10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

Author: mohammad al abbadi

إثبات ملكية عقار

إثبات ملكية عقار

إثبات ملكية عقار

 

قرار صادر عن محكمة التمييز بصفتها الحقوقية، في القضية رقم 3893/ 2024.

بتاريخ 30/1/2024 قدم هذا التمييز للطعن في القرار الصادر عن محكمة استئناف إربد في الدعوى رقم 1426/2023 تاريخ 31/12/2023 والقاضي قبول الاستئناف موضوعاً وفسخ القرار المستأنف الصادر عن محكمة بداية حقوق عجلون في الدعوى 58/2022 تاريخ 19/1/2023 ورد دعوى المدعيان وتضمين المستأنف عليهما الرسوم والمصاريف عن مرحلتي التقاضي ومبلغ 150 ديناراً أتعاب محاماة.

 

موضوع الدعوى: إثبات ملكية عقار البناء المقام على قطعة الأرض رقم 257 حوض 3 هرقلا من أراضي.

مقدرين دعواهم بمبلغ: 11000 دينار لغايات الرسوم وتضمين المدعى عليهما الرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة والفائدة.

 

 

مؤسسان دعواهما على الأسباب والوقائع التالية:

  1. يملك المدعيان مع المدعى عليهما على الشيوع قطعة الأرض رقم 257 حوض 3 هرقلا من أراضي، وذلك على سبيل الشيوع والتي أفرزت من القطعة الأم رقم 135 حوض 3 من أراضي.
  2. المدعيان قاما ببناء منزل والمكون من طابقين طابق 3 مخازن و طابق شقة عباره 3 غرف ومنافعهم من مالهم الخاص على قطعة الأرض المذكورة أعلاه وذلك بموافقة جميع الشركاء.
  3. المدعى عليهما يعارضان المدعيين بملكية هذا البناء.
  4. طالب المدعيان المدعى عليهما بعدم معارضتهما لهما بملكية البناء المقام على حصصهما في قطعة الأرض إلا أنهما امتنعا عن ذلك مما استوجب إقامة هذه الدعوى.

 

 

باشرت محكمة بداية حقوق عجلون نظر الدعوى وبنتيجة المحاكمة أصدرت بتاريخ 19/1/2023 قرارها رقم 58/2022 المتضمن:

عملاً بأحكام المادة 1137 من القانون المدني الحكم تثبيت ملكية المدعيين للعقار الواقع على قطعة الأرض رقم 258 حوض 3 هرقلا من أراضي، والمفرزة من القطعة الأم رقم 135 من نفس الحوض وموضوع رخصة الإنشاءات رقم 66/16 تاريخ 24/11/2008 وكما تم تفصيله في متن القرار والموصوف بتقرير الخبرة دون اعتبار الأرض المقام عليها ملكاً لهما.

عملاً بأحكام المادتين 161 و 166 من قانون أصول المحاكمات المدنية والمادة 46 من قانون نقابة المحامين المعدل رقم 25 لسنة 2014 الحكم بإلزام المدعى عليهما وكلاً حسب حصته في سند التسجيل بالرسوم والمصاريف ومبلغ 1000 دينار بدل أتعاب محاماة.

لم يرتض المدعى عليهما بهذا الحكم فطعنا فيه استئنافاً لدى محكمة استئناف إربد التي أصدرت قرارها رقم 1426/2023 مرافعة بتاريخ 31/12/2023 والمتضمن: قبول الاستئناف موضوعاً وفسخ القرار المستأنف ورد دعوى المدعيين وتضمين المستأنف عليهما الرسوم والمصاريف التي تكبدها المستأنفين عن مرحلتي التقاضي ومبلغ 1500 دينار أتعاب محاماة عن مرحلتي التقاضي.

 

 

لم يرتض المدعيان المستأنف عليهما بهذا الحكم فطعنا فيه تمييزاً بتاريخ 30/1/2024 ضمن المدة القانونية.

وبالرد على أسباب الطعن: المتضمنة تخطئة محكمة الاستئناف برد الدعوى لوجود جهالة فاحشة دون مراعاة أن قطعة الأرض المقام عليها البناء مفرزة من القطعة الأم رقم 135 حوض من أراضي، والتي تم إفرازها إلى القطعتين رقمي 257 و 258 وأن الخبير ذكر أن البناء المقام على القطعة رقم 258 هو البناء الوحيد المقام على قطعة الأرض الأم رقم 135 وأن الرقم 257 الوارد في لائحة الدعوى والوكالة هو من قبيل الخطأ المادي والهفوة التي لا تكسب الخصم الآخر حقاً وبأن المميز ضدهما قد سلما بأن البناء يعود للمميزين وبأن الجهالة انتفت بوقوف المحكمة على رقبة العقار بوجود الخبير ووكلاء الفريقين حيث الإشارة إلى البناء.

وفي ذلك نجد ومن خلال أوراق الدعوى أن المميزين والمميز ضدهما يملكون على الشيوع كامل مساحة قطعة الأرض رقم 257 حوض 3 هرقلا من أراضي، وعفنا ماسحتها 11 دونماً و 898 م 2 وهي مفرزه من القطعة الأم رقم 135 حوض 3 من أراضي، بموجب بيان التغيير رقم 524/2019 وأن المدعيين المميزين أقاما هذه الدعوى بمواجهة المدعى عليهما للمطالبة بإثبات ملكية البناء المقام على قطعة الأرض رقم 257 وتوصلت محكمة الاستئناف إلى أن لائحة الدعوى والوكالة المقامة بموجبها الدعوى تضمنت ذات الخصوص المقامة به الدعوى، وحيث إنه ورد بتقرير الخبرة الفنية وكذلك مناقشة الخبير الفني بأن البناء مقام على قطعة الأرض رقم 258 وليس على قطعة الأرض 257 الأمر الذي يغدو معه بأن الدعوى مستوجبة للرد لانعدام الخصومة للجهالة الفاحشة في الوكالة المقامة بموجبها هذه الدعوى وقضت بالنتيجة فسخ القرار المستأنف ورد دعوى المدعيين المميزين.

وبالرجوع إلى لائحة الدعوى والجواب المقدم من المدعى عليهما المميز ضدهما على لائحة الدعوى نجد أن الطرفين توافقا على البناء محل الدعوى، أقيم من المدعيين ومن مالهما الخاص كما يتضح ذلك من خلال البند الثاني من لائحة الدعوى والبند الثالث من اللائحة الجوابية على الدعوى، وحيث ورد ضمن تقرير الخبرة أن عمر الإنشاءات القائمة على قطعة الأرض تتراوح ما بين 10 سنوات إلى 15 سنة وأن القطعتين رقمي 258 و 257 مفرزتين من القطعة الأم رقم 135 مما يشير إلى أن ما ورد من رقم القطعة 257 في الوكالة ولائحة الدعوى من قبيل السهو العرضي يجعل الوكالة خالية من الجهالة يترتب معه نقض القرار المطعون به لورود أسباب الطعن المشار إليها.

لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر قبول الطعن التمييزي ونقض القرار المطعون فيه وإعادة الأوراق لمصدرها للسير بالدعوى ومعالجة باقي أسباب الطعن الاستئنافي.

قراراً صدر بتاريخ 26 ربيع الآخر سنة 1446 ه الموافق 29/10/2024 م.

 

مكتب العبادي للمحاماة

عنوان المكتب: الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري.

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962

تعليمات معدلة لتعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2026

تعليمات معدلة لتعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2026

تعليمات معدلة لتعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2026

 

المادة (1): تسمية القانون

تسمى هذه التعليمات (تعليمات معدلة لتعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2026) ، وتقرأ مع تعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2023 المشار اليها فيما يلي بالتعليمات الأصلية وما طرأ عليها من تعديل تعليمات واحدة، ويعمل بها من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية.

 

المادة (2):

تعدل المادة (4) من التعليمات الأصلية بإضافة عبارة (أو حاسوبية) الى آخرها.

 

المادة (3):

تعدل المادة (10) من التعليمات الأصلية على النحو التالي:

 

 

أولاً: بإلغاء نص الفقرة (أ) الوارد فيها والاستعاضة عنه بالنص التالي:

 

أ- يُشترط لمعادلة الشهادات التالية للتخصصات كافة وفقاً لنظام التعليم التقليدي الإقامة في بلد الدراسة للمدة التي تحددها مؤسسة التعليم العالي في ذلك البلد على أن لا تقل عن المدد التالية:

  • الدرجة العلمية
  • الحد لأدنى للمدة

 

الشهادة الجامعية المتوسطة، (8)  أشهر عن كل سنة من سنوات الدراسة.

 

شهادة البكالوريوس، (8)  أشهر عن كل سنة من سنوات الدراسة.

 

شهادة الدبلوم العالي، (6)  أشهر (فصلان دراسيان).

 

شهادة الماجستير، (6)  أشهر (فصلان دراسيان). 

 

شهادة الدكتوراة للتخصصات العلمية، (16)  شهراً (سنتان دراسيتان).

 

شهادة الدكتوراة للتخصصات الإنسانية والاجتماعية، (8)  أشهر (سنة دراسية).

 

شهادة الدكتوراة مباشرة دون الحصول على درجة الماجستير للتخصصات العلمية، (22)  شهرا.

 

شهادة الدكتوراة مباشرة دون الحصول على درجة الماجستير للتخصصات الإنسانية والاجتماعية، (14)  شهرا.

 

 

ثانياً: بإضافة الفقرة (ج)اليها بالنص التالي:

ج- في حال كان طالب المعادلة ملتحقاً بجامعة معترف بها على نظام التعليم التقليدي للدراسات العليا ولم يحقق فترة الإقامة المشار اليها في الفقرتين (أ) و(ب) من هذه المادة، تنظر لجنة المعادلة بمعادلة الشهادة بنظام الانتساب على أن لا تكون في أحد حقول المعرفة التي تستدعي إجراء دراسات مخبرية أو عملية أو سريرية أو حاسوبية.

 

 

ثالثاً: بإلغاء عبارة (الفقرتين (أ) و(ب)) الواردة في الفقرة (هـ) منها والاستعاضة عنها بعبارة (الفقرات(أ) و(ب) و(ج)).

 

رابعاً: بإعادة ترقيم الفقرات من (ج) الى (هـ) الواردة فيها لتصبح من (د) الى (و) منها على التوالي.

 

 

المادة  (4): تعدل الفقرة (هـ) من المادة (11) من التعليمات الأصلية على النحو التالي:

أولاً: بإضافة عبارة (ولا تنتهي بمنح درجة علمية) الى آخر البند (1) منها.

 

ثانياً: بإلغاء نص البند (2) الوارد فيها والاستعاضة عنه بالنص التالي:

2-الشهادات المهنية الصادرة عن مؤسسات لا تُعد من مؤسسات التعليم العالي المعترف بها لمنح الدرجة العلمية أو الدورات التدريبية.

 

المادة (5): تعدل التعليمات الاصلية بإضافة المادة (13) اليها بالنص التالي:

 

المادة 13: يشترط لمعادلة شهادات الدرجات المهنية الصادرة عن مؤسسات التعليم العالي غير الأردنية المعترف بها ما يلي:

أ- الالتزام بشروط المعادلة الواردة في هذه التعليمات، شريطة تحقق شرطي الإقامة المنصوص عليهما في الفقرتين (أ)و(ب) من المادة (10) من هذه التعليمات.

ب- أن يكون معترفاً بها وتؤهل حاملها لمزاولة العمل في بلد الدراسة.

ج- أن تتضمن مساقات تطبيقية مهنية، أو تدريباً ميدانياً، أو سريرياً متخصصاً أو مشروعا او بحثاً تطبيقياً خاضعا للتقييم الأكاديمي.

د- أن تكون مصنّفة ضمن الإطار الوطني للمؤهلات المعمول به في بلد الدراسة (إن وجد) بما يكافئ الإطار الوطني الأردني للمؤهلات.

هـ -أن يتضمن قرار المعادلة الصادر عن لجنة المعادلة مسمى (الدرجة المهنية) والمستوى المكافئ للإطار الوطني الأردني للمؤهلات.

 

المادة (6): إعادة ترقيم المواد من (13) الى (15) من التعليمات الأصلية لتصبح المواد من (14) الى (16) منها على التوالي.

وزير التعليم العالي والبحث العلمي

الأستاذ الدكتور عزمي محافظــــــــة

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين.

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962

تعليمات معدلة لتعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2026

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية الحديثة | كيف أثبت براءتي

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية الحديثة وأثره في تكوين القناعة القضائية

 

كيف أثبت براءتي؟

 

مقدمة

لم تعد الحقيقة في الدعوى الجزائية تُستخلص حصراً من اعتراف المتهم أو شهادة الشهود أو محاضر الضبط، بل أصبحت الوسائل العلمية الحديثة شريكاً أساسياً في كشف الجريمة، وتحديد مرتكبها، ونفي الاتهام عمن لا صلة له بها.

فقد تكشف البصمة الوراثية هوية الفاعل، وتحدد البصمات من لامس أداة الجريمة، وتبين تحاليل السموم سبب الوفاة، وتكشف بيانات الهاتف مكان وجود صاحبه، وقد تثبت كاميرات المراقبة أن المتهم كان في مكان آخر وقت وقوع الجريمة.

ومع ذلك، فإن مجرد وصف دليل ما بأنه «دليل علمي» لا يجعله صحيحاً بصورة مطلقة، ولا يمنحه حصانة من المناقشة والطعن.

فالعلم الذي ينتج الدليل قد يكون دقيقاً، لكن النتيجة القضائية قد تتأثر بخطأ أخذ العينة، أو تلوثها، أو سوء حفظها، أو اختلاطها بعينة أخرى، أو استعمال وسيلة فحص غير مناسبة، أو تفسير النتيجة على نحو يتجاوز حدودها العلمية.

 

 

ومن هنا تظهر أهمية السؤال الذي يشغل كل من وُجه إليه اتهام جزائي:

 

كيف أثبت براءتي؟

 

والإجابة القانونية الدقيقة هي أن المتهم لا يُكلف، من حيث الأصل، بإثبات براءته؛ لأن البراءة مفترضة فيه، ولأن عبء إثبات الجريمة ونسبتها إليه يقع على سلطة الاتهام.

غير أن الواقع العملي يفرض على الدفاع ألا يكتفي بإنكار التهمة، بل أن يعمل بصورة إيجابية على كشف مواطن الضعف في أدلة النيابة العامة، والمحافظة على الأدلة النافية، وطلب الخبرات اللازمة، وتقديم تفسير علمي بديل للوقائع.

فإثبات البراءة في القضايا الحديثة لا يعني دائماً العثور على دليل واحد قاطع، بل قد يتحقق من خلال هدم سلسلة الإثبات التي أقام عليها الادعاء اتهامه، أو إثبات أن إحدى حلقاتها غير صحيحة، أو أن الدليل العلمي لا يخص المتهم، أو أنه جُمع بطريقة غير مشروعة، أو أن نتيجته لا تؤدي علمياً إلى الاستنتاج الذي انتهت إليه جهة الاتهام.

وتستند هذه الدراسة إلى الفقه العام لنظرية الإثبات، وإلى المراجع المتخصصة في الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية، والخبرة والقرائن، والشهادة، والمحررات والأدلة الإلكترونية.

وقد وصف الفقه نظرية الإثبات بأنها من أكثر النظريات القانونية شمولاً وخطورة؛ لأن الحقوق والوقائع الجرمية لا تنتج أثرها أمام القضاء ما لم يقم عليها دليل، فالحق المجرد من الدليل يظل عاجزاً عن الحماية القضائية.

 

 

المبحث الأول: ماهية الإثبات الجنائي وخصوصيته

 

أولاً: مفهوم الإثبات الجنائي

 

الإثبات، في معناه العام، هو إقامة الدليل أمام القضاء على وجود واقعة قانونية منتجة لأثر، بقصد الوصول إلى الحقيقة التي يبني القاضي عليها حكمه.

أما الإثبات الجنائي، فهو النشاط الإجرائي والعلمي الذي يستهدف التحقق من وقوع الجريمة، وتحديد عناصرها، ونسبتها إلى شخص معين، أو نفي هذه النسبة عنه.

 

ولا يقتصر الإثبات الجنائي على إقامة الدليل على وقوع الفعل المادي، بل يجب أن يشمل، بحسب طبيعة الجريمة:

  • وقوع السلوك المجرّم.
  • تحقق النتيجة الجرمية عند اشتراطها.
  • قيام العلاقة السببية.
  • نسبة الفعل إلى المتهم.
  • انتفاء أسباب الإباحة وموانع المسؤولية عند الاقتضاء.

وقد بينت موسوعة نظرية الإثبات أن الهدف الخاص من الإثبات الجزائي هو إثبات الجريمة ونسبتها إلى المتهم، بخلاف الإثبات في القضايا المدنية الذي ينصرف غالباً إلى إثبات حق أو التزام بين الخصوم.

كما أشارت إلى إمكان استعانة القاضي الجزائي بالوسائل النفسية والكيميائية والفنية، وبالتسجيل الصوتي وبصمات الأصابع وتحليل الدم والتصوير، للوصول إلى الحقيقة الواقعية.

 

 

ثانياً: الفرق بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية

 

الجريمة تقع في زمن مضى، ولا يستطيع القاضي، في الغالب، أن يشاهدها بنفسه.

 

ولذلك تُعاد الواقعة أمامه من خلال آثارها:

  • شهادة من شاهدها.
  • جسم الجريمة وأدواتها.
  • البصمات والآثار الحيوية.
  • الصور والتسجيلات.
  • التقارير الطبية والفنية.
  • البيانات الرقمية.
  • تصرفات المتهم السابقة واللاحقة.
  • القرائن المستخلصة من ظروف الحادث.

 

وقد تتطابق الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية، وقد تختلف عنها إذا كانت الأدلة ناقصة، أو جُمعت بصورة خاطئة، أو قُدّمت للمحكمة بصورة مجتزأة، أو فُسرت على غير مدلولها الصحيح.

ولهذا لا يكفي أن تكون وسيلة الإثبات علمية من الناحية النظرية، بل يجب أن تكون النتيجة المعروضة في الدعوى قد تولدت عن تطبيق علمي صحيح على عينة صحيحة، وبواسطة شخص مختص، وبإجراءات سليمة يمكن مراجعتها والتحقق منها.

 

 

ثالثاً: الإثبات القانوني والإثبات العلمي

 

يفترق الإثبات العلمي عن الإثبات القانوني من عدة أوجه.

فالعالم أو الخبير يبحث في مسألة فنية باستخدام المنهج التجريبي، ويصل إلى نتيجة قابلة للمراجعة والاختبار.

أما القاضي، فيبحث في مجموع الوقائع والأدلة ليقرر ما إذا كانت الجريمة ثابتة قانوناً وما إذا كانت منسوبة إلى المتهم.

