10:00 AM - 7:00 PM

دوام المكتب من السبت الى الخميس

798333357

اتصل بنا

Search
 

Author: mohammad al abbadi

7 مبادئ قانونية تتعلق بالمطالبات التجارية وشركات التضامن

المطالبة التجارية وشركات التضامن

7 مبادئ قانونية أرستها محكمة التمييز بشأن المطالبات التجارية وشركات التضامن

مقدمة

تشكل الأحكام الصادرة عن محكمة التمييز الأردنية مرجعاً مهماً في توحيد الاجتهاد القضائي وتفسير النصوص القانونية، ولا سيما في المنازعات التجارية التي تتشابك فيها أحكام قانون التجارة مع قانون الشركات والقانون المدني وقانون البينات.

ويعد القرار رقم (1400 لسنة 2025) من الأحكام التي عالجت في قضية واحدة عدداً من المسائل القانونية الدقيقة، أبرزها تحديد مدة التقادم الواجب تطبيقها على المطالبات التجارية، ومدى اشتراط توجيه الإنذار العدلي قبل إقامة الدعوى، وحجية القيود التجارية وكشوف الحساب الإلكترونية في الإثبات، وحدود مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة، وأثر التخارج من التركة على تلك المسؤولية، فضلاً عن تطبيق يمين الاستظهار في مواجهة ورثة الشريك المتوفى.

وتبرز أهمية هذا القرار في أنه لم يقتصر على الفصل في النزاع المعروض، وإنما وضع مجموعة من المبادئ العملية التي يسترشد بها المحامون والقضاة والشركات التجارية عند مباشرة دعاوى المطالبة بالديون التجارية، الأمر الذي يجعله من الأحكام الجديرة بالدراسة والتحليل.

 

تتناول هذه المقالة أهم المبادئ القانونية التي أرستها المحكمة، مع بيان الأساس التشريعي لكل مبدأ وأثره العملي في الدعاوى التجارية.

 

أولاً: التقادم في المطالبات التجارية بين التجار يخضع لقانون التجارة لا للقانون المدني

من أبرز الدفوع التي أثارها الطاعن أمام محكمة التمييز تمسكه بأن الدعوى أصبحت غير مسموعة لمرور الزمن استناداً إلى أحكام القانون المدني، باعتبار أن المطالبة مضى عليها أكثر من المدة التي اعتبرها واجبة التطبيق.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع بصورة قاطعة، وأكدت أن العبرة ليست بطبيعة الدين فحسب، وإنما بطبيعة العلاقة القانونية التي نشأ عنها الدين.

فقد ثبت للمحكمة أن المدعية شركة تمارس بيع الباطون الجاهز، وأن المدعى عليها شركة تضامن تمارس أعمال المقاولات، وأن المطالبة ناشئة عن تعامل تجاري بين تاجرين، الأمر الذي يجعل العلاقة خاضعة لأحكام قانون التجارة لا لأحكام القانون المدني.

وبناءً على ذلك طبقت المحكمة أحكام المادة (58) من قانون التجارة، واعتبرت أن التقادم الواجب التطبيق هو التقادم التجاري ومدته عشر سنوات، وليس التقادم المدني الذي استند إليه المميز، وانتهت إلى أن الدعوى أقيمت قبل انقضاء هذه المدة، مما يجعلها مسموعة قانوناً.

ويؤكد هذا الاتجاه قاعدة قانونية مستقرة مؤداها أن الوصف التجاري للعلاقة القانونية يطغى على القواعد العامة الواردة في القانون المدني، باعتبار أن قانون التجارة هو قانون خاص، والقاعدة أن الخاص يقيد العام.

ومن الناحية العملية، فإن هذا المبدأ يمنع المدين من التمسك بالتقادم المدني كلما كانت المطالبة ناشئة عن علاقة تجارية بين تاجرين، حتى ولو كانت المطالبة عبارة عن رصيد حساب أو قيمة بضائع أو خدمات تم توريدها.

كما يبرز من هذا الحكم أن تحديد القانون الواجب التطبيق يبدأ أولاً بتكييف العلاقة القانونية، لأن الخطأ في التكييف يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في تحديد مدة التقادم.

وبذلك أرست المحكمة مبدأ بالغ الأهمية يتمثل في أن المطالبة التجارية بين تاجرين تخضع للتقادم التجاري المنصوص عليه في قانون التجارة، ولا يجوز إخضاعها للتقادم المدني لمجرد أن المطالبة تتعلق بدين مالي.

 

ثانياً: المطالبة برصيد المديونية التجارية لا تستوجب توجيه إنذار عدلي قبل إقامة الدعوى

من المسائل التي كثيراً ما تثار أمام المحاكم، سواء من قبل المدينين أو حتى بعض الممارسين، الاعتقاد بأن إقامة أي دعوى ناشئة عن عقد تستوجب بالضرورة توجيه إنذار عدلي أو إعذار مسبق، استناداً إلى نص المادة (246/1) من القانون المدني.

وقد حسمت محكمة التمييز هذه المسألة في القرار محل الدراسة، ووضعت حداً للخلط بين نوعين مختلفين من الدعاوى.

فقد تمسك المميز بأن الدعوى أقيمت قبل أوانها لعدم قيام الشركة المدعية بتوجيه إنذار عدلي إليه قبل إقامة الدعوى، واحتج بأن المادة (246/1) من القانون المدني تشترط إعذار المدين قبل اللجوء إلى القضاء، وأن عدم مراعاة هذا الشرط يؤدي إلى عدم سماع الدعوى.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وبيّنت أن المادة (246) من القانون المدني تنطبق على حالة خاصة، وهي الحالة التي يطلب فيها أحد المتعاقدين تنفيذ العقد أو فسخه بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزاماته العقدية، حيث يكون الإعذار وسيلة لمنح المدين فرصة أخيرة لتنفيذ التزامه قبل ترتيب الآثار القانونية المترتبة على عدم التنفيذ.

أما إذا كانت الدعوى لا تستهدف فسخ العقد أو إجبار المدين على تنفيذ التزام تعاقدي، وإنما تهدف إلى المطالبة بدين مستحق أو برصيد مديونية ثابت نشأ عن تنفيذ العقد فعلاً، فإن الإعذار لا يكون شرطاً لقبول الدعوى.

وفي القضية محل البحث، كانت العلاقة العقدية قد نُفذت بالفعل؛ إذ قامت الشركة المدعية بتوريد الباطون الجاهز إلى شركة المقاولات، وأصبح محل النزاع مقتصراً على عدم سداد قيمة البضائع الموردة.

وبالتالي فإن الدعوى لم تكن دعوى تنفيذ عقد أو فسخه، وإنما دعوى مطالبة بقيمة دين تجاري مستحق، الأمر الذي لا يستوجب توجيه إنذار عدلي.

ولتعزيز هذا الاتجاه، استندت المحكمة إلى اجتهادها السابق في القرار التمييزي الحقوقي رقم (3507/2018) ، الذي قرر صراحة أن المطالبة برصيد المديونية لا تستوجب توجيه إنذار عدلي قبل إقامة الدعوى، وهو ما يدل على استقرار هذا المبدأ في القضاء الأردني.

 

التفرقة بين الإعذار والمطالبة القضائية

تكمن أهمية هذا الحكم في أنه يميز بين مرحلتين قانونيتين مختلفتين:

الأولى، مرحلة تنفيذ العقد، حيث يكون العقد ما يزال قائماً، ويكون المطلوب إلزام المدين بتنفيذ التزامه أو فسخ العقد بسبب إخلاله به.

وفي هذه الحالة، يكون الإعذار في كثير من الصور شرطاً لازماً حتى يثبت امتناع المدين عن التنفيذ رغم مطالبته بذلك.

أما الثانية، فهي مرحلة ما بعد تنفيذ الالتزام من جانب الدائن، حيث يصبح محل النزاع ديناً مالياً محدداً ومستحق الأداء.

ففي هذه المرحلة لا يكون محل الدعوى هو العقد ذاته، وإنما الالتزام المالي الناشئ عنه، ولذلك لا يشترط القانون إنذار المدين قبل إقامة الدعوى، لأن حق الدائن في المطالبة القضائية يكون قد نشأ بمجرد حلول أجل الدين وامتناع المدين عن الوفاء.

ومن ثم فإن الخلط بين هاتين الحالتين يؤدي إلى التمسك بدفوع لا سند لها من القانون، وهو ما أكدته محكمة التمييز بوضوح في هذا القرار.

 

الأهمية العملية للمبدأ

يكتسب هذا المبدأ أهمية كبيرة في المنازعات التجارية، إذ إن معظم دعاوى التجار تدور حول المطالبة بقيمة بضائع أو خدمات أو مستحقات مالية، وليس حول فسخ العقود أو إجبار المتعاقد على تنفيذها.

فلو اشترط توجيه إنذار عدلي في جميع هذه الحالات لأصبح ذلك قيداً غير مبرر على حق الدائن في اللجوء إلى القضاء، ولأدى إلى إطالة أمد المنازعات التجارية وتعطيل سرعة الفصل فيها، وهو ما يتعارض مع الطبيعة الخاصة للمعاملات التجارية التي تقوم على السرعة والائتمان واستقرار التعامل.

كما يوجه هذا الحكم رسالة عملية للمحامين عند إعداد لوائح الدعاوى والدفوع، مفادها أن الدفع بعدم توجيه إنذار عدلي لن يكون منتجاً إذا كانت الدعوى مجرد مطالبة بدين تجاري مستحق، لأن المحكمة ستنظر إلى طبيعة الطلبات لا إلى مجرد وجود عقد بين الطرفين.

 

وعليه، فإن المبدأ الذي استقر عليه القضاء الأردني يمكن صياغته بالعبارة الآتية:

إذا كان محل الدعوى هو المطالبة برصيد مديونية أو دين تجاري مستحق بعد تنفيذ العقد، فإن توجيه الإنذار العدلي لا يعد شرطاً لقبول الدعوى، ولا يؤدي عدم توجيهه إلى اعتبار الدعوى سابقة لأوانها، لأن الإعذار المنصوص عليه في المادة (246) من القانون المدني يقتصر على دعاوى تنفيذ العقد أو فسخه، ولا يمتد إلى دعاوى المطالبة بالديون التجارية المستحقة.

 

ثالثاً: مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة والتنفيذ على أمواله الخاصة

من المبادئ المهمة التي أكدها هذا القرار ما يتعلق بحدود مسؤولية الشريك المتضامن عن الالتزامات المالية التي تترتب في ذمة شركة التضامن، وهي من أكثر المسائل إثارة للنزاع أمام المحاكم، ولا سيما عندما تتعثر الشركة في الوفاء بديونها، فيسعى الدائن إلى التنفيذ مباشرة على أموال الشركاء الشخصية.

وقد أثار المميز في هذه الدعوى دفعاً مؤداه أن محكمة الاستئناف لم تطبق بصورة صحيحة أحكام المادتين (26) و(27) من قانون الشركات، ولم تتحقق من تاريخ شراكته في الشركة وما إذا كان شريكاً عند نشوء الدين، كما دفع بعدم التثبت من وجود تركة للشريك المتوفى، معتبراً أن ذلك يؤثر في مدى مسؤوليته عن الدين المطالب به.

إلا أن محكمة التمييز لم تأخذ بهذه الدفوع، وقررت أن الحكم المطعون فيه جاء موافقاً لصحيح القانون.

 

أولاً: مسؤولية الشريك المتضامن ليست مسؤولية مستقلة عن الشركة

الأصل أن شركة التضامن تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة عن شخصية الشركاء، ولها ذمة مالية مستقلة تكتسب بها الحقوق وتتحمل الالتزامات.

إلا أن المشرع الأردني، حمايةً للدائنين وتعزيزاً للائتمان التجاري، قرر مسؤولية الشركاء المتضامنين مسؤولية شخصية وغير محدودة عن ديون الشركة.

غير أن هذه المسؤولية لا تعني جواز التنفيذ مباشرة على الأموال الخاصة للشريك بمجرد صدور الحكم، وإنما يجب احترام الترتيب الذي رسمه القانون، والمتمثل في التنفيذ على أموال الشركة أولاً، فإذا لم تكفِ للوفاء بالدين، جاز الرجوع على الأموال الخاصة للشركاء المتضامنين.

وهذا ما التزمت به محكمة البداية، وأيدته محكمتا الاستئناف والتمييز، عندما قضت بإلزام الشركة والشريك المتضامن بالدين، مع النص صراحة على عدم التنفيذ على أموال الشريك الخاصة إلا بعد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين، تطبيقاً لأحكام المادة (27) من قانون الشركات.

ويؤكد هذا القضاء أن مسؤولية الشريك المتضامن، وإن كانت شخصية وغير محدودة، إلا أنها ليست مسؤولية ابتدائية، وإنما هي مسؤولية احتياطية من حيث إجراءات التنفيذ، بحيث تظل أموال الشركة هي الضمان الأول للوفاء بحقوق الدائنين.

 

ثانياً: عبء إثبات عدم صفة الشريك يقع على من يدعيها

حاول المميز أن يدفع بأن المحكمة لم تتحقق مما إذا كان شريكاً وقت نشوء الدين، وكأن المحكمة كان يتعين عليها أن تبحث من تلقاء نفسها تاريخ انضمامه إلى الشركة.

غير أن محكمة التمييز رفضت هذا الطرح، وقررت أن شهادة تسجيل الشركة أثبتت أنه شريك مؤسس ومفوض بالتوقيع عنها، ولم يقدم أي بينة تفيد أنه انضم إلى الشركة بعد نشوء الدين، بل إنه لم يدفع بذلك أصلاً أمام محكمة الموضوع، وإنما اكتفى بالقول إن المحكمة لم تتحقق من هذه المسألة.

ولذلك رأت المحكمة أنه لا محل لإثارة هذا الدفع، لأن من يتمسك بعدم مسؤوليته لعدم كونه شريكاً وقت نشوء الالتزام يقع عليه عبء إثبات هذا الادعاء، ولا يلتزم القضاء بإجراء تحقيق من تلقاء نفسه في واقعة لم ينازع فيها الخصوم بصورة جدية.

ويستفاد من ذلك أن شهادة تسجيل الشركة الصادرة عن مراقب الشركات تتمتع بقيمة إثباتية عالية فيما يتعلق ببيان أسماء الشركاء وصفاتهم، وأن من يدعي خلاف ما ورد فيها يقع عليه عبء تقديم الدليل.

 

ثالثاً: حماية استقرار المعاملات التجارية

يعكس هذا التوجه القضائي فلسفة تشريعية واضحة تقوم على حماية استقرار الائتمان التجاري.

فالتاجر الذي يتعامل مع شركة تضامن يعتمد في كثير من الأحيان على الملاءة المالية للشركاء المتضامنين، ولذلك فإن السماح للشريك بالتخلص من مسؤوليته بمجرد إثارة دفوع شكلية أو بادعاءات غير مثبتة من شأنه أن يهدر الثقة في هذا النوع من الشركات.

ومن هنا، فإن القضاء الأردني يتعامل بحزم مع الدفوع التي تستهدف نفي صفة الشريك أو التملص من الالتزامات التجارية دون تقديم بينة قانونية واضحة تؤيدها.

 

رابعاً: التنفيذ على الشريك لا يكون إلا وفق الضوابط القانونية

ويبرز من القرار أيضاً أن المحكمة فرقت بين الحكم بالمسؤولية وإجراءات التنفيذ.

فالحكم قد يصدر بإلزام الشركة والشريك المتضامن معاً، إلا أن التنفيذ على الأموال الخاصة للشريك يبقى مقيداً بالضوابط التي رسمها قانون الشركات، فلا يجوز تجاوز الذمة المالية للشركة والانتقال مباشرة إلى أموال الشريك، إلا بعد استنفاد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين.

 

وهذا التطبيق يحقق التوازن بين مصلحتين متعارضتين:

مصلحة الدائن في الحصول على حقه وعدم تعطيل التنفيذ.

ومصلحة الشريك في عدم تعريض أمواله الخاصة للتنفيذ قبل استنفاد الضمان الأصلي المتمثل في أموال الشركة.

وبذلك يكون القرار قد أكد أن المسؤولية الشخصية للشريك المتضامن لا تلغي استقلال الذمة المالية للشركة، وإنما تكملها عند عجزها عن الوفاء.

 

خلاصة المبدأ

يمكن استخلاص المبدأ الذي أرسته محكمة التمييز بالصياغة الآتية:

يظل الشريك المتضامن مسؤولاً شخصياً عن ديون شركة التضامن متى ثبتت صفته كشريك عند نشوء الالتزام، إلا أن التنفيذ على أمواله الخاصة لا يكون إلا بعد التنفيذ على أموال الشركة وثبوت عدم كفايتها للوفاء بالدين، كما أن عبء إثبات زوال صفة الشريك أو عدم قيامها يقع على من يتمسك بهذا الدفع، ولا تلتزم المحكمة بالبحث فيه من تلقاء نفسها ما لم يقدم بشأنه دليل جدي.

