أحكام المادتين (26) و(27) من قانون الشركات، ولم تتحقق من تاريخ شراكته في الشركة وما إذا كان شريكاً عند نشوء الدين، كما دفع بعدم التثبت من وجود تركة للشريك المتوفى، معتبراً أن ذلك يؤثر في مدى مسؤوليته عن الدين المطالب به.

إلا أن محكمة التمييز لم تأخذ بهذه الدفوع، وقررت أن الحكم المطعون فيه جاء موافقاً لصحيح القانون.

 

أولاً: مسؤولية الشريك المتضامن ليست مسؤولية مستقلة عن الشركة

الأصل أن شركة التضامن تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة عن شخصية الشركاء، ولها ذمة مالية مستقلة تكتسب بها الحقوق وتتحمل الالتزامات.

إلا أن المشرع الأردني، حمايةً للدائنين وتعزيزاً للائتمان التجاري، قرر مسؤولية الشركاء المتضامنين مسؤولية شخصية وغير محدودة عن ديون الشركة.

غير أن هذه المسؤولية لا تعني جواز التنفيذ مباشرة على الأموال الخاصة للشريك بمجرد صدور الحكم، وإنما يجب احترام الترتيب الذي رسمه القانون، والمتمثل في التنفيذ على أموال الشركة أولاً، فإذا لم تكفِ للوفاء بالدين، جاز الرجوع على الأموال الخاصة للشركاء المتضامنين.

وهذا ما التزمت به محكمة البداية، وأيدته محكمتا الاستئناف والتمييز، عندما قضت بإلزام الشركة والشريك المتضامن بالدين، مع النص صراحة على عدم التنفيذ على أموال الشريك الخاصة إلا بعد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين، تطبيقاً لأحكام المادة (27) من قانون الشركات.

ويؤكد هذا القضاء أن مسؤولية الشريك المتضامن، وإن كانت شخصية وغير محدودة، إلا أنها ليست مسؤولية ابتدائية، وإنما هي مسؤولية احتياطية من حيث إجراءات التنفيذ، بحيث تظل أموال الشركة هي الضمان الأول للوفاء بحقوق الدائنين.

 

ثانياً: عبء إثبات عدم صفة الشريك يقع على من يدعيها

حاول المميز أن يدفع بأن المحكمة لم تتحقق مما إذا كان شريكاً وقت نشوء الدين، وكأن المحكمة كان يتعين عليها أن تبحث من تلقاء نفسها تاريخ انضمامه إلى الشركة.

غير أن محكمة التمييز رفضت هذا الطرح، وقررت أن شهادة تسجيل الشركة أثبتت أنه شريك مؤسس ومفوض بالتوقيع عنها، ولم يقدم أي بينة تفيد أنه انضم إلى الشركة بعد نشوء الدين، بل إنه لم يدفع بذلك أصلاً أمام محكمة الموضوع، وإنما اكتفى بالقول إن المحكمة لم تتحقق من هذه المسألة.

ولذلك رأت المحكمة أنه لا محل لإثارة هذا الدفع، لأن من يتمسك بعدم مسؤوليته لعدم كونه شريكاً وقت نشوء الالتزام يقع عليه عبء إثبات هذا الادعاء، ولا يلتزم القضاء بإجراء تحقيق من تلقاء نفسه في واقعة لم ينازع فيها الخصوم بصورة جدية.

ويستفاد من ذلك أن شهادة تسجيل الشركة الصادرة عن مراقب الشركات تتمتع بقيمة إثباتية عالية فيما يتعلق ببيان أسماء الشركاء وصفاتهم، وأن من يدعي خلاف ما ورد فيها يقع عليه عبء تقديم الدليل.

 

ثالثاً: حماية استقرار المعاملات التجارية

يعكس هذا التوجه القضائي فلسفة تشريعية واضحة تقوم على حماية استقرار الائتمان التجاري.

فالتاجر الذي يتعامل مع شركة تضامن يعتمد في كثير من الأحيان على الملاءة المالية للشركاء المتضامنين، ولذلك فإن السماح للشريك بالتخلص من مسؤوليته بمجرد إثارة دفوع شكلية أو بادعاءات غير مثبتة من شأنه أن يهدر الثقة في هذا النوع من الشركات.

ومن هنا، فإن القضاء الأردني يتعامل بحزم مع الدفوع التي تستهدف نفي صفة الشريك أو التملص من الالتزامات التجارية دون تقديم بينة قانونية واضحة تؤيدها.

 

رابعاً: التنفيذ على الشريك لا يكون إلا وفق الضوابط القانونية

ويبرز من القرار أيضاً أن المحكمة فرقت بين الحكم بالمسؤولية وإجراءات التنفيذ.

فالحكم قد يصدر بإلزام الشركة والشريك المتضامن معاً، إلا أن التنفيذ على الأموال الخاصة للشريك يبقى مقيداً بالضوابط التي رسمها قانون الشركات، فلا يجوز تجاوز الذمة المالية للشركة والانتقال مباشرة إلى أموال الشريك، إلا بعد استنفاد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين.

 

وهذا التطبيق يحقق التوازن بين مصلحتين متعارضتين:

مصلحة الدائن في الحصول على حقه وعدم تعطيل التنفيذ.

ومصلحة الشريك في عدم تعريض أمواله الخاصة للتنفيذ قبل استنفاد الضمان الأصلي المتمثل في أموال الشركة.

وبذلك يكون القرار قد أكد أن المسؤولية الشخصية للشريك المتضامن لا تلغي استقلال الذمة المالية للشركة، وإنما تكملها عند عجزها عن الوفاء.

 

خلاصة المبدأ

يمكن استخلاص المبدأ الذي أرسته محكمة التمييز بالصياغة الآتية:

يظل الشريك المتضامن مسؤولاً شخصياً عن ديون شركة التضامن متى ثبتت صفته كشريك عند نشوء الالتزام، إلا أن التنفيذ على أمواله الخاصة لا يكون إلا بعد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين، كما أن عبء إثبات زوال صفة الشريك أو عدم قيامها يقع على من يتمسك بهذا الدفع، ولا تلتزم المحكمة بالبحث فيه من تلقاء نفسها ما لم يقدم بشأنه دليل جدي.

 

رابعاً: حجية كشوف الحساب الإلكترونية والقيود التجارية في إثبات المطالبات التجارية وحدود رقابة محكمة التمييز على وزن البينة

يعد الإثبات من أكثر الجوانب حساسية في المنازعات التجارية، إذ لا يكفي أن يدعي التاجر وجود دين في ذمة المدين، وإنما يتعين عليه إقامة الدليل على مصدر هذا الدين ومقداره واستحقاقه.

ومع التطور التقني واعتماد الشركات على الأنظمة المحاسبية الإلكترونية، برز التساؤل حول مدى حجية كشوف الحساب الإلكترونية والمستخرجات المحاسبية في الإثبات، وهل تكفي وحدها لإثبات المديونية، أم لا بد من وجود مستندات ورقية موقعة من المدين؟

وقد أجابت محكمة التمييز عن هذه التساؤلات من خلال القرار محل الدراسة، حيث رفضت جميع الدفوع التي تمسك بها المميز بشأن عدم وجود توقيع أو ختم على كشف الحساب أو على سندات التسليم، وأقرت بصحة ما انتهت إليه محكمتا الموضوع من اعتماد تلك البينات في إثبات المديونية.

 

أولاً: كشف الحساب الإلكتروني لا يفقد قيمته الثبوتية لمجرد خلوه من توقيع المدين

استند الطاعن إلى أن كشف الحساب المقدم من الشركة المدعية لم يحمل توقيعاً أو خاتماً صادراً عن الشركة المدعى عليها، كما أنه أنكر نسبته إليه، واعتبر أن ذلك يفقده أي حجية قانونية.

إلا أن المحكمة لم تنظر إلى كشف الحساب باعتباره ورقة منفردة، وإنما تعاملت معه باعتباره جزءاً من منظومة متكاملة من وسائل الإثبات، حيث ثبت لها أن الكشف مستخرج من النظام المحاسبي الإلكتروني للشركة، ويتضمن جميع البيانات المتعلقة بعمليات التوريد، بما في ذلك تاريخ كل عملية، ورقم سند المبيعات، وقيمة البضاعة، وبداية التوريد ونهايته، الأمر الذي يمنحه قدراً كبيراً من المصداقية عند اقترانه بباقي عناصر الإثبات.

ويستفاد من هذا التوجه أن القضاء الأردني لا يقف عند الشكل الظاهري للمستند، وإنما يبحث في مصدره وطريقة تنظيمه ومدى انسجامه مع بقية البينات، وهو اتجاه يتلاءم مع طبيعة التعاملات التجارية الحديثة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الأنظمة الإلكترونية في إدارة الحسابات والقيود المالية.

 

ثانياً: تكامل الأدلة هو الأساس في الإثبات التجاري

لم تعتمد المحكمة على كشف الحساب وحده، وإنما أشارت إلى أن المدعية قدمت اتفاقية توريد الباطون المبرمة مع الشركة المدعى عليها، كما قدمت كشف الحساب التفصيلي، إضافة إلى شهادات عدد من موظفيها الذين أكدوا صحة عمليات التوريد ومطابقة كشف الحساب لسندات التسليم والقيود المحاسبية الداخلية.

فقد شهد مندوب المبيعات الذي أبرم اتفاقية التوريد بأنه أشرف على تنظيم الاتفاقية، وأن الشركة قامت فعلاً بتوريد الباطون إلى المشروع محل الدعوى، وأنه كان يتابع مع الشريك المتضامن المطالبة بسداد قيمة المستحقات.

كما شهد الموظف المختص بالحسابات بأنه هو الذي نظم كشف الحساب، وأنه استند في ذلك إلى سندات التسليم الموجودة في ملفات الشركة، وأن الرصيد الوارد في الكشف مطابق للسجلات المحاسبية.

وأكد شاهد ثالث أن الشركة تعمل وفق نظام محاسبي أصولي، وأن سندات التسليم موجودة، وأن الذمة المالية للمدعى عليها ما زالت مشغولة بالمبلغ المطالب به.

ومن خلال هذه البينات مجتمعة، خلصت المحكمة إلى أن المدعية أقامت الدليل الكافي على وجود الدين، وأن إنكار المدعى عليه لم يكن مجرداً من الدليل فحسب، بل خلا أيضاً من أي مطعن جدي في صحة المستندات أو النظام المحاسبي الذي استخرجت منه.

 

ثالثاً: الإنكار المجرد لا يهدم الدليل

من المبادئ المهمة التي يمكن استخلاصها من هذا الحكم أن الإنكار المجرد لا يكفي لإهدار قيمة البينات التجارية.

فليس كل إنكار لخط أو توقيع يؤدي تلقائياً إلى سقوط المستند، وإنما يتعين على من يتمسك بهذا الإنكار أن يبين أوجه الطعن بصورة جدية، وأن يقدم ما يثير الشك في صحة المستند أو في مصدره أو في طريقة تنظيمه.

أما إذا اقتصر الأمر على مجرد القول بأن كشف الحساب لا يحمل توقيع المدين، مع وجود اتفاقية التوريد وشهادة الموظفين والقيود المحاسبية المؤيدة له، فإن هذا الإنكار لا يكون منتجاً، ولا يزعزع اقتناع المحكمة بصحة المديونية.

وهذا الاتجاه يتفق مع الطبيعة العملية للمعاملات التجارية، إذ إن كثيراً من عمليات التوريد اليومية لا يوقع فيها التاجر على كشف الحساب النهائي، وإنما يتم إثباتها من خلال النظام المحاسبي والفواتير وسندات التسليم والقيود التجارية.

 

رابعاً: سلطة محكمة الموضوع في وزن البينة

لم يقتصر الطعن على المستندات، بل امتد إلى الطعن في شهادات الشهود، حيث ادعى المميز أنها جاءت متناقضة وغير منسجمة وغير منتجة.

إلا أن محكمة التمييز أعادت التأكيد على أحد المبادئ القضائية المستقرة، وهو أن وزن البينة وتقدير أقوال الشهود واستخلاص الوقائع من الأدلة يدخل في صميم السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، ولا تخضع هذه السلطة لرقابة محكمة التمييز، ما دام استخلاص المحكمة سائغاً وله أصل ثابت في أوراق الدعوى ولم يشبه فساد في الاستدلال أو مخالفة للقانون.

ويعد هذا المبدأ من أكثر المبادئ استقراراً في القضاء الأردني، إذ يميز بين وظيفتين مختلفتين:

محكمة الموضوع هي صاحبة الاختصاص في سماع الشهود، ومناقشة البينات، وتقدير قوتها، وترجيح بعضها على بعض.

أما محكمة التمييز فليست محكمة وقائع، وإنما محكمة قانون، يقتصر دورها على مراقبة سلامة تطبيق القانون وصحة التكييف القانوني، ولا تعيد مناقشة الوقائع إلا إذا كان الاستنتاج الذي انتهت إليه محكمة الموضوع غير منطقي أو يخالف الثابت بالأوراق.

ومن ثم، فإن مجرد عدم اقتناع أحد الخصوم بتقدير المحكمة للبينة لا يشكل سبباً لنقض الحكم، ما لم يثبت أن المحكمة أغفلت دليلاً جوهرياً أو استندت إلى وقائع لا أصل لها في الملف.

 

خامساً: الدلالة العملية للحكم

تكمن الأهمية العملية لهذا الجزء من القرار في أنه يبعث برسالة واضحة إلى الشركات والتجار، مفادها أن حسن تنظيم السجلات المحاسبية والاحتفاظ بالقيود الإلكترونية وسندات التوريد، وربطها بشهادة الموظفين المختصين، يشكل منظومة إثبات متكاملة يمكن أن تؤسس عليها الأحكام القضائية.

كما يوجه رسالة إلى المحامين بأن الطعن في البينات التجارية يجب أن يكون قائماً على أسباب فنية وقانونية جدية، وليس على مجرد إنكار شكلي لعدم وجود توقيع أو ختم على كشف الحساب، لأن القضاء ينظر إلى مجمل الأدلة كوحدة واحدة، لا إلى كل دليل بمعزل عن غيره.

 

خلاصة المبدأ

يمكن تلخيص ما استقر عليه هذا القرار بالقول:

تكتسب كشوف الحساب الإلكترونية والقيود التجارية حجيتها في الإثبات متى كانت صادرة عن نظام محاسبي منتظم، ومؤيدة ببينات أخرى كاتفاقية التوريد وشهادة الموظفين وسندات التسليم، ولا يكفي الإنكار المجرد أو خلو كشف الحساب من توقيع المدين لإهدار قيمته الثبوتية، كما أن تقدير هذه البينات وترجيحها يدخل في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع التي لا تخضع لرقابة محكمة التمييز ما دام استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت في الأوراق.