وقد تصل الخبرة العلمية إلى نتيجة احتمالية، بينما يكون على المحكمة أن تقرر مصير إنسان بالبراءة أو الإدانة.

 

ولذلك لا يجوز الخلط بين قول الخبير:

«توجد آثار تتفق مع العينة المرجعية».

 

وبين القول:

«إن المتهم هو مرتكب الجريمة».

فالنتيجة الأولى فنية، أما الثانية فاستنتاج قضائي يدخل في صميم عمل المحكمة.

وتشير المراجع إلى أن الوسائل العلمية قد تنتج قرائن قوية، وقد تبلغ في بعض الظروف درجة عالية من القطع، لكنها تظل جزءاً من البناء الإثباتي الذي يخضع للتقدير والمناقشة.

 

 

المبحث الثاني: قرينة البراءة وعبء إثبات الاتهام

 

أولاً: المتهم بريء حتى تثبت إدانته

 

الأصل أن الإنسان بريء، وأن الاتهام مجرد ادعاء لا ينقلب إلى حقيقة إلا بدليل قانوني كافٍ.

 

ويترتب على قرينة البراءة عدة نتائج:

  • لا يُطلب من المتهم إثبات أنه لم يرتكب الجريمة.
  • تتحمل النيابة العامة عبء إثبات جميع عناصر الجريمة.
  • لا يجوز تفسير صمت المتهم وحده باعتباره دليلاً على الإدانة.
  • يجب أن يفسر الشك المعقول لمصلحة المتهم.
  • لا تكفي الشبهة أو الاحتمالات المجردة للحكم بالإدانة.
  • يجب أن يكون الدليل الذي بُني عليه الحكم مشروعاً ومطروحاً للمناقشة.

 

لكن قولنا إن المتهم غير مكلف بإثبات براءته لا يعني أن يقف الدفاع موقفاً سلبياً؛ فقد يكون لدى المتهم وحده دليل يستطيع حسم النزاع، كبيانات موقع هاتفه، أو سجل دخوله إلى مكان عمله، أو تسجيل كاميرا خاصة، أو شاهد ينفي وجوده في مكان الجريمة.

فعبء الإثبات القانوني يقع على النيابة العامة، لكن العبء العملي للمحافظة على دليل البراءة قد يقع على المتهم ودفاعه؛ لأن بعض الأدلة الرقمية تمحى تلقائياً، وبعض التسجيلات لا تُحفظ إلا أياماً محدودة، وبعض العينات البيولوجية تتلف بمرور الزمن.

 

 

ثانياً: ما المقصود بإثبات البراءة؟

 

لا يشترط للحكم بالبراءة أن يثبت المتهم بصورة قاطعة أن شخصاً آخر ارتكب الجريمة.

 

فقد تتحقق البراءة بأحد المسارات التالية:

 

1. نفي وقوع الجريمة

كما لو أثبت التقرير الطبي عدم وجود الإصابة المدعاة، أو كشفت الخبرة أن المستند محل الاتهام صحيح وغير مزور.

 

2. نفي نسبة الجريمة إلى المتهم

مثل أن تظهر البصمة الوراثية لشخص آخر، أو تثبت بيانات الموقع أن المتهم كان بعيداً عن مسرح الجريمة.

 

3. إسقاط أحد أركان الجريمة

كإثبات عدم توافر القصد الجرمي، أو أن الفعل وقع بطريق الخطأ، أو أن النتيجة لم تكن متوقعة.

 

4. إثبات سبب من أسباب الإباحة

مثل الدفاع الشرعي، أو تنفيذ القانون، أو ممارسة حق مشروع.

 

5. إبطال الدليل

إذا ثبت أن التفتيش غير مشروع، أو أن العينة أخذت خلافاً للقانون، أو أن التسجيل عُدّل، أو أن سلسلة الحيازة انقطعت.

 

6. خلق شك معقول

قد لا يتمكن الدفاع من إثبات رواية بديلة بصورة كاملة، لكنه يبين أن رواية الاتهام ليست الوحيدة الممكنة، أو أن الدليل يحتمل تفسيرين، أحدهما ينسجم مع البراءة.

 

 

المبحث الثالث: القناعة القضائية وحدود سلطة القاضي في تقدير الدليل العلمي

 

أولاً: مبدأ الاقتناع القضائي

 

يقوم الإثبات الجنائي، في أصله، على حرية القاضي في تكوين قناعته من الأدلة المشروعة المطروحة أمامه. فالقاضي لا يقتصر عادة على دليل معين، ولا يُلزم بإعطاء كل وسيلة قيمة ثابتة سلفاً، وإنما ينظر إلى مجموع الأدلة ومدى توافقها.

إلا أن حرية القاضي لا تعني تحكّمه، ولا تمنحه صلاحية مخالفة الحقائق العلمية الثابتة بلا تعليل.

 

فالقناعة القضائية يجب أن تكون:

  • مبنية على دليل موجود في أوراق الدعوى.
  • مستخلصة استخلاصاً منطقياً.
  • خالية من التناقض.
  • مناقشة لدفاع المتهم الجوهري.
  • قائمة على أسباب تكفي لحمل النتيجة.
  • بعيدة عن الظن المجرد والافتراض.

 

وتتناول موسوعة نظرية الإثبات بصورة مستقلة حق القاضي في تقدير الدليل، والضوابط المفروضة عليه في المواد الجزائية، وحق الخصوم في مناقشة الأدلة وتقديم الدليل العكسي.

 

 

ثانياً: هل تقرير الخبير ملزم للمحكمة؟

 

الأصل أن الخبير يساعد المحكمة في مسألة فنية لا تدخل في معرفتها القانونية المعتادة، لكنه لا يحل محلها.

 

فللخبير أن يقرر مثلاً:

  • أن البصمة متماثلة في نقاط محددة.
  • أن المادة المضبوطة تحتوي مركباً مخدراً.
  • أن الوفاة نتجت عن إصابة معينة.
  • أن الصوتين يرجح صدورهما عن شخص واحد.
  • أن الملف الرقمي تعرض لتعديل.
  • أن العينة تحمل صفات وراثية متوافقة مع شخص معين.
  • لكن تحديد المسؤولية الجزائية وتكييف الفعل ووزن الدليل من أعمال المحكمة.

 

وللمحكمة أن تأخذ بتقرير الخبرة كله أو بعضه، وأن تطرحه إذا وجدت أسباباً جدية لذلك، غير أن طرح الرأي الفني ينبغي أن يستند إلى أساس مقبول، كوجود تناقض في التقرير، أو قصور في إجراءاته، أو تعارضه مع خبرة أخرى، أو عدم رده على المسألة الفنية المطلوبة.

 

 

ثالثاً: الدليل العلمي بين القوة والاحتمال

 

ليست جميع الأدلة العلمية في مرتبة واحدة.

فهناك أدلة قد تكون شديدة القوة عند استيفاء شروطها، كالبصمة الوراثية المستخرجة من عينة واضحة ومفردة.

وهناك أدلة ذات طبيعة احتمالية، كتحليل الأبراج الخلوية الذي قد يثبت اتصال الهاتف بمنطقة تغطية واسعة، لكنه لا يحدد بالضرورة مكان صاحبه بدقة مترية.

 

كما توجد وسائل تختلف قيمة نتائجها تبعاً لظروفها، مثل:

  • مقارنة الخطوط.
  • التعرف إلى الوجه.
  • تحليل السلوك.
  • تتبع الرائحة بواسطة الكلاب البوليسية.

 

لذلك يجب أن يتجنب الحكم استخدام لغة القطع عندما تكون الأداة العلمية نفسها لا تقدم إلا نتيجة احتمالية.

 

 

 

المبحث الرابع: أهم وسائل الإثبات العلمي الحديثة

 

أولاً: البصمة الوراثية DNA

 

تعد البصمة الوراثية من أبرز تطبيقات العلم في المجال الجنائي، إذ يمكن استخلاص المادة الوراثية من:

  • الدم.
  • اللعاب.
  • السائل المنوي.
  • الشعر المتصل بجذره.
  • الأنسجة.
  • العظام.
  • الأسنان.
  • الخلايا الجلدية المتروكة على الأشياء.

 

وتستخدم البصمة الوراثية في جرائم القتل والاعتداءات الجنسية والخطف والتعرف إلى الجثث المجهولة، كما قد تكون أداة بالغة الأهمية في إثبات البراءة.

 

كيف تثبت البراءة بواسطة DNA؟

 

يمكن ذلك في صور متعددة:

  • عدم تطابق العينة المرفوعة من مسرح الجريمة مع المتهم.
  • ظهور ملف وراثي يعود إلى شخص آخر.
  • وجود خليط وراثي لا يسمح بالجزم بنسبة الأثر إلى المتهم.
  • إثبات انتقال الأثر بصورة غير مباشرة.
  • إثبات تلوث العينة.
  • عدم صلاحية العينة للتحليل.
  • وجود اختلاف بين العينات في مراحل الفحص.
  • عدم توثيق مصدر العينة أو كيفية حفظها.

 

 

هل وجود DNA يكفي للإدانة؟

 

ليس بالضرورة، فوجود أثر وراثي يثبت، في أحسن الأحوال، اتصالاً مادياً بين الشخص والعينة، لكنه لا يحدد وحده:

  • وقت انتقال الأثر.
  • كيفية انتقاله.
  • ما إذا كان انتقاله مباشراً أو غير مباشر.
  • ما إذا كان المتهم قد ارتكب الجريمة.
  • ما إذا كان وجود الأثر مشروعاً بسبب علاقة سابقة بالمكان أو الشيء.

فوجود بصمة وراثية لشخص داخل منزله لا يثير الاستنتاج نفسه الذي يثيره وجودها على أداة قتل مجهولة لا تربطه بها علاقة مشروعة.

 

 

أهم أوجه الطعن:

 

  • عدم ارتداء القائمين على رفع العينة وسائل الوقاية.
  • استعمال أدوات غير معقمة.
  • جمع أكثر من أثر في عبوة واحدة.
  • عدم تجفيف العينات الرطبة.
  • عدم بيان تاريخ وساعة الجمع.
  • غياب أرقام الأختام.
  • فتح العبوة دون توثيق.
  • عدم بيان الأشخاص الذين تسلموها.
  • عدم إجراء الفحص المكرر.
  • الخلط بين تطابق الملف ونسبة ارتكاب الجريمة.

 

 

ثانياً: بصمات الأصابع وراحة اليد

 

تقوم حجية البصمة على الخصائص الدقيقة والخطوط الحلمية التي تميز الأشخاص. ويمكن أن تظهر البصمات على الزجاج، والمعادن، والأوراق، والأسطح المصقولة وغيرها.

 

كيف يستفيد المتهم من البصمات؟

  • يطلب رفع البصمات من الأداة أو المكان.
  • يثبت عدم وجود بصمته في موضع كان يتعين منطقياً أن توجد فيه.
  • يبين وجود بصمة شخص آخر.
  • يناقش صلاحية البصمة الجزئية للمضاهاة.
  • يثبت وجود سبب مشروع لبصمته على الشيء.
  • يناقش تاريخ وضع البصمة، إذ لا تحدد البصمة وحدها وقت لمس السطح.

 

غياب البصمة ليس دائماً دليلاً على البراءة، قد يرتدي الفاعل قفازات، أو يمسح السطح، أو لا يكون السطح قابلاً للاحتفاظ بالبصمة، أو تتلف الآثار بسبب الرطوبة والحرارة وكثرة اللمس، ولذلك يجب ربط غيابها بظروف الواقعة.

 

 

ثالثاً: الدم والآثار الحيوية

 

يستفاد من تحليل الدم في:

  • تحديد فصيلته.
  • استخلاص الحمض النووي.
  • الكشف عن الكحول.
  • الكشف عن الأدوية والمخدرات والسموم.
  • تقدير بعض الجوانب المتعلقة بزمن الإصابة أو الوفاة.
  • مقارنة بقع الدم الموجودة في مسرح الجريمة.

 

وقد أشارت مراجع الإثبات إلى إمكان استعانة المحكمة بالتحليل العلمي للدم وفحص قلامات الأظافر وغيرها من الوسائل لاستنباط القرائن القضائية.

 

ويجوز للدفاع أن يناقش:

  • مصدر الدم.
  • قدم البقعة.
  • إمكان انتقالها عرضياً.
  • طريقة سحب العينة.
  • المادة الحافظة.
  • ظروف التبريد.
  • زمن الفحص.
  • حدود الجهاز المستخدم.

 

 

رابعاً: تحليل المخدرات والسموم

 

التحليل المخبري لا يقتصر على إعطاء نتيجة «إيجابية» أو «سلبية»، بل يجب التمييز بين:

  • الفحص الأولي أو المسحي.
  •  الفحص التأكيدي.
  • قياس التركيز.
  • تفسير النتيجة في ضوء الزمن والجرعة والحالة الصحية.

 

وقد خصص المرجع المرسل حول الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية فصلاً لاستخدام وسائل التحليل المختبري، متناولاً مفهومه وأساسه العلمي وموقف التشريعات والقضاء منه، كما تناول التحليل التخديري، والتنويم المغناطيسي، وكشف الكذب، والكلاب البوليسية، وأجهزة المراقبة الإلكترونية.

 

النتيجة الإيجابية لا تعني دائماً التأثير وقت الواقعة، قد يثبت التحليل وجود نواتج استقلاب مادة في الجسم، لكنه لا يثبت بالضرورة:

  • أن الشخص كان تحت تأثيرها وقت القيادة.
  • مقدار الجرعة.
  • وقت التعاطي على وجه الدقة.
  • درجة تأثيرها في الإدراك.
  • أن المادة دخلت الجسم بطريق غير مشروع.

 

ويزداد الأمر أهمية في فحوص البول؛ لأنها قد تكشف تعاطياً سابقاً دون أن تثبت حالة التأثير وقت الضبط.

 

كيف يطعن المتهم في التحليل؟

  • يطلب بيان نوع العينة.
  • يطلب اسم الفحص الأولي والتأكيدي.
  • يسأل عن الحد الفاصل للنتيجة.
  • يطلب بيان تركيز المادة.
  • يستفسر عن الأدوية التي كان يتناولها.
  • يراجع توقيت أخذ العينة.
  • يطلب إعادة التحليل من العينة المحفوظة.
  • يطعن في هوية العينة وسلسلة حيازتها.
  • يطلب مناقشة المختص الذي أجرى الفحص.
  • يفرق بين وجود المادة وبين التأثر بها.

 

 

المبحث الخامس: الأدلة الرقمية ودورها في إثبات البراءة

 

أصبحت الهواتف والحواسيب والبريد الإلكتروني وتطبيقات المراسلة مصدراً رئيسياً للأدلة الجنائية. وقد تحتوي الأجهزة على:

  • محادثات.
  • صور.
  • مقاطع فيديو.
  • بيانات موقع.
  • سجل اتصالات.
  • ملفات محذوفة.
  • سجلات الدخول.
  • بيانات سحابية.
  • تواريخ الإنشاء والتعديل.
  • بيانات وصفية.

 

أولاً: البريد الإلكتروني

 

قد يثبت البريد الإلكتروني:

  • صدور رسالة من حساب معين.
  • وجود اتصال بين أشخاص.
  • إرسال ملف أو مستند.
  • توقيت الواقعة.
  • طبيعة العلاقة بين أطراف الدعوى.

 

غير أن صورة مطبوعة لرسالة لا تكفي دائماً لإثبات نسبتها إلى صاحب الحساب؛ فقد يكون الحساب مخترقاً، أو الجهاز مستخدماً من أكثر من شخص، أو تكون الصورة قد جرى تعديلها.

ويبين البحث المتخصص في حجية البريد الإلكتروني أن قوة الرسالة الإلكترونية تتأثر بسلامتها، وتحديد مصدرها، وإمكان حفظها والرجوع إليها، وارتباطها بالتوقيع الإلكتروني، كما يناقش التمييز بين البريد الموقع إلكترونياً والبريد غير الموقع.

 

 

ثانياً: المحادثات الإلكترونية

 

لا يكفي ظهور اسم المتهم أو صورته على حساب لإثبات أنه صاحب الرسائل، ويجب البحث في:

  • رقم الهاتف المرتبط بالحساب.
  • بيانات الجهاز.
  • عنوان الإنترنت.
  • سجل الدخول.
  • النسخة الأصلية من قاعدة البيانات.
  • سلامة الاستخراج الفني.
  • اكتمال المحادثة وعدم اجتزائها.
  • سياق الرسائل السابقة واللاحقة.

 

وقد تكون الرسالة المنفردة مضللة إذا فُصلت عن سياقها، كما قد تحمل كلمات تحتمل المزاح أو المجاز أو النقل عن شخص آخر.

 

 

ثالثاً: بيانات الموقع

 

قد تثبت بيانات الهاتف وجود الجهاز أو عدم وجوده في منطقة ما، لكنها لا تثبت دائماً أن المتهم كان يحمل الجهاز بنفسه.

 

ولهذا يجب التمييز بين:

  • وجود الهاتف في مكان ما

وبين:

  • وجود صاحبه في ذلك المكان.

وقد يستخدم المتهم بيانات الموقع لإثبات وجود هاتفه في مكان آخر، لكن على الدفاع أن يدعم ذلك بقرائن أخرى، مثل استخدام الجهاز، أو ظهور صاحبه في كاميرا، أو سجل عمل، أو معاملات دفع إلكترونية.

 

 

المبحث السادس: كيف أثبت براءتي عملياً؟

 

أولاً: لا تنتظر حتى تبدأ المحاكمة

 

قد تضيع أدلة البراءة خلال أيام، ولذلك ينبغي التحرك فوراً للمحافظة على:

  • تسجيلات كاميرات المراقبة.
  • بيانات المواقع.
  • سجلات الفنادق والمطاعم.
  • سجلات الدوام والبصمة.
  • معاملات الدفع.
  • محادثات الهاتف الأصلية.
  • تسجيلات المركبات.
  • أسماء الشهود.
  • العينات القابلة للتلف.

 

ثانياً: لا تحذف شيئاً من هاتفك

 

حذف المحادثات أو الملفات قد يفسر بصورة سلبية، وقد يؤدي إلى ضياع معلومات نافعة. والأفضل المحافظة على الجهاز كما هو وتسليمه، عند الحاجة، إلى خبير مختص لإجراء نسخة جنائية تحفظ البيانات الأصلية.

 

 

ثالثاً: اطلب أصل الدليل لا صورته فقط

 

في الأدلة الرقمية، توجد فروق كبيرة بين:

  • لقطة شاشة.
  • نسخة مصدرة من التطبيق.
  • فحص الجهاز الأصلي.
  • نسخة جنائية كاملة.
  • بيانات صادرة عن مزود الخدمة.

 

كلما اقترب الفحص من المصدر الأصلي ارتفعت إمكانات التحقق من سلامة الدليل.