 

رابعاً: حجية كشوف الحساب الإلكترونية والقيود التجارية في إثبات المطالبات التجارية وحدود رقابة محكمة التمييز على وزن البينة

يعد الإثبات من أكثر الجوانب حساسية في المنازعات التجارية، إذ لا يكفي أن يدعي التاجر وجود دين في ذمة المدين، وإنما يتعين عليه إقامة الدليل على مصدر هذا الدين ومقداره واستحقاقه.

ومع التطور التقني واعتماد الشركات على الأنظمة المحاسبية الإلكترونية، برز التساؤل حول مدى حجية كشوف الحساب الإلكترونية والمستخرجات المحاسبية في الإثبات، وهل تكفي وحدها لإثبات المديونية، أم لا بد من وجود مستندات ورقية موقعة من المدين؟

وقد أجابت محكمة التمييز عن هذه التساؤلات من خلال القرار محل الدراسة، حيث رفضت جميع الدفوع التي تمسك بها المميز بشأن عدم وجود توقيع أو ختم على كشف الحساب أو على سندات التسليم، وأقرت بصحة ما انتهت إليه محكمتا الموضوع من اعتماد تلك البينات في إثبات المديونية.

 

أولاً: كشف الحساب الإلكتروني لا يفقد قيمته الثبوتية لمجرد خلوه من توقيع المدين

استند الطاعن إلى أن كشف الحساب المقدم من الشركة المدعية لم يحمل توقيعاً أو خاتماً صادراً عن الشركة المدعى عليها، كما أنه أنكر نسبته إليه، واعتبر أن ذلك يفقده أي حجية قانونية.

إلا أن المحكمة لم تنظر إلى كشف الحساب باعتباره ورقة منفردة، وإنما تعاملت معه باعتباره جزءاً من منظومة متكاملة من وسائل الإثبات، حيث ثبت لها أن الكشف مستخرج من النظام المحاسبي الإلكتروني للشركة، ويتضمن جميع البيانات المتعلقة بعمليات التوريد، بما في ذلك تاريخ كل عملية، ورقم سند المبيعات، وقيمة البضاعة، وبداية التوريد ونهايته، الأمر الذي يمنحه قدراً كبيراً من المصداقية عند اقترانه بباقي عناصر الإثبات.

ويستفاد من هذا التوجه أن القضاء الأردني لا يقف عند الشكل الظاهري للمستند، وإنما يبحث في مصدره وطريقة تنظيمه ومدى انسجامه مع بقية البينات، وهو اتجاه يتلاءم مع طبيعة التعاملات التجارية الحديثة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الأنظمة الإلكترونية في إدارة الحسابات والقيود المالية.

 

ثانياً: تكامل الأدلة هو الأساس في الإثبات التجاري

لم تعتمد المحكمة على كشف الحساب وحده، وإنما أشارت إلى أن المدعية قدمت اتفاقية توريد الباطون المبرمة مع الشركة المدعى عليها، كما قدمت كشف الحساب التفصيلي، إضافة إلى شهادات عدد من موظفيها الذين أكدوا صحة عمليات التوريد ومطابقة كشف الحساب لسندات التسليم والقيود المحاسبية الداخلية.

فقد شهد مندوب المبيعات الذي أبرم اتفاقية التوريد بأنه أشرف على تنظيم الاتفاقية، وأن الشركة قامت فعلاً بتوريد الباطون إلى المشروع محل الدعوى، وأنه كان يتابع مع الشريك المتضامن المطالبة بسداد قيمة المستحقات.

كما شهد الموظف المختص بالحسابات بأنه هو الذي نظم كشف الحساب، وأنه استند في ذلك إلى سندات التسليم الموجودة في ملفات الشركة، وأن الرصيد الوارد في الكشف مطابق للسجلات المحاسبية.

وأكد شاهد ثالث أن الشركة تعمل وفق نظام محاسبي أصولي، وأن سندات التسليم موجودة، وأن الذمة المالية للمدعى عليها ما زالت مشغولة بالمبلغ المطالب به.

ومن خلال هذه البينات مجتمعة، خلصت المحكمة إلى أن المدعية أقامت الدليل الكافي على وجود الدين، وأن إنكار المدعى عليه لم يكن مجرداً من الدليل فحسب، بل خلا أيضاً من أي مطعن جدي في صحة المستندات أو النظام المحاسبي الذي استخرجت منه.

 

ثالثاً: الإنكار المجرد لا يهدم الدليل

من المبادئ المهمة التي يمكن استخلاصها من هذا الحكم أن الإنكار المجرد لا يكفي لإهدار قيمة البينات التجارية.

فليس كل إنكار لخط أو توقيع يؤدي تلقائياً إلى سقوط المستند، وإنما يتعين على من يتمسك بهذا الإنكار أن يبين أوجه الطعن بصورة جدية، وأن يقدم ما يثير الشك في صحة المستند أو في مصدره أو في طريقة تنظيمه.

أما إذا اقتصر الأمر على مجرد القول بأن كشف الحساب لا يحمل توقيع المدين، مع وجود اتفاقية التوريد وشهادة الموظفين والقيود المحاسبية المؤيدة له، فإن هذا الإنكار لا يكون منتجاً، ولا يزعزع اقتناع المحكمة بصحة المديونية.

وهذا الاتجاه يتفق مع الطبيعة العملية للمعاملات التجارية، إذ إن كثيراً من عمليات التوريد اليومية لا يوقع فيها التاجر على كشف الحساب النهائي، وإنما يتم إثباتها من خلال النظام المحاسبي والفواتير وسندات التسليم والقيود التجارية.

 

رابعاً: سلطة محكمة الموضوع في وزن البينة

لم يقتصر الطعن على المستندات، بل امتد إلى الطعن في شهادات الشهود، حيث ادعى المميز أنها جاءت متناقضة وغير منسجمة وغير منتجة.

إلا أن محكمة التمييز أعادت التأكيد على أحد المبادئ القضائية المستقرة، وهو أن وزن البينة وتقدير أقوال الشهود واستخلاص الوقائع من الأدلة يدخل في صميم السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، ولا تخضع هذه السلطة لرقابة محكمة التمييز، ما دام استخلاص المحكمة سائغاً وله أصل ثابت في أوراق الدعوى ولم يشبه فساد في الاستدلال أو مخالفة للقانون.

ويعد هذا المبدأ من أكثر المبادئ استقراراً في القضاء الأردني، إذ يميز بين وظيفتين مختلفتين:

محكمة الموضوع هي صاحبة الاختصاص في سماع الشهود، ومناقشة البينات، وتقدير قوتها، وترجيح بعضها على بعض.

أما محكمة التمييز فليست محكمة وقائع، وإنما محكمة قانون، يقتصر دورها على مراقبة سلامة تطبيق القانون وصحة التكييف القانوني، ولا تعيد مناقشة الوقائع إلا إذا كان الاستنتاج الذي انتهت إليه محكمة الموضوع غير منطقي أو يخالف الثابت بالأوراق.

ومن ثم، فإن مجرد عدم اقتناع أحد الخصوم بتقدير المحكمة للبينة لا يشكل سبباً لنقض الحكم، ما لم يثبت أن المحكمة أغفلت دليلاً جوهرياً أو استندت إلى وقائع لا أصل لها في الملف.

 

خامساً: الدلالة العملية للحكم

تكمن الأهمية العملية لهذا الجزء من القرار في أنه يبعث برسالة واضحة إلى الشركات والتجار، مفادها أن حسن تنظيم السجلات المحاسبية والاحتفاظ بالقيود الإلكترونية وسندات التوريد، وربطها بشهادة الموظفين المختصين، يشكل منظومة إثبات متكاملة يمكن أن تؤسس عليها الأحكام القضائية.

كما يوجه رسالة إلى المحامين بأن الطعن في البينات التجارية يجب أن يكون قائماً على أسباب فنية وقانونية جدية، وليس على مجرد إنكار شكلي لعدم وجود توقيع أو ختم على كشف الحساب، لأن القضاء ينظر إلى مجمل الأدلة كوحدة واحدة، لا إلى كل دليل بمعزل عن غيره.

 

خلاصة المبدأ

يمكن تلخيص ما استقر عليه هذا القرار بالقول:

تكتسب كشوف الحساب الإلكترونية والقيود التجارية حجيتها في الإثبات متى كانت صادرة عن نظام محاسبي منتظم، ومؤيدة ببينات أخرى كاتفاقية التوريد وشهادة الموظفين وسندات التسليم، ولا يكفي الإنكار المجرد أو خلو كشف الحساب من توقيع المدين لإهدار قيمته الثبوتية، كما أن تقدير هذه البينات وترجيحها يدخل في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع التي لا تخضع لرقابة محكمة التمييز ما دام استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت في الأوراق.

 

خامساً: يمين الاستظهار في مواجهة ورثة الشريك المتوفى ضمانة لحماية التركات من المطالبات غير الثابتة

من المسائل الإجرائية التي عالجها القرار محل الدراسة، وأعطاها أهمية خاصة، مسألة يمين الاستظهار عند إقامة الدعوى في مواجهة ورثة المدين المتوفى أو في مواجهة التركة. وتعد هذه اليمين من الضمانات التي أوجدها المشرع لتحقيق التوازن بين حق الدائن في المطالبة بحقه، وحق الورثة في عدم تحميل التركة ديوناً تكون قد أوفيت أو انقضت قبل وفاة مورثهم.

وقد تمسك المميز بأن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق أحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات، وأنها وجهت يمين الاستظهار في غير محلها، الأمر الذي يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

إلا أن محكمة التمييز رفضت هذا الدفع، وأكدت أن ما قامت به محكمة الاستئناف جاء موافقاً لصحيح القانون، وأن توجيه يمين الاستظهار كان إجراءً لازماً في ظل إقامة الدعوى في مواجهة ورثة الشريك المتوفى بالإضافة إلى التركة.

 

أولاً: الغاية من يمين الاستظهار

يقوم نظام الإثبات في الدعاوى المقامة على التركات على فكرة مؤداها أن الورثة قد لا يكون لديهم علم بكافة التصرفات التي أجراها مورثهم قبل وفاته، وقد لا يستطيعون إثبات أن الدين المطالب به قد تم الوفاء به أو انقضى بأي سبب من أسباب انقضاء الالتزام.

ومن هنا، أوجب المشرع على الدائن أن يحلف يميناً تؤكد – بحسب علمه – أن الدين ما زال قائماً ولم يتم استيفاؤه أو الإبراء منه أو تحويله أو انقضاؤه بأي سبب آخر.

فهي ليست يميناً لإثبات أصل الحق، وإنما هي يمين مكملة تهدف إلى تعزيز الثقة في المطالبة وصيانة حقوق الورثة والتركات.

 

ثانياً: سلامة تطبيق المحكمة للمادة (54/2/أ) من قانون البينات

أكدت محكمة التمييز أن محكمة الاستئناف، بعد أن تبين لها وفاة أحد الشركاء المتضامنين وإدخال ورثته في الدعوى، قامت بتوجيه يمين الاستظهار إلى المفوض بالتوقيع عن الشركة المدعية، بحيث انصبت على عدم علمه باستيفاء قيمة الدين من مورث المدعى عليهم، وعدم إبراء ذمته منه، وعدم انتقال الحق إلى الغير، وعدم وجود رهن أو مقابل للدين يؤدي إلى انقضائه.

ورأت المحكمة أن صيغة اليمين جاءت متفقة مع أحكام قانون البينات، ومنسجمة مع وقائع الدعوى، وبالتالي فإن الإجراء الذي اتخذته محكمة الاستئناف كان سليماً ولا يشوبه أي مخالفة قانونية.

ويؤكد هذا القضاء أن يمين الاستظهار ليست إجراءً شكلياً يمكن الاستغناء عنه، وإنما تمثل ضمانة جوهرية كلما كانت المطالبة موجهة إلى التركة أو إلى الورثة ضمن الحدود التي رسمها القانون.

 

ثالثاً: أهمية هذا المبدأ في الدعاوى التجارية

تزداد أهمية هذا الحكم في الواقع العملي، لأن كثيراً من شركات التضامن تستمر بعد وفاة أحد الشركاء، أو تقام دعاوى للمطالبة بديون نشأت قبل الوفاة، فتكون الخصومة موجهة في مواجهة الورثة بالإضافة إلى التركة.

وفي هذه الحالات، ينبغي على المحامي أن يراعي الأحكام الخاصة بقانون البينات، وألا يقتصر على إثبات أصل الدين، بل يتأكد أيضاً من استكمال الإجراءات المتعلقة بيمين الاستظهار، حتى لا يتعرض الحكم للطعن بسبب نقص إجراء جوهري.

كما يبين هذا القرار أن القضاء الأردني لا ينظر إلى يمين الاستظهار باعتبارها مجرد إجراء شكلي، وإنما يعتبرها جزءاً من النظام القانوني لحماية التركات، ولذلك يحرص على تطبيقها كلما توافرت شروطها.

 

خلاصة المبدأ

يمكن استخلاص المبدأ الذي أرسته المحكمة بالصياغة الآتية:

إذا كانت الدعوى مقامة في مواجهة ورثة المدين أو بالإضافة إلى التركة، فإن توجيه يمين الاستظهار وفق أحكام المادة (54/2/أ) من قانون البينات يعد إجراءً قانونياً سليماً يهدف إلى حماية التركة من المطالبات التي يحتمل أن تكون قد انقضت أو تم الوفاء بها، ولا يعيب الحكم ما دام توجيه اليمين قد تم وفق الصيغة التي رسمها القانون.

 

سادساً: التخارج من التركة لا يعفي الشريك المتضامن من مسؤوليته الناشئة عن صفته كشريك

من الدفوع التي كثيراً ما تثار في المنازعات المتعلقة بشركات الأشخاص، الدفع بأن أحد الشركاء قد تخارج من تركة شريك متوفى، أو تنازل عن حقوقه الإرثية، وبالتالي لم يعد مسؤولاً عن الالتزامات المتعلقة بالشركة.

وقد عالجت محكمة التمييز هذه المسألة بصورة دقيقة، ووضعت حداً للخلط بين الصفة الإرثية والصفة التجارية.

فقد دفع المميز بأنه تخارج مما آل إليه من مورثه بموجب سند تخارج رسمي، وبالتالي فإنه لا يكون مسؤولاً عن أي التزامات تتعلق بالتركة.

إلا أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وقررت أن سند التخارج يتعلق فقط بالحقوق الإرثية التي آلت من التركة، ولا يؤثر إطلاقاً في مركز المميز كشريك متضامن في الشركة، لأن الدعوى لم تقم عليه بصفته وارثاً فحسب، وإنما أقيمت عليه أساساً بصفته شريكاً متضامناً ثابتة صفته في شهادة تسجيل الشركة.

 

أولاً: التفرقة بين المسؤولية الإرثية والمسؤولية التجارية

يميز هذا الحكم بين مصدرين مختلفين للمسؤولية:

المسؤولية الإرثية، وهي التي تنشأ بسبب انتقال الحقوق والالتزامات إلى الورثة في حدود ما آل إليهم من التركة.

المسؤولية التجارية، وهي التي تنشأ مباشرة من صفة الشخص كشريك متضامن في شركة التضامن، وهي مسؤولية مستقلة عن صفته كوارث.

وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن زوال أحد المصدرين لا يؤدي بالضرورة إلى زوال الآخر.

فقد يتخارج الشخص من حصته الإرثية، ومع ذلك يبقى مسؤولاً عن ديون الشركة إذا كان لا يزال شريكاً متضامناً فيها، لأن التزامه في هذه الحالة لا يستند إلى الإرث، وإنما إلى عقد الشركة وأحكام قانون الشركات.

 

ثانياً: التخارج لا يعد سبباً لانقضاء الالتزامات التجارية

أكدت المحكمة أن سند التخارج لا يعد وسيلة قانونية للإفلات من الالتزامات التجارية الناشئة عن الشراكة، لأن أثره يقتصر على تنظيم العلاقة بين الورثة فيما يتعلق بالتركة، ولا يمتد إلى حقوق الدائنين الذين استندت مطالباتهم إلى مركز قانوني آخر مستقل عن الإرث.

ويحقق هذا التفسير حماية مهمة لاستقرار المعاملات التجارية، إذ يمنع الشريك من التذرع بإجراءات تتعلق بالتركة للتخلص من التزاماته الشخصية كشريك متضامن.

 

ثالثاً: القيمة العملية لهذا المبدأ

يعد هذا المبدأ من المبادئ ذات الأهمية البالغة للمحامين عند صياغة الدفوع واللوائح.

فإذا كانت المطالبة مؤسسة على صفة الشريك المتضامن، فإن الدفع بالتخارج من التركة لن يكون منتجاً، لأن المحكمة ستبحث عن مصدر الالتزام، فإذا تبين أنه ناشئ عن الشراكة، فإن التخارج الإرثي يصبح غير ذي أثر.

أما إذا كانت المطالبة موجهة حصراً إلى الورثة بصفتهم ورثة، فإن سند التخارج قد تكون له آثار قانونية مختلفة بحسب نطاقه ومدى انتقال الحقوق والالتزامات.