 

خامساً: يمين الاستظهار في مواجهة ورثة الشريك المتوفى ضمانة لحماية التركات من المطالبات غير الثابتة

من المسائل الإجرائية التي عالجها القرار محل الدراسة، وأعطاها أهمية خاصة، مسألة يمين الاستظهار عند إقامة الدعوى في مواجهة ورثة المدين المتوفى أو في مواجهة التركة. وتعد هذه اليمين من الضمانات التي أوجدها المشرع لتحقيق التوازن بين حق الدائن في المطالبة بحقه، وحق الورثة في عدم تحميل التركة ديوناً تكون قد أوفيت أو انقضت قبل وفاة مورثهم.

وقد تمسك المميز بأن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق أحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات، وأنها وجهت يمين الاستظهار في غير محلها، الأمر الذي يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

إلا أن محكمة التمييز رفضت هذا الدفع، وأكدت أن ما قامت به محكمة الاستئناف جاء موافقاً لصحيح القانون، وأن توجيه يمين الاستظهار كان إجراءً لازماً في ظل إقامة الدعوى في مواجهة ورثة الشريك المتوفى بالإضافة إلى التركة.

 

أولاً: الغاية من يمين الاستظهار

يقوم نظام الإثبات في الدعاوى المقامة على التركات على فكرة مؤداها أن الورثة قد لا يكون لديهم علم بكافة التصرفات التي أجراها مورثهم قبل وفاته، وقد لا يستطيعون إثبات أن الدين المطالب به قد تم الوفاء به أو انقضى بأي سبب من أسباب انقضاء الالتزام.

ومن هنا، أوجب المشرع على الدائن أن يحلف يميناً تؤكد – بحسب علمه – أن الدين ما زال قائماً ولم يتم استيفاؤه أو الإبراء منه أو تحويله أو انقضاؤه بأي سبب آخر.

فهي ليست يميناً لإثبات أصل الحق، وإنما هي يمين مكملة تهدف إلى تعزيز الثقة في المطالبة وصيانة حقوق الورثة والتركات.

 

ثانياً: سلامة تطبيق المحكمة للمادة (54/2/أ) من قانون البينات

أكدت محكمة التمييز أن محكمة الاستئناف، بعد أن تبين لها وفاة أحد الشركاء المتضامنين وإدخال ورثته في الدعوى، قامت بتوجيه يمين الاستظهار إلى المفوض بالتوقيع عن الشركة المدعية، بحيث انصبت على عدم علمه باستيفاء قيمة الدين من مورث المدعى عليهم، وعدم إبراء ذمته منه، وعدم انتقال الحق إلى الغير، وعدم وجود رهن أو مقابل للدين يؤدي إلى انقضائه.

ورأت المحكمة أن صيغة اليمين جاءت متفقة مع أحكام قانون البينات، ومنسجمة مع وقائع الدعوى، وبالتالي فإن الإجراء الذي اتخذته محكمة الاستئناف كان سليماً ولا يشوبه أي مخالفة قانونية.

ويؤكد هذا القضاء أن يمين الاستظهار ليست إجراءً شكلياً يمكن الاستغناء عنه، وإنما تمثل ضمانة جوهرية كلما كانت المطالبة موجهة إلى التركة أو إلى الورثة ضمن الحدود التي رسمها القانون.

 

ثالثاً: أهمية هذا المبدأ في الدعاوى التجارية

تزداد أهمية هذا الحكم في الواقع العملي، لأن كثيراً من شركات التضامن تستمر بعد وفاة أحد الشركاء، أو تقام دعاوى للمطالبة بديون نشأت قبل الوفاة، فتكون الخصومة موجهة في مواجهة الورثة بالإضافة إلى التركة.

وفي هذه الحالات، ينبغي على المحامي أن يراعي الأحكام الخاصة بقانون البينات، وألا يقتصر على إثبات أصل الدين، بل يتأكد أيضاً من استكمال الإجراءات المتعلقة بيمين الاستظهار، حتى لا يتعرض الحكم للطعن بسبب نقص إجراء جوهري.

كما يبين هذا القرار أن القضاء الأردني لا ينظر إلى يمين الاستظهار باعتبارها مجرد إجراء شكلي، وإنما يعتبرها جزءاً من النظام القانوني لحماية التركات، ولذلك يحرص على تطبيقها كلما توافرت شروطها.

 

خلاصة المبدأ

يمكن استخلاص المبدأ الذي أرسته المحكمة بالصياغة الآتية:

إذا كانت الدعوى مقامة في مواجهة ورثة المدين أو بالإضافة إلى التركة، فإن توجيه يمين الاستظهار وفق أحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات يعد إجراءً قانونياً سليماً يهدف إلى حماية التركة من المطالبات التي يحتمل أن تكون قد انقضت أو تم الوفاء بها، ولا يعيب الحكم ما دام توجيه اليمين قد تم وفق الصيغة التي رسمها القانون.

 

سادساً: التخارج من التركة لا يعفي الشريك المتضامن من مسؤوليته الناشئة عن صفته كشريك

من الدفوع التي كثيراً ما تثار في المنازعات المتعلقة بشركات الأشخاص، الدفع بأن أحد الشركاء قد تخارج من تركة شريك متوفى، أو تنازل عن حقوقه الإرثية، وبالتالي لم يعد مسؤولاً عن الالتزامات المتعلقة بالشركة.

وقد عالجت محكمة التمييز هذه المسألة بصورة دقيقة، ووضعت حداً للخلط بين الصفة الإرثية والصفة التجارية.

فقد دفع المميز بأنه تخارج مما آل إليه من مورثه بموجب سند تخارج رسمي، وبالتالي فإنه لا يكون مسؤولاً عن أي التزامات تتعلق بالتركة.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وقررت أن سند التخارج يتعلق فقط بالحقوق الإرثية التي آلت من التركة، ولا يؤثر إطلاقاً في مركز المميز كشريك متضامن في الشركة، لأن الدعوى لم تقم عليه بصفته وارثاً فحسب، وإنما أقيمت عليه أساساً بصفته شريكاً متضامناً ثابتة صفته في شهادة تسجيل الشركة.

 

أولاً: التفرقة بين المسؤولية الإرثية والمسؤولية التجارية

يميز هذا الحكم بين مصدرين مختلفين للمسؤولية:

المسؤولية الإرثية، وهي التي تنشأ بسبب انتقال الحقوق والالتزامات إلى الورثة في حدود ما آل إليهم من التركة.

المسؤولية التجارية، وهي التي تنشأ مباشرة من صفة الشخص كشريك متضامن في شركة التضامن، وهي مسؤولية مستقلة عن صفته كوارث.

وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن زوال أحد المصدرين لا يؤدي بالضرورة إلى زوال الآخر.

فقد يتخارج الشخص من حصته الإرثية، ومع ذلك يبقى مسؤولاً عن ديون الشركة إذا كان لا يزال شريكاً متضامناً فيها، لأن التزامه في هذه الحالة لا يستند إلى الإرث، وإنما إلى عقد الشركة وأحكام قانون الشركات.

 

ثانياً: التخارج لا يعد سبباً لانقضاء الالتزامات التجارية

أكدت المحكمة أن سند التخارج لا يعد وسيلة قانونية للإفلات من الالتزامات التجارية الناشئة عن الشراكة، لأن أثره يقتصر على تنظيم العلاقة بين الورثة فيما يتعلق بالتركة، ولا يمتد إلى حقوق الدائنين الذين استندت مطالباتهم إلى مركز قانوني آخر مستقل عن الإرث.

ويحقق هذا التفسير حماية مهمة لاستقرار المعاملات التجارية، إذ يمنع الشريك من التذرع بإجراءات تتعلق بالتركة للتخلص من التزاماته الشخصية كشريك متضامن.

 

ثالثاً: القيمة العملية لهذا المبدأ

يعد هذا المبدأ من المبادئ ذات الأهمية البالغة للمحامين عند صياغة الدفوع واللوائح.

فإذا كانت المطالبة مؤسسة على صفة الشريك المتضامن، فإن الدفع بالتخارج من التركة لن يكون منتجاً، لأن المحكمة ستبحث عن مصدر الالتزام، فإذا تبين أنه ناشئ عن الشراكة، فإن التخارج الإرثي يصبح غير ذي أثر.

أما إذا كانت المطالبة موجهة حصراً إلى الورثة بصفتهم ورثة، فإن سند التخارج قد تكون له آثار قانونية مختلفة بحسب نطاقه ومدى انتقال الحقوق والالتزامات.

ومن ثم، فإن نجاح هذا الدفع يتوقف على تحديد مصدر الالتزام تحديداً دقيقاً قبل إثارته أمام المحكمة.

 

خلاصة المبدأ

يمكن تلخيص ما انتهت إليه محكمة التمييز بالقول:

التخارج من التركة لا يؤدي إلى إعفاء الشخص من المسؤولية الناشئة عن صفته كشريك متضامن في شركة التضامن، لأن المسؤولية الإرثية تختلف عن المسؤولية التجارية، فإذا كانت الدعوى مؤسسة على صفة الشريك، بقيت مسؤوليته قائمة ولو تخارج من كامل حصته الإرثية، ما دام لم تثبت زوال صفته كشريك وفقاً للقانون.

 

سابعاً: الدروس العملية المستفادة من قرار محكمة التمييز رقم (1400) لسنة 2025

لا تقتصر أهمية هذا القرار على حسم النزاع الذي كان معروضاً أمام المحكمة، وإنما تمتد إلى كونه يرسم مجموعة من الضوابط العملية التي ينبغي أن يسترشد بها المحامون والشركات والتجار عند إدارة المنازعات التجارية، سواء عند إقامة الدعوى أو عند إعداد وسائل الدفاع فيها. وقد جمع القرار بين تطبيق قواعد القانون التجاري، وقانون الشركات، والقانون المدني، وقانون البينات، بما يجعله نموذجاً متكاملاً للاجتهاد القضائي في الدعاوى التجارية.

 

أولاً: ضرورة التكييف الصحيح للعلاقة القانونية قبل تحديد النص الواجب التطبيق

أبرز ما يظهر من هذا القرار أن نجاح الدعوى أو الدفع لا يتوقف على الاستناد إلى النصوص القانونية فحسب، وإنما يبدأ بتكييف العلاقة القانونية تكييفاً صحيحاً.

فقد أخطأ الطاعن عندما استند إلى قواعد التقادم المدني، في حين أن العلاقة كانت علاقة تجارية خالصة بين شركتين تمارسان الأعمال التجارية، الأمر الذي أدى إلى تطبيق أحكام قانون التجارة بدلاً من أحكام القانون المدني.

 

وهذا يبين أن المحامي يجب أن يبدأ دائماً بالإجابة عن سؤال جوهري:

هل العلاقة مدنية أم تجارية؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد القانون الواجب التطبيق، ومدة التقادم، وقواعد الإثبات، بل وأحياناً المحكمة المختصة أيضاً.

 

ثانياً: عدم التوسع في اشتراط الإنذار العدلي

أكد القرار أن الإنذار العدلي ليس إجراءً لازماً في جميع الدعاوى.

ففي الواقع العملي يلاحظ أن بعض الخصوم يتمسكون بعدم توجيه الإنذار العدلي في كل دعوى تقريباً، رغم أن القانون لا يشترطه إلا في حالات معينة.

وقد وضع هذا القرار حداً لهذا الخلط، عندما قرر أن دعوى المطالبة بقيمة البضائع أو برصيد الحساب ليست دعوى تنفيذ أو فسخ للعقد، وبالتالي لا يشترط لقبولها سبق توجيه إنذار عدلي.

ومن شأن هذا الاتجاه أن يحقق السرعة في الفصل في المنازعات التجارية، وأن يمنع إثارة دفوع شكلية لا تؤثر في أصل الحق.

 

ثالثاً: أهمية الاحتفاظ بالسجلات والقيود التجارية

يبعث القرار برسالة واضحة إلى الشركات والمؤسسات التجارية، مفادها أن حسن تنظيم السجلات المحاسبية يمثل خط الدفاع الأول عند وقوع النزاع.

فقد استندت المحكمة إلى اتفاقية التوريد، وكشف الحساب الإلكتروني، والقيود المحاسبية، وشهادات الموظفين المختصين، لتكوين قناعتها بثبوت الدين.

ويؤكد ذلك أن الشركات التي تعتمد نظاماً محاسبياً منتظماً، وتحافظ على مستنداتها وسندات التسليم وفواتيرها، تكون في مركز قانوني أقوى عند المطالبة بحقوقها أمام القضاء.

وفي المقابل، فإن الإهمال في تنظيم القيود أو فقدان المستندات قد يؤدي إلى صعوبة إثبات الحق، مهما كان ثابتاً في الواقع.

 

رابعاً: ضرورة اختيار الدفوع المنتجة

يكشف القرار أيضاً أهمية اختيار الدفوع القانونية المنتجة، وعدم إثارة دفوع شكلية لا تؤثر في النتيجة القانونية.

فقد أثار الطاعن عدداً كبيراً من الأسباب، شملت التقادم، والإنذار العدلي، والإثبات، ومحاضر الجلسات، والتخارج، ويمين الاستظهار، وغيرها، إلا أن المحكمة رفضتها جميعاً لأنها لم تمس الأساس القانوني الذي بني عليه الحكم.

وهذا يبين أن كثرة الدفوع لا تعني قوة الدفاع، وإنما العبرة بمدى اتصال الدفع بجوهر النزاع وقدرته على التأثير في النتيجة التي يمكن أن تنتهي إليها المحكمة.

 

خامساً: تعزيز الثقة في التعاملات التجارية

يعكس القرار توجهاً قضائياً واضحاً نحو حماية استقرار المعاملات التجارية.

فلو قبلت المحكمة الدفوع المتعلقة بغياب توقيع المدين على كشف الحساب، أو اعتبرت التخارج من التركة سبباً لإعفاء الشريك من مسؤوليته التجارية، أو اشترطت الإنذار العدلي في جميع دعاوى المطالبة بالديون، لأدى ذلك إلى إضعاف الائتمان التجاري وزعزعة الثقة في التعامل بين التجار.

أما الاتجاه الذي تبنته المحكمة، فيحقق التوازن بين حماية الدائن من جهة، وضمان حقوق المدين من جهة أخرى، وهو ما يتفق مع الغاية التي استهدفها المشرع من تنظيم المعاملات التجارية.

 

خاتمة

يعد قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1400 لسنة 2025 من الأحكام المرجعية في المنازعات التجارية، لما تضمنه من معالجة دقيقة لجملة من المسائل القانونية التي تتكرر بصورة مستمرة أمام المحاكم الأردنية.