 

 

رابعاً: اطلب سلسلة الحيازة

 

سلسلة الحيازة هي السجل الذي يبين رحلة الدليل منذ العثور عليه إلى عرضه أمام المحكمة:

  • من وجده؟
  • متى وجده؟
  • كيف جمعه؟
  • في أي عبوة وضعه؟
  • من تسلمه؟
  • أين حُفظ؟
  • متى فُتح؟
  • من فحصه؟
  • هل أعيد ختمه؟

وأي فجوة جوهرية قد تثير الشك في هوية الدليل أو سلامته.

 

 

خامساً: اطلب مناقشة الخبير

 

لا ينبغي التعامل مع تقرير الخبرة الفنية باعتباره نصاً نهائياً، ومن الأسئلة المهمة:

  • ما مؤهلات الخبير؟
  • هل المختبر معتمد؟
  • ما الطريقة المستخدمة؟
  • هل توجد نسبة خطأ؟
  • هل أُجري اختبار تأكيدي؟
  • هل كانت العينة كافية؟
  • هل كانت مختلطة؟
  • هل يوجد تفسير بديل؟
  • هل النتيجة قطعية أم احتمالية؟
  • هل يستطيع الاختبار تحديد زمن الواقعة؟
  • هل راجع خبير آخر النتيجة؟

 

 

سادساً: قدم فرضية براءة قابلة للفحص

 

الإنكار المجرد أقل تأثيراً من تفسير تدعمه الوقائع.

 

فبدلاً من القول:

«هذه ليست بصمتي».

 

يكون الدفاع أقوى حين يقول:

«البصمة جزئية ولا تتوافر فيها نقاط كافية للمضاهاة، ولم توضح الخبرة كيفية استبعاد البصمات الأخرى».

 

وبدلاً من:

«المحادثة مزورة».

يقال:

«المعروض صورة شاشة بلا الجهاز الأصلي، ولا تتضمن بيانات المصدر أو سجل الدخول، ولم تجر خبرة فنية على قاعدة بيانات التطبيق».

 

 

المبحث السابع: الطعن في الدليل العلمي

 

يمكن تنظيم الطعن في خمسة مستويات:

 

المستوى الأول: مشروعية الحصول على الدليل

 

هل جرى التفتيش أو سحب العينة أو مراقبة الاتصال وفق القانون؟

 

 

المستوى الثاني: سلامة جمع الدليل

 

هل اتُّبعت الإجراءات الفنية لمنع التلوث والاختلاط؟

 

 

المستوى الثالث: سلامة النقل والحفظ

 

هل بقي الدليل مختوماً ومحفوظاً في الظروف المناسبة؟

 

 

المستوى الرابع: صحة الفحص

 

هل استُخدمت طريقة علمية معترف بها؟ وهل أُجريت الاختبارات الضابطة والتأكيدية؟

 

 

المستوى الخامس: صحة الاستنتاج

 

حتى لو كانت النتيجة الفنية صحيحة، هل الاستنتاج الذي رتبته النيابة عليها لازم منطقياً؟

فقد يكون صحيحاً أن المتهم لمس أداة، لكن لا يلزم أنه استخدمها في الجريمة.

وقد يكون صحيحاً أن هاتفه اتصل ببرج قريب، لكن لا يلزم أنه كان داخل مسرح الجريمة.

وقد يكون صحيحاً أن التحليل كشف مادة مخدرة، لكن لا يلزم أنه كان واقعاً تحت تأثيرها وقت الحادث.

 

 

المبحث الثامن: الدليل العلمي النافي ودوره في تكوين القناعة القضائية

 

ليست وظيفة العلم خدمة الاتهام فقط. فالدليل العلمي محايد بطبيعته، وقد يكون أكثر أهمية في نفي الجريمة منه في إثباتها.

 

وقد تسقط الدعوى عندما يثبت أن:

  • البصمة لشخص آخر.
  • الحمض النووي لا يعود إلى المتهم.
  • الإصابة لا تتفق مع رواية المشتكي.
  • زمن الوفاة لا يتفق مع وقت وجود المتهم.
  • التسجيل عُدل أو اقتطع.
  • الموقع الجغرافي يناقض رواية الضبط.
  • المادة المضبوطة ليست من النوع المسند.
  • أداة الجريمة لا تطابق الآثار.
  • العينة مجهولة المصدر.
  • التقرير العلمي لا يستطيع تحديد وقت الواقعة.

 

والقاضي لا يكون أمام مجرد «دليل دفاع»، بل أمام حقيقة علمية يتعين وضعها في ميزان الإثبات ومناقشتها مع بقية الأدلة.

 

 

خاتمة

 

أصبح الإثبات الجنائي الحديث مزيجاً من القانون والعلم والتقنية.

ولم يعد نجاح الدفاع متوقفاً على بلاغة المرافعة وحدها، بل على القدرة على فهم الدليل الفني، واكتشاف حدوده، ومناقشة الخبراء، والمحافظة على الآثار النافية، وربط النتائج العلمية بأركان الجريمة.

ولا يعني إثبات البراءة أن يقدم المتهم اعترافاً من الفاعل الحقيقي أو دليلاً خارقاً يقلب الدعوى في لحظة واحدة؛ فقد تتحقق البراءة بإظهار أن الدليل لا يخصه، أو أن العينة تلوثت، أو أن الفحص لا يحدد زمن الواقعة، أو أن المحادثة غير موثقة، أو أن رواية الاتهام لا تتفق مع الطب الشرعي، أو أن مجموع الأدلة لا يتجاوز دائرة الاحتمال.

 

 

والقاعدة التي ينبغي أن تظل حاضرة هي أن:

 

الدليل العلمي لا يؤخذ باسمه، وإنما بقوة منهجه، وسلامة مصدره، وصحة إجراءاته، ودقة تفسيره.

فالعلم قد يقود إلى الحقيقة، لكنه لا يفعل ذلك إلا إذا جُمعت مادته بأمانة، وفُحصت باختصاص، وعُرضت على المحكمة كاملة، وأتيح للدفاع أن يناقشها ويقدم ما يعارضها.

ومن هنا لا تكون الوسائل العلمية تهديداً لحقوق المتهم، بل قد تصبح أقوى وسيلة لحمايته من الإدانة الخاطئة وإثبات براءته.

 

 

الجزء الثاني: التطبيقات المتقدمة للإثبات الجنائي بالوسائل العلمية الحديثة

 

المبحث التاسع: الطب الشرعي ودوره في إثبات الجريمة أو نفيها

 

يمثل الطب الشرعي نقطة التقاء مباشرة بين العلوم الطبية والقانون الجنائي؛ فهو لا يقتصر على تشريح الجثث أو تحديد سبب الوفاة، وإنما يمتد إلى فحص الإصابات، وتقدير طبيعتها، وبيان الأداة المحتمل استعمالها، وتحديد مدى توافقها مع رواية المجني عليه أو المتهم، والكشف عن السموم والاعتداءات الجنسية مثل جريمة هتك العرض وغيرها من المسائل الفنية.

ولا يقدم الطبيب الشرعي حكماً قانونياً في القضية، وإنما يمد المحكمة بالحقائق الطبية التي تساعدها على تكوين قناعتها.

فالطبيب يقرر سبب الإصابة وطبيعتها وآلية حدوثها، أما القول بقيام جريمة القتل العمد أو الإيذاء المقصود أو الدفاع الشرعي فيبقى من اختصاص المحكمة.

 

 

أولاً: تحديد سبب الوفاة

 

قد تكون الوفاة ناتجة عن:

  • إصابة رضية.
  • طلق ناري.
  • طعن بآلة حادة.
  • خنق أو اختناق.
  • تسمم.
  • حريق.
  • غرق.
  • مرض طبيعي.
  • تداخل أكثر من سبب.

وتظهر أهمية تحديد السبب الحقيقي للوفاة عندما تسند النيابة إلى المتهم فعلاً تعتقد أنه أدى إلى موت المجني عليه، بينما يثبت الطب الشرعي أن الوفاة كانت نتيجة مرض سابق أو سبب مستقل.

 

كيف يخدم سبب الوفاة دفاع المتهم؟

 

قد يثبت التقرير الطبي مثلاً:

  • أن الإصابة ليست قاتلة بطبيعتها.
  • أن الوفاة حدثت نتيجة خطأ علاجي لاحق.
  • أن المجني عليه توفي بسبب مرض سابق.
  • أن الأداة المضبوطة لا تتفق مع شكل الإصابة.
  • أن الوفاة وقعت قبل الوقت الذي تدعيه النيابة.
  • أن الجثة نُقلت من مكان آخر.
  • أن الإصابات حدثت بعد الوفاة.
  • أن رواية الشاهد لا تنسجم مع الاتجاه التشريحي للإصابة.

وهنا لا يكفي أن يذكر التقرير النتيجة النهائية، بل ينبغي أن يبين الأسس التي بُنيت عليها، كالصفة التشريحية للإصابة، وعمقها واتجاهها، والأنسجة المتضررة، والآثار المصاحبة لها.

 

 

ثانياً: تحديد زمن الوفاة

 

يعد زمن الوفاة من أكثر مسائل الطب الشرعي تعقيداً؛ لأنه لا يحدد عادة بالدقيقة أو الساعة بصورة قطعية، وإنما يقدر ضمن نطاق زمني اعتماداً على مجموعة من المؤشرات، مثل:

  • برودة الجثة.
  • التيبس الرمي.
  • الرسوب الدموي.
  • محتويات المعدة.
  • التغيرات التحللية.
  • الظروف المناخية.
  • مكان وجود الجثة.
  • حالة الملابس.
  • الحشرات في بعض الحالات.

ويجب الحذر من تحويل التقدير الطبي التقريبي إلى حقيقة زمنية قاطعة.

فإذا ذكر الخبير أن الوفاة «يرجح أن تكون قد حدثت خلال فترة معينة»، فلا يجوز اختصار ذلك في الحكم إلى قول جازم بأن الوفاة وقعت في ساعة محددة، ما لم توجد أدلة أخرى تسند هذا التحديد.

 

 

أثر زمن الوفاة في إثبات البراءة

 

قد يكون المتهم موجوداً في مكان الجريمة في وقت معين، لكن الخبرة تثبت أن الوفاة سبقت وجوده أو لحقت به بفترة طويلة.

وقد يؤدي توسيع هامش الخطأ العلمي إلى إسقاط حجة الغياب أو دعمها، ولذلك يجب مناقشة الخبير في:

  • مدى دقة التقدير.
  • أثر درجة الحرارة.
  • أثر التبريد أو التدفئة.
  • أثر المرض والوزن والملابس.
  • ما إذا كانت الجثة نُقلت.
  • الحد الأدنى والأقصى المحتمل للوفاة.

 

 

ثالثاً: فحص الإصابات

 

قد يكشف فحص الإصابة عما إذا كانت:

  • قطعية أو طعنية.
  • رضية أو نارية.
  • سطحية أو نافذة.
  • دفاعية.
  • مفتعلة ذاتياً.
  • قديمة أو حديثة.
  • حدثت في حياة المصاب أو بعد الوفاة.

وتكتسب الإصابات الدفاعية أهمية في إثبات المقاومة، لأنها قد تظهر على اليدين أو الساعدين أو أجزاء أخرى من الجسم نتيجة محاولة المجني عليه حماية نفسه.

كما قد تنفي الخبرة وقوع الاعتداء بالصورة المدعاة؛ فإذا زعم المشتكي تعرضه لضربات متعددة بآلة صلبة، بينما لا تظهر إلا إصابة واحدة بسيطة لا تتفق مع آلية الاعتداء الموصوفة، فإن هذا التناقض يوجب التحقيق والمناقشة.

 

 

 

المبحث العاشر: الإثبات في جرائم الاعتداء الجنسي

 

تعد قضايا الاعتداءات الجنسية من أكثر القضايا حساسية؛ لأنها قد تجمع بين الأدلة القولية والطبية والبيولوجية والرقمية والنفسية.

ولا يعني عدم وجود إصابة ظاهرة بالضرورة عدم وقوع الاعتداء، كما لا يعني وجود إصابة وحدها أن المتهم المحدد هو مرتكبها.

ولذلك ينبغي بناء الإثبات على مجموعة مترابطة من العناصر.

 

 

أولاً: الأدلة الطبية المحتملة

 

  • الإصابات الموضعية.
  • الكدمات والخدوش.
  • الآثار الدفاعية.
  • السوائل الحيوية.
  • الشعر والألياف.
  • المادة الوراثية.
  • آثار الأدوية أو المواد المخدرة.
  • حالة الملابس.
  • زمن الفحص مقارنة بوقت الواقعة.

 

 

ثانياً: أهمية سرعة الفحص

 

قد يؤدي التأخر في التبليغ أو الاستحمام أو تغيير الملابس إلى فقدان بعض الآثار، لكنه لا ينفي الواقعة حكماً.

ومع ذلك، فإن الدفاع يملك مناقشة أثر التأخر على القدرة العلمية في نسبة الأدلة إلى شخص معين.

 

 

ثالثاً: كيف يستخدم الدليل العلمي لإثبات البراءة؟

 

قد تظهر الخبرة:

  • عدم وجود أي أثر وراثي للمتهم.
  • وجود مادة وراثية لشخص آخر.
  • أن الإصابات لا تتفق مع الآلية الموصوفة.
  • أن تاريخ الإصابة يسبق الواقعة.
  • أن الملابس لم تحمل الآثار المتوقعة.
  • أن المحادثات السابقة واللاحقة تناقض رواية الاتهام.
  • أن المتهم كان في مكان آخر وفق بيانات الهاتف والكاميرات.

ومع ذلك، فإن غياب الأثر الوراثي لا يساوي دائماً البراءة، لأن بعض الأفعال قد تقع دون ترك أثر، أو قد تضيع العينات نتيجة التأخر أو التنظيف.

وبالتالي يجب النظر إلى الدليل العلمي في إطار بقية البينات.

 

 

المبحث الحادي عشر: الأسلحة النارية والمقذوفات والفحص البالستي

 

يختص الفحص البالستي بدراسة الأسلحة والذخائر والمقذوفات والظروف المرتبطة بالإطلاق، وقد يساعد في الإجابة عن أسئلة جوهرية، منها:

  • هل السلاح صالح للإطلاق؟
  • هل الظرف الفارغ خرج من هذا السلاح؟
  • هل المقذوف أُطلق من ماسورته؟
  • ما مسافة الإطلاق؟
  • ما اتجاه المقذوف؟
  • هل وقع الإطلاق عرضاً؟
  • هل توجد آثار بارود على يد المتهم أو ملابسه؟
  • هل يمكن أن يكون المقذوف قد ارتد عن سطح آخر؟

 

 

أولاً: مطابقة السلاح بالمقذوف

 

تترك أجزاء السلاح الناري على الظرف والمقذوف علامات دقيقة قد تستخدم للمقارنة.

غير أن جودة النتيجة تتوقف على سلامة المقذوف وعدم تشوهه، وعلى كفاية العلامات للمضاهاة، وعلى خبرة الفاحص.

ولا يكفي القول إن المقذوف «من العيار نفسه»، لأن العيار الواحد تستخدمه أسلحة كثيرة.

المطلوب هو تحديد ما إذا كانت العلامات الفردية تسمح بنسبة المقذوف إلى السلاح المعروض.

 

 

ثانياً: آثار البارود

 

قد تستعمل فحوص بقايا الإطلاق لدعم القول إن شخصاً أطلق سلاحاً أو كان قريباً من عملية الإطلاق، إلا أن النتيجة تحتاج إلى تفسير دقيق، لأن الآثار قد تنتقل:

  • من سلاح أو ذخيرة جرى لمسها.
  • من شخص آخر.
  • من داخل مركبة أو مكان ملوث.
  • أثناء القبض أو النقل.
  • بسبب مهنة الشخص أو احتكاكه ببيئة معينة.

كما أن عدم العثور على الآثار لا ينفي الإطلاق قطعاً، لأنها قد تزول بالغسل أو الاحتكاك أو مرور الوقت.

 

 

ثالثاً: مسافة واتجاه الإطلاق

 

يمكن الاستدلال على المسافة من:

  • آثار السخام.
  • احتراق الجلد أو الملابس.
  • توزع حبيبات البارود.
  • شكل فتحة الدخول.
  • وجود أثر فوهة السلاح.

وقد يؤدي الخطأ في تقدير المسافة إلى تغيير الوصف القانوني للواقعة؛ فالإطلاق من مسافة قريبة قد ينسجم مع رواية تختلف عن الإطلاق من مسافة بعيدة.

 

 

 

المبحث الثاني عشر: التسجيلات الصوتية وبصمة الصوت

 

قد تكون التسجيلات الهاتفية أو الصوتية دليلاً مهماً، لكنها تثير أسئلة فنية وقانونية دقيقة تتعلق بالمشروعية، والأصالة، والنسبة، وسلامة المحتوى.

 

 

أولاً: ما الذي يجب إثباته في التسجيل؟

 

لا يكفي سماع صوت يشبه صوت المتهم، بل ينبغي التحقق من:

  • مصدر التسجيل.
  • الجهاز الذي أُنشئ عليه.
  • تاريخ التسجيل.
  • عدم القص أو الدمج.
  • اكتمال المحادثة.
  • هوية المتحدثين.
  • الظروف الصوتية المحيطة.
  • الطريقة التي جرى بها الحصول عليه.

 

 

ثانياً: هل بصمة الصوت قطعية؟

 

تحليل الصوت قد يستند إلى خصائص النطق والتردد والإيقاع وبعض السمات الفنية، لكنه يتأثر بعوامل عديدة، منها:

  • جودة التسجيل.
  • الضوضاء.
  • ضغط الملف.
  • تغير الصوت بسبب المرض أو الانفعال.
  • تقليد الصوت.
  • قصر المقطع.
  • اختلاف الجهاز أو وسيلة الاتصال.

ولذلك ينبغي تجنب التعامل مع النتيجة الاحتمالية على أنها تطابق قطعي.

 

 

ثالثاً: وسائل الطعن في التسجيل

 

  • طلب الملف الأصلي لا النسخة المتداولة.
  • فحص البيانات الوصفية.
  • التحقق من وجود انقطاعات أو قص.
  • مقارنة مدة الملف بسياق الحديث.
  • طلب تفريغ كامل للمحادثة.
  • إجراء خبرة مستقلة.
  • مناقشة قانونية التسجيل ومشروعية الحصول عليه.

 

 

المبحث الثالث عشر: الصور والفيديو وكاميرات المراقبة

 

أصبحت كاميرات المراقبة من أكثر وسائل الإثبات شيوعاً، وقد تسجل وجود المتهم أو المركبة أو تسلسل الواقعة.

لكنها لا تعفي المحكمة من التحقق من سلامة المادة المرئية.