ومن ثم، فإن نجاح هذا الدفع يتوقف على تحديد مصدر الالتزام تحديداً دقيقاً قبل إثارته أمام المحكمة.

 

خلاصة المبدأ

يمكن تلخيص ما انتهت إليه محكمة التمييز بالقول:

التخارج من التركة لا يؤدي إلى إعفاء الشخص من المسؤولية الناشئة عن صفته كشريك متضامن في شركة التضامن، لأن المسؤولية الإرثية تختلف عن المسؤولية التجارية، فإذا كانت الدعوى مؤسسة على صفة الشريك، بقيت مسؤوليته قائمة ولو تخارج من كامل حصته الإرثية، ما دام لم تثبت زوال صفته كشريك وفقاً للقانون.

 

سابعاً: الدروس العملية المستفادة من قرار محكمة التمييز رقم (1400) لسنة 2025

لا تقتصر أهمية هذا القرار على حسم النزاع الذي كان معروضاً أمام المحكمة، وإنما تمتد إلى كونه يرسم مجموعة من الضوابط العملية التي ينبغي أن يسترشد بها المحامون والشركات والتجار عند إدارة المنازعات التجارية، سواء عند إقامة الدعوى أو عند إعداد وسائل الدفاع فيها. وقد جمع القرار بين تطبيق قواعد القانون التجاري، وقانون الشركات، والقانون المدني، وقانون البينات، بما يجعله نموذجاً متكاملاً للاجتهاد القضائي في الدعاوى التجارية.

 

أولاً: ضرورة التكييف الصحيح للعلاقة القانونية قبل تحديد النص الواجب التطبيق

أبرز ما يظهر من هذا القرار أن نجاح الدعوى أو الدفع لا يتوقف على الاستناد إلى النصوص القانونية فحسب، وإنما يبدأ بتكييف العلاقة القانونية تكييفاً صحيحاً.

فقد أخطأ الطاعن عندما استند إلى قواعد التقادم المدني، في حين أن العلاقة كانت علاقة تجارية خالصة بين شركتين تمارسان الأعمال التجارية، الأمر الذي أدى إلى تطبيق أحكام قانون التجارة بدلاً من أحكام القانون المدني.

 

وهذا يبين أن المحامي يجب أن يبدأ دائماً بالإجابة عن سؤال جوهري:

هل العلاقة مدنية أم تجارية؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد القانون الواجب التطبيق، ومدة التقادم، وقواعد الإثبات، بل وأحياناً المحكمة المختصة أيضاً.

 

ثانياً: عدم التوسع في اشتراط الإنذار العدلي

أكد القرار أن الإنذار العدلي ليس إجراءً لازماً في جميع الدعاوى.

ففي الواقع العملي يلاحظ أن بعض الخصوم يتمسكون بعدم توجيه الإنذار العدلي في كل دعوى تقريباً، رغم أن القانون لا يشترطه إلا في حالات معينة.

وقد وضع هذا القرار حداً لهذا الخلط، عندما قرر أن دعوى المطالبة بقيمة البضائع أو برصيد الحساب ليست دعوى تنفيذ أو فسخ للعقد، وبالتالي لا يشترط لقبولها سبق توجيه إنذار عدلي.

ومن شأن هذا الاتجاه أن يحقق السرعة في الفصل في المنازعات التجارية، وأن يمنع إثارة دفوع شكلية لا تؤثر في أصل الحق.

 

ثالثاً: أهمية الاحتفاظ بالسجلات والقيود التجارية

يبعث القرار برسالة واضحة إلى الشركات والمؤسسات التجارية، مفادها أن حسن تنظيم السجلات المحاسبية يمثل خط الدفاع الأول عند وقوع النزاع.

فقد استندت المحكمة إلى اتفاقية التوريد، وكشف الحساب الإلكتروني، والقيود المحاسبية، وشهادات الموظفين المختصين، لتكوين قناعتها بثبوت الدين.

ويؤكد ذلك أن الشركات التي تعتمد نظاماً محاسبياً منتظماً، وتحافظ على مستنداتها وسندات التسليم وفواتيرها، تكون في مركز قانوني أقوى عند المطالبة بحقوقها أمام القضاء.

وفي المقابل، فإن الإهمال في تنظيم القيود أو فقدان المستندات قد يؤدي إلى صعوبة إثبات الحق، مهما كان ثابتاً في الواقع.

 

رابعاً: ضرورة اختيار الدفوع المنتجة

يكشف القرار أيضاً أهمية اختيار الدفوع القانونية المنتجة، وعدم إثارة دفوع شكلية لا تؤثر في النتيجة القانونية.

فقد أثار الطاعن عدداً كبيراً من الأسباب، شملت التقادم، والإنذار العدلي، والإثبات، ومحاضر الجلسات، والتخارج، ويمين الاستظهار، وغيرها، إلا أن المحكمة رفضتها جميعاً لأنها لم تمس الأساس القانوني الذي بني عليه الحكم.

وهذا يبين أن كثرة الدفوع لا تعني قوة الدفاع، وإنما العبرة بمدى اتصال الدفع بجوهر النزاع وقدرته على التأثير في النتيجة التي يمكن أن تنتهي إليها المحكمة.

 

خامساً: تعزيز الثقة في التعاملات التجارية

يعكس القرار توجهاً قضائياً واضحاً نحو حماية استقرار المعاملات التجارية.

فلو قبلت المحكمة الدفوع المتعلقة بغياب توقيع المدين على كشف الحساب، أو اعتبرت التخارج من التركة سبباً لإعفاء الشريك من مسؤوليته التجارية، أو اشترطت الإنذار العدلي في جميع دعاوى المطالبة بالديون، لأدى ذلك إلى إضعاف الائتمان التجاري وزعزعة الثقة في التعامل بين التجار.

أما الاتجاه الذي تبنته المحكمة، فيحقق التوازن بين حماية الدائن من جهة، وضمان حقوق المدين من جهة أخرى، وهو ما يتفق مع الغاية التي استهدفها المشرع من تنظيم المعاملات التجارية.

 

خاتمة

يعد قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1400 لسنة 2025 من الأحكام المرجعية في المنازعات التجارية، لما تضمنه من معالجة دقيقة لجملة من المسائل القانونية التي تتكرر بصورة مستمرة أمام المحاكم الأردنية.

فقد أكد أن العلاقة التجارية بين التجار تخضع للتقادم العشري المنصوص عليه في قانون التجارة، وأن دعوى المطالبة برصيد المديونية لا تستلزم توجيه إنذار عدلي، كما رسخ مبدأ مسؤولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة مع مراعاة ترتيب التنفيذ على أموال الشركة قبل أموال الشركاء، وأقر حجية منظومة الإثبات التجارية القائمة على القيود المحاسبية وكشوف الحساب الإلكترونية متى دعمتها البينات الأخرى، وأوضح الأحكام الخاصة بيمين الاستظهار عند مقاضاة التركة، وأكد أن التخارج من التركة لا يؤثر في المسؤولية الناشئة عن صفة الشريك المتضامن.

ولا تقتصر القيمة القانونية لهذا القرار على المبادئ التي انتهى إليها، وإنما تكمن أيضاً في منهجه في تفسير النصوص القانونية وربطها بطبيعة العلاقة محل النزاع، إذ قدم نموذجاً واضحاً لتطبيق مبدأ تغليب القانون الخاص على القانون العام، وأعاد التأكيد على أن التكييف الصحيح للعلاقة القانونية هو المدخل الأساسي لتحديد الأحكام الواجبة التطبيق.

ومن المتوقع أن يشكل هذا الحكم مرجعاً مهماً في الدعاوى المتعلقة بالمطالبات التجارية، ولا سيما تلك الناشئة عن عقود التوريد والمقاولات والمعاملات بين الشركات، وأن تسترشد به محاكم الموضوع عند نظر المنازعات المماثلة، لما يتضمنه من مبادئ تحقق استقرار الائتمان التجاري، وتحافظ في الوقت ذاته على الضمانات القانونية المقررة للمتقاضين.

وبالنسبة للمحامين والمستشارين القانونيين، فإن هذا القرار يؤكد أن نجاح الدعوى أو الدفاع لا يتوقف على كثرة الدفوع، وإنما على حسن التكييف القانوني للنزاع، واختيار النصوص الواجبة التطبيق، وتقديم منظومة متكاملة من الأدلة والبينات التي تقنع المحكمة بثبوت الحق أو انتفائه.

ومن هنا، فإن استيعاب المبادئ التي أرساها هذا الحكم يمثل إضافة عملية مهمة لكل من يمارس العمل في مجال القضاء والتقاضي التجاري.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي.

هاتف رقم: 0799999604 ، 0798333357

المطالبة التجارية وشركات التضامن

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

دراسة قانونية مقارنة في ضوء الفقه والقضاء

تُعد رابطة السببية الركن الأساسي في الجرائم غير المقصودة، فلا يكفي مجرد ثبوت خطأ المتهم حتى تقوم مسؤوليته الجزائية، وإنما يجب أن يكون هذا الخطأ هو السبب القانوني المنتج للنتيجة الجرمية.

ومن هنا برزت نظرية مهمة في الفقه والقضاء مفادها أن خطأ المجني عليه قد يبلغ من الجسامة حداً يستغرق معه خطأ الجاني، فيقطع رابطة السببية ويؤدي إلى انتفاء المسؤولية الجزائية والمدنية معاً.

وتظهر أهمية هذه النظرية بصورة خاصة في قضايا حوادث السير، والأخطاء الطبية، وحوادث العمل، وغيرها من الجرائم غير العمدية التي قد تتداخل فيها أخطاء عدة أطراف، ويتمسك بها محامي الدفاع في القضايا الجزائية.

 

أولاً: المقصود باستغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني

يقصد باستغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني أن يكون سلوك المجني عليه هو السبب الحقيقي والمباشر والحاسم في وقوع النتيجة الإجرامية، بحيث يصبح خطأ الجاني ثانوياً أو عديم الأثر في إحداثها.

فلا يكفي أن يكون المجني عليه قد أخطأ، وإنما يجب أن يكون خطؤه:

  • مستقلاً.
  • جسيماً.
  • غير متوقع.
  • كافياً وحده لإحداث النتيجة.

وعندئذ تنقطع رابطة السببية بين فعل الجاني والنتيجة، فتنتفي المسؤولية الجزائية.

 

ثانياً: الأساس القانوني للنظرية

الأصل في المسؤولية الجزائية أنها تقوم على ثلاثة أركان:

  • الخطأ.
  • النتيجة.
  • علاقة السببية.

فإذا ثبت أن النتيجة لم تكن ثمرة خطأ المتهم وإنما كانت نتيجة مباشرة لخطأ المجني عليه، فإن أحد أركان الجريمة ينهار، وهو رابطة السببية.

ولذلك فإن القضاء لا يبرئ المتهم لعدم وجود الخطأ، وإنما لأنه لا يمكن قانوناً نسبة النتيجة إليه.

 

ثالثاً: قضاء محكمة النقض المصرية

من أبرز الأحكام التي أرست هذه القاعدة الحكم الصادر عن محكمة النقض المصرية بتاريخ 8 نوفمبر 1932، والمنشور في مجموعة القواعد القانونية، الجزء 83، رقم 22، ص 32، قانون العقوبات، والذي قرر:

“كلما كان خطأ المجني عليه جسيماً إلى درجة يتلاشى معه خطأ الفاعل، وإلى حد انتفاء المسؤوليتين الجنائية والمدنية معاً، فإن خطأ المجني عليه يستوعب خطأ الفاعل الأقل جسامة.”

ويعد هذا الحكم من الأحكام المؤسسة لنظرية استغراق خطأ المجني عليه، إذ قرر أن مجرد وجود خطأ من جانب المتهم لا يكفي للحكم بإدانته متى كان خطأ المجني عليه هو السبب الحقيقي في النتيجة.

 

رابعاً: موقف القضاء الفرنسي

سبقت محكمة النقض الفرنسية إلى تقرير هذه الفكرة في حكمها الشهير الصادر بتاريخ 30 نوفمبر 1916.

 

وتتلخص وقائع القضية في أن:

طفلاً حاول عبور الطريق ليلاً بصورة مفاجئة، كان السائق يقود سيارته بسرعة معتدلة، كانت أنوار السيارة مضاءة، ثبت لاحقاً أن السائق لا يحمل رخصة قيادة، ورغم مخالفة السائق لقانون السير بقيادته دون رخصة، قضت المحكمة ببراءته من جريمة القتل الخطأ، لأن:

  • عدم حمل الرخصة لم يكن سبب الحادث.
  • السائق لم يكن يستطيع تلافي الحادث.
  • ومن ثم اقتصرت مسؤوليته على مخالفة القيادة بدون رخصة، دون مساءلته عن وفاة الطفل.

 

ويبرز هذا الحكم قاعدة مهمة مفادها:

ليس كل مخالفة قانونية تؤدي إلى قيام المسؤولية عن النتيجة، وإنما يجب أن تكون تلك المخالفة سبباً مباشراً لها.

 

خامساً: شروط استغراق خطأ المجني عليه

لا يؤدي خطأ المجني عليه إلى قطع رابطة السببية إلا إذا توافرت عدة شروط، أهمها:

  • أولاً: أن يكون الخطأ جسيماً

أي يبلغ درجة من الخطورة تجعل النتيجة متولدة عنه وحده.

أما الأخطاء البسيطة أو العادية فلا تقطع رابطة السببية.

  • ثانياً: أن يكون مستقلاً

بمعنى ألا يكون ناشئاً عن فعل المتهم نفسه.

فإذا دفع المتهم المجني عليه إلى التصرف الخاطئ فلا يمكن الاحتجاج بخطأ المجني عليه.

  • ثالثاً: أن يكون السبب المباشر للنتيجة

أي أن النتيجة كانت ستقع حتى لو لم يوجد خطأ المتهم.

فإذا بقي خطأ المتهم مؤثراً في إحداث النتيجة فلا مجال لاستغراق الخطأ.

  • رابعاً: أن يكون غير متوقع

فالفاعل يلتزم بتوقع السلوك المعتاد للأشخاص.

أما السلوك الشاذ أو المفاجئ بصورة لا يمكن توقعها، فإنه قد يقطع رابطة السببية.

 

سادساً: تطبيقات عملية

من التطبيقات التي كثيراً ما يثار بشأنها هذا الدفع:

  • السير داخل المكان المخصص للباص السريع.
  • عبور شخص للطريق السريع من مكان غير مخصص للمشاة بصورة مفاجئة.
  • إلقاء شخص نفسه أمام مركبة متحركة.
  • دخول طفل فجأة إلى مسار السيارة دون إمكانية لتفاديه.
  • قيام عامل بإزالة وسائل السلامة رغم التحذير منها.
  • استعمال شخص لجهاز بطريقة مخالفة بصورة جسيمة رغم التنبيه.

 

في جميع هذه الصور، يكون السؤال الأساسي أمام المحكمة:

هل كان خطأ المتهم سبباً في النتيجة، أم أن خطأ المجني عليه استقل بإحداثها؟

 

سابعاً: الفرق بين استغراق الخطأ والمساهمة في الخطأ

ينبغي التمييز بين حالتين:

الحالة الأولى: مساهمة المجني عليه في الخطأ

  • وهنا يبقى خطأ المتهم منتجاً للنتيجة.
  • فتظل المسؤولية الجزائية قائمة.

 

الحالة الثانية: استغراق خطأ المجني عليه

وهنا يصبح خطأ المجني عليه وحده هو السبب المنتج للنتيجة.

فتنتفي المسؤولية الجزائية.

كما تنتفي المسؤولية المدنية الناشئة عن النتيجة ذاتها.

 

ثامناً: موقف الفقه

استقر جانب كبير من الفقه الجنائي على أن رابطة السببية لا تقوم بمجرد سبق الخطأ للنتيجة، وإنما يشترط أن يكون الخطأ منتجاً لها.

فإذا تدخل سبب أجنبي مستقل يستغرق خطأ الفاعل، فإن النتيجة القانونية تنسب إلى السبب الجديد وحده.

ويعد خطأ المجني عليه أحد أهم صور السبب الأجنبي متى بلغ من الجسامة ما يجعله السبب الوحيد في وقوع الضرر.

 

تاسعاً: مدى تطبيق النظرية في القضاء الأردني

رغم عدم وجود نص خاص في التشريع الأردني يتناول استغراق خطأ المجني عليه، إلا أن القواعد العامة في المسؤولية الجزائية، وخاصة ما يتعلق برابطة السببية، تسمح للمحاكم بالأخذ بهذه النظرية متى ثبت أن النتيجة لم تكن ثمرة لخطأ المتهم.

وقد استقر الاجتهاد الأردني على أن المسؤولية الجزائية في الجرائم غير المقصودة لا تقوم إلا إذا ثبت أن خطأ المتهم كان السبب المنتج للنتيجة، وأن رابطة السببية تنتفي إذا تدخل سبب مستقل يستغرق أثر ذلك الخطأ.

ومن ثم فإن الدفع باستغراق خطأ المجني عليه يعد من الدفوع الموضوعية المهمة التي يجوز التمسك بها متى كانت وقائع الدعوى تؤيده.