فقد أكد أن العلاقة التجارية بين التجار تخضع للتقادم العشري المنصوص عليه في قانون التجارة، وأن دعوى المطالبة برصيد المديونية لا تستلزم توجيه إنذار عدلي، كما رسخ مبدأ مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة مع مراعاة ترتيب التنفيذ على أموال الشركة قبل أموال الشركاء، وأقر حجية منظومة الإثبات التجارية القائمة على القيود المحاسبية وكشوف الحساب الإلكترونية متى دعمتها البينات الأخرى، وأوضح الأحكام الخاصة بيمين الاستظهار عند مقاضاة التركة، وأكد أن التخارج من التركة لا يؤثر في المسؤولية الناشئة عن صفة الشريك المتضامن.

ولا تقتصر القيمة القانونية لهذا القرار على المبادئ التي انتهى إليها، وإنما تكمن أيضاً في منهجه في تفسير النصوص القانونية وربطها بطبيعة العلاقة محل النزاع، إذ قدم نموذجاً واضحاً لتطبيق مبدأ تغليب القانون الخاص على القانون العام، وأعاد التأكيد على أن التكييف الصحيح للعلاقة القانونية هو المدخل الأساسي لتحديد الأحكام الواجبة التطبيق.

ومن المتوقع أن يشكل هذا الحكم مرجعاً مهماً في الدعاوى المتعلقة بالمطالبات التجارية، ولا سيما تلك الناشئة عن عقود التوريد والمقاولات والمعاملات بين الشركات، وأن تسترشد به محاكم الموضوع عند نظر المنازعات المماثلة، لما يتضمنه من مبادئ تحقق استقرار الائتمان التجاري، وتحافظ في الوقت ذاته على الضمانات القانونية المقررة للمتقاضين.

وبالنسبة للمحامين والمستشارين القانونيين، فإن هذا القرار يؤكد أن نجاح الدعوى أو الدفاع لا يتوقف على كثرة الدفوع، وإنما على حسن التكييف القانوني للنزاع، واختيار النصوص الواجبة التطبيق، وتقديم منظومة متكاملة من الأدلة والبينات التي تقنع المحكمة بثبوت الحق أو انتفائه.

ومن هنا، فإن استيعاب المبادئ التي أرساها هذا الحكم يمثل إضافة عملية مهمة لكل من يمارس العمل في مجال القضاء والتقاضي التجاري.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي.

هاتف رقم: 0799999604 ، 0798333357

المطالبة التجارية وشركات التضامن

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

دراسة قانونية مقارنة في ضوء الفقه والقضاء

تُعد رابطة السببية الركن الأساسي في الجرائم غير المقصودة، فلا يكفي مجرد ثبوت خطأ المتهم حتى تقوم مسؤوليته الجزائية، وإنما يجب أن يكون هذا الخطأ هو السبب القانوني المنتج للنتيجة الجرمية.

ومن هنا برزت نظرية مهمة في الفقه والقضاء مفادها أن خطأ المجني عليه قد يبلغ من الجسامة حداً يستغرق معه خطأ الجاني، فيقطع رابطة السببية ويؤدي إلى انتفاء المسؤولية الجزائية والمدنية معاً.

وتظهر أهمية هذه النظرية بصورة خاصة في قضايا حوادث السير، والأخطاء الطبية، وحوادث العمل، وغيرها من الجرائم غير العمدية التي قد تتداخل فيها أخطاء عدة أطراف، ويتمسك بها محامي الدفاع في القضايا الجزائية.

 

أولاً: المقصود باستغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني

يقصد باستغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني أن يكون سلوك المجني عليه هو السبب الحقيقي والمباشر والحاسم في وقوع النتيجة الإجرامية، بحيث يصبح خطأ الجاني ثانوياً أو عديم الأثر في إحداثها.

فلا يكفي أن يكون المجني عليه قد أخطأ، وإنما يجب أن يكون خطؤه:

  • مستقلاً.
  • جسيماً.
  • غير متوقع.
  • كافياً وحده لإحداث النتيجة.

وعندئذ تنقطع رابطة السببية بين فعل الجاني والنتيجة، فتنتفي المسؤولية الجزائية.

 

ثانياً: الأساس القانوني للنظرية

الأصل في المسؤولية الجزائية أنها تقوم على ثلاثة أركان:

  • الخطأ.
  • النتيجة.
  • علاقة السببية.

فإذا ثبت أن النتيجة لم تكن ثمرة خطأ المتهم وإنما كانت نتيجة مباشرة لخطأ المجني عليه، فإن أحد أركان الجريمة ينهار، وهو رابطة السببية.

ولذلك فإن القضاء لا يبرئ المتهم لعدم وجود الخطأ، وإنما لأنه لا يمكن قانوناً نسبة النتيجة إليه.

 

ثالثاً: قضاء محكمة النقض المصرية

من أبرز الأحكام التي أرست هذه القاعدة الحكم الصادر عن محكمة النقض المصرية بتاريخ 8 نوفمبر 1932، والمنشور في مجموعة القواعد القانونية، الجزء 83، رقم 22، ص 32، قانون العقوبات، والذي قرر:

“كلما كان خطأ المجني عليه جسيماً إلى درجة يتلاشى معه خطأ الفاعل، وإلى حد انتفاء المسؤوليتين الجنائية والمدنية معاً، فإن خطأ المجني عليه يستوعب خطأ الفاعل الأقل جسامة.”

ويعد هذا الحكم من الأحكام المؤسسة لنظرية استغراق خطأ المجني عليه، إذ قرر أن مجرد وجود خطأ من جانب المتهم لا يكفي للحكم بإدانته متى كان خطأ المجني عليه هو السبب الحقيقي في النتيجة.

 

رابعاً: موقف القضاء الفرنسي

سبقت محكمة النقض الفرنسية إلى تقرير هذه الفكرة في حكمها الشهير الصادر بتاريخ 30 نوفمبر 1916.

 

وتتلخص وقائع القضية في أن:

طفلاً حاول عبور الطريق ليلاً بصورة مفاجئة، كان السائق يقود سيارته بسرعة معتدلة، كانت أنوار السيارة مضاءة، ثبت لاحقاً أن السائق لا يحمل رخصة قيادة، ورغم مخالفة السائق لقانون السير بقيادته دون رخصة، قضت المحكمة ببراءته من جريمة القتل الخطأ، لأن:

  • عدم حمل الرخصة لم يكن سبب الحادث.
  • السائق لم يكن يستطيع تلافي الحادث.
  • ومن ثم اقتصرت مسؤوليته على مخالفة القيادة بدون رخصة، دون مساءلته عن وفاة الطفل.

 

ويبرز هذا الحكم قاعدة مهمة مفادها:

ليس كل مخالفة قانونية تؤدي إلى قيام المسؤولية عن النتيجة، وإنما يجب أن تكون تلك المخالفة سبباً مباشراً لها.

 

خامساً: شروط استغراق خطأ المجني عليه

لا يؤدي خطأ المجني عليه إلى قطع رابطة السببية إلا إذا توافرت عدة شروط، أهمها:

  • أولاً: أن يكون الخطأ جسيماً

أي يبلغ درجة من الخطورة تجعل النتيجة متولدة عنه وحده.

أما الأخطاء البسيطة أو العادية فلا تقطع رابطة السببية.

  • ثانياً: أن يكون مستقلاً

بمعنى ألا يكون ناشئاً عن فعل المتهم نفسه.

فإذا دفع المتهم المجني عليه إلى التصرف الخاطئ فلا يمكن الاحتجاج بخطأ المجني عليه.

  • ثالثاً: أن يكون السبب المباشر للنتيجة

أي أن النتيجة كانت ستقع حتى لو لم يوجد خطأ المتهم.

فإذا بقي خطأ المتهم مؤثراً في إحداث النتيجة فلا مجال لاستغراق الخطأ.

  • رابعاً: أن يكون غير متوقع

فالفاعل يلتزم بتوقع السلوك المعتاد للأشخاص.

أما السلوك الشاذ أو المفاجئ بصورة لا يمكن توقعها، فإنه قد يقطع رابطة السببية.

 

سادساً: تطبيقات عملية

من التطبيقات التي كثيراً ما يثار بشأنها هذا الدفع:

  • السير داخل المكان المخصص للباص السريع.
  • عبور شخص للطريق السريع من مكان غير مخصص للمشاة بصورة مفاجئة.
  • إلقاء شخص نفسه أمام مركبة متحركة.
  • دخول طفل فجأة إلى مسار السيارة دون إمكانية لتفاديه.
  • قيام عامل بإزالة وسائل السلامة رغم التحذير منها.
  • استعمال شخص لجهاز بطريقة مخالفة بصورة جسيمة رغم التنبيه.

 

في جميع هذه الصور، يكون السؤال الأساسي أمام المحكمة:

هل كان خطأ المتهم سبباً في النتيجة، أم أن خطأ المجني عليه استقل بإحداثها؟

 

سابعاً: الفرق بين استغراق الخطأ والمساهمة في الخطأ

ينبغي التمييز بين حالتين:

الحالة الأولى: مساهمة المجني عليه في الخطأ

  • وهنا يبقى خطأ المتهم منتجاً للنتيجة.
  • فتظل المسؤولية الجزائية قائمة.

 

الحالة الثانية: استغراق خطأ المجني عليه

وهنا يصبح خطأ المجني عليه وحده هو السبب المنتج للنتيجة.

فتنتفي المسؤولية الجزائية.

كما تنتفي المسؤولية المدنية الناشئة عن النتيجة ذاتها.

 

ثامناً: موقف الفقه

استقر جانب كبير من الفقه الجنائي على أن رابطة السببية لا تقوم بمجرد سبق الخطأ للنتيجة، وإنما يشترط أن يكون الخطأ منتجاً لها.

فإذا تدخل سبب أجنبي مستقل يستغرق خطأ الفاعل، فإن النتيجة القانونية تنسب إلى السبب الجديد وحده.

ويعد خطأ المجني عليه أحد أهم صور السبب الأجنبي متى بلغ من الجسامة ما يجعله السبب الوحيد في وقوع الضرر.

 

تاسعاً: مدى تطبيق النظرية في القضاء الأردني

رغم عدم وجود نص خاص في التشريع الأردني يتناول استغراق خطأ المجني عليه، إلا أن القواعد العامة في المسؤولية الجزائية، وخاصة ما يتعلق برابطة السببية، تسمح للمحاكم بالأخذ بهذه النظرية متى ثبت أن النتيجة لم تكن ثمرة لخطأ المتهم.

وقد استقر الاجتهاد الأردني على أن المسؤولية الجزائية في الجرائم غير المقصودة لا تقوم إلا إذا ثبت أن خطأ المتهم كان السبب المنتج للنتيجة، وأن رابطة السببية تنتفي إذا تدخل سبب مستقل يستغرق أثر ذلك الخطأ.

ومن ثم فإن الدفع باستغراق خطأ المجني عليه يعد من الدفوع الموضوعية المهمة التي يجوز التمسك بها متى كانت وقائع الدعوى تؤيده.

 

خاتمة

إن نظرية استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني تمثل إحدى أهم التطبيقات العملية لرابطة السببية في القانون الجزائي، فهي تحقق التوازن بين حماية المجتمع وعدم تحميل الشخص مسؤولية نتيجة لم يكن خطؤه سبباً حقيقياً في وقوعها.

ولا يكفي لإدانة المتهم مجرد ثبوت ارتكابه مخالفة أو خطأ، بل يجب أن تثبت المحكمة أن هذا الخطأ هو الذي أحدث النتيجة الإجرامية.

فإذا ثبت أن المجني عليه قد ارتكب خطأً جسيماً ومستقلاً استأثر بإحداث النتيجة، انقطعت رابطة السببية، وانتفت المسؤولية الجزائية والمدنية عن تلك النتيجة.

وتؤكد أحكام القضاء المقارن، وعلى رأسها حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 8 نوفمبر 1932، وحكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 30 نوفمبر 1916، أن العدالة الجنائية لا تقوم على مجرد وجود الخطأ، وإنما على إقامة علاقة سببية حقيقية بين فعل الجاني والنتيجة، وهو ما يجعل نظرية استغراق خطأ المجني عليه إحدى الضمانات الأساسية لتحقيق العدالة في الجرائم غير العمدية.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين.

هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دراسة تأصيلية وتحليلية في ضوء قانون الشركات والقانون المدني واجتهادات محكمة التمييز الأردنية

إعداد: المحامي محمد زهير العبادي

ماجستير في القانون العام

 

المقدمة

تُعد دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء من أكثر الدعاوى تعقيداً في منازعات الشركات، نظراً لتداخل قواعد القانون المدني مع أحكام قانون الشركات وقواعد الإثبات وأصول المحاكمات المدنية، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بمبادئ الحراسة القضائية والتصفية والمسؤولية المدنية وإدارة الشركات. فالشركة، منذ نشأتها، تقوم على مبدأ التعاون وتحقيق المصلحة المشتركة، إلا أن الواقع العملي يكشف أن استمرار النشاط الاقتصادي كثيراً ما يرافقه خلاف بين الشركاء حول إدارة المشروع أو توزيع الأرباح أو الإنفاق على موجودات الشركة أو استيفاء أحد الشركاء لإيراداتها دون تقديم حساب لبقية الشركاء، الأمر الذي يجعل دعوى المحاسبة الوسيلة القضائية الأساسية لإعادة التوازن المالي والقانوني بين الشركاء.

ولا تقتصر أهمية هذه الدعوى على تحديد الحقوق المالية لكل شريك، وإنما تمتد لتشمل المحافظة على أموال الشركة، وضمان سلامة إدارتها، وتمكين الشركاء من ممارسة حقهم في الرقابة والاطلاع على الحسابات والدفاتر، كما قد تشكل الأساس القانوني لطلبات أخرى كعزل المدير، أو إخراج الشريك، أو تعيين حارس قضائي (قيم)، أو تصفية الشركة وإنهاء شخصيتها القانونية عندما يصبح استمرارها مستحيلاً أو غير مجدٍ.

ورغم كثرة الدعاوى المنظورة أمام المحاكم الأردنية في هذا المجال، فإن التشريع الأردني لم يضع تنظيماً متكاملاً لدعوى المحاسبة بين الشركاء، وإنما توزعت أحكامها بين نصوص قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، الأمر الذي جعل القضاء الأردني، ولا سيما محكمة التمييز، يقوم بدور رئيس في رسم معالم هذه الدعوى وتحديد شروطها وآثارها والتمييز بينها وبين غيرها من الدعاوى المشابهة.