 

 

أولاً: شروط الاعتماد على التسجيل المرئي

 

يجب التحقق من:

  • الكاميرا التي التقطت التسجيل.
  • موقعها وزاوية التصوير.
  • دقة الوقت والتاريخ.
  • وجود فرق بين ساعة الجهاز والوقت الحقيقي.
  • استمرارية التسجيل.
  • عدم حذف أجزاء منه.
  • جودة الصورة.
  • مصدر النسخة المقدمة.
  • طريقة استخراجها.
  • عدم التعديل أو التحسين المضلل.

 

 

ثانياً: خطأ التوقيت

 

قد تكون ساعة الكاميرا متقدمة أو متأخرة، وقد يعاد ضبطها أو تفقد الإعدادات بعد انقطاع الكهرباء.

ولذلك لا يصح بناء استنتاج زمني حاسم دون مقارنة توقيتها بمصدر مستقل.

 

 

ثالثاً: التعرف إلى الأشخاص

 

قد يستند التعرف إلى:

  • ملامح الوجه.
  • الطول والبنية.
  • طريقة المشي.
  • الملابس.
  • الحركات.
  • المركبة.
  • الأدوات المحمولة.

غير أن الملابس أو الهيئة العامة لا تكفي وحدها، ولا سيما في المقاطع منخفضة الدقة.

ويجب التمييز بين قول الخبير إن الشخص «يشبه» المتهم وبين تأكيد هويته.

 

 

رابعاً: دور الفيديو في إثبات البراءة

 

قد يكشف التسجيل أن:

  • المتهم لم يدخل المكان.
  • شخصاً آخر ارتكب الفعل.
  • وقت الواقعة يختلف عن لائحة الاتهام.
  • المجني عليه بدأ الاعتداء.
  • المتهم كان يدافع عن نفسه.
  • محضر الضبط لا يتفق مع المشهد الحقيقي.
  • الأدلة نقلت أو وضعت بعد الواقعة.

 

 

المبحث الرابع عشر: البريد الإلكتروني والرسائل الإلكترونية بوصفها دليلاً جنائياً

 

لا تكتسب الرسالة الإلكترونية حجيتها لمجرد ظهورها مطبوعة على ورقة أو داخل لقطة شاشة، وإنما تتحدد قيمتها وفق مدى إمكان التحقق من مصدرها وسلامتها ونسبتها إلى صاحبها.

وقد بين المرجع المتخصص في حجية البريد الإلكتروني أن قوة المحرر الإلكتروني ترتبط بقدرته على تحديد مصدره، وسلامة محتواه، وإمكان حفظه والرجوع إليه، وبوجود توقيع إلكتروني موثوق عند الاقتضاء.

كما فرّق بين البريد الموقع إلكترونياً والبريد غير الموقع، وبين الوثيقة الأصلية والصورة المنقولة عنها.

 

 

أولاً: ما الذي يجب إثباته؟

 

  • أن الحساب يعود إلى الشخص.
  • أن الشخص كان يسيطر عليه وقت الإرسال.
  • أن الرسالة خرجت فعلاً من الحساب.
  • أنها لم تتعرض للتعديل.
  • أن محتواها كامل.
  • أن المرفقات هي ذاتها المرسلة.
  • أن توقيتها صحيح.
  • أن الخادم أو النظام يحتفظ بسجل يدعم الواقعة.

 

 

ثانياً: الفرق بين الحساب وصاحبه

 

قد يكون الحساب مسجلاً باسم شخص، لكنه:

  • مخترق.
  • مشترك بين عدة أشخاص.
  • مفتوحاً على جهاز يستخدمه الغير.
  • جرى إنشاؤه بانتحال الاسم.
  • تركه صاحبه دون حماية.

لذلك لا بد من الربط بين الحساب والمتهم بواسطة أدلة فنية وواقعية متكاملة.

 

 

ثالثاً: حجية لقطة الشاشة

 

لقطة الشاشة قد تصلح قرينة أولية، لكنها لا تكشف عادة:

  • مصدر الرسالة الفني.
  • بيانات الخادم.
  • التعديلات التي أجريت.
  • سلسلة المحادثة الكاملة.
  • هوية الجهاز.
  • زمن الإنشاء الحقيقي.

ولهذا يكون فحص الجهاز أو النسخة الرقمية الأصلية أكثر قوة من صورة مطبوعة منفردة.

 

 

المبحث الخامس عشر: التنويم المغناطيسي في التحقيق الجنائي

 

تناولت مراجع الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية استخدام التنويم المغناطيسي ضمن الوسائل التي سعى العلم إلى توظيفها في التحقيق، إلى جانب التحليل التخديري وكشف الكذب والكلاب البوليسية وأجهزة المراقبة الإلكترونية.

ويظهر من فهرس المرجع المتخصص أنه أفرد لكل وسيلة مبحثاً مستقلاً تناول تعريفها وأساسها العلمي وموقف الفقه والتشريع والقضاء منها.

يقوم التنويم المغناطيسي على إحداث حالة من التركيز والاسترخاء تجعل الشخص أكثر استجابة للإيحاء. وقد استخدم أحياناً لمحاولة استرجاع تفاصيل من ذاكرة شاهد أو مجني عليه.

 

 

أولاً: مشكلات هذه الوسيلة

 

  • قابلية الشخص للإيحاء.
  • إمكان تكوين ذكريات غير حقيقية.
  • خلط الواقع بالخيال.
  • تأثير أسئلة القائم على الجلسة.
  • صعوبة التحقق من دقة الإجابات.
  • احتمال ترسخ المعلومة الخاطئة في الذاكرة.

 

 

ثانياً: قيمتها الإثباتية

 

لا ينبغي اعتبار ما يصدر أثناء التنويم اعترافاً قضائياً صالحاً للإدانة، ولا شهادة مستقلة مكتملة الحجية.

وقد تستخدم المعلومات الناتجة عنه، في أضيق الحدود، كوسيلة استدلال تقود إلى دليل خارجي مستقل، بشرط عدم المساس بحرية الإرادة وحقوق الشخص.

 

 

ثالثاً: موقف الدفاع

 

إذا استند التحقيق إلى معلومات استخرجت بالتنويم، فعلى الدفاع أن يطلب:

  • تسجيل الجلسة كاملة.
  • معرفة مؤهلات القائم بها.
  • الاطلاع على الأسئلة المستخدمة.
  • بيان مدى قابلية الشخص للإيحاء.
  • استبعاد الأقوال التي لم تتأكد بدليل مستقل.

 

 

 

المبحث السادس عشر: التحليل التخديري أو ما يعرف بمصل الحقيقة

 

يقصد بالتحليل التخديري إعطاء الشخص مادة تؤثر في وعيه ومقاومته النفسية، أملاً في الحصول على معلومات لا يدلي بها في حالته الطبيعية.

غير أن وصف هذه المواد بأنها «مصل للحقيقة» وصف غير علمي دقيق؛ لأن انخفاض مقاومة الشخص لا يعني أن كلامه يصبح صحيحاً.

فقد يتحدث بخيال أو ذكريات مشوشة، أو يخلط بين أحداث واقعية ومتخيلة.

 

أهم الاعتراضات القانونية والعلمية:

  • المساس بحرية الإرادة.
  • انتهاك سلامة الجسد.
  • تعريض الشخص لمخاطر صحية.
  • عدم موثوقية الأقوال الناتجة.
  • مخالفة حق المتهم في الصمت.
  • إمكان الإيحاء والتوجيه.

تعارضها مع كرامة الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة.

ولهذا لا يصلح ما ينتج عنها أساساً منفرداً للحكم بالإدانة، كما لا يجوز تحويل إجراء طبي يمس الجسد والعقل إلى أداة لإجبار الإنسان على تقديم دليل ضد نفسه.

 

 

المبحث السابع عشر: الاستعانة بالكلاب البوليسية

 

تعتمد الكلاب البوليسية على قوة حاسة الشم في تتبع الروائح أو الكشف عن المخدرات والمتفجرات والجثث وبعض المواد.

وقد تكون نتيجة الاستعانة بها مفيدة في توجيه التحقيق، لكنها لا تخلو من احتمالات الخطأ؛ إذ قد تتأثر بسلوك المدرب والبيئة واختلاط الروائح وطول المدة وظروف المكان.

 

 

أولاً: صور استخدامها

 

  • تتبع أثر شخص.
  • التعرف إلى رائحة مرتبطة بعينة.
  • الكشف عن المخدرات.
  • البحث عن جثث.
  • العثور على متفجرات أو أسلحة.

 

 

ثانياً: حدود حجيتها

 

  • استجابة الكلب لا تثبت وحدها:
  • ملكية المادة.
  • علم المتهم بها.
  • صلته القانونية بالمكان.
  • ارتكابه الجريمة.
  • سلامة العينة المستخدمة للمقارنة.
  • وقد تكون الرائحة قد انتقلت إلى المكان أو الشيء بصورة عرضية.

 

 

ثالثاً: أسئلة الدفاع الجوهرية

 

  1. هل الكلب مدرب ومعتمد؟
  2. متى كان آخر اختبار لكفاءته؟
  3. هل كانت الاستجابة واضحة؟
  4. هل عرف المدرب مسبقاً مكان المادة؟
  5. هل جرت التجربة بطريقة عمياء؟
  6. هل كانت البيئة ملوثة بروائح أخرى؟
  7. هل يوجد تسجيل للإجراء؟
  8. هل دعمت النتيجة بأدلة مادية مستقلة؟

 

 

المبحث الثامن عشر: أجهزة المراقبة الإلكترونية وتتبع الاتصالات

 

تشمل وسائل المراقبة الحديثة:

  • التنصت على الاتصالات.
  • تتبع الموقع الجغرافي.
  • مراقبة البريد الإلكتروني.
  • كاميرات المراقبة.
  • أجهزة التتبع المثبتة بالمركبات.
  • سجلات الدخول إلى الأنظمة.
  • مراقبة الشبكات والبيانات.

وقد تناول المرجع المتخصص أجهزة المراقبة الإلكترونية ضمن وسائل الإثبات الجنائي العلمية، مع بيان مفهومها وموقف التشريعات والقضاء منها.

 

 

أولاً: مشروعية المراقبة

 

لا يكفي أن تنتج المراقبة دليلاً صحيحاً من الناحية الفنية، بل يجب أن تكون قد تمت وفق القانون، نظراً إلى ما تنطوي عليه من مساس بالخصوصية وسرية الاتصالات.

 

ومن المسائل التي ينبغي فحصها:

  • الجهة التي أصدرت الإذن.
  • نطاقه الزمني.
  • الأشخاص المشمولون به.
  • نوع الاتصالات المسموح بمراقبتها.
  • سبب المراقبة.
  • الالتزام بحدود الإذن.
  • حفظ التسجيلات وسلامتها.

 

 

ثانياً: تجاوز حدود الإذن

 

إذا كان الإذن موجهاً لمراقبة رقم محدد أو شخص معين، فلا يجوز التوسع فيه دون سند.

كما يجب التحقق من عدم استمرار المراقبة بعد انتهاء المدة.

 

 

ثالثاً: استخدام المراقبة لإثبات البراءة

 

قد تكشف التسجيلات أو البيانات:

  • عدم مشاركة المتهم في التخطيط.
  • أن الحديث اجتزئ من سياقه.
  • أن شخصاً آخر كان يستخدم الهاتف.
  • أن المتهم رفض ارتكاب الفعل.
  • أن الاتصال وقع في وقت أو مكان يناقض رواية الاتهام.
  • عدم وجود تواصل مزعوم بين المتهم وبقية الأشخاص.

 

 

المبحث التاسع عشر: المعاينة والكشف وإعادة تمثيل الجريمة

 

المعاينة هي انتقال المحكمة أو جهة التحقيق إلى المكان أو فحص الشيء المتنازع عليه لإدراك حالته مباشرة.

وتعد من الوسائل المهمة في القضايا التي تتوقف على طبيعة الموقع والمسافات والرؤية والإضاءة وإمكان وقوع الحادث بالصورة المروية.

وتبين موسوعة نظرية الإثبات أن المعاينة والخبرة يمكن أن تثبت بهما الوقائع المادية، لكنهما ليستا ملزمتين للمحكمة بذاتهما، وللمحكمة تقدير نتيجتهما، على أن تبين أسبابها إذا طرحت ما انتهت إليه الإجراءات الفنية.

 

 

أولاً: ما الذي تكشفه المعاينة؟

 

  • مدى إمكان رؤية الشاهد للواقعة.
  • المسافة بين الأطراف.
  • موضع الكاميرات.
  • منافذ الدخول والخروج.
  • اتجاه الإضاءة.
  • إمكان سماع الأصوات.
  • مكان العثور على المضبوطات.
  • انسجام مخطط الموقع مع محضر الضبط.

 

 

ثانياً: إعادة تمثيل الجريمة

 

قد تساعد إعادة التمثيل في اختبار إمكان وقوع الفعل بالطريقة المدعاة، لكنها لا تخلو من المخاطر، ولا سيما إذا كان المتهم قد أُجبر على أداء دور يفهم منه الإقرار.

ويجب التحقق من:

  • طوعية المشاركة.
  • وجود الدفاع.
  • تصوير الإجراء كاملاً.
  • عدم تلقين المتهم.
  • مطابقة ظروف التمثيل للظروف الحقيقية.
  • عدم تقديم النتيجة باعتبارها اعترافاً مستقلاً.

 

 

المبحث العشرون: الخبرة القضائية وحدود حجيتها

 

الخبرة وسيلة فنية تعين المحكمة على فهم مسألة لا تستطيع حسمها بالمعرفة القانونية وحدها.

وقد تكون طبية أو هندسية أو رقمية أو محاسبية أو وراثية أو كيميائية.

وقد صنفت موسوعة نظرية الإثبات الخبرة والمعاينة والقرائن القضائية ضمن الأدلة غير الملزمة التي تخضع لتقدير المحكمة؛ فلها أن تأخذ بها أو تطرحها أو تجزئها، بشرط أن تقيم قضاءها على أسباب سائغة.

 

أولاً: شروط الخبرة

 

  • اختصاص الخبير.
  • حياده.
  • وضوح المهمة.
  • الاطلاع على المواد الأصلية.
  • استعمال منهج معروف.
  • توثيق خطوات الفحص.
  • بيان حدود النتيجة.
  • الإجابة عن أسئلة المحكمة والخصوم.
  • إمكان مراجعة التقرير.

 

 

ثانياً: القصور في تقرير الخبرة

 

يكون التقرير قاصراً عندما:

  • يذكر النتيجة دون منهج.
  • لا يبين العينات التي فحصها.
  • لا يوضح الأجهزة المستخدمة.
  • يتجاوز اختصاص الخبير.
  • يفصل في مسألة قانونية.
  • لا يناقش الفرضيات البديلة.
  • يعتمد على نسخة غير أصلية.
  • يتجاهل مستندات جوهرية.
  • يصدر بعبارات جازمة رغم احتمالية الفحص.

 

 

ثالثاً: تعدد الخبرات

 

عند تعارض تقريرين، لا يجوز ترجيح أحدهما لمجرد أنه صادر عن جهة رسمية، بل يجب فحص:

  • كفاءة الخبراء.
  • المواد التي اطلعوا عليها.
  • المنهج المستخدم.
  • مدى وضوح الأسباب.
  • توافق النتيجة مع بقية الأدلة.

وقد يكون من الضروري تشكيل لجنة جديدة أو إجراء خبرة مكررة.

 

 

المبحث الحادي والعشرون: القرينة العلمية والقيمة الاحتمالية للدليل

 

القرينة هي استنتاج واقعة مجهولة من واقعة معلومة.

وقد تكون الواقعة المعلومة قد ثبتت بوسيلة علمية، مثل وجود هاتف في نطاق برج خلوي أو وجود أثر دم على قطعة ملابس.

لكن الانتقال من الحقيقة العلمية إلى النتيجة الجنائية يجب أن يتم بحذر.

أمثلة على الخلط بين الواقعة والاستنتاج

 

المثال الأول

 

الواقعة العلمية: عُثر على بصمة المتهم في المركبة.

الاستنتاج غير اللازم: المتهم سرق المركبة.

فقد يكون ركبها سابقاً بصورة مشروعة.

 

 

المثال الثاني

 

الواقعة العلمية: هاتف المتهم كان في نطاق برج قريب من مكان الجريمة.

الاستنتاج غير اللازم: المتهم كان داخل مسرح الجريمة.

فالبرج قد يغطي مساحة واسعة، وقد يكون الهاتف مع شخص آخر.

 

المثال الثالث

 

الواقعة العلمية: كشف التحليل وجود مادة مخدرة في البول.

الاستنتاج غير اللازم: كان المتهم تحت تأثير المخدر أثناء القيادة.

 

 

المثال الرابع

 

الواقعة العلمية: ظهر الحمض النووي للمتهم على ثوب المجني عليه.

الاستنتاج غير اللازم: المتهم ارتكب الاعتداء.

فقد توجد علاقة سابقة أو تفسير مشروع لانتقال الأثر.

ومن هنا يجب على الدفاع تفكيك الدليل إلى مستويين: ما أثبته العلم فعلاً، وما استنتجته جهة الاتهام منه.

 

 

المبحث الثاني والعشرون: ضوابط تكوين القناعة القضائية من الأدلة العلمية

 

لا يكفي أن تذكر المحكمة أنها اطمأنت إلى تقرير الخبير، بل ينبغي أن يكون اطمئنانها مبنياً على عناصر ظاهرة في الدعوى.

 

 

أولاً: مشروعية الدليل

 

الدليل الناتج عن إجراء غير مشروع قد يثير مسألة الاستبعاد أو البطلان، ولا سيما إذا تعلق بحرمة الجسد أو الخصوصية أو سرية الاتصالات.

 

 

ثانياً: سلامة المصدر

 

يجب أن يكون الشيء المفحوص هو ذاته المتصل بالجريمة، وأن تثبت هويته منذ جمعه حتى فحصه.

 

 

ثالثاً: صلاحية المنهج

 

يجب أن تكون الوسيلة المستعملة معترفاً بها علمياً ومناسبة لنوع العينة والغرض من الفحص.

 

 

رابعاً: كفاءة الخبير

 

ليس كل من يستعمل جهازاً خبيراً في تفسير نتائجه، ولا تكفي المهارة التشغيلية دون المعرفة العلمية.

 

 

خامساً: وضوح نسبة الخطأ

 

ينبغي بيان ما إذا كانت النتيجة قطعية أو احتمالية، وما حدود الدقة، وما العوامل التي قد تؤثر فيها.

 

 

سادساً: توافق النتيجة مع بقية الأدلة

 

قد تكون النتيجة العلمية صحيحة في ذاتها، لكنها لا تثبت التهمة عند وضعها في سياق الدعوى.