 

خاتمة

إن نظرية استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني تمثل إحدى أهم التطبيقات العملية لرابطة السببية في القانون الجزائي، فهي تحقق التوازن بين حماية المجتمع وعدم تحميل الشخص مسؤولية نتيجة لم يكن خطؤه سبباً حقيقياً في وقوعها.

ولا يكفي لإدانة المتهم مجرد ثبوت ارتكابه مخالفة أو خطأ، بل يجب أن تثبت المحكمة أن هذا الخطأ هو الذي أحدث النتيجة الإجرامية.

فإذا ثبت أن المجني عليه قد ارتكب خطأً جسيماً ومستقلاً استأثر بإحداث النتيجة، انقطعت رابطة السببية، وانتفت المسؤولية الجزائية والمدنية عن تلك النتيجة.

وتؤكد أحكام القضاء المقارن، وعلى رأسها حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 8 نوفمبر 1932، وحكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 30 نوفمبر 1916، أن العدالة الجنائية لا تقوم على مجرد وجود الخطأ، وإنما على إقامة علاقة سببية حقيقية بين فعل الجاني والنتيجة، وهو ما يجعل نظرية استغراق خطأ المجني عليه إحدى الضمانات الأساسية لتحقيق العدالة في الجرائم غير العمدية.

 

مكتب العبادي للمحاماة

الأردن، عمان، العبدلي، شارع الملك حسين.

هاتف رقم: 0798333357 ، 0799999604

استغراق خطأ المجني عليه لخطأ الجاني في المسؤولية الجزائية

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني

دراسة تأصيلية وتحليلية في ضوء قانون الشركات والقانون المدني واجتهادات محكمة التمييز الأردنية

إعداد: المحامي محمد زهير العبادي

ماجستير في القانون العام

 

المقدمة

تُعد دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء من أكثر الدعاوى تعقيداً في منازعات الشركات، نظراً لتداخل قواعد القانون المدني مع أحكام قانون الشركات وقواعد الإثبات وأصول المحاكمات المدنية، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بمبادئ الحراسة القضائية والتصفية والمسؤولية المدنية وإدارة الشركات. فالشركة، منذ نشأتها، تقوم على مبدأ التعاون وتحقيق المصلحة المشتركة، إلا أن الواقع العملي يكشف أن استمرار النشاط الاقتصادي كثيراً ما يرافقه خلاف بين الشركاء حول إدارة المشروع أو توزيع الأرباح أو الإنفاق على موجودات الشركة أو استيفاء أحد الشركاء لإيراداتها دون تقديم حساب لبقية الشركاء، الأمر الذي يجعل دعوى المحاسبة الوسيلة القضائية الأساسية لإعادة التوازن المالي والقانوني بين الشركاء.

ولا تقتصر أهمية هذه الدعوى على تحديد الحقوق المالية لكل شريك، وإنما تمتد لتشمل المحافظة على أموال الشركة، وضمان سلامة إدارتها، وتمكين الشركاء من ممارسة حقهم في الرقابة والاطلاع على الحسابات والدفاتر، كما قد تشكل الأساس القانوني لطلبات أخرى كعزل المدير، أو إخراج الشريك، أو تعيين حارس قضائي (قيم)، أو تصفية الشركة وإنهاء شخصيتها القانونية عندما يصبح استمرارها مستحيلاً أو غير مجدٍ.

ورغم كثرة الدعاوى المنظورة أمام المحاكم الأردنية في هذا المجال، فإن التشريع الأردني لم يضع تنظيماً متكاملاً لدعوى المحاسبة بين الشركاء، وإنما توزعت أحكامها بين نصوص قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، الأمر الذي جعل القضاء الأردني، ولا سيما محكمة التمييز، يقوم بدور رئيس في رسم معالم هذه الدعوى وتحديد شروطها وآثارها والتمييز بينها وبين غيرها من الدعاوى المشابهة.

وقد أظهرت الاجتهادات القضائية الحديثة تطوراً ملحوظاً في معالجة هذا النوع من المنازعات، إذ عالجت محكمة التمييز مسائل دقيقة تتعلق بتكييف دعوى المحاسبة، وصحة الخصومة، والشخصية المعنوية للشركة، وإثبات الشراكة في شركة المحاصة، وحدود الخبرة المحاسبية، وعبء الإثبات، والحراسة القضائية، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، والتمييز بين حق الشركة وحق الشريك، فضلاً عن العلاقة بين المحاسبة والتصفية، وهي موضوعات لم تحظ – في حدود ما اطلع عليه الباحث – بدراسة علمية مستقلة وشاملة في الفقه الأردني.

وتزداد أهمية هذا الموضوع في ظل ازدياد النزاعات بين الشركاء في الشركات العائلية، وشركات التضامن، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، وشركات المحاصة، حيث كثيراً ما يلجأ أحد الشركاء إلى إقامة دعوى يصفها بأنها دعوى محاسبة، في حين تكون حقيقتها دعوى مطالبة مالية، أو دعوى استرداد أموال الشركة، أو دعوى مسؤولية ضد المدير، أو دعوى تصفية، مما يترتب عليه اختلاف جوهري في شروط قبول الدعوى، والخصومة، وعبء الإثبات، والنتائج القانونية المترتبة عليها.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، التي تهدف إلى تأصيل دعوى المحاسبة بين الشركاء تأصيلاً قانونياً وقضائياً، وتحليل أحكامها في ضوء التشريعات الأردنية وأحدث اجتهادات محكمة التمييز، مع بيان الاتجاهات القضائية المستقرة، ورصد ما قد يظهر من تباين في بعض الأحكام، وصولاً إلى وضع إطار علمي متكامل ييسر على الباحثين والقضاة والمحامين تحديد الطبيعة القانونية لهذه الدعوى، وشروط قبولها، ووسائل إثباتها، وعلاقتها بالحراسة القضائية والتصفية وغيرها من المنازعات الناشئة بين الشركاء.

 

مشكلة الدراسة

تتمثل مشكلة الدراسة في غياب تنظيم تشريعي متكامل لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء في القانون الأردني، وما نتج عن ذلك من اعتماد كبير على الاجتهاد القضائي في تحديد طبيعتها القانونية، وشروط قبولها، والتمييز بينها وبين غيرها من الدعاوى المتقاربة، مما يثير عدداً من الإشكاليات العملية، أهمها:

  • ما المقصود بدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء، وما طبيعتها القانونية؟
  • هل تعد دعوى مستقلة أم مجرد وسيلة تمهيدية للمطالبة بالحقوق المالية؟
  • ما شروط قبولها موضوعياً وإجرائياً؟
  • من يقع عليه عبء الإثبات فيها، وما حدود دور الخبرة المحاسبية؟
  • متى يجوز تعيين حارس قضائي على أموال الشركة أو إدارتها؟
  • ما العلاقة بين دعوى المحاسبة ودعوى التصفية؟
  • ما أثر الشخصية المعنوية للشركة في تحديد الخصومة؟
  • كيف عالجت محكمة التمييز الأردنية هذه المسائل، وهل استقر اجتهادها على مبادئ موحدة؟

 

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى:

  • تأصيل مفهوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء وبيان طبيعتها القانونية.
  • تحديد الأساس التشريعي لهذه الدعوى في القانون الأردني.
  • بيان شروط قبول دعوى المحاسبة وإجراءاتها.
  • تحليل قواعد الإثبات والخبرة المحاسبية في منازعات الشركاء.
  • دراسة الأحكام القانونية المتعلقة بتعيين الحارس القضائي (القيم).
  • بيان العلاقة بين دعوى المحاسبة ودعوى التصفية.
  • استخلاص المبادئ المستقرة في قضاء محكمة التمييز الأردنية وتحليلها ونقدها.
  • تقديم رؤية علمية تسهم في توحيد التطبيق القضائي واقتراح ما يلزم من تطوير تشريعي.

 

أهمية الدراسة

تستمد هذه الدراسة أهميتها من عدة اعتبارات، أهمها:

  • تناولها موضوعاً يكثر عرضه أمام القضاء الأردني، في ظل ندرة الدراسات المتخصصة التي تجمع بين الجوانب التشريعية والقضائية.
  • اعتمادها على تحليل موسع لاجتهادات محكمة التمييز الأردنية الحديثة، بما يسمح باستقراء الاتجاه القضائي المستقر.
  • معالجتها للترابط بين دعوى المحاسبة والحراسة القضائية والتصفية والدعوى المشتقة والدعوى الفردية للمساهم، وهي موضوعات غالباً ما تختلط في التطبيق العملي.
  • تقديمها مرجعاً عملياً للقضاة والمحامين والباحثين في منازعات الشركات.

 

منهج الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على المنهج التأصيلي التحليلي المقارن، وذلك من خلال:

  • تحليل النصوص القانونية ذات الصلة في قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات.
  • استقراء وتحليل أحكام محكمة التمييز الأردنية، ولا سيما القرارات الحديثة التي أرست مبادئ مؤثرة في موضوع المحاسبة بين الشركاء، والحراسة القضائية، والتصفية.
  • الاستفادة من الفقه القانوني الأردني والعربي، وإجراء المقارنات اللازمة مع بعض التطبيقات القضائية المقارنة كلما اقتضت طبيعة البحث ذلك.
  • استخلاص المبادئ العامة وتقييم الاتجاهات القضائية وبيان مدى اتساقها مع النصوص التشريعية.

 

الباب الأول: االإطار القانوني لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

الفصل الأول: ماهية دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

المبحث الأول: مفهوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

أولاً: تمهيد

تُعد دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء من الدعاوى ذات الطبيعة الخاصة في القانون المدني والتجاري، إذ لا يقصد منها ابتداءً المطالبة بمبلغ مالي محدد، وإنما تهدف إلى الكشف عن المركز المالي الحقيقي للعلاقة التي تربط الشركاء، وبيان الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهم تمهيداً للوصول إلى الرصيد النهائي المستحق لكل منهم. ولهذا فإنها تختلف في طبيعتها وأهدافها عن دعوى المطالبة بالدين أو دعوى التعويض أو دعوى تنفيذ الالتزام، لأنها لا تنطلق من دين ثابت ومحدد، وإنما من علاقة مالية متشابكة تستوجب إجراء تصفية حسابية دقيقة قبل تحديد مقدار الحق المطالب به.

وتبرز أهمية هذه الدعوى في الشركات التي تقوم على الاعتبار الشخصي، كشركات التضامن والمحاصة، كما تظهر في الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة في بعض الحالات التي يدعي فيها أحد الشركاء أو المساهمين إخلال المدير أو الشريك القائم بالإدارة بالتزامه بتقديم الحسابات أو توزيع الأرباح أو المحافظة على أموال الشركة.

كما تمتد تطبيقاتها إلى الأموال الشائعة متى انفرد أحد الشركاء بإدارة المال المشترك واستيفاء ريعه دون تقديم حساب لباقي الشركاء، وهو ما أكدته محكمة التمييز في عدد من أحكامها المتعلقة بالمحاسبة عن أجور العقارات المشتركة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في قرارها الصادر بتاريخ 29/12/2022 الذي اعتبر أن للشريك على الشيوع الحق في مطالبة من استأثر بإدارة المال المشترك بإجراء المحاسبة عن الإيرادات والأجور المستوفاة، مع خضوع هذه الدعوى للقواعد العامة في الإثبات ووجوب مناقشة جميع البينات المتعلقة بادعاء إجراء المحاسبة السابقة.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة لا تنشئ الحق، وإنما تكشف عنه، فهي وسيلة قانونية للوصول إلى الرصيد النهائي بعد مراجعة الإيرادات والمصروفات والالتزامات المتبادلة، الأمر الذي يجعلها مرحلة لازمة في كثير من المنازعات قبل إمكان الحكم بمبلغ معين أو تقرير مسؤولية أحد الشركاء.

 

ثانياً: التعريف الفقهي لدعوى المحاسبة

لم يضع المشرع الأردني تعريفاً لدعوى إجراء المحاسبة، شأنه في ذلك شأن غالبية التشريعات العربية، تاركاً أمر تحديد مفهومها للفقه والاجتهاد القضائي.

 

وقد عرفها الفقه بأنها:

الدعوى التي يقيمها أحد أطراف العلاقة القانونية التي تقتضي تبادل الحسابات، بقصد إلزام الطرف الآخر بتقديم كشف تفصيلي بجميع العمليات المالية التي أجراها لحساب العلاقة المشتركة، تمهيداً لتحديد الرصيد النهائي المستحق لكل طرف.

 

كما عرفت بأنها:

وسيلة قضائية تهدف إلى تصفية الحسابات الناشئة عن علاقة قانونية مستمرة أو مركبة، يكون أحد أطرافها قد انفرد بالإدارة أو القبض أو الإنفاق أو الاستثمار، بحيث يتعذر تحديد الحقوق المالية إلا بعد مراجعة جميع العمليات الحسابية المتعلقة بتلك العلاقة.

ويستفاد من هذين التعريفين أن جوهر الدعوى لا يتمثل في المطالبة بمبلغ مالي محدد، وإنما في إلزام الخصم بكشف الحساب وإجراء المحاسبة، ثم تحديد الرصيد النهائي الذي قد يثبت لمصلحة أي من الطرفين.

 

ثالثاً: التعريف القضائي لدعوى المحاسبة

على الرغم من أن محكمة التمييز الأردنية لم تضع تعريفاً مباشراً لدعوى المحاسبة، إلا أن أحكامها المتعاقبة رسمت معالمها القانونية من خلال التطبيقات العملية.

فقد قررت في العديد من أحكامها أن الغاية من الدعوى هي الوصول إلى تحديد الحقوق المالية بعد مراجعة الحسابات، وأن المحكمة لا تستطيع الحكم بالمبالغ المطالب بها إلا بعد إجراء المحاسبة وفق الأصول متى كانت طبيعة العلاقة تقتضي ذلك.

 

كما بينت المحكمة أن دعوى المحاسبة تختلف باختلاف مصدر العلاقة القانونية، فقد تكون ناشئة عن:

عقد شركة، شركة محاصة، شركة مضاربة، إدارة مال شائع، إدارة أحد الشركاء لأموال الشركة، علاقة مدير الشركة بالشركة.

 

ومن أبرز التطبيقات القضائية في هذا المجال:

قرار محكمة التمييز رقم 3342/2023، الذي أكد حق الشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة في طلب إجراء المحاسبة وبيان الأرباح وحصته منها، مع إلزام المحكمة بتمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات والدفاتر الموجودة تحت يد الشركة أو المدير قبل الفصل في الدعوى، وعدم ردها بسبب نقص المستندات التي يحتفظ بها الخصم.

قرار محكمة التمييز رقم 9490/2023، الذي ميز بين دعوى المحاسبة ودعوى استرداد أموال الشركة، وقرر أن مطالبة الشركة مديرها أو أحد شركائها برد الأموال التي قبضها لحسابها ليست دعوى محاسبة بين الشركاء، وإنما دعوى لاسترداد أموال الشركة، وهو تمييز بالغ الأهمية في التكييف القانوني للدعوى.

قرار محكمة التمييز رقم 1338/2024، الذي قرر أن دعوى المحاسبة في شركة المحاصة توجه إلى الشريك الظاهر، وأن وجود شركة محاصة لا يمنع إقامة دعوى المحاسبة رغم عدم وجود شخصية معنوية مستقلة لها، مع جواز إثباتها بجميع طرق الإثبات.

قرار محكمة التمييز رقم 2785/2023، الذي فرق بين دعوى المحاسبة، ودعوى استرداد الحصة، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، مؤكداً أن تحديد طبيعة الحق المدعى به هو الذي يرسم حدود الدعوى والخصومة والآثار القانونية المترتبة عليها.

ومن استقراء هذه الأحكام يتبين أن القضاء الأردني ينظر إلى دعوى المحاسبة باعتبارها دعوى كاشفة للحقوق وليست منشئة لها، وأنها تهدف إلى تحديد المركز المالي الحقيقي للأطراف قبل القضاء بأي مبلغ.

 

رابعاً: خصائص دعوى المحاسبة

يمكن استخلاص عدد من الخصائص التي تميز دعوى المحاسبة عن غيرها من الدعاوى، وهي:

 

1- أنها دعوى حسابية مركبة

فهي لا تقوم على التزام بسيط أو دين محدد، وإنما على مجموعة من العمليات المالية المتبادلة التي تستوجب المراجعة والتدقيق واستخراج الرصيد النهائي.

 

2- أنها دعوى كاشفة وليست منشئة

فالمحاسبة لا تنشئ الحق، وإنما تكشف عن وجوده ومقداره، ولذلك قد تنتهي إلى ثبوت حق للمدعي أو للمدعى عليه، بحسب نتيجة الحساب.

 

3- أنها تستلزم وجود علاقة قانونية سابقة

فلا تقبل دعوى المحاسبة استقلالاً دون وجود علاقة قانونية تبرر تبادل الحسابات، كالشركة، أو الوكالة، أو الإدارة، أو الشيوع، أو المضاربة.