وقد أظهرت الاجتهادات القضائية الحديثة تطوراً ملحوظاً في معالجة هذا النوع من المنازعات، إذ عالجت محكمة التمييز مسائل دقيقة تتعلق بتكييف دعوى المحاسبة، وصحة الخصومة، والشخصية المعنوية للشركة، وإثبات الشراكة في شركة المحاصة، وحدود الخبرة المحاسبية، وعبء الإثبات، والحراسة القضائية، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، والتمييز بين حق الشركة وحق الشريك، فضلاً عن العلاقة بين المحاسبة والتصفية، وهي موضوعات لم تحظ – في حدود ما اطلع عليه الباحث – بدراسة علمية مستقلة وشاملة في الفقه الأردني.

وتزداد أهمية هذا الموضوع في ظل ازدياد النزاعات بين الشركاء في الشركات العائلية، وشركات التضامن، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، وشركات المحاصة، حيث كثيراً ما يلجأ أحد الشركاء إلى إقامة دعوى يصفها بأنها دعوى محاسبة، في حين تكون حقيقتها دعوى مطالبة مالية، أو دعوى استرداد أموال الشركة، أو دعوى مسؤولية ضد المدير، أو دعوى تصفية، مما يترتب عليه اختلاف جوهري في شروط قبول الدعوى، والخصومة، وعبء الإثبات، والنتائج القانونية المترتبة عليها.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، التي تهدف إلى تأصيل دعوى المحاسبة بين الشركاء تأصيلاً قانونياً وقضائياً، وتحليل أحكامها في ضوء التشريعات الأردنية وأحدث اجتهادات محكمة التمييز، مع بيان الاتجاهات القضائية المستقرة، ورصد ما قد يظهر من تباين في بعض الأحكام، وصولاً إلى وضع إطار علمي متكامل ييسر على الباحثين والقضاة والمحامين تحديد الطبيعة القانونية لهذه الدعوى، وشروط قبولها، ووسائل إثباتها، وعلاقتها بالحراسة القضائية والتصفية وغيرها من المنازعات الناشئة بين الشركاء.

 

مشكلة الدراسة

تتمثل مشكلة الدراسة في غياب تنظيم تشريعي متكامل لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني، وما نتج عن ذلك من اعتماد كبير على الاجتهاد القضائي في تحديد طبيعتها القانونية، وشروط قبولها، والتمييز بينها وبين غيرها من الدعاوى المتقاربة، مما يثير عدداً من الإشكاليات العملية، أهمها:

  • ما المقصود بدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء، وما طبيعتها القانونية؟
  • هل تعد دعوى مستقلة أم مجرد وسيلة تمهيدية للمطالبة بالحقوق المالية؟
  • ما شروط قبولها موضوعياً وإجرائياً؟
  • من يقع عليه عبء الإثبات فيها، وما حدود دور الخبرة المحاسبية؟
  • متى يجوز تعيين حارس قضائي على أموال الشركة أو إدارتها؟
  • ما العلاقة بين دعوى المحاسبة ودعوى التصفية؟
  • ما أثر الشخصية المعنوية للشركة في تحديد الخصومة؟
  • كيف عالجت محكمة التمييز الأردنية هذه المسائل، وهل استقر اجتهادها على مبادئ موحدة؟

 

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى:

  • تأصيل مفهوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء وبيان طبيعتها القانونية.
  • تحديد الأساس التشريعي لهذه الدعوى في القانون الأردني.
  • بيان شروط قبول دعوى المحاسبة وإجراءاتها.
  • تحليل قواعد الإثبات والخبرة المحاسبية في منازعات الشركاء.
  • دراسة الأحكام القانونية المتعلقة بتعيين الحارس القضائي (القيم).
  • بيان العلاقة بين دعوى المحاسبة ودعوى التصفية.
  • استخلاص المبادئ المستقرة في قضاء محكمة التمييز الأردنية وتحليلها ونقدها.
  • تقديم رؤية علمية تسهم في توحيد التطبيق القضائي واقتراح ما يلزم من تطوير تشريعي.

 

أهمية الدراسة

تستمد هذه الدراسة أهميتها من عدة اعتبارات، أهمها:

  • تناولها موضوعاً يكثر عرضه أمام القضاء الأردني، في ظل ندرة الدراسات المتخصصة التي تجمع بين الجوانب التشريعية والقضائية.
  • اعتمادها على تحليل موسع لاجتهادات محكمة التمييز الأردنية الحديثة، بما يسمح باستقراء الاتجاه القضائي المستقر.
  • معالجتها للترابط بين دعوى المحاسبة والحراسة القضائية والتصفية والدعوى المشتقة والدعوى الفردية للمساهم، وهي موضوعات غالباً ما تختلط في التطبيق العملي.
  • تقديمها مرجعاً عملياً للقضاة والمحامين والباحثين في منازعات الشركات.

 

منهج الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على المنهج التأصيلي التحليلي المقارن، وذلك من خلال:

  • تحليل النصوص القانونية ذات الصلة في قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات.
  • استقراء وتحليل أحكام محكمة التمييز الأردنية، ولا سيما القرارات الحديثة التي أرست مبادئ مؤثرة في موضوع المحاسبة بين الشركاء، والحراسة القضائية، والتصفية.
  • الاستفادة من الفقه القانوني الأردني والعربي، وإجراء المقارنات اللازمة مع بعض التطبيقات القضائية المقارنة كلما اقتضت طبيعة البحث ذلك.
  • استخلاص المبادئ العامة وتقييم الاتجاهات القضائية وبيان مدى اتساقها مع النصوص التشريعية.

 

الباب الأول: االإطار القانوني لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

الفصل الأول: ماهية دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

المبحث الأول: مفهوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

أولاً: تمهيد

تُعد دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء من الدعاوى ذات الطبيعة الخاصة في القانون المدني والتجاري، إذ لا يقصد منها ابتداءً المطالبة بمبلغ مالي محدد، وإنما تهدف إلى الكشف عن المركز المالي الحقيقي للعلاقة التي تربط الشركاء، وبيان الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهم تمهيداً للوصول إلى الرصيد النهائي المستحق لكل منهم. ولهذا فإنها تختلف في طبيعتها وأهدافها عن دعوى المطالبة بالدين أو دعوى التعويض أو دعوى تنفيذ الالتزام، لأنها لا تنطلق من دين ثابت ومحدد، وإنما من علاقة مالية متشابكة تستوجب إجراء تصفية حسابية دقيقة قبل تحديد مقدار الحق المطالب به.

وتبرز أهمية هذه الدعوى في الشركات التي تقوم على الاعتبار الشخصي، كشركات التضامن والمحاصة، كما تظهر في الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة في بعض الحالات التي يدعي فيها أحد الشركاء أو المساهمين إخلال المدير أو الشريك القائم بالإدارة بالتزامه بتقديم الحسابات أو توزيع الأرباح أو المحافظة على أموال الشركة.

كما تمتد تطبيقاتها إلى الأموال الشائعة متى انفرد أحد الشركاء بإدارة المال المشترك واستيفاء ريعه دون تقديم حساب لباقي الشركاء، وهو ما أكدته محكمة التمييز في عدد من أحكامها المتعلقة بالمحاسبة عن أجور العقارات المشتركة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في قرارها الصادر بتاريخ 29/12/2022 الذي اعتبر أن للشريك على الشيوع الحق في مطالبة من استأثر بإدارة المال المشترك بإجراء المحاسبة عن الإيرادات والأجور المستوفاة، مع خضوع هذه الدعوى للقواعد العامة في الإثبات ووجوب مناقشة جميع البينات المتعلقة بادعاء إجراء المحاسبة السابقة.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة لا تنشئ الحق، وإنما تكشف عنه، فهي وسيلة قانونية للوصول إلى الرصيد النهائي بعد مراجعة الإيرادات والمصروفات والالتزامات المتبادلة، الأمر الذي يجعلها مرحلة لازمة في كثير من المنازعات قبل إمكان الحكم بمبلغ معين أو تقرير مسؤولية أحد الشركاء.

 

ثانياً: التعريف الفقهي لدعوى المحاسبة

لم يضع المشرع الأردني تعريفاً لدعوى إجراء المحاسبة، شأنه في ذلك شأن غالبية التشريعات العربية، تاركاً أمر تحديد مفهومها للفقه والاجتهاد القضائي.

 

وقد عرفها الفقه بأنها:

الدعوى التي يقيمها أحد أطراف العلاقة القانونية التي تقتضي تبادل الحسابات، بقصد إلزام الطرف الآخر بتقديم كشف تفصيلي بجميع العمليات المالية التي أجراها لحساب العلاقة المشتركة، تمهيداً لتحديد الرصيد النهائي المستحق لكل طرف.

 

كما عرفت بأنها:

وسيلة قضائية تهدف إلى تصفية الحسابات الناشئة عن علاقة قانونية مستمرة أو مركبة، يكون أحد أطرافها قد انفرد بالإدارة أو القبض أو الإنفاق أو الاستثمار، بحيث يتعذر تحديد الحقوق المالية إلا بعد مراجعة جميع العمليات الحسابية المتعلقة بتلك العلاقة.

ويستفاد من هذين التعريفين أن جوهر الدعوى لا يتمثل في المطالبة بمبلغ مالي محدد، وإنما في إلزام الخصم بكشف الحساب وإجراء المحاسبة، ثم تحديد الرصيد النهائي الذي قد يثبت لمصلحة أي من الطرفين.

 

ثالثاً: التعريف القضائي لدعوى المحاسبة

على الرغم من أن محكمة التمييز الأردنية لم تضع تعريفاً مباشراً لدعوى المحاسبة، إلا أن أحكامها المتعاقبة رسمت معالمها القانونية من خلال التطبيقات العملية.

فقد قررت في العديد من أحكامها أن الغاية من الدعوى هي الوصول إلى تحديد الحقوق المالية بعد مراجعة الحسابات، وأن المحكمة لا تستطيع الحكم بالمبالغ المطالب بها إلا بعد إجراء المحاسبة وفق الأصول متى كانت طبيعة العلاقة تقتضي ذلك.

 

كما بينت المحكمة أن دعوى المحاسبة تختلف باختلاف مصدر العلاقة القانونية، فقد تكون ناشئة عن:

عقد شركة، شركة محاصة، شركة مضاربة، إدارة مال شائع، إدارة أحد الشركاء لأموال الشركة، علاقة مدير الشركة بالشركة.

 

ومن أبرز التطبيقات القضائية في هذا المجال:

قرار محكمة التمييز رقم 3342/2023، الذي أكد حق الشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة في طلب إجراء المحاسبة وبيان الأرباح وحصته منها، مع إلزام المحكمة بتمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات والدفاتر الموجودة تحت يد الشركة أو المدير قبل الفصل في الدعوى، وعدم ردها بسبب نقص المستندات التي يحتفظ بها الخصم.

قرار محكمة التمييز رقم 9490/2023، الذي ميز بين دعوى المحاسبة ودعوى استرداد أموال الشركة، وقرر أن مطالبة الشركة مديرها أو أحد شركائها برد الأموال التي قبضها لحسابها ليست دعوى محاسبة بين الشركاء، وإنما دعوى لاسترداد أموال الشركة، وهو تمييز بالغ الأهمية في التكييف القانوني للدعوى.

قرار محكمة التمييز رقم 1338/2024، الذي قرر أن دعوى المحاسبة في شركة المحاصة توجه إلى الشريك الظاهر، وأن وجود شركة محاصة لا يمنع إقامة دعوى المحاسبة رغم عدم وجود شخصية معنوية مستقلة لها، مع جواز إثباتها بجميع طرق الإثبات.

قرار محكمة التمييز رقم 2785/2023، الذي فرق بين دعوى المحاسبة، ودعوى استرداد الحصة، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، مؤكداً أن تحديد طبيعة الحق المدعى به هو الذي يرسم حدود الدعوى والخصومة والآثار القانونية المترتبة عليها.

ومن استقراء هذه الأحكام يتبين أن القضاء الأردني ينظر إلى دعوى المحاسبة باعتبارها دعوى كاشفة للحقوق وليست منشئة لها، وأنها تهدف إلى تحديد المركز المالي الحقيقي للأطراف قبل القضاء بأي مبلغ.

 

رابعاً: خصائص دعوى المحاسبة

يمكن استخلاص عدد من الخصائص التي تميز دعوى المحاسبة عن غيرها من الدعاوى، وهي:

 

1- أنها دعوى حسابية مركبة

فهي لا تقوم على التزام بسيط أو دين محدد، وإنما على مجموعة من العمليات المالية المتبادلة التي تستوجب المراجعة والتدقيق واستخراج الرصيد النهائي.

 

2- أنها دعوى كاشفة وليست منشئة

فالمحاسبة لا تنشئ الحق، وإنما تكشف عن وجوده ومقداره، ولذلك قد تنتهي إلى ثبوت حق للمدعي أو للمدعى عليه، بحسب نتيجة الحساب.

 

3- أنها تستلزم وجود علاقة قانونية سابقة

فلا تقبل دعوى المحاسبة استقلالاً دون وجود علاقة قانونية تبرر تبادل الحسابات، كالشركة، أو الوكالة، أو الإدارة، أو الشيوع، أو المضاربة.

 

4- أنها كثيراً ما تستلزم الاستعانة بالخبرة

غير أن الخبرة في هذه الدعوى ليست وسيلة لإثبات أصل الحق، وإنما وسيلة فنية لتقدير الحقوق التي ثبتت بالأدلة القانونية، وهو ما قررته الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قرارها رقم 813/2022 عندما أكدت أن الخبرة وسيلة لتقدير الدليل وليست وسيلة لإثباته، وأن الخبير لا يجوز له إنشاء الوقائع أو جمع الأدلة من خارج ملف الدعوى، وإنما يقتصر دوره على احتساب الحقوق وفق البينات المقدمة.

 

5- أنها ترتبط غالباً بطلبات أخرى

فالواقع العملي يكشف أن دعوى المحاسبة كثيراً ما تقترن بطلبات أخرى، مثل:

تعيين حارس قضائي (قيم)، عزل المدير، إخراج الشريك، تصويب الحصص، فسخ الشركة، تصفيتها، تعيين مصفٍ.

وهذا ما سنعالجه تفصيلاً في الأبواب اللاحقة من هذه الدراسة.

 

 

المبحث الثاني: الطبيعة القانونية لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

أولاً: تمهيد

تحديد الطبيعة القانونية لأي دعوى ليس مجرد بحث نظري، وإنما يترتب عليه آثار عملية بالغة الأهمية، إذ يتحدد من خلاله أساس الدعوى، والاختصاص القضائي، وعبء الإثبات، ونطاق الخصومة، وسلطة المحكمة، وحتى الحكم الذي يجوز للمحكمة إصداره. ويزداد هذا الأمر أهمية في دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء، نظراً لتعدد الصور التي قد تظهر بها المنازعة، فقد تبدو لأول وهلة مطالبة مالية، بينما تكون في حقيقتها دعوى محاسبة، وقد يصفها المدعي بأنها دعوى محاسبة، في حين يتبين للمحكمة أنها دعوى مسؤولية ضد المدير، أو دعوى استرداد أموال الشركة، أو دعوى تصفية، أو دعوى تعويض.