 

 

سابعاً: تمكين الدفاع من المناقشة

 

لا تكتمل عدالة الدليل العلمي إلا بإتاحة:

  • الاطلاع على التقرير.
  • الحصول على نسخة منه.
  • طلب إعادة الفحص.
  • تقديم خبير استشاري.
  • فحص العينة المقابلة متى أمكن.

 

المبحث الثالث والعشرون: استراتيجية الدفاع العلمي: كيف أثبت براءتي خطوة بخطوة؟

 

المرحلة الأولى: تثبيت الوقائع فوراً

 

ينبغي تسجيل التسلسل الزمني الكامل:

  • أين كنت؟
  • مع من؟
  • كيف انتقلت؟
  • ما الأجهزة التي كانت معك؟
  • ما الأماكن التي دخلتها؟
  • هل استخدمت بطاقة بنكية؟
  • هل أجريت مكالمات؟
  • هل ظهرت في كاميرات؟

 

 

المرحلة الثانية: المحافظة على الأدلة

يجب التحرك لحفظ:

  • كاميرات المنشآت.
  • بيانات شركات الاتصالات.
  • البريد الإلكتروني.
  • سجلات الدوام.
  • بيانات المركبة.
  • الفواتير الإلكترونية.
  • رسائل التطبيقات.
  • السجلات الطبية.
  • المواقع الجغرافية.

 

 

المرحلة الثالثة: تحديد نظرية الاتهام في القضايا الجزائية

يجب معرفة ما الذي تدعيه النيابة بدقة:

  • وقت الجريمة.
  • مكانها.
  • وسيلة ارتكابها.
  • دور كل متهم.
  • الدليل الذي يربط المتهم بها.
  • المرحلة الرابعة: إعداد جدول تعارض

 

 

المرحلة الرابعة: تحديد الطلبات الفنية

قد تشمل:

  1. إعادة التحليل.
  2. حفظ العينة المتبقية.
  3. ندب لجنة خبرة.
  4. فحص الجهاز الأصلي.
  5. استخراج سجلات الخادم.
  6. إحضار الخبير للمناقشة.
  7. إجراء كشف أو معاينة.
  8. طلب كاميرات إضافية.
  9. مخاطبة شركات الاتصالات.
  10. فحص التوقيت الرقمي.

 

المرحلة السادسة: صياغة الدفاع بلغة علمية

من الخطأ الاكتفاء بعبارات مثل:

التقرير غير صحيح.

مثل ان يقال:

لم يبين التقرير نوع الاختبار التأكيدي، ولا الحد الفاصل للنتيجة، ولم يحدد تركيز المادة، كما لم يوضح ظروف حفظ العينة أو ما إذا كانت مختومة عند وصولها، الأمر الذي يمنع الرقابة على سلامة النتيجة ومدى نسبتها إلى المتهم.

 

 

المبحث الرابع والعشرون: أهم الأسئلة التي توجه إلى الخبير

 

في الأدلة الرقمية

  1. هل فُحص الجهاز الأصلي؟
  2. هل أخذت نسخة جنائية؟
  3. ما قيمة البصمة الرقمية للملف؟
  4. هل تغيرت بعد الاستخراج؟
  5. هل توجد بيانات وصفية؟
  6. هل حُذفت أجزاء؟
  7. هل يمكن أن يستخدم الجهاز أكثر من شخص؟

 

في التسجيلات

  1. هل الملف أصلي؟
  2. هل توجد مؤشرات قص أو دمج؟
  3. هل التسجيل كامل؟
  4. ما درجة جودة الصوت؟
  5. ما نسبة احتمال الخطأ في المطابقة؟
  6. هل استبعد الخبير الأصوات المشابهة؟

 

في الطب الشرعي

  1. هل النتيجة قطعية أم تقديرية؟
  2. ما الهامش الزمني المحتمل؟
  3. هل تتفق الإصابة مع الأداة المضبوطة؟
  4. هل يوجد سبب بديل للوفاة؟
  5. هل يمكن أن تكون الإصابة عرضية؟
  6. هل أثرت الحالة المرضية في النتيجة؟

 

 

المبحث السادس والعشرون: الأخطاء التي قد تؤدي إلى الإدانة رغم وجود دليل براءة

 

1. التأخر في طلب الكاميرات

 

قد تمحى التسجيلات تلقائياً خلال مدة قصيرة.

 

 

2. تسليم الهاتف بعد العبث به

 

 

قد يؤدي الحذف أو إعادة الضبط إلى ضياع بيانات نافعة أو إثارة الشبهة.

 

 

3. عدم طلب نسخة من تقرير المختبر

 

لا يمكن إعداد دفاع فني دون معرفة منهج الفحص ونتيجته التفصيلية.

 

 

4. عدم مناقشة الخبير

 

قد تبقى العبارات الاحتمالية في التقرير وكأنها نتائج قطعية.

 

 

5. إغفال الدليل السلبي

 

أحياناً يكون عدم العثور على الأثر في مكان يفترض وجوده فيه نقطة دفاع مهمة، ولو لم يكن وحده حاسماً.

 

 

6. تقديم رواية متغيرة

 

التناقض في تفسير المتهم للدليل العلمي قد يضعف موقفه.

 

 

7. الاعتماد على صورة إلكترونية غير موثقة

 

قد يرفض الدليل أو تقل قيمته لعدم حفظ المصدر الأصلي.

 

 

8. تأخير الاعتراض الإجرائي

 

تظهر بعض المراجع القضائية أن بعض الاعتراضات على طرق الإثبات يجب إثارتها أمام محكمة الموضوع في الوقت المناسب، وأن السكوت عن الاعتراض ثم مناقشة الدليل قد يُفهم في بعض الأنظمة على أنه تنازل عن الدفع.

 

 

النتائج

يتبين من هذه الدراسة أن الإثبات العلمي غير وجه العدالة الجنائية، لكنه لم يلغ دور القاضي أو الدفاع، ولم يجعل المختبر بديلاً عن المحاكمة.

 

 

ويمكن تلخيص أهم النتائج في الآتي:

 

  1. الدليل العلمي ليس حجة مطلقة لمجرد صدوره عن خبير أو مختبر.
  2. قوة الدليل تبدأ من سلامة جمعه وحفظه، لا من لحظة ظهور النتيجة.
  3. سلسلة الحيازة جزء من حجية الدليل وليست مسألة إدارية هامشية.
  4. معظم الوسائل العلمية تثبت واقعة مادية محددة، ولا تثبت وحدها المسؤولية الجزائية.
  5. التمييز واجب بين وجود الأثر وبين زمن وجوده وسبب انتقاله.
  6. النتيجة الاحتمالية لا يجوز تقديمها بلغة القطع.
  7. الخبرة تخضع للمناقشة والتقدير، ولا تلزم المحكمة بذاتها، وإن كان طرحها يستلزم تسبيباً سائغاً.
  8. الأدلة الرقمية تحتاج إلى إثبات أصالتها ونسبتها وسلامة استخراجها.
  9. وسائل مثل كشف الكذب والتنويم والتحليل التخديري لا ترقى في ذاتها إلى دليل يقيني صالح للإدانة.
  10. إثبات البراءة قد يتحقق بهدم دليل الاتهام دون أن يثبت المتهم هوية الفاعل الحقيقي.
  11. يجب على الدفاع التحرك سريعاً قبل زوال الأدلة الرقمية أو تلف العينات.
  12. لا تكون القناعة القضائية سائغة إلا إذا قامت على أدلة مشروعة، مترابطة، قابلة للمناقشة، وتجاوزت دائرة الشبهة والاحتمال.

 

 

التوصيات

 

ينبغي تعزيز تنظيم الإثبات العلمي من خلال:

  1. وضع قواعد واضحة لسلسلة حيازة الأدلة.
  2. حفظ عينات احتياطية لإعادة الفحص.
  3. اعتماد المختبرات والخبراء وفق معايير فنية معلنة.
  4. إلزام التقارير ببيان المنهج ونسبة الخطأ وحدود النتيجة.
  5. تمكين الدفاع من الحصول على البيانات الخام عند الحاجة.
  6. تنظيم استخدام تقنيات التعرف إلى الوجه والصوت والذكاء الاصطناعي.
  7. وضع ضوابط لاكتشاف المحتوى المصطنع والتزييف العميق.
  8. عدم بناء الإدانة على وسيلة علمية احتمالية منفردة.
  9. توسيع التدريب العلمي للقضاة وأعضاء النيابة والمحامين.
  10. تمكين المحكمة من الاستعانة بخبير محايد عند تعارض التقارير.

 

 

الخاتمة العامة

 

إن السؤال: كيف أثبت براءتي؟ لا تكون إجابته دائماً بتقديم شاهد ينفي التهمة أو مستند يثبت الوجود في مكان آخر، وإنما قد تبدأ الإجابة بفحص أدق التفاصيل التي مر بها دليل الاتهام.

فقد تكون البراءة في ختم مفقود على عينة، أو في فرق زمني داخل تسجيل، أو في عدم إجراء فحص تأكيدي، أو في خلط بين وجود المادة والتأثر بها، أو في بيانات تثبت أن الهاتف كان مع غير صاحبه، أو في حقيقة أن البصمة لا تحدد وقت لمس الشيء، أو أن الحمض النووي لا يثبت كيفية انتقاله.

والدليل العلمي، مهما بلغت دقته، لا ينطق من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى من يجمعه ويحفظه ويفحصه ويفسره. وفي كل مرحلة يمكن أن يقع خطأ يؤثر في عدالة النتيجة.

لذلك فإن الدفاع الجنائي المعاصر لا يواجه العلم بإنكاره، وإنما يواجه الدليل العلمي بالعلم ذاته؛ فيسأل عن المصدر، والمنهج، والعينة، وسلسلة الحيازة، ونسبة الخطأ، والتفسير البديل، وحدود ما تستطيع النتيجة إثباته.

ويبقى الأصل الذي يحكم الدعوى الجزائية أن المتهم لا يُدان لأن روايته ضعيفة، ولا لأنه عجز عن إثبات البراءة بصورة قطعية، وإنما يُدان فقط عندما تقدم جهة الاتهام دليلاً مشروعاً متماسكاً يثبت الجريمة ونسبتها إليه بما يكفي لتكوين قناعة قضائية جازمة.

فالبراءة لا تحتاج دائماً إلى دليل يهدم القضية كلها؛ وقد يكفيها أن يكشف الدفاع خللاً جوهرياً في حلقة واحدة من سلسلة الاتهام، لأن السلسلة لا تكون أقوى من أضعف حلقاتها.

 

 

إعداد: المحامي محمد زهير العبادي

 

مكتب العبادي للمحاماة

 

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962 ، 064922183

الإثبات الجنائي بالوسائل العلمية

جريمة الغش في المبيع في القانون الأردني

جريمة الغش في المبيع

جريمة الغش في المبيع في القانون الأردني

 

أركانها، وعقوبتها، وأحدث اجتهادات محكمة التمييز

 

مقدمة

 

تُعد جريمة الغش في المبيع من الجرائم التي تمس الثقة الواجبة في المعاملات المالية والتجارية، إذ لا يقتصر أثرها على الإضرار بالمشتري فحسب، وإنما يمتد ليزعزع الثقة في الأسواق ويقوض مبدأ حسن النية الذي يقوم عليه التعامل بين الأفراد.

فكل عملية بيع تفترض أن يقدم البائع للمشتري المبيع بالحالة التي اتفق عليها، وأن يمتنع عن كل وسيلة من شأنها تضليل المتعاقد الآخر أو إخفاء حقيقة المبيع أو صفاته الجوهرية.

وقد أدرك المشرع الأردني خطورة هذا السلوك، فجرّمه في قانون العقوبات، وفرض عليه عقوبات سالبة للحرية ومالية، إدراكاً منه أن الحماية المدنية المتمثلة في فسخ العقد أو التعويض لا تكفي وحدها لمواجهة صور الغش التي تقوم على الخداع وسوء النية.

كما أوجد تشريعات خاصة، كقانون المواصفات والمقاييس، لمواجهة بعض صور الغش الفني أو الصناعي أو التجاري التي تتعلق بسلامة المنتجات ومطابقتها للقواعد الفنية.

ولم يقف القضاء الأردني عند حدود التطبيق الحرفي للنصوص، بل أسهم من خلال اجتهادات محكمة التمييز في رسم معالم هذه الجريمة، فحدد أركانها، وبيّن كيفية إثبات القصد الجرمي، وفرق بينها وبين التدليس المدني وضمان العيب الخفي، كما عالج حالات إخفاء العيوب، والغش في بيع المركبات، ومسؤولية الأشخاص المعنويين، والعلاقة بين النصوص العامة في قانون العقوبات والنصوص الخاصة الواردة في التشريعات الاقتصادية.

وتكتسب هذه الجريمة أهمية عملية متزايدة في ظل التطور الكبير الذي شهدته التجارة التقليدية والإلكترونية، وتنوع صور الغش التي قد تقع في بيع المركبات، والعقارات، وغيرها، الأمر الذي يجعل الإحاطة بأحكامها ضرورة لكل محامٍ وقاضٍ وتاجر ومستثمر ومستهلك.

وتستهدف هذه المقالة تقديم دراسة قانونية متخصصة لجريمة الغش في المبيع في القانون الأردني، من خلال تحليل النصوص التشريعية، واستعراض أحدث المبادئ التي استقرت عليها محكمة التمييز الأردنية، مع بيان التطبيقات العملية والدفوع القانونية التي تثار بشأنها.

 

 

أولاً: ماهية جريمة الغش في المبيع

 

يقوم عقد البيع على مبدأ جوهري يتمثل في تطابق إرادة المتعاقدين بشأن محل العقد وصفاته الأساسية، بحيث يقدم البائع للمشتري المبيع بالحالة التي اتفق عليها دون تضليل أو إخفاء للحقيقة.

فإذا تعمد البائع إظهار المبيع على خلاف حقيقته، أو كتم عيباً جوهرياً يعلم بوجوده وكان من شأنه التأثير في قرار المشتري بالتعاقد، انتقل الأمر من مجرد إخلال بالتزام مدني إلى سلوك يجرمه القانون متى توافرت عناصر الجريمة.

ومن هذا المنطلق، فإن الغش في المبيع لا يقصد به كل إخلال بالعقد أو كل عيب يصيب المبيع، وإنما هو سلوك احتيالي يصدر عن البائع بقصد تضليل المشتري بشأن حقيقة المبيع أو صفاته الجوهرية أو نوعه أو مصدره أو كميته، بما يدفعه إلى إبرام الصفقة أو الاستمرار فيها.

وتتجسد خطورة هذه الجريمة في أنها تمس الثقة العامة في التعاملات التجارية، لذلك لم يجعلها المشرع مجرد سبب لفسخ العقد أو التعويض، وإنما رتب عليها مسؤولية جزائية مستقلة حمايةً للمصلحة العامة واستقرار المعاملات.

 

 

ثانياً: الأساس التشريعي لجريمة الغش في المبيع

 

نظم المشرع الأردني هذه الجريمة في المادة (431) من قانون العقوبات، التي تنص على أن:

“كل من غش آخر سواء في كمية الشيء المسلم أو ماهيته إذا كانت هذه الماهية هي السبب الدافع لهذه الصفقة يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبالغرامة من عشرة دنانير إلى خمسين ديناراً أو بإحدى هاتين العقوبتين.”

كما ورد نص مماثل في المادة (433) وفق الصياغة التي تناولتها محكمة التمييز في عدد من أحكامها، والتي وسعت صور الغش لتشمل الغش في طبيعة البضاعة وصفاتها الجوهرية وتركيبها ونوعها ومصدرها متى كان ذلك هو السبب الرئيس للتعاقد.

 

ويتكامل هذا التنظيم مع نصوص أخرى في التشريعات الأردنية، أهمها:

 

  • قانون المواصفات والمقاييس فيما يتعلق بطرح منتجات غير مطابقة للقواعد الفنية أو خلط المحروقات أو خداع المستهلك.
  • القانون المدني فيما يتعلق بالتدليس وضمان العيب الخفي والتعويض عن الفعل الضار.
  • قانون حماية المستهلك في الحدود التي يوفر فيها حماية إضافية للمستهلك من الممارسات التجارية المضللة.

 

 

ثالثاً: التمييز بين الغش في المبيع والتدليس والعيب الخفي

 

يعد الخلط بين هذه المفاهيم من أكثر الإشكالات التي تواجه التطبيق العملي، لذلك حرص القضاء الأردني على التفرقة بينها.

 

1- الغش في المبيع

هو جريمة جزائية تقوم على تعمد البائع تضليل المشتري أو إخفاء الحقيقة بشأن المبيع، ويتطلب توافر القصد الجرمي المتمثل في العلم والإرادة.

ويترتب عليه:

  • العقوبة الجزائية.
  • التعويض المدني إذا ثبت الضرر.
  • إمكانية الجمع بين الدعوى الجزائية والادعاء بالحق الشخصي.

 

2- التدليس

التدليس هو أحد عيوب الإرادة في القانون المدني، ويقوم على استعمال وسائل احتيالية لحمل المتعاقد على إبرام العقد.

ويختلف عن الغش في المبيع في أن:

  • التدليس يهدف إلى حماية رضا المتعاقد.
  • أما الغش في المبيع فيحمي أيضاً الثقة العامة في المعاملات ويترتب عليه عقاب جزائي.

وقد يجتمع التدليس مع الغش في المبيع في واقعة واحدة، كما قد يتحقق أحدهما دون الآخر بحسب ظروف كل حالة.

 

3- العيب الخفي

ضمان العيب الخفي التزام مدني يفرضه القانون على البائع، ويقوم متى كان بالمبيع عيب قديم وخفي ومؤثر، سواء كان البائع حسن النية أم سيئها.

أما جريمة الغش في المبيع فلا تقوم بمجرد وجود العيب، وإنما يشترط أن يثبت أن البائع:

  • كان يعلم بالعيب.
  • وتعمد إخفاءه أو تضليل المشتري بشأنه.

ومن ثم فإن كل غش في المبيع قد يتضمن عيباً خفياً، ولكن ليس كل عيب خفي يشكل جريمة غش.

 

 

رابعاً: الحكمة من تجريم الغش في المبيع

 

يتجاوز الهدف من تجريم الغش مجرد حماية المشتري الفرد، إذ يسعى المشرع إلى تحقيق جملة من المصالح العامة، من أهمها:

  • حماية الثقة في المعاملات التجارية.
  • ضمان نزاهة الأسواق.
  • حماية الاقتصاد الوطني.
  • مكافحة الممارسات التجارية غير المشروعة.
  • حماية المستهلك من التضليل.

ولهذا السبب اعتبرت المحاكم أن المسؤولية الجزائية في هذه الجريمة مستقلة عن الحقوق المدنية الناشئة عن عقد البيع، فلا يمنع وجود دعوى مدنية أو حق في التعويض من قيام المسؤولية الجنائية متى توافرت أركانها.