 

4- أنها كثيراً ما تستلزم الاستعانة بالخبرة

غير أن الخبرة في هذه الدعوى ليست وسيلة لإثبات أصل الحق، وإنما وسيلة فنية لتقدير الحقوق التي ثبتت بالأدلة القانونية، وهو ما قررته الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قرارها رقم 813/2022 عندما أكدت أن الخبرة وسيلة لتقدير الدليل وليست وسيلة لإثباته، وأن الخبير لا يجوز له إنشاء الوقائع أو جمع الأدلة من خارج ملف الدعوى، وإنما يقتصر دوره على احتساب الحقوق وفق البينات المقدمة.

 

5- أنها ترتبط غالباً بطلبات أخرى

فالواقع العملي يكشف أن دعوى المحاسبة كثيراً ما تقترن بطلبات أخرى، مثل:

تعيين حارس قضائي (قيم)، عزل المدير، إخراج الشريك، تصويب الحصص، فسخ الشركة، تصفيتها، تعيين مصفٍ.

وهذا ما سنعالجه تفصيلاً في الأبواب اللاحقة من هذه الدراسة.

 

 

المبحث الثاني: الطبيعة القانونية لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

 

أولاً: تمهيد

تحديد الطبيعة القانونية لأي دعوى ليس مجرد بحث نظري، وإنما يترتب عليه آثار عملية بالغة الأهمية، إذ يتحدد من خلاله أساس الدعوى، والاختصاص القضائي، وعبء الإثبات، ونطاق الخصومة، وسلطة المحكمة، وحتى الحكم الذي يجوز للمحكمة إصداره. ويزداد هذا الأمر أهمية في دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء، نظراً لتعدد الصور التي قد تظهر بها المنازعة، فقد تبدو لأول وهلة مطالبة مالية، بينما تكون في حقيقتها دعوى محاسبة، وقد يصفها المدعي بأنها دعوى محاسبة، في حين يتبين للمحكمة أنها دعوى مسؤولية ضد المدير، أو دعوى استرداد أموال الشركة، أو دعوى تصفية، أو دعوى تعويض.

ومن هنا، فإن التكييف القانوني الصحيح لهذه الدعوى يمثل نقطة البداية في التطبيق القضائي السليم، وهو ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في أكثر من حكم عندما قررت أن تكييف الدعوى والعلاقة القانونية هو من سلطة المحكمة، ولا تتقيد المحكمة بالوصف الذي يسبغه الخصوم على دعواهم، وهو ما ظهر بوضوح في قرارها رقم 7170/2024 الذي اعتبر أن المحكمة هي صاحبة الولاية في تحديد الطبيعة القانونية للنزاع وترتيب الآثار القانونية المترتبة عليه، بصرف النظر عن الألفاظ التي استخدمها الخصوم في لوائحهم.

كما كرست هذا الاتجاه في قرارها الصادر في 24/10/2023 عندما كيفت العلاقة بين طرفي الدعوى بأنها شركة مضاربة وليست شركة محاصة، رغم تمسك الطاعنة بتطبيق أحكام شركة المحاصة وقانون الأوراق المالية، وانتهت إلى أن الطريق القانوني الصحيح بعد انتهاء المضاربة هو المحاسبة والتصفية، وليس المطالبة المباشرة برد رأس المال والأرباح المقطوعة.

 

ثانياً: دعوى المحاسبة دعوى تقريرية تمهيدية

يرى الباحث أن أول ما يميز دعوى المحاسبة أنها دعوى تقريرية (Declaratory Action) ، لا يقصد منها ابتداءً إلزام المدعى عليه بدفع مبلغ مالي محدد، وإنما تهدف إلى تقرير المركز المالي الحقيقي للعلاقة بين الطرفين، وإظهار الرصيد النهائي الناتج عن العمليات الحسابية المتبادلة.

ويترتب على هذه الطبيعة عدة نتائج مهمة:

أولها، أن المدعي قد لا يكون قادراً عند إقامة الدعوى على تحديد مقدار حقه تحديداً دقيقاً، لأن هذا المقدار يتوقف على مراجعة الدفاتر والقيود والحسابات الموجودة غالباً تحت يد المدير أو الشريك القائم بالإدارة، وهو ما يبرر إقامة دعوى المحاسبة ابتداءً.

وثانيها، أن الحكم الصادر في دعوى المحاسبة لا ينشئ الحق، وإنما يكشف عن وجوده ومقداره، فالحق يكون قائماً قبل إقامة الدعوى، إلا أن مقداره يظل مجهولاً إلى أن تنتهي المحكمة من مراجعة الحسابات وإجراء الخبرة عند الاقتضاء.

وثالثها، أن المحكمة لا تستطيع الحكم بالمبلغ المطالب به إلا بعد استكمال مرحلة المحاسبة، لأن الرصيد النهائي قد يكون لمصلحة المدعي، وقد يكون لمصلحة المدعى عليه، أو قد ينتهي إلى براءة ذمة الطرفين.

ومن التطبيقات العملية لذلك ما استقرت عليه محكمة التمييز من أن مطالبة الشريك بحصته من الأرباح في الشركة ذات المسؤولية المحدودة تقتضي أولاً إجراء المحاسبة والاطلاع على دفاتر الشركة وسجلاتها قبل تحديد ما إذا كانت أرباح قابلة للتوزيع قد تحققت فعلاً، وهو ما أكدته في قرارها رقم 3342/2023 عندما اعتبرت أن رد الدعوى قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات الموجودة تحت يد الشركة أو المدير يعد مخالفاً للقانون.

 

ثالثاً: دعوى المحاسبة ليست دعوى مطالبة بدين

من أكثر الأخطاء شيوعاً في التطبيق العملي اعتبار دعوى المحاسبة مجرد دعوى مطالبة بدين، مع أن الفارق بينهما جوهري.

ففي دعوى المطالبة بالدين يكون الدين محدداً وثابتاً ومعلوماً وقت إقامة الدعوى، ولا يبقى أمام المحكمة سوى التحقق من وجوده وإلزام المدين بأدائه.

أما في دعوى المحاسبة، فإن أصل العلاقة المالية قد يكون ثابتاً، إلا أن مقدار الحق لا يكون معلوماً، إذ يتوقف على مراجعة الحسابات واستخراج الرصيد النهائي.

ولذلك فإن عبء المحكمة في دعوى المحاسبة أوسع بكثير، لأنها لا تقتصر على التحقق من وجود الالتزام، وإنما تبحث أيضاً في الإيرادات، والمصروفات، والالتزامات، والدفعات، والمبالغ المقبوضة، والنفقات المشتركة، وما إذا كانت هناك محاسبة سابقة بين الأطراف.

وقد أبرزت محكمة التمييز هذا الفارق في قرارها رقم 9490/2023 عندما فرقت بين دعوى المحاسبة ودعوى الشركة الرامية إلى استرداد الأموال التي قبضها مديرها ولم يوردها إلى ذمتها، وقررت أن الدعوى الأخيرة ليست دعوى محاسبة، وإنما دعوى استرداد أموال الشركة، وأن مهمة الخبير فيها تختلف عن مهمته في دعوى المحاسبة.

 

رابعاً: دعوى المحاسبة ليست دعوى تصفية

ورغم الترابط الوثيق بين المحاسبة والتصفية، إلا أنهما يختلفان من حيث الطبيعة والغاية.

فالمحاسبة تهدف إلى تحديد الحقوق والالتزامات المالية الناشئة عن العلاقة القائمة بين الشركاء، وقد تتم أثناء استمرار الشركة أو بعد انقضائها.

أما التصفية، فهي مرحلة قانونية تلي انقضاء الشركة، وتهدف إلى إنهاء شخصيتها القانونية، وسداد ديونها، وتحويل موجوداتها إلى نقود، ثم توزيع صافي أموالها على الشركاء.

ومن ثم، فإن المحاسبة قد تكون وسيلة من وسائل التصفية، لكنها ليست التصفية ذاتها.

وقد كرست محكمة التمييز هذا التمييز في أكثر من حكم، ولا سيما في القرار المتعلق بعقد المضاربة، عندما قررت أن انتهاء العلاقة بانتهاء مدتها يقتضي إجراء المحاسبة والتصفية قبل المطالبة برد رأس المال، وأن مطالبة الشريك باسترداد حصته مباشرة تكون سابقة لأوانها متى كانت التصفية لم تتم بعد.

 

خامساً: دعوى المحاسبة ليست دعوى مسؤولية

كثيراً ما تختلط دعوى المحاسبة بدعوى المسؤولية المدنية المقامة على المدير أو الشريك القائم بالإدارة، إلا أن لكل منهما نطاقاً مختلفاً.

فدعوى المحاسبة تهدف إلى كشف الحسابات وتحديد الرصيد المالي، دون أن يكون ثبوت الخطأ شرطاً لقبولها.

أما دعوى المسؤولية، فتقوم على أركان المسؤولية المدنية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، وتهدف إلى الحكم بالتعويض.

وقد أوضحت محكمة التمييز هذا الفارق في قرارها رقم 2785/2023، عندما ميزت بين الدعوى التي يقيمها المساهم لمصلحة الشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة، والدعوى الفردية التي يطالب فيها بالتعويض عن ضرر شخصي أصابه، مؤكدة أن تحديد طبيعة الضرر هو الذي يرسم حدود الدعوى ويحدد صاحب الحق في التعويض.

 

سادساً: الطبيعة المختلطة لدعوى المحاسبة

بعد استقراء النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، يخلص الباحث إلى أن دعوى المحاسبة تتمتع بطبيعة قانونية مختلطة، فهي تجمع بين عناصر موضوعية وأخرى إجرائية.

فهي من الناحية الموضوعية تستند إلى علاقة قانونية سابقة، كعقد الشركة أو الشيوع أو الوكالة أو المضاربة، وتستهدف تحديد الحقوق والالتزامات المالية الناشئة عنها.

ومن الناحية الإجرائية، تعتمد على وسائل خاصة في الإثبات، وفي مقدمتها إلزام الخصم بتقديم الدفاتر والسجلات، والاستعانة بالخبرة المحاسبية، ومناقشة الخبراء، وتوجيه اليمين الحاسمة عند الاقتضاء، وهي وسائل لا تظهر بهذه الكثافة في غالبية الدعاوى المدنية الأخرى.

وهذه الطبيعة المزدوجة هي التي تفسر كثرة الإشكالات العملية في دعاوى المحاسبة، وتبرر الحاجة إلى تنظيم تشريعي أكثر تفصيلاً يبين إجراءاتها وشروطها بصورة مستقلة.

 

النتائج الأولية للمبحث

ومن خلال ما تقدم، يمكن استخلاص النتائج الآتية:

  • دعوى المحاسبة دعوى تقريرية كاشفة للحقوق وليست منشئة لها.
  • الغاية منها تحديد الرصيد النهائي للعلاقة المالية بين الشركاء قبل القضاء بأي مبلغ.
  • تختلف عن دعوى المطالبة بالدين لاختلاف محل الالتزام ومرحلة تحديد الحق.
  • تختلف عن دعوى التصفية رغم الترابط الوثيق بينهما، إذ قد تكون المحاسبة مرحلة من مراحل التصفية دون أن تتطابق معها.
  • تختلف عن دعوى المسؤولية، لأن قبولها لا يتوقف على إثبات الخطأ، وإنما على وجود علاقة قانونية تستوجب تبادل الحسابات.
  • تتمتع بطبيعة قانونية مختلطة تجمع بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية، وهو ما يفسر خصوصيتها في التطبيق القضائي.

 

المبحث الثالث: الأساس القانوني لدعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

أولاً: تمهيد

تقوم دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء على فكرة قانونية جوهرية مؤداها أن العلاقة بين الشركاء ليست علاقة دائن بمدين، وإنما علاقة تعاون وائتمان وإدارة مشتركة لمال أو مشروع اقتصادي، يلتزم فيها كل شريك بمراعاة مصلحة الشركة وبقية الشركاء، ويترتب على ذلك التزام قانوني بتقديم الحساب عن الأعمال التي يجريها لحساب الشركة أو لحساب المال المشترك.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة لا تستند إلى نص واحد في التشريع الأردني، وإنما تقوم على مجموعة متكاملة من النصوص القانونية والمبادئ العامة، تتوزع بين قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، إضافة إلى المبادئ التي أرستها محكمة التمييز في اجتهادها المستقر.

ويلاحظ أن المشرع الأردني، بخلاف بعض التشريعات المقارنة، لم يضع تنظيماً مستقلاً لدعوى المحاسبة، الأمر الذي جعل القضاء يضطلع بدور أساسي في استنباط قواعدها وتحديد نطاقها، وهو ما أضفى على الاجتهاد القضائي أهمية خاصة في هذا المجال.

 

ثانياً: الأساس القانوني في قانون الشركات

يعد قانون الشركات المصدر التشريعي الأول لدعوى المحاسبة متى كانت العلاقة محل النزاع ناشئة عن شركة، إذ يقوم هذا القانون على مبدأ أساسي يتمثل في وجوب إدارة الشركة لمصلحة جميع الشركاء، وخضوع القائمين على الإدارة لالتزام دائم بالإفصاح والشفافية وتقديم الحسابات.

ويتجلى هذا الالتزام في عدة صور، أهمها:

  • التزام المدير بإدارة الشركة بعناية الشخص المعتاد.
  • إعداد البيانات المالية والميزانيات.
  • تمكين الشركاء من الاطلاع على الحسابات.
  • المحافظة على أموال الشركة وعدم خلطها بالأموال الخاصة.
  • توزيع الأرباح وفقاً للقانون وعقد الشركة.

ومن ثم، فإذا أخل المدير أو الشريك القائم بالإدارة بهذه الالتزامات، فإن دعوى المحاسبة تصبح الوسيلة القضائية الطبيعية لإلزامه بالكشف عن العمليات المالية التي أجراها.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها رقم 3342/2023 عندما قررت أن للشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة الحق في طلب إجراء المحاسبة وبيان الأرباح المستحقة له، وأن المحكمة لا يجوز لها رد الدعوى قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على دفاتر الشركة وسجلاتها الموجودة تحت يد المدير أو الشركة، لأن هذه المستندات هي الوسيلة الأساسية للكشف عن المركز المالي الحقيقي للشركة.

كما عززت المحكمة هذا الاتجاه في قرارها رقم 1616/2024، عندما اعتبرت أن امتناع الشريك المفوض في شركة التضامن عن تمكين بقية الشركاء من الاطلاع على دفاتر الشركة وقيودها، وعدم تقديم الحسابات لهم، يشكل إخلالاً جسيماً بالتزاماته القانونية، ويعد سبباً يبرر إخراجه من الشركة حفاظاً على استمرارها.

ويستفاد من ذلك أن الالتزام بتقديم الحسابات ليس مجرد التزام أدبي أو تنظيمي، وإنما هو التزام قانوني يترتب على مخالفته قيام المسؤولية وإمكان اللجوء إلى القضاء بطلب المحاسبة.

 

ثالثاً: الأساس القانوني في القانون المدني

إذا كان قانون الشركات ينظم الإطار المؤسسي للعلاقة بين الشركاء، فإن القانون المدني يمثل المصدر العام الذي تستند إليه دعوى المحاسبة، ولا سيما في المسائل التي لم يرد بشأنها نص خاص في قانون الشركات.

ويقوم هذا الأساس على عدة مبادئ قانونية، من أهمها:

1- مبدأ تنفيذ العقد بحسن نية

يعد عقد الشركة من عقود حسن النية، فلا يقتصر التزام الشريك على تنفيذ ما ورد صراحة في عقد الشركة، وإنما يمتد إلى جميع الالتزامات التي تفرضها طبيعة العلاقة والشرف والأمانة والثقة المتبادلة.

ومن مقتضيات حسن النية أن يقدم الشريك الذي يتولى الإدارة حساباً واضحاً عن الأموال التي قبضها أو أنفقها أو استثمرها لحساب الشركة.

2- الالتزام بتقديم الحساب

يقرر الفقه المدني أن كل من يتولى إدارة مال يعود لغيره يلتزم بتقديم حساب عن هذه الإدارة، سواء استندت الإدارة إلى وكالة أو شركة أو شيوع أو أي مصدر قانوني آخر.

ومن ثم فإن دعوى المحاسبة ليست مرتبطة بالشركة وحدها، وإنما تمتد إلى كل علاقة قانونية تستوجب تقديم الحساب.

3- منع الإثراء بلا سبب

إذا استأثر أحد الشركاء بإيرادات الشركة أو قبض الأموال دون توزيعها أو دون بيان كيفية التصرف بها، فإن بقاء هذه الأموال تحت يده دون محاسبة قد يؤدي إلى إثراء غير مشروع على حساب بقية الشركاء.

ومن هنا تعد دعوى المحاسبة وسيلة عملية لمنع هذا الإثراء وإعادة التوازن المالي بين أطراف العلاقة.