ومن هنا، فإن التكييف القانوني الصحيح لهذه الدعوى يمثل نقطة البداية في التطبيق القضائي السليم، وهو ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في أكثر من حكم عندما قررت أن تكييف الدعوى والعلاقة القانونية هو من سلطة المحكمة، ولا تتقيد المحكمة بالوصف الذي يسبغه الخصوم على دعواهم، وهو ما ظهر بوضوح في قرارها رقم 7170/2024 الذي اعتبر أن المحكمة هي صاحبة الولاية في تحديد الطبيعة القانونية للنزاع وترتيب الآثار القانونية المترتبة عليه، بصرف النظر عن الألفاظ التي استخدمها الخصوم في لوائحهم.

كما كرست هذا الاتجاه في قرارها الصادر في 24/10/2023 عندما كيفت العلاقة بين طرفي الدعوى بأنها شركة مضاربة وليست شركة محاصة، رغم تمسك الطاعنة بتطبيق أحكام شركة المحاصة وقانون الأوراق المالية، وانتهت إلى أن الطريق القانوني الصحيح بعد انتهاء المضاربة هو المحاسبة والتصفية، وليس المطالبة المباشرة برد رأس المال والأرباح المقطوعة.

 

ثانياً: دعوى المحاسبة دعوى تقريرية تمهيدية

يرى الباحث أن أول ما يميز دعوى المحاسبة أنها دعوى تقريرية (Declaratory Action) ، لا يقصد منها ابتداءً إلزام المدعى عليه بدفع مبلغ مالي محدد، وإنما تهدف إلى تقرير المركز المالي الحقيقي للعلاقة بين الطرفين، وإظهار الرصيد النهائي الناتج عن العمليات الحسابية المتبادلة.

ويترتب على هذه الطبيعة عدة نتائج مهمة:

أولها، أن المدعي قد لا يكون قادراً عند إقامة الدعوى على تحديد مقدار حقه تحديداً دقيقاً، لأن هذا المقدار يتوقف على مراجعة الدفاتر والقيود والحسابات الموجودة غالباً تحت يد المدير أو الشريك القائم بالإدارة، وهو ما يبرر إقامة دعوى المحاسبة ابتداءً.

وثانيها، أن الحكم الصادر في دعوى المحاسبة لا ينشئ الحق، وإنما يكشف عن وجوده ومقداره، فالحق يكون قائماً قبل إقامة الدعوى، إلا أن مقداره يظل مجهولاً إلى أن تنتهي المحكمة من مراجعة الحسابات وإجراء الخبرة عند الاقتضاء.

وثالثها، أن المحكمة لا تستطيع الحكم بالمبلغ المطالب به إلا بعد استكمال مرحلة المحاسبة، لأن الرصيد النهائي قد يكون لمصلحة المدعي، وقد يكون لمصلحة المدعى عليه، أو قد ينتهي إلى براءة ذمة الطرفين.

ومن التطبيقات العملية لذلك ما استقرت عليه محكمة التمييز من أن مطالبة الشريك بحصته من الأرباح في الشركة ذات المسؤولية المحدودة تقتضي أولاً إجراء المحاسبة والاطلاع على دفاتر الشركة وسجلاتها قبل تحديد ما إذا كانت أرباح قابلة للتوزيع قد تحققت فعلاً، وهو ما أكدته في قرارها رقم 3342/2023 عندما اعتبرت أن رد الدعوى قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات الموجودة تحت يد الشركة أو المدير يعد مخالفاً للقانون.

 

ثالثاً: دعوى المحاسبة ليست دعوى مطالبة بدين

من أكثر الأخطاء شيوعاً في التطبيق العملي اعتبار دعوى المحاسبة مجرد دعوى مطالبة بدين، مع أن الفارق بينهما جوهري.

ففي دعوى المطالبة بالدين يكون الدين محدداً وثابتاً ومعلوماً وقت إقامة الدعوى، ولا يبقى أمام المحكمة سوى التحقق من وجوده وإلزام المدين بأدائه.

أما في دعوى المحاسبة، فإن أصل العلاقة المالية قد يكون ثابتاً، إلا أن مقدار الحق لا يكون معلوماً، إذ يتوقف على مراجعة الحسابات واستخراج الرصيد النهائي.

ولذلك فإن عبء المحكمة في دعوى المحاسبة أوسع بكثير، لأنها لا تقتصر على التحقق من وجود الالتزام، وإنما تبحث أيضاً في الإيرادات، والمصروفات، والالتزامات، والدفعات، والمبالغ المقبوضة، والنفقات المشتركة، وما إذا كانت هناك محاسبة سابقة بين الأطراف.

وقد أبرزت محكمة التمييز هذا الفارق في قرارها رقم 9490/2023 عندما فرقت بين دعوى المحاسبة ودعوى الشركة الرامية إلى استرداد الأموال التي قبضها مديرها ولم يوردها إلى ذمتها، وقررت أن الدعوى الأخيرة ليست دعوى محاسبة، وإنما دعوى استرداد أموال الشركة، وأن مهمة الخبير فيها تختلف عن مهمته في دعوى المحاسبة.

 

رابعاً: دعوى المحاسبة ليست دعوى تصفية

ورغم الترابط الوثيق بين المحاسبة والتصفية، إلا أنهما يختلفان من حيث الطبيعة والغاية.

فالمحاسبة تهدف إلى تحديد الحقوق والالتزامات المالية الناشئة عن العلاقة القائمة بين الشركاء، وقد تتم أثناء استمرار الشركة أو بعد انقضائها.

أما التصفية، فهي مرحلة قانونية تلي انقضاء الشركة، وتهدف إلى إنهاء شخصيتها القانونية، وسداد ديونها، وتحويل موجوداتها إلى نقود، ثم توزيع صافي أموالها على الشركاء.

ومن ثم، فإن المحاسبة قد تكون وسيلة من وسائل التصفية، لكنها ليست التصفية ذاتها.

وقد كرست محكمة التمييز هذا التمييز في أكثر من حكم، ولا سيما في القرار المتعلق بعقد المضاربة، عندما قررت أن انتهاء العلاقة بانتهاء مدتها يقتضي إجراء المحاسبة والتصفية قبل المطالبة برد رأس المال، وأن مطالبة الشريك باسترداد حصته مباشرة تكون سابقة لأوانها متى كانت التصفية لم تتم بعد.

 

خامساً: دعوى المحاسبة ليست دعوى مسؤولية

كثيراً ما تختلط دعوى المحاسبة بدعوى المسؤولية المدنية المقامة على المدير أو الشريك القائم بالإدارة، إلا أن لكل منهما نطاقاً مختلفاً.

فدعوى المحاسبة تهدف إلى كشف الحسابات وتحديد الرصيد المالي، دون أن يكون ثبوت الخطأ شرطاً لقبولها.

أما دعوى المسؤولية، فتقوم على أركان المسؤولية المدنية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، وتهدف إلى الحكم بالتعويض.

وقد أوضحت محكمة التمييز هذا الفارق في قرارها رقم 2785/2023، عندما ميزت بين الدعوى التي يقيمها المساهم لمصلحة الشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة، والدعوى الفردية التي يطالب فيها بالتعويض عن ضرر شخصي أصابه، مؤكدة أن تحديد طبيعة الضرر هو الذي يرسم حدود الدعوى ويحدد صاحب الحق في التعويض.

 

سادساً: الطبيعة المختلطة لدعوى المحاسبة

بعد استقراء النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، يخلص الباحث إلى أن دعوى المحاسبة تتمتع بطبيعة قانونية مختلطة، فهي تجمع بين عناصر موضوعية وأخرى إجرائية.

فهي من الناحية الموضوعية تستند إلى علاقة قانونية سابقة، كعقد الشركة أو الشيوع أو الوكالة أو المضاربة، وتستهدف تحديد الحقوق والالتزامات المالية الناشئة عنها.

ومن الناحية الإجرائية، تعتمد على وسائل خاصة في الإثبات، وفي مقدمتها إلزام الخصم بتقديم الدفاتر والسجلات، والاستعانة بالخبرة المحاسبية، ومناقشة الخبراء، وتوجيه اليمين الحاسمة عند الاقتضاء، وهي وسائل لا تظهر بهذه الكثافة في غالبية الدعاوى المدنية الأخرى.

وهذه الطبيعة المزدوجة هي التي تفسر كثرة الإشكالات العملية في دعاوى المحاسبة، وتبرر الحاجة إلى تنظيم تشريعي أكثر تفصيلاً يبين إجراءاتها وشروطها بصورة مستقلة.

 

النتائج الأولية للمبحث

ومن خلال ما تقدم، يمكن استخلاص النتائج الآتية:

  • دعوى المحاسبة دعوى تقريرية كاشفة للحقوق وليست منشئة لها.
  • الغاية منها تحديد الرصيد النهائي للعلاقة المالية بين الشركاء قبل القضاء بأي مبلغ.
  • تختلف عن دعوى المطالبة بالدين لاختلاف محل الالتزام ومرحلة تحديد الحق.
  • تختلف عن دعوى التصفية رغم الترابط الوثيق بينهما، إذ قد تكون المحاسبة مرحلة من مراحل التصفية دون أن تتطابق معها.
  • تختلف عن دعوى المسؤولية، لأن قبولها لا يتوقف على إثبات الخطأ، وإنما على وجود علاقة قانونية تستوجب تبادل الحسابات.
  • تتمتع بطبيعة قانونية مختلطة تجمع بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية، وهو ما يفسر خصوصيتها في التطبيق القضائي.

 

المبحث الثالث: الأساس القانوني لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

أولاً: تمهيد

تقوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء على فكرة قانونية جوهرية مؤداها أن العلاقة بين الشركاء ليست علاقة دائن بمدين، وإنما علاقة تعاون وائتمان وإدارة مشتركة لمال أو مشروع اقتصادي، يلتزم فيها كل شريك بمراعاة مصلحة الشركة وبقية الشركاء، ويترتب على ذلك التزام قانوني بتقديم الحساب عن الأعمال التي يجريها لحساب الشركة أو لحساب المال المشترك.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة لا تستند إلى نص واحد في التشريع الأردني، وإنما تقوم على مجموعة متكاملة من النصوص القانونية والمبادئ العامة، تتوزع بين قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، إضافة إلى المبادئ التي أرستها محكمة التمييز في اجتهادها المستقر.

ويلاحظ أن المشرع الأردني، بخلاف بعض التشريعات المقارنة، لم يضع تنظيماً مستقلاً لدعوى المحاسبة، الأمر الذي جعل القضاء يضطلع بدور أساسي في استنباط قواعدها وتحديد نطاقها، وهو ما أضفى على الاجتهاد القضائي أهمية خاصة في هذا المجال.

 

ثانياً: الأساس القانوني في قانون الشركات

يعد قانون الشركات المصدر التشريعي الأول لدعوى المحاسبة متى كانت العلاقة محل النزاع ناشئة عن شركة، إذ يقوم هذا القانون على مبدأ أساسي يتمثل في وجوب إدارة الشركة لمصلحة جميع الشركاء، وخضوع القائمين على الإدارة لالتزام دائم بالإفصاح والشفافية وتقديم الحسابات.

ويتجلى هذا الالتزام في عدة صور، أهمها:

  • التزام المدير بإدارة الشركة بعناية الشخص المعتاد.
  • إعداد البيانات المالية والميزانيات.
  • تمكين الشركاء من الاطلاع على الحسابات.
  • المحافظة على أموال الشركة وعدم خلطها بالأموال الخاصة.
  • توزيع الأرباح وفقاً للقانون وعقد الشركة.

ومن ثم، فإذا أخل المدير أو الشريك القائم بالإدارة بهذه الالتزامات، فإن دعوى المحاسبة تصبح الوسيلة القضائية الطبيعية لإلزامه بالكشف عن العمليات المالية التي أجراها.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها رقم 3342/2023 عندما قررت أن للشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة الحق في طلب إجراء المحاسبة وبيان الأرباح المستحقة له، وأن المحكمة لا يجوز لها رد الدعوى قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على دفاتر الشركة وسجلاتها الموجودة تحت يد المدير أو الشركة، لأن هذه المستندات هي الوسيلة الأساسية للكشف عن المركز المالي الحقيقي للشركة.

كما عززت المحكمة هذا الاتجاه في قرارها رقم 1616/2024، عندما اعتبرت أن امتناع الشريك المفوض في شركة التضامن عن تمكين بقية الشركاء من الاطلاع على دفاتر الشركة وقيودها، وعدم تقديم الحسابات لهم، يشكل إخلالاً جسيماً بالتزاماته القانونية، ويعد سبباً يبرر إخراجه من الشركة حفاظاً على استمرارها.

ويستفاد من ذلك أن الالتزام بتقديم الحسابات ليس مجرد التزام أدبي أو تنظيمي، وإنما هو التزام قانوني يترتب على مخالفته قيام المسؤولية وإمكان اللجوء إلى القضاء بطلب المحاسبة.

 

ثالثاً: الأساس القانوني في القانون المدني

إذا كان قانون الشركات ينظم الإطار المؤسسي للعلاقة بين الشركاء، فإن القانون المدني يمثل المصدر العام الذي تستند إليه دعوى المحاسبة، ولا سيما في المسائل التي لم يرد بشأنها نص خاص في قانون الشركات.

ويقوم هذا الأساس على عدة مبادئ قانونية، من أهمها:

1- مبدأ تنفيذ العقد بحسن نية

يعد عقد الشركة من عقود حسن النية، فلا يقتصر التزام الشريك على تنفيذ ما ورد صراحة في عقد الشركة، وإنما يمتد إلى جميع الالتزامات التي تفرضها طبيعة العلاقة والشرف والأمانة والثقة المتبادلة.

ومن مقتضيات حسن النية أن يقدم الشريك الذي يتولى الإدارة حساباً واضحاً عن الأموال التي قبضها أو أنفقها أو استثمرها لحساب الشركة.

2- الالتزام بتقديم الحساب

يقرر الفقه المدني أن كل من يتولى إدارة مال يعود لغيره يلتزم بتقديم حساب عن هذه الإدارة، سواء استندت الإدارة إلى وكالة أو شركة أو شيوع أو أي مصدر قانوني آخر.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة ليست مرتبطة بالشركة وحدها، وإنما تمتد إلى كل علاقة قانونية تستوجب تقديم الحساب.

3- منع الإثراء بلا سبب

إذا استأثر أحد الشركاء بإيرادات الشركة أو قبض الأموال دون توزيعها أو دون بيان كيفية التصرف بها، فإن بقاء هذه الأموال تحت يده دون محاسبة قد يؤدي إلى إثراء غير مشروع على حساب بقية الشركاء.