 

 

خامساً: صور الغش في المبيع

 

لا يقتصر الغش في المبيع على صورة واحدة، وإنما قد يتحقق بعدة صور، من أبرزها:

  • الغش في طبيعة المبيع.
  • الغش في الصفات الجوهرية.
  • الغش في التركيب أو المكونات.
  • الغش في الكمية.
  • الغش في العناصر المفيدة.
  • الغش في النوع.
  • الغش في المصدر أو بلد المنشأ إذا كان محل اعتبار في التعاقد.
  • إخفاء العيوب الجوهرية.
  • إعادة برمجة أو تعديل المنتج لإخفاء الأعطال.
  • تغيير بيانات المنتج أو أوصافه بما يخالف الحقيقة.
  • خلط المواد أو المنتجات بما يؤدي إلى إظهارها على خلاف حقيقتها.

 

ولم يعد الغش في المبيع مقتصراً على السلوك الإيجابي، بل استقر القضاء الأردني على أن الامتناع المتعمد عن الإفصاح عن العيب الجوهري قد يشكل الركن المادي للجريمة متى اقترن بسوء النية وكان من شأنه تضليل المشتري.

وهذا ما ظهر بوضوح في أحكام محكمة التمييز المتعلقة ببيع المركبات، عندما اعتبرت أن إخفاء الأعطال الفنية، ومنع المشتري من فحص المركبة قبل البيع، وإعادة برمجتها لإخفاء الأعطال، كلها قرائن يمكن أن تدل على قيام الغش في المبيع.

 

 

سادساً: أركان جريمة الغش في المبيع

 

تُعد أركان الجريمة حجر الأساس في قيام المسؤولية الجزائية، إذ لا يكفي ثبوت وجود مبيع معيب أو غير مطابق للمواصفات لإدانة البائع، وإنما يجب أن تتوافر جميع الأركان التي تطلبها القانون، وهو ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في العديد من أحكامها، حيث شددت على أن جريمة الغش في المبيع من الجرائم العمدية التي لا تقوم إلا إذا ثبتت أركانها كافة بصورة يقينية، وأن القصد الجرمي فيها لا يفترض وإنما يجب أن يقام الدليل عليه.

 

ويمكن تقسيم أركان الجريمة إلى أربعة عناصر رئيسة هي: الركن المفترض، ومحل الجريمة، والركن المادي، والركن المعنوي.

 

1- الركن المفترض (وجود عقد بيع)

يتميز جرم الغش في المبيع عن كثير من الجرائم الاقتصادية بوجود ركن مفترض يسبقه، يتمثل في وجود علاقة تعاقدية بين الجاني والمجني عليه، إذ لا يمكن تصور الغش في المبيع دون وجود عملية بيع يكون محلها انتقال ملكية شيء مقابل ثمن.

وقد استقر القضاء الأردني على أن المقصود بلفظ “العاقد” الوارد في المادة (431) من قانون العقوبات هو وجود عقد بيع بين الطرفين، ولا يشترط أن يكون هذا العقد مكتوباً، بل يكفي ثبوت انعقاد البيع بأي وسيلة من وسائل الإثبات المقبولة قانوناً.

وتتجلى أهمية هذا الركن في أنه يميز جريمة الغش في المبيع عن جرائم الاحتيال أو الغش التجاري أو الجرائم الواقعة على الأموال، إذ إن مناط التجريم هنا هو إخلال أحد المتعاقدين بالثقة التي قامت عليها عملية البيع.

كما أن القضاء الأردني أكد أن قيام البيع فعلاً هو الذي يفتح المجال لتطبيق النص الجزائي، أما إذا انتفت العلاقة التعاقدية أو عجز الادعاء عن إثباتها، فإن الركن المفترض ينهار، وبالتالي تنتفي الجريمة من أساسها.

 

2- محل الجريمة

محل الجريمة هو البضاعة أو الشيء الذي انصب عليه عقد البيع، سواء كان منقولاً أو منتجاً صناعياً أو مادة غذائية أو مركبة أو محروقات أو أجهزة إلكترونية أو غير ذلك من الأموال التي تصلح لأن تكون محلاً للبيع.

ولا يشترط أن يكون المبيع جديداً، كما لا يشترط أن يكون منتجاً صناعياً، وإنما يكفي أن يكون الشيء محل العقد هو الذي وقع عليه الغش.

 

وقد بينت التطبيقات القضائية أن الغش قد يقع في:

  • بيع المركبات المستعملة مع إخفاء الأعطال الجوهرية.
  • بيع المحروقات المختلطة بالماء.
  • بيع المواد الغذائية المغشوشة.
  • بيع مستحضرات التجميل غير المطابقة للمواصفات.
  • بيع المنتجات التي تحمل بيانات مضللة بشأن مصدرها أو نوعها.

ومن ثم فإن محل الجريمة يتسع لكل ما يصلح أن يكون محلاً للبيع متى كان الغش متعلقاً بخصائصه أو صفاته الجوهرية.

 

3- الركن المادي

يعد الركن المادي أهم أركان الجريمة، لأنه يمثل السلوك الخارجي الذي يترجم الإرادة الإجرامية إلى واقع ملموس.

وقد جاءت المادة (431) من قانون العقوبات بصياغة مرنة تسمح باستيعاب صور متعددة من الغش، وهو ما عززه القضاء الأردني من خلال تفسيره الواسع لهذا الركن.

 

أ- الغش في ماهية المبيع

ويقصد به تقديم المبيع على أنه شيء يختلف عن حقيقته، ومن أمثلته:

  • بيع مادة على أنها أصلية وهي مقلدة.
  • بيع منتج على أنه من علامة تجارية معينة خلافاً للحقيقة.
  • بيع وقود على أنه مطابق للمواصفات وهو مخالف لها.

ويتحقق الغش هنا لأن المشتري تعاقد بناءً على حقيقة غير موجودة.

 

ب- الغش في الصفات الجوهرية

الصفة الجوهرية هي كل وصف كان له أثر جوهري في قرار المشتري بإبرام العقد، ولا يشترط أن تكون هذه الصفة منصوصاً عليها كتابة، وإنما يكفي أن تكون محل اتفاق أو مستقرة في العرف أو مما جرى التعامل على اعتباره أساساً للبيع.

ومن التطبيقات العملية على ذلك:

  • إخفاء تعرض المركبة لحادث جسيم.
  • إخفاء تلف المحرك.
  • إخفاء وجود صدأ هيكلي.
  • إخفاء إصلاحات جوهرية في البناء.

 

ج- الغش في التركيب أو المكونات

ويقصد به تغيير العناصر التي يتكون منها المنتج أو خلطها بما يفقدها حقيقتها.

ومن أمثلته:

  • خلط المحروقات بالماء.
  • خلط الأغذية بمواد غير مطابقة.
  • خلط الزيوت بمواد أقل جودة.
  • إضافة مواد تغير طبيعة المنتج.

وقد أكدت أحكام القضاء أن هذا النوع من الغش قد يندرج في بعض الحالات تحت النصوص الخاصة الواردة في قانون المواصفات والمقاييس إذا كان الفعل يشكل مخالفة لتلك النصوص.

 

د- الغش في الكمية

يتحقق عندما يسلم البائع كمية تختلف عما تم الاتفاق عليه.

ومن ذلك:

  • إنقاص الوزن.
  • إنقاص الحجم.
  • إنقاص العدد.
  • إنقاص المحتوى الحقيقي للمنتج.

ويشترط أن يكون هذا النقص مؤثراً في محل العقد.

 

ه- الغش في النوع أو المصدر

قد تكون السلعة صحيحة من حيث طبيعتها، إلا أن البائع ينسبها إلى:

  • بلد منشأ مختلف.
  • شركة مصنعة مختلفة.
  • نوع أعلى جودة.

وفي هذه الحالة لا تقوم الجريمة إلا إذا كان تعيين النوع أو المصدر سبباً رئيسياً لإبرام البيع، وهو ما نص عليه القانون صراحة.

 

 

4- الغش بالفعل الإيجابي والغش بالامتناع

من أهم المبادئ التي أرستها محكمة التمييز الأردنية أن الركن المادي لا يتحقق بالفعل الإيجابي فقط، وإنما قد يتحقق كذلك بالفعل السلبي.

ويقصد بالفعل الإيجابي كل تصرف يصدر عن البائع بقصد تضليل المشتري، مثل:

  • تغيير بيانات المنتج.
  • إعادة برمجة المركبة لإخفاء الأعطال.
  • تغيير عداد المركبة.
  • تغيير بلد المنشأ.
  • وضع بيانات غير صحيحة على المنتج.

أما الفعل السلبي، فيتمثل في الامتناع عن الإفصاح عن حقيقة يعلمها البائع وكان من شأنها أن تؤثر في قرار المشتري.

 

وقد طبقت محكمة التمييز في قرارها رقم 2023/2020 هذا المبدأ في إحدى القضايا المتعلقة ببيع مركبة، حيث ثبت أن البائع كان على علم بالأعطال الجوهرية بموجب تقرير فني سابق، ومع ذلك امتنع عن إطلاع المشتري عليها، بل رفض تمكينه من فحص المركبة قبل إتمام البيع، ثم عمد إلى إعادة برمجتها لإخفاء الأعطال.

واعتبرت المحكمة أن هذا السلوك يشكل صورة واضحة للغش في المبيع، لأن الامتناع عن الإفصاح كان مقصوداً ويهدف إلى تضليل المشتري.

ويُعد هذا الاجتهاد من أهم التطبيقات القضائية التي وسعت مفهوم الركن المادي، إذ أكدت أن السكوت لا يكون محايداً متى اقترن بواجب قانوني بالإفصاح وبسوء نية البائع.

 

 

سابعاً: الركن المعنوي (القصد الجرمي)

 

لا يكفي تحقق الغش مادياً حتى تقوم الجريمة، وإنما يجب أن يثبت أن البائع قد ارتكب فعله عن علم وإرادة، وهو ما يعرف بالقصد الجرمي.

وقد عرفت المادة (63) من قانون العقوبات القصد الجرمي بأنه إرادة ارتكاب الجريمة كما عرفها القانون، وهو يتكون من عنصرين متلازمين:

 

1- العلم

ويعني أن يكون البائع عالماً بالحقيقة التي يخفيها عن المشتري، فيجب أن يعلم مثلاً:

  • أن المركبة تعرضت لحادث جسيم.
  • أن المنتج مغشوش.
  • أن الوقود مختلط بالماء.
  • أن الجهاز لا يحمل المواصفات المعلن عنها.
  • أن بلد المنشأ غير صحيح.

ولا يكفي مجرد الظن أو الإهمال، بل يجب أن يكون العلم ثابتاً بصورة يقينية أو مستخلصاً من قرائن قوية.

 

2- الإرادة

ويقصد بها اتجاه إرادة الجاني إلى تضليل المتعاقد الآخر، أي أنه رغم علمه بالحقيقة:

  • يواصل البيع.
  • أو يخفي المعلومات.
  • أو يقدم بيانات غير صحيحة.
  • أو يمنع المشتري من اكتشاف الحقيقة.

فتتجه إرادته إلى إتمام الصفقة على أساس معلومات مضللة.

 

3- القصد الجرمي غير مفترض

من أهم المبادئ التي استقر عليها القضاء الأردني، أن القصد الجرمي في جريمة الغش بالمبيع لا يفترض.

فلا يكفي لإدانة البائع لمجرد كونه مالكاً للمبيع أو كونه تاجراً أو وقوع الضرر، أو ثبوت وجود عيب، بل يجب أن تثبت النيابة العامة أن المشتكى عليه كان يعلم بالغش وتعمد إخفاءه أو تضليل المشتري بشأنه.

وهذا المبدأ يمثل ضمانة أساسية لاحترام قرينة البراءة، ويمنع تحويل المسؤولية الجزائية إلى مسؤولية مفترضة، وهو ما ينسجم مع المبادئ العامة في قانون العقوبات.

وبذلك يتبين أن جريمة الغش في المبيع ليست من الجرائم التي تقوم بمجرد وقوع الضرر أو وجود مخالفة فنية، وإنما هي جريمة عمدية دقيقة البنيان، لا تتحقق إلا باجتماع جميع أركانها، وهو ما يفسر اختلاف النتائج التي انتهت إليها محكمة التمييز في القضايا التي عرضت عليها بحسب توافر الدليل على كل ركن من هذه الأركان.

 

 

ثامناً: إثبات جريمة الغش في المبيع

 

تُعد مسألة الإثبات من أكثر المسائل أهمية في جريمة الغش في المبيع، لأن وجود عيب في المبيع أو عدم مطابقته للمواصفات لا يكفي وحده للحكم بالإدانة، وإنما يتعين على المحكمة أن تقتنع، استناداً إلى أدلة قانونية جازمة، بأن جميع أركان الجريمة قد توافرت، وعلى وجه الخصوص الركن المعنوي المتمثل بعلم البائع بالغش واتجاه إرادته إلى تضليل المشتري.

وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية مراراً أن الأحكام الجزائية تبنى على الجزم واليقين، لا على الشك والتخمين، وأن قرينة البراءة تبقى ملازمة للمتهم إلى أن يقدم الدليل القانوني الكافي على ارتكابه الجريمة.

ومن خلال استقراء الأحكام القضائية، يمكن استخلاص أهم وسائل الإثبات في جريمة الغش في المبيع.

 

1- الخبرة الفنية

تعد الخبرة الفنية من أهم وسائل الإثبات، ولا سيما إذا تعلق الغش بأمور فنية لا يستطيع القاضي أو الخصوم إدراكها بالخبرة العامة.

وتظهر أهميتها في القضايا المتعلقة بأعطال المركبات والأجهزة الإلكترونية وغيرها من المنتجات والسلع.

ففي إحدى القضايا المتعلقة ببيع مركبة، استندت المحكمة إلى التقرير الفني الصادر عن الوكيل المعتمد للمركبة، والذي أثبت وجود أعطال جوهرية كان البائع قد اطلع عليها قبل البيع، وعدّته قرينة قوية على علمه بالعيوب واتجاه إرادته إلى إخفائها.

وفي قضية أخرى تتعلق بالمحروقات، اعتمدت المحكمة على تقارير مؤسسة المواصفات والمقاييس التي أثبتت اختلاط البنزين بالماء وعدم مطابقته للقواعد الفنية.

ومن ثم، فإن الخبرة لا تقتصر على إثبات وجود العيب، وإنما قد تسهم أيضاً في إثبات علم البائع به إذا دلت ظروف الدعوى على أنه كان قد أُبلغ به أو سبق له إصلاحه أو الاطلاع عليه.

 

2- المستندات الفنية

قد يكون المستند الفني أقوى من الشهادة الشخصية، ومن أمثلته، تقارير الوكلاء المعتمدين، تقارير الصيانة وفواتير الإصلاح، تقارير الفحص الفني، تقارير مؤسسة المواصفات والمقاييس.

وقد اعتمد القضاء الأردني في بعض القضايا على تقرير الصيانة السابق للبيع لإثبات أن البائع كان يعلم بوجود العيب قبل إبرام العقد.

 

3- الشهادة

تظل الشهادة من وسائل الإثبات المهمة متى كانت متفقة مع باقي الأدلة، وصادرة عن شاهد عاين الواقعة، ومنسجمة مع ظروف الدعوى.

إلا أن محكمة التمييز أكدت أن الشهادة وحدها قد لا تكفي إذا تعارضت مع الأدلة الفنية أو شابها التناقض.

 

 

4- القرائن القضائية

لا يشترط دائماً وجود اعتراف صريح بالغش، بل قد تستخلص المحكمة القصد الجرمي من مجموعة من القرائن المترابطة، ومن أهم القرائن التي اعتمدتها محكمة التمييز في قرارها رقم 2022/3967:

  • منع المشتري من فحص المبيع.
  • رفض تسليم المركبة قبل إتمام البيع.
  • إعادة برمجة المركبة لإخفاء الأعطال.
  • تغيير عداد المركبة.
  • تغيير بيانات المنتج.
  • وجود تقرير فني سابق يثبت علم البائع بالعيب.
  • قيام البائع بإخفاء المستندات المتعلقة بالمبيع.
  • تغيير بلد المنشأ أو العلامة التجارية.

ولا تنظر المحكمة إلى كل قرينة بمعزل عن غيرها، وإنما تستخلص القصد الجرمي من مجموعها.

 

5- عبء الإثبات

الأصل أن عبء إثبات الجريمة يقع على عاتق النيابة العامة أو المشتكي في حدود الادعاء الشخصي، ولا يلتزم المتهم بإثبات براءته.

ومن المبادئ التي استقرت عليها محكمة التمييز، لا يكفي وجود العيب لإثبات الغش، او وقوع ضرر او ان يكون المبيع غير مطابق للمواصفات، بل يجب إقامة الدليل على وجود عقد بيع ووقع غش من البائع واتجهة إرادته إلى تضليل المشتري.

 

 

تاسعا: عقوبة جريمة الغش في المبيع

حرص المشرع الأردني على تجريم الغش في المبيع وفرض عقوبة جزائية على مرتكبه حمايةً للثقة في المعاملات التجارية.

حيث نصت المادة (431) من قانون العقوبات على معاقبة كل من يغش غيره في كمية الشيء المسلم أو في ماهيته إذا كانت هذه الماهية هي السبب الدافع للصفقة، بالحبس مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر إلى سنة، وبالغرامة من عشرة دنانير إلى خمسين ديناراً، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وتجدر الإشارة إلى أن مجرد ثبوت وجود عيب في المبيع لا يكفي لتوقيع هذه العقوبة، إذ يتعين أن تثبت المحكمة توافر جميع أركان الجريمة، وعلى وجه الخصوص القصد الجرمي المتمثل في علم البائع بالغش واتجاه إرادته إلى تضليل المشتري.

وهو ما أكدت عليه محكمة التمييز الأردنية في العديد من أحكامها، باعتبار أن القصد الجرمي في هذه الجريمة لا يفترض، وإنما يجب إثباته بأدلة قانونية جازمة

 

 

عاشراً: المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي

 

لم تعد الجرائم الاقتصادية تقتصر على الأشخاص الطبيعيين، بل قد ترتكب باسم الشركات والمؤسسات التجارية.

ولهذا نظم المشرع الأردني في المادة (74) من قانون العقوبات مسؤولية الشخص المعنوي، عندما نص على مسؤوليته عن الأفعال التي يرتكبها مديروه أو ممثلوه أو العاملون لديه باسمه أو بإحدى وسائله.

وقد أكدت محكمة التمييز بصفتها الجزائية في قرارها رقم 2022/3758 أن تطبيق هذا النص يقتضي أولاً التحقق من الطبيعة القانونية للمنشأة، فيما إذا كانت:

شركة مساهمة.

شركة ذات مسؤولية محدودة.