 

رابعاً: الأساس القانوني في قانون أصول المحاكمات المدنية

تستمد دعوى المحاسبة جانباً مهماً من أحكامها من قانون أصول المحاكمات المدنية، لأن نجاح هذه الدعوى يعتمد إلى حد كبير على الإجراءات التي تتخذها المحكمة أثناء نظرها.

 

ومن أهم هذه الإجراءات:

  • إلزام الخصوم بتقديم المستندات.
  • تكليف الغير بإبراز الدفاتر.
  • إجراء الخبرة المحاسبية.
  • مناقشة الخبراء.
  • إعادة الخبرة عند قصورها.
  • توجيه اليمين الحاسمة أو المتممة عند الاقتضاء.

وقد أولت محكمة التمييز أهمية كبيرة لهذه الإجراءات، واعتبرت أن إغفال المحكمة لطلبات الإثبات الجوهرية يؤدي إلى نقض الحكم.

ففي قرارها رقم 1338/2024 قررت أن امتناع المحكمة عن الفصل في طلب توجيه اليمين الحاسمة يشكل مخالفة جوهرية تستوجب نقض الحكم، لأن اليمين الحاسمة تعد من وسائل الإثبات التي يجوز للخصوم اللجوء إليها في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

كما قررت في حكمها الصادر بتاريخ 29/12/2022 أن إغفال المحكمة الرد على طلب توجيه اليمين الحاسمة بشأن واقعة إجراء المحاسبة السابقة يجعل الحكم سابقاً لأوانه، لأن هذه الواقعة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت ذمة المدعى عليه ما تزال مشغولة أم لا.

 

خامساً: الأساس القانوني في قانون البينات

تمثل قواعد الإثبات الركيزة العملية لدعوى المحاسبة، إذ لا يكفي الادعاء بوجود حق في الأرباح أو الإيرادات، وإنما يجب إثبات الوقائع المنشئة لهذا الحق.

وقد كرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذا المبدأ في قرارها رقم 813/2022 عندما قررت أن الأصل براءة الذمة، وأن المدعي هو المكلف بإثبات حقه، وأن الخبرة ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة لتقدير الحقوق التي ثبتت بالبينات القانونية.

ويعد هذا الحكم من أهم الأحكام المؤسسة لدعوى المحاسبة، لأنه رسم الحدود الفاصلة بين وظيفة الخصوم في الإثبات ووظيفة الخبير في التقدير، وقرر أن الخبير لا يجوز له إنشاء الدليل أو جمع المعلومات من خارج ملف الدعوى، وإنما يقتصر دوره على احتساب الحقوق وفقاً لما ثبت أمام المحكمة من بينات.

ويؤدي هذا المبدأ إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي أن دعوى المحاسبة لا تعفي المدعي من عبء الإثبات، وإنما تخفف عنه في حدود ما تكون المستندات والدفاتر تحت يد الخصم، إذ يظل ملزماً بإثبات وجود العلاقة القانونية ومصدر حقه والوقائع الأساسية التي يستند إليها في دعواه.

 

سادساً: الأساس المستمد من الاجتهاد القضائي

إذا كان التشريع قد رسم الإطار العام، فإن القضاء الأردني هو الذي وضع القواعد التفصيلية لدعوى المحاسبة.

ومن خلال الأحكام التي جمعناها يتبين أن محكمة التمييز أرست مجموعة من المبادئ، من أهمها:

  • أن دعوى المحاسبة دعوى مستقلة عن دعوى استرداد أموال الشركة.
  • أن الخبرة وسيلة تقدير وليست وسيلة إثبات.
  • أن مجرد وجود خلاف بين الشركاء لا يبرر تعيين حارس قضائي.
  • أن للشريك الحق في الاطلاع على الدفاتر والحسابات.
  • أن المحكمة تملك سلطة تكييف الدعوى بصرف النظر عن وصف الخصوم لها.
  • أن المحاسبة قد تكون لازمة قبل التصفية أو قبل المطالبة بالحقوق المالية النهائية.
  • أن تحديد طبيعة العلاقة القانونية بين الأطراف هو الأساس الذي يبنى عليه تحديد نوع الدعوى والإجراءات الواجبة الاتباع.

ويلاحظ أن هذه المبادئ لم تصدر في حكم واحد، وإنما تكونت عبر سلسلة من الأحكام الحديثة، الأمر الذي يدل على أن القضاء الأردني يسير نحو بناء نظرية قضائية متكاملة لدعوى المحاسبة، رغم غياب تنظيم تشريعي مستقل لها.

 

الفصل الثاني: الأساس القانوني للالتزام بالمحاسبة بين الشركاء

تمهيد

لا تنشأ دعوى المحاسبة من مجرد رغبة أحد الشركاء في معرفة المركز المالي للشركة، وإنما تستند إلى التزام قانوني سابق يقع على عاتق كل من يتولى إدارة مال مشترك أو يتصرف في أموال الشركة لحسابها. فالمحاسبة ليست التزاماً اتفاقياً فحسب، بل هي التزام يفرضه القانون كلما وجد شخص يدير أموالاً لا تخصه وحده، أو يتصرف فيها لحساب الغير.

ومن هنا، فإن الالتزام بالمحاسبة لا يعد أثراً من آثار الخصومة القضائية، وإنما هو التزام سابق على إقامة الدعوى، تنشأ الدعوى بسبب الإخلال به، ويكون القضاء وسيلة لإجبار الممتنع عن تنفيذه.

ويلاحظ أن هذا الالتزام لا يقوم على مصدر واحد، وإنما تتعدد مصادره بحسب طبيعة الشركة ونوع العلاقة بين أطرافها، فقد يكون مصدره عقد الشركة، أو نصوص قانون الشركات، أو أحكام القانون المدني، أو المبادئ العامة التي تحكم إدارة المال المشترك.

 

المبحث الأول: عقد الشركة باعتباره المصدر الأول للالتزام بالمحاسبة

يعد عقد الشركة المصدر المباشر لالتزام الشريك أو المدير بتقديم الحساب، لأن الشركة ليست مجرد تجميع لرؤوس الأموال، وإنما رابطة قانونية تقوم على التعاون وتحقيق غاية مشتركة، ويترتب على هذه الرابطة التزامات متبادلة بين الشركاء، أهمها الالتزام بالإفصاح والشفافية وعدم الاستئثار بالمعلومات المالية.

ويتميز عقد الشركة عن كثير من العقود الأخرى بأنه من عقود التنفيذ المستمر، إذ لا تنتهي التزامات أطرافه بمجرد إبرامه، وإنما تستمر طوال حياة الشركة، الأمر الذي يجعل الالتزام بالمحاسبة التزاماً دورياً ومتجدداً.

ومن هذا المنطلق، فإن كل عملية مالية يجريها المدير أو الشريك المفوض لحساب الشركة تدخل في نطاق التزامه بتقديم الحساب، سواء تعلقت بقبض الإيرادات، أو سداد النفقات، أو إبرام العقود، أو إدارة الموجودات، أو توزيع الأرباح.

ولا يقتصر هذا الالتزام على المدير المعين في عقد الشركة، بل يمتد إلى كل شريك يتولى الإدارة الفعلية، ولو لم يكن يحمل صفة المدير رسمياً، لأن العبرة في الالتزام بالمحاسبة ليست بالصفة الشكلية، وإنما بمباشرة الإدارة والتصرف في الأموال.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها رقم 7170/2024 عندما اعتبرت أن الشخص الذي انفرد بإدارة المشروع، وتحصيل الإيرادات، والتصرف بالحسابات، يصبح ملزماً بتقديم الحساب متى ثبتت إدارته الفعلية للمشروع، بغض النظر عن الوصف الذي يطلقه الخصوم على هذه العلاقة.

 

المبحث الثاني: الالتزام بالمحاسبة باعتباره أثراً لمبدأ حسن النية

من المبادئ الراسخة في القانون المدني أن العقود يجب تنفيذها وفقاً لما يوجبه حسن النية، ولا يقف هذا الالتزام عند تنفيذ البنود الصريحة للعقد، وإنما يمتد إلى كل ما تقتضيه طبيعة الالتزام والأمانة والثقة المتبادلة.

وتبرز أهمية هذا المبدأ في عقد الشركة أكثر من غيره من العقود، لأن الشركة تقوم على الاعتبار الشخصي والثقة المتبادلة، ولا يمكن تصور استمرارها إذا استأثر أحد الشركاء بالمعلومات المالية أو أخفى الحسابات عن بقية الشركاء.

ومن ثم فإن التزام المدير أو الشريك المفوض بتقديم الحساب لا يعد مجرد التزام محاسبي، وإنما هو تطبيق مباشر لمبدأ حسن النية في تنفيذ عقد الشركة.

ولهذا السبب اعتبرت محكمة التمييز أن امتناع الشريك المفوض عن تمكين بقية الشركاء من الاطلاع على الدفاتر والسجلات، وعدم تقديم الحسابات، يشكل إخلالاً جسيماً بالتزاماته القانونية، ويبرر إخراجه من الشركة إذا أدى ذلك إلى تعطيل أعمالها أو الإضرار بمصالحها، كما جاء في قرارها رقم 1616/2024.

ويكشف هذا الاتجاه عن أن القضاء الأردني لم يعد ينظر إلى المحاسبة بوصفها مجرد إجراء مالي، وإنما باعتبارها التزاماً قانونياً جوهرياً يضمن احترام مبدأ حسن النية داخل الشركة.

 

المبحث الثالث: الالتزام بالمحاسبة باعتباره أثراً لإدارة مال الغير

إذا كان عقد الشركة يمثل المصدر التقليدي للالتزام بالمحاسبة، فإن هذا الالتزام قد يقوم حتى في غياب عقد شركة بالمعنى الفني، متى تولى شخص إدارة مال يملكه غيره أو يشترك فيه معه.

ولهذا نجد أن القضاء الأردني لم يقصر دعوى المحاسبة على الشركات، وإنما أجازها أيضاً في الأموال الشائعة، حيث انفرد أحد الشركاء بإدارة العقارات المشتركة وقبض أجورها دون تقديم حساب لبقية الشركاء.

وفي القرار الصادر بتاريخ 29/12/2022، أقرت محكمة التمييز بحق الشريك على الشيوع في مطالبة من استأثر بإدارة العقارات المشتركة بإجراء المحاسبة عن جميع الإيرادات المتحققة، كما أكدت أن ادعاء المدعى عليه بإجراء محاسبة سابقة يعد واقعة جوهرية يجب بحثها من خلال البينات واليمين الحاسمة عند الاقتضاء.

ويؤكد هذا الحكم أن مصدر الالتزام بالمحاسبة ليس وجود الشركة وحده، وإنما قيام شخص بإدارة مال مشترك أو التصرف فيه لحساب غيره.

 

المبحث الرابع: الالتزام بالمحاسبة في ضوء الشخصية المعنوية للشركة

من أهم التطورات التي شهدها القضاء الأردني في السنوات الأخيرة التمييز بين المحاسبة التي تكون مستحقة للشركة، والمحاسبة التي تكون مستحقة للشريك.

فالمدير قد يكون ملتزماً بتقديم الحساب للشركة باعتبارها شخصاً اعتبارياً مستقلاً، وليس لكل شريك على حدة، كما أن بعض الحقوق تكون للشركة وحدها، ولا يجوز للشريك المطالبة بها باسمه الشخصي.

وقد أكدت محكمة التمييز هذه القاعدة في أكثر من حكم، أبرزها القراران 7170/2024 و659/2023، إذ قررت أن الشخصية المعنوية للشركة تقتضي أن تكون الخصومة متجهة إلى الشركة متى كان الحق المطالب به من حقوقها، وأن الضرر الواقع على أموال الشركة لا يتحول تلقائياً إلى حق شخصي لكل شريك، وإنما يبقى حقاً للشركة ذاتها.

 

ويترتب على هذا التمييز نتائج عملية بالغة الأهمية، منها:

تحديد الخصم الصحيح في دعوى المحاسبة.

تحديد صاحب الصفة في المطالبة.

التمييز بين الدعوى الفردية للشريك والدعوى التي ترفع لمصلحة الشركة.

تحديد الجهة التي يؤول إليها المبلغ المحكوم به.

وسيكون لهذه المسألة أثر بالغ عند بحث شروط قبول الدعوى وصحة الخصومة في الباب الثاني من هذه الدراسة.

 

تعليق الباحث (إضافة علمية)

وأرى أن الاجتهاد القضائي الأردني قد تجاوز النظرة التقليدية لدعوى المحاسبة باعتبارها مجرد وسيلة لتحديد الأرباح، وأرسى مفهوماً أكثر شمولاً يقوم على أن الالتزام بالمحاسبة هو التزام قانوني مستقل ينشأ بمجرد إدارة مال مشترك أو مال مملوك لشخص اعتباري، وأن هذا الالتزام يستمد وجوده من طبيعة العلاقة القانونية ذاتها، لا من وجود نص خاص يفرضه.

ومن ثم، فإن الامتناع عن تقديم الحساب لا يمثل مجرد إخلال بالتزام عقدي، وإنما يشكل إخلالاً بمبدأ الشفافية والائتمان الذي تقوم عليه جميع العلاقات القانونية التي تتضمن إدارة أموال الغير. وهذا الاتجاه، في تقديري، يمثل نواةً لنظرية عامة في القانون الأردني يمكن تسميتها “نظرية الالتزام بالمحاسبة في علاقات الإدارة المشتركة”، وهي نظرية تتجاوز نطاق الشركات لتشمل الوكالة، والشيوع، والمضاربة، وشركة المحاصة، وكل علاقة يكون فيها أحد الأطراف ممسكاً بالحسابات أو متصرفاً بالأموال المشتركة.

 

الباب الثاني: شروط قبول دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

تمهيد

لا يكفي لنجاح دعوى المحاسبة أن يدعي أحد الشركاء وجود حقوق مالية له في ذمة شريك آخر، بل يجب أن تتوافر مجموعة من الشروط الموضوعية والإجرائية التي تجعل الدعوى مقبولة ابتداءً وقابلة للفصل في موضوعها.

ولم ينظم المشرع الأردني هذه الشروط في نصوص مستقلة، وإنما استخلصتها محكمة التمييز من القواعد العامة في قانون الشركات والقانون المدني وقانون أصول المحاكمات المدنية وقانون البينات، حتى أصبحت تشكل منظومة قضائية متكاملة تحكم هذا النوع من الدعاوى.

ومن خلال استقراء الأحكام التي جمعناها، يمكن القول إن شروط قبول دعوى المحاسبة تنقسم إلى نوعين:

شروط موضوعية تتعلق بوجود الحق ذاته، شروط إجرائية تتعلق بطريقة ممارسة هذا الحق أمام القضاء، وسوف نتناول كل شرط بصورة مستقلة.

 

الفصل الأول: الشروط الموضوعية لقبول دعوى المحاسبة

 

المبحث الأول: وجود علاقة قانونية تستوجب المحاسبة

يعد هذا الشرط الركن الأساسي في دعوى المحاسبة، إذ لا تقوم هذه الدعوى في فراغ، وإنما تستند دائماً إلى علاقة قانونية سابقة توجب على أحد الأطراف تقديم حساب للطرف الآخر.

فإذا انتفت هذه العلاقة، انتفى الالتزام بالمحاسبة من أساسه.

ولهذا فإن المحكمة تبدأ دائماً ببحث مصدر العلاقة القانونية قبل الانتقال إلى بحث الحسابات.

وقد تكون هذه العلاقة:

عقد شركة، شركة محاصة، شركة تضامن، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة، مضاربة، شيوع، وكالة، إدارة مال الغير.

أما إذا كانت العلاقة مجرد دين عادي، أو قرض، أو بيع، أو التزام مستقل لا يقتضي إدارة أموال مشتركة، فلا محل لإقامة دعوى المحاسبة، وإنما تكون الدعوى دعوى مطالبة مالية عادية.

 

سلطة المحكمة في تكييف العلاقة

من المبادئ الراسخة في القضاء الأردني أن المحكمة غير مقيدة بالتكييف الذي يسبغه الخصوم على العلاقة القانونية.

فقد يصف المدعي العلاقة بأنها شركة محاصة، بينما ترى المحكمة أنها مضاربة، وقد يصفها بأنها مطالبة مالية، بينما ترى المحكمة أنها دعوى محاسبة.

وقد كرست محكمة التمييز هذا المبدأ بصورة واضحة في القرار الصادر بتاريخ 24/10/2023 عندما رفضت اعتبار العلاقة شركة محاصة، وكيفتها بأنها شركة مضاربة، ورتبت على ذلك وجوب إجراء المحاسبة والتصفية قبل المطالبة برد رأس المال، كما أكدت في القرار 7170/2024 أن تكييف العلاقة القانونية من سلطة المحكمة، لا من سلطة الخصوم.

 

المبحث الثاني: وجود إدارة فعلية للأموال المشتركة

لا يكفي وجود شركة حتى تقبل دعوى المحاسبة، وإنما يجب أن يكون المدعى عليه قد باشر إدارة الأموال أو قبض الإيرادات أو تصرف بالحسابات.

فإذا لم يثبت أنه كان يدير الأموال أو يستوفي الإيرادات، انتفى موجب إلزامه بالمحاسبة.