ومن هنا تعد دعوى المحاسبة وسيلة عملية لمنع هذا الإثراء وإعادة التوازن المالي بين أطراف العلاقة.

 

رابعاً: الأساس القانوني في قانون أصول المحاكمات المدنية

تستمد دعوى المحاسبة جانباً مهماً من أحكامها من قانون أصول المحاكمات المدنية، لأن نجاح هذه الدعوى يعتمد إلى حد كبير على الإجراءات التي تتخذها المحكمة أثناء نظرها.

 

ومن أهم هذه الإجراءات:

  • إلزام الخصوم بتقديم المستندات.
  • تكليف الغير بإبراز الدفاتر.
  • إجراء الخبرة المحاسبية.
  • مناقشة الخبراء.
  • إعادة الخبرة عند قصورها.
  • توجيه اليمين الحاسمة أو المتممة عند الاقتضاء.

وقد أولت محكمة التمييز أهمية كبيرة لهذه الإجراءات، واعتبرت أن إغفال المحكمة لطلبات الإثبات الجوهرية يؤدي إلى نقض الحكم.

ففي قرارها رقم 1338/2024 قررت أن امتناع المحكمة عن الفصل في طلب توجيه اليمين الحاسمة يشكل مخالفة جوهرية تستوجب نقض الحكم، لأن اليمين الحاسمة تعد من وسائل الإثبات التي يجوز للخصوم اللجوء إليها في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

كما قررت في حكمها الصادر بتاريخ 29/12/2022 أن إغفال المحكمة الرد على طلب توجيه اليمين الحاسمة بشأن واقعة إجراء المحاسبة السابقة يجعل الحكم سابقاً لأوانه، لأن هذه الواقعة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت ذمة المدعى عليه ما تزال مشغولة أم لا.

 

خامساً: الأساس القانوني في قانون البينات

تمثل قواعد الإثبات الركيزة العملية لدعوى المحاسبة، إذ لا يكفي الادعاء بوجود حق في الأرباح أو الإيرادات، وإنما يجب إثبات الوقائع المنشئة لهذا الحق.

وقد كرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذا المبدأ في قرارها رقم 813/2022 عندما قررت أن الأصل براءة الذمة، وأن المدعي هو المكلف بإثبات حقه، وأن الخبرة ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة لتقدير الحقوق التي ثبتت بالبينات القانونية.

ويعد هذا الحكم من أهم الأحكام المؤسسة لدعوى المحاسبة، لأنه رسم الحدود الفاصلة بين وظيفة الخصوم في الإثبات ووظيفة الخبير في التقدير، وقرر أن الخبير لا يجوز له إنشاء الدليل أو جمع المعلومات من خارج ملف الدعوى، وإنما يقتصر دوره على احتساب الحقوق وفقاً لما ثبت أمام المحكمة من بينات.

ويؤدي هذا المبدأ إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي أن دعوى المحاسبة لا تعفي المدعي من عبء الإثبات، وإنما تخفف عنه في حدود ما تكون المستندات والدفاتر تحت يد الخصم، إذ يظل ملزماً بإثبات وجود العلاقة القانونية ومصدر حقه والوقائع الأساسية التي يستند إليها في دعواه.

 

سادساً: الأساس المستمد من الاجتهاد القضائي

إذا كان التشريع قد رسم الإطار العام، فإن القضاء الأردني هو الذي وضع القواعد التفصيلية لدعوى المحاسبة.

ومن خلال الأحكام التي جمعناها يتبين أن محكمة التمييز أرست مجموعة من المبادئ، من أهمها:

  • أن دعوى المحاسبة دعوى مستقلة عن دعوى استرداد أموال الشركة.
  • أن الخبرة وسيلة تقدير وليست وسيلة إثبات.
  • أن مجرد وجود خلاف بين الشركاء لا يبرر تعيين حارس قضائي.
  • أن للشريك الحق في الاطلاع على الدفاتر والحسابات.
  • أن المحكمة تملك سلطة تكييف الدعوى بصرف النظر عن وصف الخصوم لها.
  • أن المحاسبة قد تكون لازمة قبل التصفية أو قبل المطالبة بالحقوق المالية النهائية.
  • أن تحديد طبيعة العلاقة القانونية بين الأطراف هو الأساس الذي يبنى عليه تحديد نوع الدعوى والإجراءات الواجبة الاتباع.

ويلاحظ أن هذه المبادئ لم تصدر في حكم واحد، وإنما تكونت عبر سلسلة من الأحكام الحديثة، الأمر الذي يدل على أن القضاء الأردني يسير نحو بناء نظرية قضائية متكاملة لدعوى المحاسبة، رغم غياب تنظيم تشريعي مستقل لها.

 

الفصل الثاني: الأساس القانوني للالتزام بالمحاسبة بين الشركاء

تمهيد

لا تنشأ دعوى المحاسبة من مجرد رغبة أحد الشركاء في معرفة المركز المالي للشركة، وإنما تستند إلى التزام قانوني سابق يقع على عاتق كل من يتولى إدارة مال مشترك أو يتصرف في أموال الشركة لحسابها. فالمحاسبة ليست التزاماً اتفاقياً فحسب، بل هي التزام يفرضه القانون كلما وجد شخص يدير أموالاً لا تخصه وحده، أو يتصرف فيها لحساب الغير.

ومن هنا، فإن الالتزام بالمحاسبة لا يعد أثراً من آثار الخصومة القضائية، وإنما هو التزام سابق على إقامة الدعوى، تنشأ الدعوى بسبب الإخلال به، ويكون القضاء وسيلة لإجبار الممتنع عن تنفيذه.

ويلاحظ أن هذا الالتزام لا يقوم على مصدر واحد، وإنما تتعدد مصادره بحسب طبيعة الشركة ونوع العلاقة بين أطرافها، فقد يكون مصدره عقد الشركة، أو نصوص قانون الشركات، أو أحكام القانون المدني، أو المبادئ العامة التي تحكم إدارة المال المشترك.

 

المبحث الأول: عقد الشركة باعتباره المصدر الأول للالتزام بالمحاسبة

يعد عقد الشركة المصدر المباشر لالتزام الشريك أو المدير بتقديم الحساب، لأن الشركة ليست مجرد تجميع لرؤوس الأموال، وإنما رابطة قانونية تقوم على التعاون وتحقيق غاية مشتركة، ويترتب على هذه الرابطة التزامات متبادلة بين الشركاء، أهمها الالتزام بالإفصاح والشفافية وعدم الاستئثار بالمعلومات المالية.

ويتميز عقد الشركة عن كثير من العقود الأخرى بأنه من عقود التنفيذ المستمر، إذ لا تنتهي التزامات أطرافه بمجرد إبرامه، وإنما تستمر طوال حياة الشركة، الأمر الذي يجعل الالتزام بالمحاسبة التزاماً دورياً ومتجدداً.

ومن هذا المنطلق، فإن كل عملية مالية يجريها المدير أو الشريك المفوض لحساب الشركة تدخل في نطاق التزامه بتقديم الحساب، سواء تعلقت بقبض الإيرادات، أو سداد النفقات، أو إبرام العقود، أو إدارة الموجودات، أو توزيع الأرباح.

ولا يقتصر هذا الالتزام على المدير المعين في عقد الشركة، بل يمتد إلى كل شريك يتولى الإدارة الفعلية، ولو لم يكن يحمل صفة المدير رسمياً، لأن العبرة في الالتزام بالمحاسبة ليست بالصفة الشكلية، وإنما بمباشرة الإدارة والتصرف في الأموال.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها رقم 7170/2024 عندما اعتبرت أن الشخص الذي انفرد بإدارة المشروع، وتحصيل الإيرادات، والتصرف بالحسابات، يصبح ملزماً بتقديم الحساب متى ثبتت إدارته الفعلية للمشروع، بغض النظر عن الوصف الذي يطلقه الخصوم على هذه العلاقة.

 

المبحث الثاني: الالتزام بالمحاسبة باعتباره أثراً لمبدأ حسن النية

من المبادئ الراسخة في القانون المدني أن العقود يجب تنفيذها وفقاً لما يوجبه حسن النية، ولا يقف هذا الالتزام عند تنفيذ البنود الصريحة للعقد، وإنما يمتد إلى كل ما تقتضيه طبيعة الالتزام والأمانة والثقة المتبادلة.

وتبرز أهمية هذا المبدأ في عقد الشركة أكثر من غيره من العقود، لأن الشركة تقوم على الاعتبار الشخصي والثقة المتبادلة، ولا يمكن تصور استمرارها إذا استأثر أحد الشركاء بالمعلومات المالية أو أخفى الحسابات عن بقية الشركاء.

ومن ثم فإن التزام المدير أو الشريك المفوض بتقديم الحساب لا يعد مجرد التزام محاسبي، وإنما هو تطبيق مباشر لمبدأ حسن النية في تنفيذ عقد الشركة.

ولهذا السبب اعتبرت محكمة التمييز أن امتناع الشريك المفوض عن تمكين بقية الشركاء من الاطلاع على الدفاتر والسجلات، وعدم تقديم الحسابات، يشكل إخلالاً جسيماً بالتزاماته القانونية، ويبرر إخراجه من الشركة إذا أدى ذلك إلى تعطيل أعمالها أو الإضرار بمصالحها، كما جاء في قرارها رقم 1616/2024.

ويكشف هذا الاتجاه عن أن القضاء الأردني لم يعد ينظر إلى المحاسبة بوصفها مجرد إجراء مالي، وإنما باعتبارها التزاماً قانونياً جوهرياً يضمن احترام مبدأ حسن النية داخل الشركة.

 

المبحث الثالث: الالتزام بالمحاسبة باعتباره أثراً لإدارة مال الغير

إذا كان عقد الشركة يمثل المصدر التقليدي للالتزام بالمحاسبة، فإن هذا الالتزام قد يقوم حتى في غياب عقد شركة بالمعنى الفني، متى تولى شخص إدارة مال يملكه غيره أو يشترك فيه معه.

ولهذا نجد أن القضاء الأردني لم يقصر دعوى المحاسبة على الشركات، وإنما أجازها أيضاً في الأموال الشائعة، حيث انفرد أحد الشركاء بإدارة العقارات المشتركة وقبض أجورها دون تقديم حساب لبقية الشركاء.

وفي القرار الصادر بتاريخ 29/12/2022، أقرت محكمة التمييز بحق الشريك على الشيوع في مطالبة من استأثر بإدارة العقارات المشتركة بإجراء المحاسبة عن جميع الإيرادات المتحققة، كما أكدت أن ادعاء المدعى عليه بإجراء محاسبة سابقة يعد واقعة جوهرية يجب بحثها من خلال البينات واليمين الحاسمة عند الاقتضاء.

ويؤكد هذا الحكم أن مصدر الالتزام بالمحاسبة ليس وجود الشركة وحده، وإنما قيام شخص بإدارة مال مشترك أو التصرف فيه لحساب غيره.

 

المبحث الرابع: الالتزام بالمحاسبة في ضوء الشخصية المعنوية للشركة

من أهم التطورات التي شهدها القضاء الأردني في السنوات الأخيرة التمييز بين المحاسبة التي تكون مستحقة للشركة، والمحاسبة التي تكون مستحقة للشريك.

فالمدير قد يكون ملتزماً بتقديم الحساب للشركة باعتبارها شخصاً اعتبارياً مستقلاً، وليس لكل شريك على حدة، كما أن بعض الحقوق تكون للشركة وحدها، ولا يجوز للشريك المطالبة بها باسمه الشخصي.

وقد أكدت محكمة التمييز هذه القاعدة في أكثر من حكم، أبرزها القراران 7170/2024 و659/2023، إذ قررت أن الشخصية المعنوية للشركة تقتضي أن تكون الخصومة متجهة إلى الشركة متى كان الحق المطالب به من حقوقها، وأن الضرر الواقع على أموال الشركة لا يتحول تلقائياً إلى حق شخصي لكل شريك، وإنما يبقى حقاً للشركة ذاتها.

 

ويترتب على هذا التمييز نتائج عملية بالغة الأهمية، منها:

تحديد الخصم الصحيح في دعوى المحاسبة.

تحديد صاحب الصفة في المطالبة.

التمييز بين الدعوى الفردية للشريك والدعوى التي ترفع لمصلحة الشركة.

تحديد الجهة التي يؤول إليها المبلغ المحكوم به.

وسيكون لهذه المسألة أثر بالغ عند بحث شروط قبول الدعوى وصحة الخصومة في الباب الثاني من هذه الدراسة.

 

تعليق الباحث (إضافة علمية)

وأرى أن الاجتهاد القضائي الأردني قد تجاوز النظرة التقليدية لدعوى المحاسبة باعتبارها مجرد وسيلة لتحديد الأرباح، وأرسى مفهوماً أكثر شمولاً يقوم على أن الالتزام بالمحاسبة هو التزام قانوني مستقل ينشأ بمجرد إدارة مال مشترك أو مال مملوك لشخص اعتباري، وأن هذا الالتزام يستمد وجوده من طبيعة العلاقة القانونية ذاتها، لا من وجود نص خاص يفرضه.

ومن ثم، فإن الامتناع عن تقديم الحساب لا يمثل مجرد إخلال بالتزام عقدي، وإنما يشكل إخلالاً بمبدأ الشفافية والائتمان الذي تقوم عليه جميع العلاقات القانونية التي تتضمن إدارة أموال الغير. وهذا الاتجاه، في تقديري، يمثل نواةً لنظرية عامة في القانون الأردني يمكن تسميتها “نظرية الالتزام بالمحاسبة في علاقات الإدارة المشتركة”، وهي نظرية تتجاوز نطاق الشركات لتشمل الوكالة، والشيوع، والمضاربة، وشركة المحاصة، وكل علاقة يكون فيها أحد الأطراف ممسكاً بالحسابات أو متصرفاً بالأموال المشتركة.

 

الباب الثاني: شروط قبول دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

تمهيد

لا يكفي لنجاح دعوى المحاسبة أن يدعي أحد الشركاء وجود حقوق مالية له في ذمة شريك آخر، بل يجب أن تتوافر مجموعة من الشروط الموضوعية والإجرائية التي تجعل الدعوى مقبولة ابتداءً وقابلة للفصل في موضوعها.

ولم ينظم المشرع الأردني هذه الشروط في نصوص مستقلة، وإنما استخلصتها محكمة التمييز من القواعد العامة في قانون الشركات والقانون المدني وقانون أصول المحاكمات المدنية وقانون البينات، حتى أصبحت تشكل منظومة قضائية متكاملة تحكم هذا النوع من الدعاوى.