شركة تضامن.

جمعية أو مؤسسة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، جاز مساءلتها وفق أحكام المادة (74)، أما إذا كانت:

مؤسسة فردية، فإنها لا تتمتع بشخصية معنوية مستقلة، وتبقى ذمة المنشأة وذمة مالكها ذمة واحدة، فلا تطبق عليها أحكام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي.

وقررت المحكمة أن إغفال التحقق من هذه المسألة يشكل قصوراً في التعليل وفساداً في الاستدلال يوجب نقض الحكم.

 

 

حادي عشر: العلاقة بين جريمة الغش في المبيع وقانون المواصفات والمقاييس

 

من أكثر المسائل التي تثير الإشكال في التطبيق العملي التداخل بين جريمة الغش في المبيع المنصوص عليها في قانون العقوبات، وبين الجرائم الواردة في قانون المواصفات والمقاييس، ولا سيما الجرائم المتعلقة بطرح منتجات غير مطابقة للقواعد الفنية أو خداع المستهلك أو خلط المحروقات.

وقد حسمت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية في قرارها رقم 19 لسنة 2020 هذه المسألة في عدد من أحكامها، عندما قررت أن جريمة الغش في المبيع تمثل النص العام، بينما تمثل الجرائم المنصوص عليها في قانون المواصفات والمقاييس النصوص الخاصة.

ويترتب على ذلك تطبيق القاعدة المقررة في المادة (57) من قانون العقوبات، والتي تقضي بأنه إذا انطبق على الفعل وصف عام ووصف خاص، وجب الأخذ بالوصف الخاص.

 

وقد طبقت المحكمة هذا المبدأ في قضية اختلاط البنزين بالماء، إذ رأت أن الواقعة تشكل جريمتي:

  • طرح منتجات غير مطابقة للقواعد الفنية.
  • خداع المستهلك من خلال خلط المحروقات.

ولم تطبق في المقابل أحكام المادة (431) من قانون العقوبات، باعتبار أن النصوص الخاصة الواردة في قانون المواصفات والمقاييس تستوعب الواقعة محل الدعوى.

ولا يعني ذلك أن المادة (431) أصبحت معطلة أو غير قابلة للتطبيق، وإنما يقتصر الأمر على الحالات التي يوجد فيها نص خاص يعالج الفعل ذاته بصورة مباشرة، أما إذا لم يوجد مثل هذا النص، فإن أحكام قانون العقوبات تبقى واجبة التطبيق متى توافرت أركان جريمة الغش في المبيع.

ومن جهة أخرى، يلاحظ وجود اختلاف جوهري بين النظامين من حيث الركن المعنوي؛ فجرائم المواصفات والمقاييس قد تقوم في بعض صورها بمجرد تحقق المخالفة وعدم الالتزام بالقواعد الفنية، في حين أن جريمة الغش في المبيع لا تقوم إلا إذا ثبت القصد الجرمي المتمثل في علم البائع بالغش واتجاه إرادته إلى تضليل المشتري.

وهذا التمييز له أثر عملي بالغ، إذ قد تثبت مسؤولية الفاعل وفق قانون المواصفات والمقاييس، بينما تنتفي مسؤوليته عن جريمة الغش في المبيع لعدم كفاية الدليل على القصد الجرمي.

 

 

ثاني عشر: المسؤولية المدنية الناشئة عن جريمة الغش في المبيع

قد يترتب على جريمة الغش في المبيع مسؤوليتان متلازمتان:

  • المسؤولية الجزائية.
  • المسؤولية المدنية.

ورغم أن كلتيهما تنشآن عن الواقعة ذاتها، إلا أن أساس كل منهما يختلف عن الآخر.

فالمسؤولية الجزائية تقوم على مخالفة النص العقابي، أما المسؤولية المدنية فتقوم على الفعل الضار الذي ألحق ضرراً بالمجني عليه.

وقد أكدت محكمة التمييز أن المحكمة الجزائية، متى ثبتت لديها الجريمة، تملك الحكم بالتعويض إذا تقدم المجني عليه بادعاء بالحق الشخصي وأثبت عناصر المسؤولية المدنية، وتتمثل هذه العناصر في:

 

1- الفعل غير المشروع

ويتمثل في الجريمة ذاتها، أي فعل الغش في المبيع.

 

2- الضرر

ويجب أن يكون الضرر محققاً ومباشراً، وحالاً أو مؤكداً في المستقبل، وقد يكون الضرر مادياً، كتكاليف الإصلاح أو انخفاض قيمة المبيع، معنوياً، كالضرر الأدبي الناتج عن الخداع أو المساس بالاعتبار المالي.

 

3- علاقة السببية

يجب أن يثبت أن الضرر كان نتيجة مباشرة لفعل الغش، بحيث لا يتدخل سبب أجنبي يقطع هذه العلاقة.

 

وقد طبقت محكمة التمييز هذه القواعد في إحدى القضايا المتعلقة ببيع مركبة، فقضت بإلزام البائع بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية بعد أن ثبت أن الأعطال المخفية هي السبب المباشر في الضرر الذي لحق بالمشتري.

وفي المقابل، إذا انتهت المحكمة إلى عدم ثبوت الجريمة أو إلى عدم مسؤولية المتهم عنها، فإن المحكمة الجزائية قد تقضي برد الادعاء الشخصي لعدم الاختصاص، ويبقى للمتضرر حق اللجوء إلى القضاء المدني إذا توافرت شروط المسؤولية المدنية.

 

 

ثالث عشر: أهم الدفوع القانونية في جريمة الغش في المبيع

 

تكشف التطبيقات القضائية أن نجاح الدفاع في هذا النوع من القضايا يعتمد على مناقشة أركان الجريمة من الناحية القانونية والفنية، ومن أبرز الدفوع التي يمكن إثارتها:

 

1- انتفاء الركن المفترض

ويتحقق إذا عجز الادعاء عن إثبات وجود عقد بيع بين الطرفين، أو أثبت المتهم أن العلاقة القانونية تختلف عن البيع.

 

2- انتفاء نسبة المبيع إلى المتهم

من المبادئ المهمة التي أرستها محكمة التمييز أنه لا يكفي ضبط منتج مغشوش، بل يجب إثبات أن المنتج المضبوط يعود إلى المتهم أو أنه هو من قام بإنتاجه أو تعبئته أو طرحه للتداول، وعند غياب هذه الرابطة، تنتفي المسؤولية الجزائية.

 

3- انتفاء القصد الجرمي

وهو من أكثر الدفوع شيوعاً، ويقوم على إثبات أن المتهم:

  • لم يكن يعلم بالعيب.
  • أو لم يعلم بعدم مطابقة المنتج.
  • أو لم يتعمد تضليل المشتري.

وقد أكدت محكمة التمييز أن القصد الجرمي لا يفترض، وإنما يجب إثباته بأدلة يقينية.

 

4- حسن النية

قد يثبت البائع أنه:

  • اشترى المنتج من مصدر موثوق.
  • لم يكن يعلم بوجود العيب.
  • بادر إلى معالجة المشكلة فور اكتشافها.

ولا يؤدي حسن النية دائماً إلى انتفاء المسؤولية في التشريعات الخاصة، إلا أنه قد يؤدي إلى انتفاء جريمة الغش في المبيع إذا انتفى عنصر العلم.

 

5- عدم كفاية الدليل

يعد هذا الدفع من أهم الضمانات الجزائية، فإذا كانت الأدلة:

  • متناقضة.
  • غير منتجة.
  • قائمة على الاحتمال.

وجب إعلان براءة المتهم، لأن الأحكام الجزائية تبنى على اليقين لا على الشك.

 

6- تطبيق النص الخاص

إذا كانت الواقعة تخضع لنص خاص، كما في قانون المواصفات والمقاييس، جاز الدفع بعدم تطبيق المادة (431) من قانون العقوبات، تطبيقاً للمادة (57) من قانون العقوبات.

 

 

النتائج

من خلال دراسة النصوص التشريعية واجتهادات محكمة التمييز الأردنية، يمكن استخلاص النتائج الآتية:

  • جريمة الغش في المبيع من الجرائم العمدية التي لا تقوم إلا بتوافر القصد الجرمي.
  • وجود عيب في المبيع لا يعني بالضرورة قيام الجريمة، ما لم يثبت علم البائع به وتعمده إخفاءه.
  • الغش قد يتحقق بالفعل الإيجابي كما قد يتحقق بالامتناع عن الإفصاح عن العيوب الجوهرية متى اقترن ذلك بسوء النية.
  • الخبرة الفنية والتقارير المتخصصة تمثلان من أهم وسائل الإثبات في هذا النوع من الجرائم.
  • القصد الجرمي لا يفترض، وعبء إثباته يقع على جهة الاتهام.
  • الشخص المعنوي قد يسأل جزائياً عن جريمة الغش في المبيع متى توافرت شروط المادة (74) من قانون العقوبات.
  • إذا وجد نص خاص يعالج الواقعة، كما في قانون المواصفات والمقاييس، فإنه يقدم على النص العام الوارد في قانون العقوبات.
  • يجوز للمحكمة الجزائية الحكم بالتعويض إذا ثبتت الجريمة وتوافرت عناصر المسؤولية المدنية.

 

 

التوصيات

انطلاقاً من التطبيقات القضائية الحديثة، نوصي بما يلي:

  • تطوير النصوص العقابية بما يتلاءم مع صور الغش المستحدثة في التجارة الإلكترونية والبيع عبر المنصات الرقمية.
  • تشديد الرقابة الفنية على المنتجات المتداولة في الأسواق، ولا سيما المركبات المستعملة والمنتجات التقنية.
  • تعزيز التوعية القانونية لدى التجار بواجب الإفصاح عن العيوب الجوهرية للمبيع.
  • إنشاء قاعدة بيانات وطنية للأحكام القضائية المتعلقة بالغش التجاري والغش في المبيع، بما يسهم في توحيد الاجتهاد القضائي.
  • تعزيز التعاون بين القضاء والجهات الفنية المختصة، لضمان سرعة الفصل في القضايا التي تتطلب خبرة فنية متخصصة.

 

الخاتمة

تمثل جريمة الغش في المبيع إحدى أهم صور الحماية الجزائية للثقة في المعاملات التجارية، فهي لا تستهدف حماية المشتري الفرد فحسب، وإنما تحمي استقرار السوق ونزاهة النشاط الاقتصادي.

وقد كشف استقراء اجتهادات محكمة التمييز الأردنية عن اتجاه قضائي مستقر يوازن بين حماية المتعاملين وبين صون قرينة البراءة، فلا يقضي بالإدانة إلا إذا ثبتت أركان الجريمة كافة، وعلى رأسها القصد الجرمي.

كما أبرزت هذه الاجتهادات أن الحدود الفاصلة بين الغش في المبيع، والتدليس المدني، وضمان العيب الخفي، والجرائم المنصوص عليها في قانون المواصفات والمقاييس، ليست حدوداً نظرية فحسب، بل يترتب عليها آثار عملية تمس التكييف القانوني والعقوبة وعبء الإثبات والتعويض.

ومن ثم، فإن الفهم الدقيق لهذه الأحكام يعد ضرورة لكل ممارس للعمل القانوني، ويسهم في تحقيق التطبيق السليم للقانون وحماية الثقة في المعاملات التجارية، وهي الغاية التي قصد إليها المشرع الأردني من تجريم هذا السلوك.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962 ، 064922183

جريمة الغش في المبيع

تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن 2026

تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن

تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن 2026

 

دراسة قانونية يقدمها المحامي محمد زهير العبادي، تحت عنوان:

 

عدم تنفيذ عقوبة الإعدام: بين الحق في الحياة وتحقيق العدالة الجنائية

مقدمة

أعاد تنفيذ أحكام الإعدام في الأردن بتاريخ 21 حزيران 2026 الجدل القانوني والإنساني حول مكانة هذه العقوبة في السياسة الجنائية الحديثة، وحدود التوفيق بين حق المجتمع في الأمن والقصاص العادل من مرتكبي الجرائم الخطيرة، وبين الحق الأصيل للإنسان في الحياة وضرورة صون الكرامة الإنسانية، حتى في مواجهة من ثبتت مسؤوليته عن ارتكاب أفعال بالغة الجسامة.

وقد أعلنت الحكومة الأردنية تنفيذ حكم الإعدام شنقًا بحق ستة مدانين في قضايا إرهابية وجنائية أفضت إلى استشهاد عدد من أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أثناء قيامهم بواجبهم.

وأوضحت أن الأحكام اكتسبت الدرجة القطعية واستُكملت بشأنها الإجراءات الدستورية والقانونية، ونُفذت تحت إشراف النائب العام لمحكمة أمن الدولة، تطبيقًا لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ولا يمكن، عند مناقشة هذه القضية، تجاهل جسامة الجرائم المرتكبة أو التقليل من تضحيات الشهداء ومعاناة أسرهم، كما لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام إلى خطاب يتعاطف مع الجاني ويتجاهل الضحية.

 

غير أن احترام الضحايا وتحقيق العدالة لهم لا يمنعان من طرح سؤال قانوني وأخلاقي مشروع:

هل تتطلب العدالة بالضرورة إنهاء حياة المحكوم عليه، أم يمكن تحقيق الحماية والردع والمساءلة بعقوبات صارمة تحافظ في الوقت ذاته على الحق في الحياة؟

 

 

أولاً: التصريحات الحكومية بشأن تنفيذ أحكام الإعدام

 

صرح وزير الاتصال الحكومي، الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، بأن عدد المحكوم عليهم بالإعدام الموجودين في السجون الأردنية يزيد على مائة محكوم، وأن أحكام الإعدام ستُنفذ بحقهم تباعاً وعلى دفعات.

وجاء التصريح الرسمي واضحاً في أن تنفيذ الأحكام الستة كان جزءاً من مجموعة أحكام قضائية سيجري تطبيقها لاحقاً.

كما أعلن رئيس الوزراء توجه الحكومة إلى تعديل التشريعات بما يسمح بتطبيق عقوبة الإعدام على نطاق أوسع بحق كبار تجار ومهربي المخدرات المرتبطين بالعصابات الخارجية.

 

وتثير هذه التصريحات مسألتين منفصلتين ينبغي عدم الخلط بينهما:

الأولى هي تنفيذ أحكام قضائية قطعية صدرت وفق التشريعات النافذة واستكملت مراحل الطعن والإجراءات الدستورية.

أما الثانية فهي تحويل تنفيذ الإعدام إلى توجه عقابي واسع ومعلن مسبقًا، بالتزامن مع التفكير في توسيع الجرائم التي يجوز الحكم فيها بهذه العقوبة.

 

فالحكم القضائي القطعي لا يعني أن تنفيذه أصبح حتمياً في كل الأحوال؛ إذ تظل هناك مساحة قانونية ودستورية للعفو الخاص أو إبدال العقوبة أو تأجيل التنفيذ.

كما أن الإعلان عن تنفيذ أحكام يزيد عددها على مائة حكم تباعاً يثير مخاوف من أن تتحول المسألة من دراسة فردية دقيقة لكل حالة إلى سياسة تنفيذ جماعية أو متتابعة تغلب عليها اعتبارات الردع العام والرسائل السياسية والأمنية.

ولا يعني ذلك التشكيك في نزاهة القضاء أو في قطعية الأحكام، وإنما يعني أن عقوبة لا يمكن التراجع عنها بعد تنفيذها يجب أن تخضع لأعلى درجات الفحص الفردي، وألا تُعامل الأحكام الصادرة بها باعتبارها كتلة واحدة متجانسة.

 

 

ثانياً: الحق في الحياة ومكانته في القانون الدولي

 

ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل إنسان حقاً أصيلاً في الحياة، وأن هذا الحق يجب أن يحميه القانون، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً.

وفي الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، لا يجيز العهد تطبيقها بصورة مطلقة، وإنما يقصرها على (أشد الجرائم خطورة)، وبموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة، مع كفالة حق المحكوم عليه في طلب العفو أو إبدال العقوبة.

وبذلك، فإن القانون الدولي لم يقرر حتى الآن حظراً عالمياً مطلقاً لعقوبة الإعدام بالنسبة إلى جميع الدول، لكنه وضع مساراً واضحاً نحو تضييق نطاقها تمهيداً لإلغائها، ومنع التوسع فيها أو استخدامها باعتبارها عقوبة اعتيادية.

وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تعليقها العام رقم 36 المتعلق بالحق في الحياة، أن الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام مطالبة بتفسير مفهوم (أشد الجرائم خطورة) تفسيراً ضيقاً، وأن العقوبة لا يجوز أن تطبق إلا على الجرائم البالغة الخطورة التي تتضمن قتلاً عمدياً.

كما اعتبرت اللجنة أن إلغاء عقوبة الإعدام أمر مرغوب فيه وضروري لتعزيز الكرامة الإنسانية والتمتع التدريجي بالحق في الحياة.

ومن هنا يثور التساؤل حول مدى توافق التوجه إلى توسيع الإعدام في جرائم المخدرات مع الاتجاه الحديث في تفسير المادة السادسة من العهد الدولي؛ فالاتجار بالمخدرات، مهما بلغت خطورته وآثاره الاجتماعية والأمنية، لا يتضمن في كل صوره قتلاً عمدياً مباشراً.

ويختلف الأمر بطبيعة الحال عندما تقترن الجريمة بقتل رجال الأمن أو المواطنين؛ ففي هذه الحالة لا تكون العقوبة مقررة لمجرد الاتجار بالمخدرات، وإنما لجريمة أفضت إلى إزهاق الأرواح.

ولذلك يجب التفريق تشريعياً وقضائياً بين الاتجار المجرد، وبين القتل العمد أو الأفعال الإرهابية أو مقاومة رجال الأمن التي تفضي إلى الوفاة.

 

 

ثالثاً: الاتجاه العالمي نحو إلغاء عقوبة الإعدام أو وقف تنفيذها

 

تشير أحدث الإحصائيات المنشورة عن عام 2025 إلى أن 113 دولة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة إلى جميع الجرائم، بينما بلغ عدد الدول التي ألغتها قانوناً أو توقفت عن تنفيذها عملياً 145 دولة.

وهذا يعني أن أكثر من ثلثي دول العالم اتجهت، بدرجات مختلفة، إلى الابتعاد عن عقوبة الإعدام، سواء بإلغائها من التشريعات، أو بقصرها على جرائم استثنائية، أو بالامتناع عن تنفيذها مدة طويلة تكشف عن قيام وقف عملي لتنفيذ العقوبة.

وفي المقابل، نُفذ خلال عام 2025 ما لا يقل عن 2707 أحكام إعدام في 17 دولة فقط، دون احتساب آلاف الإعدامات التي يُعتقد أنها نُفذت في الصين بسبب اعتبار بياناتها من أسرار الدولة.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة مهمة: عدد الإعدامات المسجلة ارتفع بصورة كبيرة، لكن عدد الدول التي تنفذ العقوبة ظل محدوداً للغاية.