 

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين:

الشريك العادي، الشريك المدير، المدير المفوض، المدير الفعلي.

فالالتزام بالمحاسبة يتعلق بالإدارة، وليس بمجرد صفة الشريك.

وقد أبرزت محكمة التمييز هذا المعنى في القرار 7170/2024 عندما استخلصت من الوقائع أن أحد الشركاء هو الذي كان يدير المشروع، ويوقع العقود، ويقبض الإيرادات، ويشرف على المحاسب، ومن ثم اعتبرت أن المطالبة بالمحاسبة تتجه إليه بوصفه مديراً فعلياً.

كما ظهر هذا الاتجاه في قرار 1616/2024 عندما اعتبرت المحكمة أن امتناع الشريك المفوض عن تقديم الحسابات للشركاء يعد إخلالاً يبرر إخراجه من الشركة.

 

المبحث الثالث: وجود عمليات مالية قابلة للمحاسبة

لا تقبل دعوى المحاسبة إذا لم تكن هناك عمليات مالية تستوجب مراجعتها.

ويشترط أن يكون النزاع متعلقاً بأمور مثل:

الإيرادات، الأرباح، المصروفات، النفقات، الرواتب، التحصيلات، العقود، الذمم، الموجودات.

أما إذا كان النزاع يدور حول مسألة قانونية مجردة لا تتعلق بحسابات مالية، فإن دعوى المحاسبة تكون غير منتجة.

ولهذا السبب ميزت محكمة التمييز في القرار 9490/2023 بين دعوى المحاسبة وبين دعوى استرداد الأموال التي قبضها المدير لحساب الشركة، وقررت أن الأخيرة ليست دعوى محاسبة، لأن موضوعها لا يتمثل في مراجعة الحسابات، وإنما في إعادة أموال معلومة إلى ذمة الشركة.

 

المبحث الرابع: وجود مصلحة قانونية قائمة

الأصل أن الدعوى لا تسمع إلا إذا كان للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة وقائمة.

ويكتسب هذا الشرط أهمية خاصة في دعاوى المحاسبة، لأن بعض الحقوق تكون للشركة، وليس للشريك.

 

ومن ثم يجب التحقق أولاً:

هل المطالبة تخص الشركة؟ أم تخص الشريك شخصياً؟

وقد عالجت محكمة التمييز هذه المسألة في القرار 2785/2023 عندما ميزت بين الدعوى المشتقة التي يقيمها المساهم لمصلحة الشركة، والدعوى الفردية التي يقيمها للمطالبة بحق شخصي، كما أكدت في القرار 659/2023 أن الضرر الواقع على الشركة لا يتحول تلقائياً إلى ضرر شخصي لكل شريك، وأن التعويض في هذه الحالة يكون للشركة لا للشركاء.

ومن ثم، فإن من أول واجبات المحكمة تحديد صاحب الحق الحقيقي قبل الانتقال إلى بحث الحسابات.

 

المبحث الخامس: أن تكون الدعوى غير سابقة لأوانها

ويعد هذا الشرط من أكثر الشروط دقة في التطبيق.

فقد تكون المحاسبة واجبة، ولكن الوقت لم يحن بعد لإقامتها.

ومن أبرز صور ذلك:

المطالبة باسترداد رأس المال قبل انتهاء المضاربة، المطالبة بحصة الشريك قبل إجراء التصفية، المطالبة بالأرباح قبل اعتماد الميزانيات أو تحديد الأرباح القابلة للتوزيع، المطالبة بحقوق تتوقف على إجراء محاسبة أولية.

وقد كرست محكمة التمييز هذا الاتجاه في قرارها الصادر بتاريخ 24/10/2023 عندما اعتبرت أن المطالبة باسترداد رأس المال مباشرة بعد انتهاء عقد المضاربة تعد سابقة لأوانها، لأن الطريق الصحيح يبدأ بإجراء المحاسبة، ثم التصفية، ثم تحديد نصيب كل طرف.

كما انتهت في قرار 3342/2023 إلى أن رد دعوى المحاسبة قبل تمكين الخبراء من الاطلاع على السجلات يجعل الحكم سابقاً لأوانه، لأن المحكمة لم تستكمل الوسائل اللازمة للوصول إلى الحقيقة.

 

تعليق الباحث (إضافة علمية)

ومن خلال استقراء هذه الأحكام، أرى أن القضاء الأردني قد طور معياراً عملياً لقبول دعوى المحاسبة يمكن صياغته على النحو الآتي:

تقبل دعوى المحاسبة كلما وجدت علاقة قانونية تقتضي إدارة مال مشترك، وثبت أن المدعى عليه باشر الإدارة أو استأثر بالحسابات أو الإيرادات، وكانت هناك عمليات مالية غير محسومة تستوجب كشف الحساب، وكان المدعي هو صاحب المصلحة القانونية المباشرة، ولم تكن المطالبة متوقفة على إجراء قانوني سابق يجعل الدعوى سابقة لأوانها.

وهذا المعيار لا يرد في أي نص تشريعي، وإنما يمثل خلاصة الاتجاه القضائي لمحكمة التمييز الأردنية المستنبط من أحكامها الحديثة، وهو في تقديري يصلح لأن يكون معياراً قضائياً عاماً يمكن للمحاكم الاسترشاد به عند الفصل في دعاوى المحاسبة.

 

الفصل الثاني: الشروط الإجرائية لقبول دعوى إجراء المحاسبة

تمهيد

إذا كانت الشروط الموضوعية تحدد وجود الحق في إقامة دعوى المحاسبة، فإن الشروط الإجرائية تحدد إمكانية وصول المحكمة إلى الحقيقة القضائية.

فدعوى المحاسبة بطبيعتها تختلف عن غالبية الدعاوى المدنية، لأن الحق المدعى به لا يكون ثابتاً في وثيقة واحدة أو سند محدد، وإنما يستخلص من مجموعة كبيرة من القيود والسجلات والدفاتر والعقود والإيرادات والمصروفات التي تتوزع غالباً بين الشركة ومديرها أو الشريك القائم بالإدارة.

ولهذا السبب، فإن الإثبات في دعوى المحاسبة لا يقتصر على القواعد التقليدية، وإنما يمتد إلى وسائل خاصة كإلزام الخصوم بتقديم المستندات، والاستعانة بالخبرة المحاسبية، وتوجيه اليمين الحاسمة، ومناقشة الخبراء، والاطلاع على الدفاتر التجارية، وهي وسائل يتوقف عليها في كثير من الأحيان مصير الدعوى.

 

المبحث الأول: عبء الإثبات في دعوى المحاسبة

 

أولاً: الأصل العام

الأصل في القانون المدني الأردني أن البينة على من ادعى، وأن الأصل براءة الذمة، فلا يكلف المدعى عليه بإثبات البراءة، وإنما يقع على المدعي عبء إثبات الحق الذي يدعيه.

وينطبق هذا الأصل أيضاً على دعوى المحاسبة، إلا أن تطبيقه يثير إشكالية خاصة، لأن معظم المستندات التي تثبت الإيرادات والمصروفات والعمليات المالية تكون موجودة تحت يد المدير أو الشركة، وليس تحت يد الشريك الذي يطالب بالمحاسبة.

ومن هنا كان لا بد من التوفيق بين القاعدة العامة في الإثبات، وبين الطبيعة الخاصة لدعوى المحاسبة.

 

ثانياً: موقف محكمة التمييز

أرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز قاعدة تعد من أهم القواعد في هذا المجال، وذلك في قرارها رقم 813/2022، حيث قررت أن:

الأصل براءة الذمة، وأن المدعي هو المكلف بإثبات مصدر حقه، وأن الخبرة ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة لتقدير الحقوق الثابتة بالبينات القانونية.

وهذا المبدأ يترتب عليه نتائج مهمة:

لا يجوز للمدعي الاكتفاء بطلب الخبرة دون تقديم الحد الأدنى من الأدلة.

لا يجوز للخبير أن ينشئ وقائع جديدة.

لا يجوز للمحكمة أن تجعل الخبرة بديلاً عن الإثبات.

ويعد هذا القرار حجر الزاوية في تحديد عبء الإثبات في دعاوى المحاسبة.

 

ثالثاً: خصوصية دعوى المحاسبة

غير أن تطبيق هذا الأصل في دعاوى الشركات يجب أن يتم بحذر، لأن الشريك لا يستطيع غالباً الوصول إلى الدفاتر أو السجلات أو الحسابات البنكية للشركة.

ولهذا السبب، فإن القضاء الأردني لم يقف عند القاعدة التقليدية، وإنما طور تطبيقها بما ينسجم مع طبيعة الدعوى.

ففي القرار رقم 3342/2023 قررت محكمة التمييز أن المحكمة لا يجوز لها رد الدعوى بحجة نقص المستندات إذا كانت هذه المستندات موجودة تحت يد الشركة أو المدير، بل يتعين عليها استعمال سلطاتها القانونية لتمكين الخبراء من الاطلاع عليها، أو إلزام الخصم بتقديمها، لأن خلاف ذلك يؤدي إلى حرمان الشريك من حقه بسبب احتفاظ خصمه بالأدلة.

وهذا الاجتهاد يمثل، في تقديري، أحد أهم تطبيقات مبدأ العدالة الإجرائية في القضاء الأردني.

 

المبحث الثاني: المستندات والدفاتر التجارية

تحتل الدفاتر التجارية والسجلات المحاسبية مركز الصدارة في دعاوى المحاسبة، لأنها تمثل المصدر الرئيسي لاستخراج المركز المالي الحقيقي للشركة.

 

وتشمل هذه المستندات على سبيل المثال:

الميزانيات، دفاتر اليومية، كشوف الحسابات البنكية، القيود المحاسبية، عقود البيع والشراء، عقود الإيجار، كشوف الرواتب.

فواتير المصروفات، الإقرارات الضريبية، بيانات الضمان الاجتماعي، سجلات القبض والصرف.

ولا يجوز للمدير أو الشريك القائم بالإدارة الاحتجاج بعدم تقديم هذه المستندات إذا كانت تحت يده، لأن احتفاظه بها يفرض عليه التزاماً قانونياً بإبرازها عند قيام النزاع.

 

تعليق الباحث

وأرى أن القضاء الأردني لم يمنح حتى الآن الدفاتر التجارية المكانة التي تستحقها في دعاوى المحاسبة، إذ ما تزال بعض المحاكم تميل إلى الاكتفاء بالخبرة المجردة، مع أن الخبرة لا قيمة لها إذا لم تستند إلى دفاتر صحيحة ومستندات مكتملة.

ولهذا أقترح أن يتدخل المشرع مستقبلاً بالنص صراحة على إلزام المدير أو المفوض بالتوقيع بتقديم جميع السجلات المحاسبية خلال مدة محددة من تاريخ إقامة الدعوى، وإلا قامت قرينة قانونية على صحة ادعاءات الشريك طالب المحاسبة، على غرار بعض التشريعات المقارنة.

 

المبحث الثالث: الخبرة المحاسبية

 

أولاً: الطبيعة القانونية للخبرة

تعد الخبرة المحاسبية الوسيلة الفنية الأكثر استخداماً في دعاوى المحاسبة، إلا أنها ليست وسيلة إثبات مستقلة، وإنما وسيلة فنية تساعد المحكمة على فهم الأدلة والبيانات المحاسبية.

وقد حسمت الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذه المسألة في قرارها رقم 813/2022 عندما قررت أن:

الخبرة وسيلة لتقدير الدليل وليست وسيلة لإثباته.

ويعد هذا المبدأ من أهم المبادئ التي سنبني عليها هذا الفصل.

 

ثانياً: حدود مهمة الخبير

من خلال استقراء أحكام محكمة التمييز، يمكن تحديد مهمة الخبير في دعوى المحاسبة بما يلي:

مراجعة الدفاتر والسجلات، احتساب الإيرادات، احتساب المصروفات، تحديد الأرباح، احتساب نصيب كل شريك، بيان الرصيد النهائي.

ولا يجوز له إنشاء الوقائع، سماع الشهود خارج المحكمة، إجراء تحريات شخصية، سؤال الجيران أو العملاءن الاعتماد على التخمين.

وقد اعتبرت الهيئة العامة في قرارها رقم 813/2022 أن قيام الخبراء بالتحري وسؤال الناس لمعرفة دخل الملحمة ومصاريفها يمثل خروجاً عن المهمة الفنية الموكولة إليهم، ويجعل تقريرهم مخالفاً للأصول.

 

ثالثاً: رقابة المحكمة على الخبرة

لا يكفي أن تذكر المحكمة أنها اقتنعت بالخبرة، وإنما يجب أن تبين أسباب اقتناعها.

وقد شددت محكمة التمييز في القرار 9490/2023 على أن تقرير الخبرة إذا كان غامضاً أو غير معلل أو لم يبين كيفية الوصول إلى النتيجة، فلا يجوز للمحكمة أن تعتمد عليه، بل يتعين عليها مناقشة الخبراء أو إعادة الخبرة.

ويكشف هذا الاتجاه عن أن المحكمة ليست مجرد ناقل لنتيجة الخبرة، وإنما تمارس رقابة قانونية كاملة عليها.

 

المبحث الرابع: اليمين الحاسمة

من وسائل الإثبات ذات الأهمية الخاصة في دعاوى المحاسبة اليمين الحاسمة، ولا سيما عندما يدور النزاع حول وقائع لا يمكن إثباتها بالمستندات، مثل:

حصول محاسبة سابقة، تسلم الأرباح، قبض الحصص، الاتفاق الشفهي بين الشركاء.

وقد أكدت محكمة التمييز في القرار 1338/2024 أن المحكمة ملزمة بالفصل في طلب توجيه اليمين الحاسمة، وأن إغفالها هذا الطلب يشكل سبباً مستقلاً لنقض الحكم.

كما أكدت في قرارها الصادر بتاريخ 29/12/2022 أن طلب توجيه اليمين بشأن واقعة إجراء المحاسبة السابقة يعد طلباً جوهرياً لا يجوز للمحكمة تجاهله.

 

النتائج الأولية للفصل

ومن خلال ما تقدم يمكن استخلاص النتائج الآتية:

يظل الأصل أن عبء الإثبات يقع على المدعي، إلا أن طبيعة دعوى المحاسبة تفرض على المحكمة استخدام سلطاتها لإلزام الخصم بتقديم المستندات التي يحتفظ بها.

الدفاتر التجارية ليست مجرد وسيلة مساعدة، بل تمثل المصدر الرئيس لإجراء المحاسبة.

الخبرة المحاسبية وسيلة فنية لتقدير الحقوق، وليست وسيلة لإثبات الوقائع.

لا يجوز للخبير تجاوز مهمته الفنية إلى إنشاء الأدلة أو إجراء التحريات.

تمارس المحكمة رقابة كاملة على تقرير الخبرة، ويجب أن يكون التقرير معللاً ومبنياً على مستندات ثابتة.

اليمين الحاسمة تمثل وسيلة إثبات جوهرية في دعاوى المحاسبة، ويترتب على إغفال المحكمة الفصل في طلب توجيهها بطلان الحكم.

 

الفصل الثالث: شروط قبول دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

دراسة تحليلية في ضوء اجتهاد محكمة التمييز الأردنية

 

تمهيد

على الرغم من أن قانون الشركات الأردني والقانون المدني لم يضعا نصاً عاماً يحدد شروط إقامة دعوى المحاسبة بين الشركاء، إلا أن القضاء الأردني، وعلى رأسه محكمة التمييز، استطاع عبر عشرات الأحكام أن يرسم نظرية قضائية متكاملة لهذه الدعوى، بحيث لم يعد قبولها يخضع لمجرد الادعاء بوجود حق مالي، وإنما أصبح مشروطاً بتوافر عناصر قانونية محددة يمكن استخلاصها من الاتجاه القضائي المستقر.

ومن خلال الدراسة التحليلية للأحكام التي سبق جمعها، يمكن للباحث أن يستخلص أن القضاء الأردني يشترط لنجاح دعوى المحاسبة اجتماع سبعة شروط رئيسية، ويؤدي تخلف أحدها إلى رد الدعوى أو اعتبارها سابقة لأوانها.

وهذه الشروط ليست منصوصاً عليها في مادة واحدة، وإنما هي نتاج استقراء متكامل لأحكام محكمة التمييز، وهو ما يمنحها قيمة علمية وعملية خاصة.

 

الشرط الأول: وجود علاقة قانونية تستوجب تبادل الحسابات

يعد هذا الشرط حجر الأساس في دعوى المحاسبة، إذ لا يمكن تصور وجود التزام بالمحاسبة دون وجود علاقة قانونية سابقة تفرض على أحد الطرفين تقديم حساب للطرف الآخر.

 

وتتعدد مصادر هذه العلاقة، فقد تكون:

عقد شركة تضامن، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة، شركة محاصة، شركة مضاربة، إدارة مال شائع، وكالة، إدارة مال الغير.

ولا يكفي مجرد وجود علاقة مالية، وإنما يجب أن تكون طبيعتها تستوجب إدارة أموال أو قبض إيرادات أو الإنفاق لحساب مشترك.