ومن خلال استقراء الأحكام التي جمعناها، يمكن القول إن شروط قبول دعوى المحاسبة تنقسم إلى نوعين:

شروط موضوعية تتعلق بوجود الحق ذاته، شروط إجرائية تتعلق بطريقة ممارسة هذا الحق أمام القضاء، وسوف نتناول كل شرط بصورة مستقلة.

 

الفصل الأول: الشروط الموضوعية لقبول دعوى المحاسبة

 

المبحث الأول: وجود علاقة قانونية تستوجب المحاسبة

يعد هذا الشرط الركن الأساسي في دعوى المحاسبة، إذ لا تقوم هذه الدعوى في فراغ، وإنما تستند دائماً إلى علاقة قانونية سابقة توجب على أحد الأطراف تقديم حساب للطرف الآخر.

فإذا انتفت هذه العلاقة، انتفى الالتزام بالمحاسبة من أساسه.

ولهذا فإن المحكمة تبدأ دائماً ببحث مصدر العلاقة القانونية قبل الانتقال إلى بحث الحسابات.

وقد تكون هذه العلاقة:

عقد شركة، شركة محاصة، شركة تضامن، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة، مضاربة، شيوع، وكالة، إدارة مال الغير.

أما إذا كانت العلاقة مجرد دين عادي، أو قرض، أو بيع، أو التزام مستقل لا يقتضي إدارة أموال مشتركة، فلا محل لإقامة دعوى المحاسبة، وإنما تكون الدعوى دعوى مطالبة مالية عادية.

 

سلطة المحكمة في تكييف العلاقة

من المبادئ الراسخة في القضاء الأردني أن المحكمة غير مقيدة بالتكييف الذي يسبغه الخصوم على العلاقة القانونية.

فقد يصف المدعي العلاقة بأنها شركة محاصة، بينما ترى المحكمة أنها مضاربة، وقد يصفها بأنها مطالبة مالية، بينما ترى المحكمة أنها دعوى محاسبة.

وقد كرست محكمة التمييز هذا المبدأ بصورة واضحة في القرار الصادر بتاريخ 24/10/2023 عندما رفضت اعتبار العلاقة شركة محاصة، وكيفتها بأنها شركة مضاربة، ورتبت على ذلك وجوب إجراء المحاسبة والتصفية قبل المطالبة برد رأس المال، كما أكدت في القرار 7170/2024 أن تكييف العلاقة القانونية من سلطة المحكمة، لا من سلطة الخصوم.

 

المبحث الثاني: وجود إدارة فعلية للأموال المشتركة

لا يكفي وجود شركة حتى تقبل دعوى المحاسبة، وإنما يجب أن يكون المدعى عليه قد باشر إدارة الأموال أو قبض الإيرادات أو تصرف بالحسابات.

فإذا لم يثبت أنه كان يدير الأموال أو يستوفي الإيرادات، انتفى موجب إلزامه بالمحاسبة.

 

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين:

الشريك العادي، الشريك المدير، المدير المفوض، المدير الفعلي.

فالالتزام بالمحاسبة يتعلق بالإدارة، وليس بمجرد صفة الشريك.

وقد أبرزت محكمة التمييز هذا المعنى في القرار 7170/2024 عندما استخلصت من الوقائع أن أحد الشركاء هو الذي كان يدير المشروع، ويوقع العقود، ويقبض الإيرادات، ويشرف على المحاسب، ومن ثم اعتبرت أن المطالبة بالمحاسبة تتجه إليه بوصفه مديراً فعلياً.

كما ظهر هذا الاتجاه في قرار 1616/2024 عندما اعتبرت المحكمة أن امتناع الشريك المفوض عن تقديم الحسابات للشركاء يعد إخلالاً يبرر إخراجه من الشركة.

 

المبحث الثالث: وجود عمليات مالية قابلة للمحاسبة

لا تقبل دعوى المحاسبة إذا لم تكن هناك عمليات مالية تستوجب مراجعتها.

ويشترط أن يكون النزاع متعلقاً بأمور مثل:

الإيرادات، الأرباح، المصروفات، النفقات، الرواتب، التحصيلات، العقود، الذمم، الموجودات.

أما إذا كان النزاع يدور حول مسألة قانونية مجردة لا تتعلق بحسابات مالية، فإن دعوى المحاسبة تكون غير منتجة.

ولهذا السبب ميزت محكمة التمييز في القرار 9490/2023 بين دعوى المحاسبة وبين دعوى استرداد الأموال التي قبضها المدير لحساب الشركة، وقررت أن الأخيرة ليست دعوى محاسبة، لأن موضوعها لا يتمثل في مراجعة الحسابات، وإنما في إعادة أموال معلومة إلى ذمة الشركة.

 

المبحث الرابع: وجود مصلحة قانونية قائمة

الأصل أن الدعوى لا تسمع إلا إذا كان للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة وقائمة.

ويكتسب هذا الشرط أهمية خاصة في دعاوى المحاسبة، لأن بعض الحقوق تكون للشركة، وليس للشريك.

 

ومن ثم يجب التحقق أولاً:

هل المطالبة تخص الشركة؟ أم تخص الشريك شخصياً؟

وقد عالجت محكمة التمييز هذه المسألة في القرار 2785/2023 عندما ميزت بين الدعوى المشتقة التي يقيمها المساهم لمصلحة الشركة، والدعوى الفردية التي يقيمها للمطالبة بحق شخصي، كما أكدت في القرار 659/2023 أن الضرر الواقع على الشركة لا يتحول تلقائياً إلى ضرر شخصي لكل شريك، وأن التعويض في هذه الحالة يكون للشركة لا للشركاء.

ومن ثم، فإن من أول واجبات المحكمة تحديد صاحب الحق الحقيقي قبل الانتقال إلى بحث الحسابات.

 

المبحث الخامس: أن تكون الدعوى غير سابقة لأوانها

ويعد هذا الشرط من أكثر الشروط دقة في التطبيق.

فقد تكون المحاسبة واجبة، ولكن الوقت لم يحن بعد لإقامتها.

ومن أبرز صور ذلك:

المطالبة باسترداد رأس المال قبل انتهاء المضاربة، المطالبة بحصة الشريك قبل إجراء التصفية، المطالبة بالأرباح قبل اعتماد الميزانيات أو تحديد الأرباح القابلة للتوزيع، المطالبة بحقوق تتوقف على إجراء محاسبة أولية.

وقد كرست محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها الصادر بتاريخ 24/10/2023 عندما اعتبرت أن المطالبة باسترداد رأس المال مباشرة بعد انتهاء عقد المضاربة تعد سابقة لأوانها، لأن الطريق الصحيح يبدأ بإجراء المحاسبة، ثم التصفية، ثم تحديد نصيب كل طرف.

كما انتهت في قرار 3342/2023 إلى أن رد دعوى المحاسبة قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات يجعل الحكم سابقاً لأوانه، لأن المحكمة لم تستكمل الوسائل اللازمة للوصول إلى الحقيقة.

 

تعليق الباحث (إضافة علمية)

ومن خلال استقراء هذه الأحكام، أرى أن القضاء الأردني قد طور معياراً عملياً لقبول دعوى المحاسبة يمكن صياغته على النحو الآتي:

تقبل دعوى المحاسبة كلما وجدت علاقة قانونية تقتضي إدارة مال مشترك، وثبت أن المدعى عليه باشر الإدارة أو استأثر بالحسابات أو الإيرادات، وكانت هناك عمليات مالية غير محسومة تستوجب كشف الحساب، وكان المدعي هو صاحب المصلحة القانونية المباشرة، ولم تكن المطالبة متوقفة على إجراء قانوني سابق يجعل الدعوى سابقة لأوانها.

وهذا المعيار لا يرد في أي نص تشريعي، وإنما يمثل خلاصة الاتجاه القضائي لمحكمة التمييز الأردنية المستنبط من أحكامها الحديثة، وهو في تقديري يصلح لأن يكون معياراً قضائياً عاماً يمكن للمحاكم الاسترشاد به عند الفصل في دعاوى المحاسبة.

 

الفصل الثاني: الشروط الإجرائية لقبول دعوى إجراء المحاسبة

تمهيد

إذا كانت الشروط الموضوعية تحدد وجود الحق في إقامة دعوى المحاسبة، فإن الشروط الإجرائية تحدد إمكانية وصول المحكمة إلى الحقيقة القضائية.

فدعوى المحاسبة بطبيعتها تختلف عن غالبية الدعاوى المدنية، لأن الحق المدعى به لا يكون ثابتاً في وثيقة واحدة أو سند محدد، وإنما يستخلص من مجموعة كبيرة من القيود والسجلات والدفاتر والعقود والإيرادات والمصروفات التي تتوزع غالباً بين الشركة ومديرها أو الشريك القائم بالإدارة.

ولهذا السبب، فإن الإثبات في دعوى المحاسبة لا يقتصر على القواعد التقليدية، وإنما يمتد إلى وسائل خاصة كإلزام الخصوم بتقديم المستندات، والاستعانة بالخبرة المحاسبية، وتوجيه اليمين الحاسمة، ومناقشة الخبراء، والاطلاع على الدفاتر التجارية، وهي وسائل يتوقف عليها في كثير من الأحيان مصير الدعوى.

 

المبحث الأول: عبء الإثبات في دعوى المحاسبة

 

أولاً: الأصل العام

الأصل في القانون المدني الأردني أن البينة على من ادعى، وأن الأصل براءة الذمة، فلا يكلف المدعى عليه بإثبات البراءة، وإنما يقع على المدعي عبء إثبات الحق الذي يدعيه.

وينطبق هذا الأصل أيضاً على دعوى المحاسبة، إلا أن تطبيقه يثير إشكالية خاصة، لأن معظم المستندات التي تثبت الإيرادات والمصروفات والعمليات المالية تكون موجودة تحت يد المدير أو الشركة، وليس تحت يد الشريك الذي يطالب بالمحاسبة.

ومن هنا كان لا بد من التوفيق بين القاعدة العامة في الإثبات، وبين الطبيعة الخاصة لدعوى المحاسبة.

 

ثانياً: موقف محكمة التمييز

أرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز قاعدة تعد من أهم القواعد في هذا المجال، وذلك في قرارها رقم 813/2022، حيث قررت أن:

الأصل براءة الذمة، وأن المدعي هو المكلف بإثبات مصدر حقه، وأن الخبرة ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة لتقدير الحقوق الثابتة بالبينات القانونية.

وهذا المبدأ يترتب عليه نتائج مهمة:

لا يجوز للمدعي الاكتفاء بطلب الخبرة دون تقديم الحد الأدنى من الأدلة.

لا يجوز للخبير أن ينشئ وقائع جديدة.

لا يجوز للمحكمة أن تجعل الخبرة بديلاً عن الإثبات.

ويعد هذا القرار حجر الزاوية في تحديد عبء الإثبات في دعاوى المحاسبة.

 

ثالثاً: خصوصية دعوى المحاسبة

غير أن تطبيق هذا الأصل في دعاوى الشركات يجب أن يتم بحذر، لأن الشريك لا يستطيع غالباً الوصول إلى الدفاتر أو السجلات أو الحسابات البنكية للشركة.

ولهذا السبب، فإن القضاء الأردني لم يقف عند القاعدة التقليدية، وإنما طور تطبيقها بما ينسجم مع طبيعة الدعوى.

ففي القرار رقم 3342/2023 قررت محكمة التمييز أن المحكمة لا يجوز لها رد الدعوى بحجة نقص المستندات إذا كانت هذه المستندات موجودة تحت يد الشركة أو المدير، بل يتعين عليها استعمال سلطاتها القانونية لتمكين الخبراء من الاطلاع عليها، أو إلزام الخصم بتقديمها، لأن خلاف ذلك يؤدي إلى حرمان الشريك من حقه بسبب احتفاظ خصمه بالأدلة.

وهذا الاجتهاد يمثل، في تقديري، أحد أهم تطبيقات مبدأ العدالة الإجرائية في القضاء الأردني.

 

المبحث الثاني: المستندات والدفاتر التجارية

تحتل الدفاتر التجارية والسجلات المحاسبية مركز الصدارة في دعاوى المحاسبة، لأنها تمثل المصدر الرئيسي لاستخراج المركز المالي الحقيقي للشركة.

 

وتشمل هذه المستندات على سبيل المثال:

الميزانيات، دفاتر اليومية، كشوف الحسابات البنكية، القيود المحاسبية، عقود البيع والشراء، عقود الإيجار، كشوف الرواتب.

فواتير المصروفات، الإقرارات الضريبية، بيانات الضمان الاجتماعي، سجلات القبض والصرف.

ولا يجوز للمدير أو الشريك القائم بالإدارة الاحتجاج بعدم تقديم هذه المستندات إذا كانت تحت يده، لأن احتفاظه بها يفرض عليه التزاماً قانونياً بإبرازها عند قيام النزاع.

 

تعليق الباحث

وأرى أن القضاء الأردني لم يمنح حتى الآن الدفاتر التجارية المكانة التي تستحقها في دعاوى المحاسبة، إذ ما تزال بعض المحاكم تميل إلى الاكتفاء بالخبرة المجردة، مع أن الخبرة لا قيمة لها إذا لم تستند إلى دفاتر صحيحة ومستندات مكتملة.

ولهذا أقترح أن يتدخل المشرع مستقبلاً بالنص صراحة على إلزام المدير أو المفوض بالتوقيع بتقديم جميع السجلات المحاسبية خلال مدة محددة من تاريخ إقامة الدعوى، وإلا قامت قرينة قانونية على صحة ادعاءات الشريك طالب المحاسبة، على غرار بعض التشريعات المقارنة.

 

المبحث الثالث: الخبرة المحاسبية

 

أولاً: الطبيعة القانونية للخبرة

تعد الخبرة المحاسبية الوسيلة الفنية الأكثر استخداماً في دعاوى المحاسبة، إلا أنها ليست وسيلة إثبات مستقلة، وإنما وسيلة فنية تساعد المحكمة على فهم الأدلة والبيانات المحاسبية.

وقد حسمت الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذه المسألة في قرارها رقم 813/2022 عندما قررت أن:

الخبرة وسيلة لتقدير الدليل وليست وسيلة لإثباته.

ويعد هذا المبدأ من أهم المبادئ التي سنبني عليها هذا الفصل.

 

ثانياً: حدود مهمة الخبير

من خلال استقراء أحكام محكمة التمييز، يمكن تحديد مهمة الخبير في دعوى المحاسبة بما يلي:

مراجعة الدفاتر والسجلات، احتساب الإيرادات، احتساب المصروفات، تحديد الأرباح، احتساب نصيب كل شريك، بيان الرصيد النهائي.

ولا يجوز له إنشاء الوقائع، سماع الشهود خارج المحكمة، إجراء تحريات شخصية، سؤال الجيران أو العملاءن الاعتماد على التخمين.