أي إن ارتفاع العدد العالمي لا يعكس عودة أغلبية الدول إلى الإعدام، وإنما يعكس تكثيف استخدامه داخل مجموعة صغيرة من الدول.

كما أيدت 130 دولة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 17 كانون الأول 2024 والداعي إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام، مقابل معارضة 32 دولة وامتناع 22 دولة عن التصويت.

وعلى الرغم من أن قرارات الجمعية العامة في هذا المجال لا تفرض التزاماً مباشراً بإلغاء العقوبة، فإنها تعكس اتجاهاً دولياً متزايداً نحو وقف التنفيذ بوصفه خطوة تسبق الإلغاء التشريعي.

ولا يجوز قراءة هذه الإحصائيات باعتبارها دليلاً قاطعاً بذاته على أن جميع الدول التي ألغت الإعدام قد نجحت في القضاء على الجريمة، كما لا يجوز القول إن بقاء العقوبة في عدد من الدول يجعلها منسجمة بالضرورة مع العدالة الحديثة.

لكنها تكشف بوضوح أن الأردن، عند التوسع في التنفيذ، يتحرك بعكس الاتجاه العالمي الغالب نحو التضييق والوقف والإلغاء.

 

 

رابعاً: هل تحقق عقوبة الإعدام الردع العام؟

 

يستند مؤيدو الإعدام إلى أن شدة العقوبة يمكن أن تمنع الجناة المحتملين من ارتكاب الجرائم، وأن حماية المجتمع تقتضي إيقاع العقوبة الأشد بمن يتعمد قتل الأبرياء أو رجال الأمن أو تنفيذ الأعمال الإرهابية.

وهذا الرأي مفهوم من الناحية الاجتماعية، لا سيما في أعقاب الجرائم التي تصدم الرأي العام.

لكن الردع الجنائي لا يقوم على شدة العقوبة وحدها؛ بل يعتمد بصورة أكبر على سرعة اكتشاف الجريمة، واحتمال القبض على مرتكبها، وكفاءة التحقيق والمحاكمة، ويقين الجاني بأنه لن يفلت من العقاب.

فقد يرتكب الجاني الجريمة تحت تأثير التطرف أو المخدرات أو الانفعال أو الاعتقاد بأنه لن يُقبض عليه، فلا تكون المقارنة العقلانية بين الإعدام والسجن المؤبد حاضرة في ذهنه وقت ارتكاب الفعل.

كما أن من الصعب إثبات أن الإعدام يحقق ردعاً يفوق بصورة مؤكدة الردع الناتج عن السجن المؤبد المشدد أو غير القابل للإفراج، وقد أشارت مناقشات الأمم المتحدة إلى عدم وجود دليل حاسم يثبت قيمة ردعية استثنائية لعقوبة الإعدام مقارنة بالعقوبات السالبة للحرية طويلة المدة.

إن مكافحة الإرهاب والمخدرات لا تتحقق أساساً بإعدام المحكوم عليهم بعد سنوات من ارتكاب الجرائم، وإنما تبدأ بتجفيف مصادر التمويل، وضبط الحدود، وملاحقة الشبكات المنظمة، وتعزيز الاستخبارات الجنائية، وحماية رجال إنفاذ القانون، وتسريع المحاكمات العادلة، ومكافحة غسل الأموال والفساد الذي يوفر الحماية للجريمة المنظمة.

 

 

خامساً: استحالة إصلاح الخطأ القضائي بعد تنفيذ الإعدام

 

يمثل احتمال الخطأ القضائي أحد أقوى الاعتراضات على عقوبة الإعدام؛ فجميع النظم القضائية، مهما بلغت كفاءتها، تظل عملاً بشرياً يمكن أن يتأثر بشهادة غير صحيحة، أو اعتراف منتزع، أو خبرة فنية خاطئة، أو قصور في الدفاع، أو دليل يظهر بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية.

وقد ينص القانون على إعادة المحاكمة عند ظهور وقائع أو أدلة جديدة تثبت براءة المحكوم عليه، لكن هذا الطريق يفقد غايته العملية إذا كان الحكم قد نُفذ.

فالسجن الخاطئ يمكن إنهاؤه، ويمكن رد الاعتبار والتعويض عنه ولو بصورة غير مكتملة، أما الإعدام فلا يترك مجالاً لتدارك الخطأ.

وهذه الطبيعة غير القابلة للرجوع تفرض على الدولة قدراً من التحفظ يتجاوز ما يُطلب عند تنفيذ سائر العقوبات.

ولا يكفي القول إن الحكم مر بجميع درجات التقاضي؛ لأن تعدد درجات المحاكمة يقلل احتمال الخطأ لكنه لا يلغيه نهائياً.

ومن ثم، فإن وقف التنفيذ لا يشكل انتقاصاً من هيبة القضاء، بل يمثل ضمانة احتياطية في مواجهة النتيجة التي يستحيل إصلاحها.

 

 

سادساً: بين حقوق الضحايا وحقوق المحكوم عليهم

 

من الخطأ تقديم النقاش حول عقوبة الإعدام على أنه صراع بين حقوق الجاني وحقوق الضحية؛ فالعدالة الجنائية الحقيقية يجب أن تحمي الاثنين دون مساواة أخلاقية بين موقفيهما.

فالضحية تستحق الاعتراف بما وقع عليها، ومحاكمة المسؤول، وفرض عقوبة تتناسب مع جسامة الفعل، وتعويض أسرتها، وضمان عدم تكرار الجريمة.

وفي الوقت نفسه، يظل المحكوم عليه إنساناً يتمتع بالحد الأدنى من الحقوق التي لا تسقط بالإدانة، وفي مقدمتها الحق في محاكمة عادلة وعدم التعرض للتعذيب والمعاملة المهينة، والحق في طلب العفو أو تخفيف العقوبة.

ولا ينبغي اختزال إنصاف أسر الضحايا في مشاهدة إعدام الجاني.

فالعدالة لأسر الشهداء تشمل الرعاية المادية والنفسية الدائمة، وتخليد تضحيات ذويهم، ومحاسبة جميع المشاركين والمحرضين والممولين، والكشف الكامل عن أوجه القصور التي سمحت بوقوع الجريمة، واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرارها.

أما جعل الإعدام الصورة الوحيدة للقصاص، فقد يؤدي إلى إغلاق الملف الجنائي دون معالجة الأسباب المؤسسية والاجتماعية والأمنية التي ساعدت على وقوع الجريمة.

 

 

سابعاً: نقد الإعلان عن تنفيذ أكثر من مائة حكم تباعاً

 

إن أخطر ما في التصريح الحكومي ليس مجرد تأكيد وجود أكثر من مائة محكوم بالإعدام؛ فهذا رقم يتعلق بأحكام قضائية صادرة وموجودة فعلًا.

وإنما تكمن الخطورة في الإعلان العام والمسبق عن تنفيذ هذه الأحكام (تباعاً وعلى دفعات).

فعقوبة الإعدام يجب أن تظل، حتى في الأنظمة التي تحتفظ بها، استثناءً فردياً بالغ الضيق، لا برنامجاً تنفيذياً واسعاً.

وقد تختلف أوضاع المحكوم عليهم اختلافاً جوهرياً؛ فمنهم من أُدين بالقتل العمد، ومنهم من ارتبطت قضيته بأعمال إرهابية، ومنهم من صدر الحكم عليه بموجب صور قانونية مختلفة من الاشتراك أو التدخل أو التحريض.

كما قد تختلف ظروف المحاكمات والأدلة والأوضاع الصحية والعقلية ومدد البقاء في جناح الإعدام.

لذلك فإن الحديث عن أكثر من مائة حكم بصورة جماعية قد يُضعف الانطباع بأن كل حالة ستخضع لدراسة إنسانية وقانونية مستقلة قبل اتخاذ قرار التنفيذ.

كما أن ربط تنفيذ العقوبة بإرسال (رسالة) إلى المجتمع يثير تساؤلاً حول الغاية الأساسية للعقوبة.

فتنفيذ الأحكام يجب أن يقوم على العدالة الفردية والتناسب، لا على استخدام حياة المحكوم عليه وسيلة لإيصال رسائل سياسية أو أمنية، مهما كانت مشروعية هدف حماية المجتمع.

 

 

ثامناً: عدم جواز الإعلان المسبق عن أسماء المحكوم عليهم بالإعدام

 

يقتضي التعامل مع أحكام الإعدام أعلى درجات التحفظ والسرية، ولذلك لا ينبغي للجهات الرسمية الإعلان مسبقاً عن أسماء الأشخاص الذين يُعتزم تنفيذ عقوبة الإعدام بحقهم، ولا نشر قوائم بأسمائهم قبل استكمال جميع الإجراءات الدستورية والقانونية واتخاذ القرار النهائي في كل حالة على حدة.

فصدور حكم قطعي بالإعدام لا يعني أن التنفيذ أصبح حتمياً أو فورياً؛ إذ يبقى الحكم خاضعاً للإجراءات الدستورية المقررة، فضلاً عن إمكان طلب العفو الخاص أو إبدال العقوبة وظهور أسباب قانونية أو إنسانية قد تحول دون التنفيذ.

ومن ثم، فإن الإعلان المبكر عن اسم المحكوم عليه قد يوحي بأن مصيره قد حُسم نهائياً قبل انتهاء جميع مراحل المراجعة، وقد يحول الإجراءات اللاحقة إلى مجرد إجراءات شكلية في نظر الرأي العام.

كما أن نشر الأسماء مسبقاً قد يخلق ضغطاً اجتماعيًا وإعلامياً على الجهات المختصة، ويحد من القدرة على دراسة كل ملف بصورة فردية وهادئة، ولا سيما أن المحكوم عليهم بالإعدام لا يمثلون فئة قانونية واحدة، بل تختلف أفعالهم ودرجات مساهمتهم في الجرائم وظروفهم الشخصية والأدلة التي صدرت الأحكام استناداً إليها.

ولا تقتصر آثار النشر على المحكوم عليه وحده، بل تمتد إلى أسرته وأطفاله وذويه الذين لا يتحملون مسؤولية الجريمة، وقد يتعرضون بسبب الإعلان المسبق للوصم الاجتماعي أو التهديد أو الإساءة أو التشهير.

ومن المبادئ الإنسانية المستقرة أن العقوبة شخصية، فلا يجوز أن تتحول تسمية المحكوم عليه والتشهير به إلى عقوبة اجتماعية غير مباشرة تقع على أفراد أسرته.

وفوق ذلك، فإن الإعلان المسبق عن الأسماء قد يحول تنفيذ العقوبة إلى مشهد إعلامي أو وسيلة لإثارة الرأي العام وإيصال رسائل الردع، بينما ينبغي أن تظل إجراءات التنفيذ، ما دامت العقوبة قائمة، محكومة بالوقار والضرورة والتناسب، وألا تُستخدم حياة المحكوم عليه مادةً للإثارة الإعلامية أو التعبئة الشعبية.

لذلك فإن الموقف الأكثر اتزاناً يقتضي عدم نشر أسماء الأشخاص المقرر تنفيذ حكم الإعدام بحقهم قبل التنفيذ، والاكتفاء عند الضرورة ببيان رسمي عام يوضح عدد الأحكام وطبيعة الجرائم واستكمال الإجراءات القانونية، دون الكشف عن الهوية إلا بعد التنفيذ، وبالقدر الذي تقتضيه المصلحة العامة، ومع مراعاة حقوق أسر الضحايا والمحكوم عليهم وذويهم.

فالشفافية لا تعني الكشف المسبق عن كل تفصيل، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقرار نهائي لا يمكن الرجوع عنه، وإنما تعني بيان الأساس القانوني والإجراءات والضمانات التي سبقت التنفيذ، دون تحويل أسماء المحكوم عليهم إلى موضوع للتداول أو التشهير أو الضغط الجماهيري.

 

 

تاسعاً: مخاطر التوسع في الإعدام بقضايا المخدرات

 

لا خلاف على أن الاتجار المنظم بالمخدرات يشكل تهديداً خطيراً للمجتمع والدولة، وأن العصابات العابرة للحدود قد ترتبط بتهريب الأسلحة وتمويل الجماعات الإجرامية والاعتداء على أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

لكن خطورة الظاهرة لا تعني أن الإعدام هو الأداة الأكثر كفاءة لمواجهتها.

ففي الجرائم المنظمة، يكون المنفذ الذي يُقبض عليه في كثير من الأحيان حلقة قابلة للاستبدال، بينما يبقى الممول والمنظم والمستفيد الحقيقي بعيداص عن المساءلة.

كما أن إعدام بعض المتورطين قد يؤدي إلى فقدان مصادر معلومات يمكن أن تساعد في تفكيك الشبكات الكبرى والوصول إلى قياداتها وأموالها.

والأجدى هو بناء نظام عقابي وتحقيقي يفرق بين كبار المنظمين والممولين، وبين الناقلين والمروجين وصغار المتورطين، ويتيح تخفيف العقوبة مقابل التعاون الحقيقي الذي يؤدي إلى ضبط الشبكات والأموال والأسلحة.

أما النصوص الواسعة التي تسمح بالإعدام لمجرد وصف الشخص بأنه (كبير تجار المخدرات)، دون ربط العقوبة بحصول وفاة عمدية، فقد تتعارض مع التفسير الدولي الضيق لمفهوم أشد الجرائم خطورة.

 

 

عاشراً: بدائل تحقق الحماية دون إزهاق الحياة

 

لا يعني وقف تنفيذ الإعدام إطلاق سراح مرتكبي الجرائم الخطيرة أو التساهل معهم، بل يمكن استبدال العقوبة بالسجن المؤبد المشدد، مع وضع ضوابط صارمة للإفراج المشروط في الجرائم الإرهابية والقتل العمد المقترن بظروف مشددة.

 

ويمكن للسياسة الجنائية الأردنية أن تعتمد مجموعة من البدائل، من أهمها:

  • وقف تنفيذ أحكام الإعدام مدة محددة، مع إبقاء العقوبة في التشريعات خلال مرحلة انتقالية.
  • تشكيل لجنة قضائية وقانونية وطبية مستقلة لمراجعة كل حكم إعدام بصورة فردية.
  • إبدال الأحكام بعقوبة الأشغال المؤبدة أو السجن المؤبد المشدد في الحالات التي لا تتضمن قتلاً عمدياً مباشراً.
  • قصر عقوبة الإعدام تشريعياً، ما دامت باقية، على أضيق نطاق ممكن من جرائم القتل العمد الأشد خطورة.
  • عدم إدخال جرائم المخدرات المجردة ضمن نطاق العقوبة، مع تشديد العقوبات المالية ومصادرة الأموال وتتبع الشبكات المنظمة.
  • توفير دفاع قانوني متخصص وفعّال منذ مرحلة التحقيق لكل متهم يواجه احتمال الحكم بالإعدام.
  • منح طلبات العفو وإبدال العقوبة دراسة فردية حقيقية، وعدم التعامل معها باعتبارها إجراءً شكلياً.
  • تعزيز حقوق أسر الضحايا من خلال التعويض والرعاية المستمرة والمشاركة في إجراءات العدالة.

 

 

حادي عشر: موقف مقترح للسياسة الجنائية الأردنية

 

يمكن للأردن أن يتبنى موقفاً متدرجاً لا يصطدم بصورة مفاجئة مع الرأي العام ولا يتجاهل التحديات الأمنية التي تواجه الدولة.

وتبدأ الخطوة الأولى بإعلان وقف مؤقت لتنفيذ أحكام الإعدام، دون إلغائها مباشرة من النصوص التشريعية.

وخلال مدة الوقف، تُجرى مراجعة شاملة لأثر العقوبة ومدى تحقيقها للردع، وتُدرس الملفات الصادرة فيها الأحكام، وتُقارن التجربة الأردنية بتجارب الدول التي استبدلت الإعدام بالسجن المؤبد.

كما ينبغي فتح حوار وطني تشارك فيه السلطة القضائية ومجلس الأمة ونقابة المحامين والجامعات ومؤسسات حقوق الإنسان وأسر الضحايا وخبراء الأمن وعلم الاجتماع وعلم الجريمة.

فالقضية أكبر من أن تُحسم برد فعل عاطفي عقب جريمة مؤلمة، أو بتصريح حكومي، أو بحملة حقوقية منعزلة عن مخاوف المجتمع.

إنها قضية ترتبط بفلسفة الدولة في العقاب، وحدود سلطة الإنسان في إنهاء حياة إنسان آخر باسم القانون.

 

 

خاتمة

 

إن معارضة تنفيذ عقوبة الإعدام لا تعني تبرئة المجرمين، ولا تعني إنكار حق الدولة في حماية المجتمع، ولا الانتقاص من تضحيات الشهداء أو مشاعر أسر الضحايا.

بل تعني البحث عن عدالة قوية لا تتخلى عن إنسانيتها، وعن سياسة جنائية تعاقب مرتكب الجريمة وتحمي المجتمع، دون أن تجعل إنهاء الحياة الخيار العقابي الأول.

 

وقد أعلنت الحكومة الأردنية أن أكثر من مائة محكوم بالإعدام موجودون في السجون، وأن الأحكام ستنفذ بحقهم تباعاً، بالتزامن مع توجه إلى توسيع نطاق العقوبة.

وفي المقابل، تكشف الإحصائيات الدولية أن 145 دولة ألغت الإعدام قانوناً أو توقفت عن تنفيذه عملياً، وأن التنفيذ الفعلي للعقوبة خلال عام 2025 انحصر في 17 دولة فقط.

وهذه المقارنة تستوجب التوقف والمراجعة قبل المضي في تنفيذ عدد كبير من الأحكام التي يستحيل التراجع عنها.

 

إن قوة الدولة لا تقاس بعدد من تنفذ فيهم عقوبة الإعدام، بل بقدرتها على منع الجريمة، وكشف مرتكبيها، وإجراء محاكمات عادلة، وحماية رجال الأمن والمواطنين، وإنصاف الضحايا، وإصلاح مواطن الخلل، مع الحفاظ على سيادة القانون وكرامة الإنسان.

ومن ثم، فإن الخيار الأكثر اتزاناً يتمثل في وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، ومراجعة الأحكام بصورة فردية، واستبدالها بعقوبات سالبة للحرية بالغة الصرامة، مع قصر أي بقاء تشريعي مؤقت للعقوبة على أضيق نطاق ممكن، تمهيداً للانضمام إلى الاتجاه العالمي الذي يرى أن العدالة تستطيع أن تكون حازمة دون أن تسلب الإنسان حياته.

 

 

مكتب العبادي للمحاماة

 

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

هاتف رقم: 0798333357 ، 799999604 00962 ، 064922183

تنفيذ عقوبة الإعدام في الأردن