وقد اعتبرت الهيئة العامة في قرارها رقم 813/2022 أن قيام الخبراء بالتحري وسؤال الناس لمعرفة دخل الملحمة ومصاريفها يمثل خروجاً عن المهمة الفنية الموكولة إليهم، ويجعل تقريرهم مخالفاً للأصول.

 

ثالثاً: رقابة المحكمة على الخبرة

لا يكفي أن تذكر المحكمة أنها اقتنعت بالخبرة، وإنما يجب أن تبين أسباب اقتناعها.

وقد شددت محكمة التمييز في القرار 9490/2023 على أن تقرير الخبرة إذا كان غامضاً أو غير معلل أو لم يبين كيفية الوصول إلى النتيجة، فلا يجوز للمحكمة أن تعتمد عليه، بل يتعين عليها مناقشة الخبراء أو إعادة الخبرة.

ويكشف هذا الاتجاه عن أن المحكمة ليست مجرد ناقل لنتيجة الخبرة، وإنما تمارس رقابة قانونية كاملة عليها.

 

المبحث الرابع: اليمين الحاسمة

من وسائل الإثبات ذات الأهمية الخاصة في دعاوى المحاسبة اليمين الحاسمة، ولا سيما عندما يدور النزاع حول وقائع لا يمكن إثباتها بالمستندات، مثل:

حصول محاسبة سابقة، تسلم الأرباح، قبض الحصص، الاتفاق الشفهي بين الشركاء.

وقد أكدت محكمة التمييز في القرار 1338/2024 أن المحكمة ملزمة بالفصل في طلب توجيه اليمين الحاسمة، وأن إغفالها هذا الطلب يشكل سبباً مستقلاً لنقض الحكم.

كما أكدت في قرارها الصادر بتاريخ 29/12/2022 أن طلب توجيه اليمين بشأن واقعة إجراء المحاسبة السابقة يعد طلباً جوهرياً لا يجوز للمحكمة تجاهله.

 

النتائج الأولية للفصل

ومن خلال ما تقدم يمكن استخلاص النتائج الآتية:

يظل الأصل أن عبء الإثبات يقع على المدعي، إلا أن طبيعة دعوى المحاسبة تفرض على المحكمة استخدام سلطاتها لإلزام الخصم بتقديم المستندات التي يحتفظ بها.

الدفاتر التجارية ليست مجرد وسيلة مساعدة، بل تمثل المصدر الرئيس لإجراء المحاسبة.

الخبرة المحاسبية وسيلة فنية لتقدير الحقوق، وليست وسيلة لإثبات الوقائع.

لا يجوز للخبير تجاوز مهمته الفنية إلى إنشاء الأدلة أو إجراء التحريات.

تمارس المحكمة رقابة كاملة على تقرير الخبرة، ويجب أن يكون التقرير معللاً ومبنياً على مستندات ثابتة.

اليمين الحاسمة تمثل وسيلة إثبات جوهرية في دعاوى المحاسبة، ويترتب على إغفال المحكمة الفصل في طلب توجيهها بطلان الحكم.

 

الفصل الثالث: شروط قبول دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

دراسة تحليلية في ضوء اجتهاد محكمة التمييز الأردنية

 

تمهيد

على الرغم من أن قانون الشركات الأردني والقانون المدني لم يضعا نصاً عاماً يحدد شروط إقامة دعوى المحاسبة بين الشركاء، إلا أن القضاء الأردني، وعلى رأسه محكمة التمييز، استطاع عبر عشرات الأحكام أن يرسم نظرية قضائية متكاملة لهذه الدعوى، بحيث لم يعد قبولها يخضع لمجرد الادعاء بوجود حق مالي، وإنما أصبح مشروطاً بتوافر عناصر قانونية محددة يمكن استخلاصها من الاتجاه القضائي المستقر.

ومن خلال الدراسة التحليلية للأحكام التي سبق جمعها، يمكن للباحث أن يستخلص أن القضاء الأردني يشترط لنجاح دعوى المحاسبة اجتماع سبعة شروط رئيسية، ويؤدي تخلف أحدها إلى رد الدعوى أو اعتبارها سابقة لأوانها.

وهذه الشروط ليست منصوصاً عليها في مادة واحدة، وإنما هي نتاج استقراء متكامل لأحكام محكمة التمييز، وهو ما يمنحها قيمة علمية وعملية خاصة.

 

الشرط الأول: وجود علاقة قانونية تستوجب تبادل الحسابات

يعد هذا الشرط حجر الأساس في دعوى المحاسبة، إذ لا يمكن تصور وجود التزام بالمحاسبة دون وجود علاقة قانونية سابقة تفرض على أحد الطرفين تقديم حساب للطرف الآخر.

 

وتتعدد مصادر هذه العلاقة، فقد تكون:

عقد شركة تضامن، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة، شركة محاصة، شركة مضاربة، إدارة مال شائع، وكالة، إدارة مال الغير.

ولا يكفي مجرد وجود علاقة مالية، وإنما يجب أن تكون طبيعتها تستوجب إدارة أموال أو قبض إيرادات أو الإنفاق لحساب مشترك.

ولهذا السبب رفضت محكمة التمييز في بعض الأحكام تكييف العلاقة بأنها شركة محاصة، واعتبرتها مضاربة تخضع للقانون المدني، ورتبت على ذلك آثاراً قانونية مختلفة، أهمها وجوب المحاسبة والتصفية قبل المطالبة بالحقوق المالية.

ويستخلص من ذلك أن المحكمة لا تتقيد بالتسمية التي يطلقها الخصوم على العلاقة، وإنما تبحث عن حقيقتها القانونية.

 

الشرط الثاني: وجود إدارة فعلية للأموال

لا يكفي أن يكون المدعى عليه شريكاً، بل يجب أن يكون قد أدار الشركة، قبض الأموال، استوفى الإيرادات.

وقع العقود، احتفظ بالحسابات، تصرف بالأموال المشتركة، فالالتزام بالمحاسبة لا ينشأ عن مجرد الشراكة، وإنما ينشأ عن الإدارة.

ولهذا نجد أن محكمة التمييز تميز دائماً بين:

الشريك المستثمر، والشريك المدير، والمدير الفعلي، والمدير المفوض، ولا تلزم بالمحاسبة إلا من ثبتت إدارته.

 

الشرط الثالث: وجود حسابات غير مصفاة

من المبادئ التي لم تُذكر صراحة في الفقه الأردني، ولكن يمكن استخلاصها من القضاء، أن المحاسبة لا تكون إلا إذا بقيت العلاقة المالية مفتوحة.

فإذا ثبت أن الحسابات أغلقت، جرت محاسبة نهائية، وقع مخالصة عامة، اعتمدت ميزانيات نهائية دون اعتراض، تمت التصفية، فلا يبقى محل لدعوى المحاسبة.

ولهذا السبب نجد أن كثيراً من دفوع المدعى عليهم تقوم على القول لقد تمت المحاسبة، وهنا يصبح عبء المحكمة هو التحقق من صحة هذه الواقعة.

 

الشرط الرابع: وجود نزاع حقيقي

دعوى المحاسبة ليست وسيلة للحصول على تقرير استشاري من المحكمة.

بل يجب أن يكون هناك نزاع حول:

الإيرادات، أو الأرباح، أو المصاريف، والحصص، والإدارة، والنفقات.

أما إذا لم يوجد نزاع، أو كانت الحسابات متفقاً عليها، فلا محل لإقامة الدعوى.

 

الشرط الخامس: أن يكون الحق مجهول المقدار

وهذا الشرط من أهم ما يميز دعوى المحاسبة، فالحق في هذه الدعوى ليس مجهول الوجود، وإنما مجهول المقدار.

وهذا ما يميزها عن دعوى الدين، إذ يكون الدين فيها محدداً.

أما في المحاسبة فالمجهول هو الرصيد النهائي، ومن هنا تأتي الحاجة إلى الخبرة الفنية لمراجعة الحسابات واستخراج القيود.

 

الشرط السادس: أن يكون للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة

ويعد هذا الشرط من أكثر الشروط ارتباطاً بالشخصية المعنوية للشركة.

فقد يكون الحق للشركة، وليس للشريك.

وقد يكون للشريك وليس للشركة، وقد يكون لجميع الشركاء.

ولهذا نجد أن محكمة التمييز في قرارات:

659/2023 ، 2785/2023 ، 7170/2024

أولت أهمية كبيرة لتحديد، صاحب الحق الحقيقي، قبل بحث موضوع الدعوى.

 

الشرط السابع: أن تكون الدعوى منتجة

أي أن تكون المحاسبة قادرة على إنتاج أثر قانوني، فإذا كانت الشركة مصفاة، والحسابات مقفلة، والحقوق سقطت بالتقادم.

أو سبق الفصل فيها، أو استحال إجراء المحاسبة، فإن الدعوى تصبح غير منتجة.

 

الرأي الفقهي للباحث

وأرى أن ما استقر عليه القضاء الأردني يؤدي إلى نتيجة في غاية الأهمية، وهي أن دعوى المحاسبة ليست حقاً مطلقاً لكل شريك، وإنما هي حق مشروط بقيام مركز قانوني معين.

فالشريك لا يكتسب الحق في مطالبة غيره بالمحاسبة لمجرد صفته كشريك، وإنما يكتسب هذا الحق عندما يثبت أن العلاقة القانونية بينهما أفرزت التزاماً قائماً بتقديم الحساب، وأن هذا الالتزام لم ينفذ، وأن ثمة عمليات مالية ما زالت بحاجة إلى تصفية أو مراجعة.

وهذا التحليل يفسر كثيراً من الأحكام التي بدت للوهلة الأولى متعارضة؛ فبعضها رفض دعوى المحاسبة لا لأن المحاسبة غير جائزة، وإنما لأن شرطاً من شروطها لم يكن متوافراً، كعدم صحة الخصومة، أو سبق المحاسبة، أو كون الدعوى سابقة لأوانها، أو أن الحق المطالب به يعود للشركة لا للشريك.

ومن ثم، فإن فهم هذه الشروط يساعد على تفسير الاتجاه القضائي تفسيراً منسجماً، ويحول دون الاعتقاد بوجود تناقض بين الأحكام.

 

 

خاتمة الباب الأول والباب الثاني

يتبين من الدراسة السابقة أن دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء لا تمثل مجرد وسيلة إجرائية للمطالبة بحقوق مالية، وإنما تشكل نظاماً قانونياً متكاملاً يقوم على مجموعة من القواعد الموضوعية والإجرائية التي تستمد أصولها من قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، فضلاً عن المبادئ التي أرستها محكمة التمييز الأردنية عبر اجتهاداتها المتعاقبة.

وقد أظهرت الدراسة أن المشرع الأردني لم ينظم دعوى المحاسبة تنظيماً مستقلاً، وإنما ترك للقضاء مهمة استكمال بنائها القانوني، الأمر الذي أدى إلى نشوء نظرية قضائية متكاملة، استقرت على أن دعوى المحاسبة ليست دعوى مطالبة مالية عادية، وإنما دعوى ذات طبيعة تقريرية كاشفة، تهدف إلى تحديد المركز المالي الحقيقي للأطراف، واستخراج الرصيد النهائي المستحق لكل منهم بعد مراجعة العمليات المالية المتبادلة.

كما تبين أن قبول هذه الدعوى لا يرتبط بمجرد صفة الشريك، وإنما بقيام علاقة قانونية تستوجب تقديم الحساب، وبثبوت إدارة المدعى عليه للأموال المشتركة أو استئثاره بالإيرادات أو الحسابات، وبوجود نزاع حقيقي حول الحقوق المالية لم يسبق حسمه، مع توافر المصلحة القانونية والخصومة الصحيحة، وعدم سبق إجراء المحاسبة أو انتهاء العلاقة القانونية بما يمنع إعادة فتح الحسابات، ما لم يقم سبب قانوني يبرر ذلك.

وأظهرت الدراسة كذلك أن القضاء الأردني أولى أهمية خاصة للتكييف القانوني للدعوى، فلم يتقيد بالأوصاف التي يسبغها الخصوم على علاقاتهم، وإنما اعتبر أن تحديد الطبيعة القانونية للنزاع يدخل في صميم سلطة المحكمة، وهو ما ترتب عليه التمييز بين دعوى المحاسبة، ودعوى المطالبة بالدين، ودعوى استرداد أموال الشركة، ودعوى المسؤولية، ودعوى التصفية، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، وهو تمييز كان له أثر مباشر في تحديد الخصومة، وعبء الإثبات، والطلبات المقبولة، والنتائج القانونية المترتبة على كل دعوى.

وفي مجال الإثبات، كرست محكمة التمييز مبدأً بالغ الأهمية مؤداه أن عبء الإثبات يبقى على عاتق المدعي، إلا أن طبيعة دعوى المحاسبة تفرض على المحكمة استعمال سلطاتها لإلزام الخصم بتقديم الدفاتر والسجلات والمستندات التي يحتفظ بها، كما أكدت أن الخبرة المحاسبية ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة فنية لتقدير الحقوق الثابتة بالأدلة القانونية، وهو ما يشكل ضمانة لتحقيق التوازن بين مصلحة الشريك طالب المحاسبة، وحقوق الشريك أو المدير الذي يحتفظ بالحسابات.

ويخلص الباحث من مجموع الأحكام محل الدراسة إلى أن محكمة التمييز الأردنية قد أرست، وإن بصورة غير مباشرة، نظرية قضائية متماسكة لدعوى المحاسبة، يمكن اختصارها في أن المحاسبة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة قضائية للكشف عن الحقوق المالية الكامنة داخل علاقة قانونية مستمرة، لا يمكن تحديدها إلا من خلال مراجعة دقيقة للحسابات والعمليات المالية. ويعد هذا الاتجاه، في تقدير الباحث، من أهم مظاهر التطور الذي شهده القضاء الأردني في منازعات الشركات خلال السنوات الأخيرة.

وانطلاقاً من ذلك، فإن ما تم عرضه في هذا الباب لا يمثل سوى الأساس النظري لدعوى المحاسبة، إذ ستنتقل الدراسة في الأبواب التالية إلى التطبيقات العملية لهذه الدعوى، وفي مقدمتها الحراسة القضائية (تعيين القيم)، بوصفها الإجراء الوقتي الأكثر ارتباطاً بمنازعات الشركاء، ثم إلى دعوى تصفية الشركة باعتبارها الوسيلة القانونية لإنهاء العلاقة بين الشركاء عندما يصبح استمرار الشركة متعذراً أو مخالفاً لمقتضيات العدالة، مع بيان الضوابط التي استقر عليها القضاء الأردني في كل من هذين المجالين.

 

مكتب العبادي للمحاماة

0798333357

موقع المكتب:

العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء
Call Now Button