ولهذا السبب رفضت محكمة التمييز في بعض الأحكام تكييف العلاقة بأنها شركة محاصة، واعتبرتها مضاربة تخضع للقانون المدني، ورتبت على ذلك آثاراً قانونية مختلفة، أهمها وجوب المحاسبة والتصفية قبل المطالبة بالحقوق المالية.

ويستخلص من ذلك أن المحكمة لا تتقيد بالتسمية التي يطلقها الخصوم على العلاقة، وإنما تبحث عن حقيقتها القانونية.

 

الشرط الثاني: وجود إدارة فعلية للأموال

لا يكفي أن يكون المدعى عليه شريكاً، بل يجب أن يكون قد أدار الشركة، قبض الأموال، استوفى الإيرادات.

وقع العقود، احتفظ بالحسابات، تصرف بالأموال المشتركة، فالالتزام بالمحاسبة لا ينشأ عن مجرد الشراكة، وإنما ينشأ عن الإدارة.

ولهذا نجد أن محكمة التمييز تميز دائماً بين:

الشريك المستثمر، والشريك المدير، والمدير الفعلي، والمدير المفوض، ولا تلزم بالمحاسبة إلا من ثبتت إدارته.

 

الشرط الثالث: وجود حسابات غير مصفاة

من المبادئ التي لم تُذكر صراحة في الفقه الأردني، ولكن يمكن استخلاصها من القضاء، أن المحاسبة لا تكون إلا إذا بقيت العلاقة المالية مفتوحة.

فإذا ثبت أن الحسابات أغلقت، جرت محاسبة نهائية، وقع مخالصة عامة، اعتمدت ميزانيات نهائية دون اعتراض، تمت التصفية، فلا يبقى محل لدعوى المحاسبة.

ولهذا السبب نجد أن كثيراً من دفوع المدعى عليهم تقوم على القول لقد تمت المحاسبة، وهنا يصبح عبء المحكمة هو التحقق من صحة هذه الواقعة.

 

الشرط الرابع: وجود نزاع حقيقي

دعوى المحاسبة ليست وسيلة للحصول على تقرير استشاري من المحكمة.

بل يجب أن يكون هناك نزاع حول:

الإيرادات، أو الأرباح، أو المصاريف، والحصص، والإدارة، والنفقات.

أما إذا لم يوجد نزاع، أو كانت الحسابات متفقاً عليها، فلا محل لإقامة الدعوى.

 

الشرط الخامس: أن يكون الحق مجهول المقدار

وهذا الشرط من أهم ما يميز دعوى المحاسبة، فالحق في هذه الدعوى ليس مجهول الوجود، وإنما مجهول المقدار.

وهذا ما يميزها عن دعوى الدين، إذ يكون الدين فيها محدداً.

أما في المحاسبة فالمجهول هو الرصيد النهائي، ومن هنا تأتي الحاجة إلى الخبرة الفنية لمراجعة الحسابات واستخراج القيود.

 

الشرط السادس: أن يكون للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة

ويعد هذا الشرط من أكثر الشروط ارتباطاً بالشخصية المعنوية للشركة.

فقد يكون الحق للشركة، وليس للشريك.

وقد يكون للشريك وليس للشركة، وقد يكون لجميع الشركاء.

ولهذا نجد أن محكمة التمييز في قرارات:

659/2023 ، 2785/2023 ، 7170/2024

أولت أهمية كبيرة لتحديد، صاحب الحق الحقيقي، قبل بحث موضوع الدعوى.

 

الشرط السابع: أن تكون الدعوى منتجة

أي أن تكون المحاسبة قادرة على إنتاج أثر قانوني، فإذا كانت الشركة مصفاة، والحسابات مقفلة، والحقوق سقطت بالتقادم.

أو سبق الفصل فيها، أو استحال إجراء المحاسبة، فإن الدعوى تصبح غير منتجة.

 

الرأي الفقهي للباحث

وأرى أن ما استقر عليه القضاء الأردني يؤدي إلى نتيجة في غاية الأهمية، وهي أن دعوى المحاسبة ليست حقاً مطلقاً لكل شريك، وإنما هي حق مشروط بقيام مركز قانوني معين.

فالشريك لا يكتسب الحق في مطالبة غيره بالمحاسبة لمجرد صفته كشريك، وإنما يكتسب هذا الحق عندما يثبت أن العلاقة القانونية بينهما أفرزت التزاماً قائماً بتقديم الحساب، وأن هذا الالتزام لم ينفذ، وأن ثمة عمليات مالية ما زالت بحاجة إلى تصفية أو مراجعة.

وهذا التحليل يفسر كثيراً من الأحكام التي بدت للوهلة الأولى متعارضة؛ فبعضها رفض دعوى المحاسبة لا لأن المحاسبة غير جائزة، وإنما لأن شرطاً من شروطها لم يكن متوافراً، كعدم صحة الخصومة، أو سبق المحاسبة، أو كون الدعوى سابقة لأوانها، أو أن الحق المطالب به يعود للشركة لا للشريك.

ومن ثم، فإن فهم هذه الشروط يساعد على تفسير الاتجاه القضائي تفسيراً منسجماً، ويحول دون الاعتقاد بوجود تناقض بين الأحكام.

 

 

خاتمة الباب الأول والباب الثاني

يتبين من الدراسة السابقة أن دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء لا تمثل مجرد وسيلة إجرائية للمطالبة بحقوق مالية، وإنما تشكل نظاماً قانونياً متكاملاً يقوم على مجموعة من القواعد الموضوعية والإجرائية التي تستمد أصولها من قانون الشركات، والقانون المدني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون البينات، فضلاً عن المبادئ التي أرستها محكمة التمييز الأردنية عبر اجتهاداتها المتعاقبة.

وقد أظهرت الدراسة أن المشرع الأردني لم ينظم دعوى المحاسبة تنظيماً مستقلاً، وإنما ترك للقضاء مهمة استكمال بنائها القانوني، الأمر الذي أدى إلى نشوء نظرية قضائية متكاملة، استقرت على أن دعوى المحاسبة ليست دعوى مطالبة مالية عادية، وإنما دعوى ذات طبيعة تقريرية كاشفة، تهدف إلى تحديد المركز المالي الحقيقي للأطراف، واستخراج الرصيد النهائي المستحق لكل منهم بعد مراجعة العمليات المالية المتبادلة.

كما تبين أن قبول هذه الدعوى لا يرتبط بمجرد صفة الشريك، وإنما بقيام علاقة قانونية تستوجب تقديم الحساب، وبثبوت إدارة المدعى عليه للأموال المشتركة أو استئثاره بالإيرادات أو الحسابات، وبوجود نزاع حقيقي حول الحقوق المالية لم يسبق حسمه، مع توافر المصلحة القانونية والخصومة الصحيحة، وعدم سبق إجراء المحاسبة أو انتهاء العلاقة القانونية بما يمنع إعادة فتح الحسابات، ما لم يقم سبب قانوني يبرر ذلك.

وأظهرت الدراسة كذلك أن القضاء الأردني أولى أهمية خاصة للتكييف القانوني للدعوى، فلم يتقيد بالأوصاف التي يسبغها الخصوم على علاقاتهم، وإنما اعتبر أن تحديد الطبيعة القانونية للنزاع يدخل في صميم سلطة المحكمة، وهو ما ترتب عليه التمييز بين دعوى المحاسبة، ودعوى المطالبة بالدين، ودعوى استرداد أموال الشركة، ودعوى المسؤولية، ودعوى التصفية، والدعوى المشتقة، والدعوى الفردية للمساهم، وهو تمييز كان له أثر مباشر في تحديد الخصومة، وعبء الإثبات، والطلبات المقبولة، والنتائج القانونية المترتبة على كل دعوى.

وفي مجال الإثبات، كرست محكمة التمييز مبدأً بالغ الأهمية مؤداه أن عبء الإثبات يبقى على عاتق المدعي، إلا أن طبيعة دعوى المحاسبة تفرض على المحكمة استعمال سلطاتها لإلزام الخصم بتقديم الدفاتر والسجلات والمستندات التي يحتفظ بها، كما أكدت أن الخبرة المحاسبية ليست وسيلة لإثبات الوقائع، وإنما وسيلة فنية لتقدير الحقوق الثابتة بالأدلة القانونية، وهو ما يشكل ضمانة لتحقيق التوازن بين مصلحة الشريك طالب المحاسبة، وحقوق الشريك أو المدير الذي يحتفظ بالحسابات.

ويخلص الباحث من مجموع الأحكام محل الدراسة إلى أن محكمة التمييز الأردنية قد أرست، وإن بصورة غير مباشرة، نظرية قضائية متماسكة لدعوى المحاسبة، يمكن اختصارها في أن المحاسبة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة قضائية للكشف عن الحقوق المالية الكامنة داخل علاقة قانونية مستمرة، لا يمكن تحديدها إلا من خلال مراجعة دقيقة للحسابات والعمليات المالية. ويعد هذا الاتجاه، في تقدير الباحث، من أهم مظاهر التطور الذي شهده القضاء الأردني في منازعات الشركات خلال السنوات الأخيرة.

وانطلاقاً من ذلك، فإن ما تم عرضه في هذا الباب لا يمثل سوى الأساس النظري لدعوى المحاسبة، إذ ستنتقل الدراسة في الأبواب التالية إلى التطبيقات العملية لهذه الدعوى، وفي مقدمتها الحراسة القضائية (تعيين القيم)، بوصفها الإجراء الوقتي الأكثر ارتباطاً بمنازعات الشركاء، ثم إلى دعوى تصفية الشركة باعتبارها الوسيلة القانونية لإنهاء العلاقة بين الشركاء عندما يصبح استمرار الشركة متعذراً أو مخالفاً لمقتضيات العدالة، مع بيان الضوابط التي استقر عليها القضاء الأردني في كل من هذين المجالين.

 

مكتب العبادي للمحاماة

0798333357

موقع المكتب:

العبدلي، شارع الملك حسين، مجمع عقاركو التجاري، الطابق الرابع.

دعوى إجراء المحاسبة بين الشركاء

الدفوع القانونية في قضايا المخدرات في الأردن

الدفوع القانونية في قضايا المخدرات

الباب الأول: الدفوع القانونية في قضايا المخدرات في القانون الأردني،النظرية العامة

تمهيد:

تُعد جرائم المخدرات من أكثر الجرائم تعقيداً في النظام الجنائي الأردني، لما تتميز به من طبيعة خاصة تجمع بين خطورة السلوك الإجرامي من جهة، وتشدد السياسة العقابية التي انتهجها المشرع الأردني من جهة أخرى، فضلاً عن ارتباطها بإجراءات استدلال وتحقيق تتسم بخصوصية تختلف عن كثير من الجرائم التقليدية.

ويظهر هذا التميز في منح أجهزة إنفاذ القانون صلاحيات واسعة في جمع الاستدلالات، وإجراء التحريات، واستصدار أوامر القبض والتفتيش، وضبط المواد المخدرة وتحريزها وإخضاعها للفحص المخبري، الأمر الذي يجعل سلامة الإجراءات من أهم عناصر المشروعية الجزائية.

ومن ثم، فإن نجاح الدفاع في قضايا المخدرات لا يتوقف على مناقشة الواقعة الإجرامية ذاتها، وإنما يمتد إلى فحص جميع الإجراءات التي سبقت إقامة الدعوى الجزائية، والتحقق من مدى التزام السلطات المختصة بالضمانات الدستورية والقانونية التي رسمها المشرع لحماية الحرية الشخصية وتحقيق المحاكمة العادلة.

ولذلك، فإن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات تمثل الأداة الرئيسة التي يمارس من خلالها الدفاع دوره في مراقبة مشروعية الإجراءات، ومناقشة الأدلة، والطعن في سلامة الاستنتاجات التي بنت عليها النيابة العامة ومحكمة الموضوع قناعتهما.

وتزداد أهمية هذه الدفوع بالنظر إلى أن غالبية قضايا المخدرات تعتمد على الأدلة الفنية والاعترافات وإجراءات الضبط والتفتيش والتحريات، وهي جميعها تخضع لرقابة القضاء من حيث مشروعيتها وكفايتها للإدانة.

وقد أظهرت اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، من خلال عدد كبير من الأحكام التي جرى جمعها وتحليلها في هذه الدراسة، أن الفصل في قضايا المخدرات لا يقوم على مجرد ضبط المادة المخدرة، وإنما على توافر منظومة متكاملة من الشروط القانونية والإجرائية والموضوعية، وأن أي خلل جوهري في هذه المنظومة قد يؤدي إلى استبعاد الدليل أو تعديل الوصف القانوني أو الحكم بالبراءة، بحسب طبيعة الدفع وأثره في الدعوى.

ومن هنا، فإن هذه الدراسة لا تنظر إلى الدفوع باعتبارها وسائل شكلية لتعطيل سير العدالة، وإنما باعتبارها تجسيداً عملياً لمبدأ سيادة القانون، وضمانة أساسية لتحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع في مكافحة جرائم المخدرات، وحق الفرد في محاكمة عادلة تقوم على أدلة مشروعة وإجراءات صحيحة.

كما أن التطور المستمر في اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، وما صاحب ذلك من توسع في تفسير بعض النصوص المتعلقة بالحيازة، والإحراز، والتخزين، والنقل، وتعاطي وترويج المواد المخدرة، والاتجار، والقصد الجرمي، وسلطة المحكمة في تعديل الوصف القانوني، يستوجب إعادة بناء نظرية متكاملة للدفوع القانونية في قضايا المخدرات، تستند إلى النصوص التشريعية من جهة، وإلى المبادئ القضائية المستقرة من جهة أخرى، بعيداً عن العرض التقليدي الذي يقتصر على تعداد الدفوع دون تحليل فلسفتها أو شروطها أو آثارها.

وتنبع أهمية هذه الدراسة كذلك من أنها تتناول الدفوع بوصفها نظاماً قانونياً متكاملاً، يبدأ منذ مرحلة جمع الاستدلالات، ويمتد إلى التحقيق الابتدائي، ثم المحاكمة، وصولاً إلى الطعن أمام محكمة التمييز. وعليه، فإن كل إجراء من إجراءات الدعوى الجزائية يقابله دفع قانوني محتمل، ولكل دفع شروطه وأثره وحدود إثارته، وهو ما سيتم بيانه تفصيلاً في الفصول اللاحقة.

ولا يقتصر نطاق الدراسة على بيان الأحكام القانونية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل التطبيقات القضائية، وبيان اتجاهات القضاء الأردني، واستنباط المبادئ العامة الحاكمة للدفوع في جرائم المخدرات، مع المقارنة عند الحاجة بالفقه والاجتهاد المقارن، كلما كان ذلك معيناً على تفسير النصوص الوطنية أو فهم فلسفتها دون الإخلال بأولوية الاجتهاد الأردني.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى وضع إطار علمي ومنهجي شامل للدفوع القانونية في قضايا المخدرات، يجمع بين التأصيل التشريعي، والتحليل الفقهي، والتطبيق القضائي، والممارسة العملية، بما يجعلها مرجعاً متخصصاً للقضاة والمحامين والباحثين وطلبة الدراسات العليا، ويسهم في إثراء المكتبة القانونية الأردنية بدراسة متخصصة تعتمد على الاجتهاد القضائي بوصفه المصدر العملي لتفسير القانون وتطبيقه.

 

 

المبحث الأول: ماهية الدفوع القانونية في قضايا المخدرات وطبيعتها القانونية

 

المطلب الأول: مفهوم الدفوع القانونية في قضايا المخدرات

إذا كانت الدعوى الجزائية تمثل الوسيلة التي تمارس من خلالها الدولة حقها في العقاب، فإن الدفوع القانونية تمثل الوسيلة المقابلة التي منحها القانون للمتهم للدفاع عن حريته وحقوقه، وهي الأداة التي يتحقق من خلالها التوازن بين مصلحة المجتمع في ملاحقة مرتكبي الجرائم، ومصلحة الفرد في ألا يُدان إلا بناءً على إجراءات مشروعة وأدلة قانونية يقينية.

ولا يختلف هذا المبدأ في جرائم المخدرات، إلا أن تطبيقه يكتسب أهمية مضاعفة بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لهذه الجرائم؛ إذ إن أغلبها يقوم على إجراءات استدلال وتحقيق معقدة تبدأ بالتحريات السرية، وتمر بالمراقبة والكمائن والضبط والقبض والتفتيش وتحريز المواد المضبوطة وإرسالها إلى المختبر الجنائي، ثم إقامة الدليل الفني والاعترافات وأقوال رجال الضابطة العدلية. ومن ثم، فإن أي خلل في إحدى هذه الحلقات قد يؤدي إلى سقوط الدليل أو استبعاده أو إضعاف قيمته الإثباتية، وهو ما يجعل الدفوع القانونية محوراً أساسياً في بناء الدفاع في هذا النوع من القضايا.

ولئن خلا قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني من تعريف جامع للدفع، فإن الفقه استقر على أن الدفع هو وسيلة قانونية يتمسك بها الخصم بقصد منع المحكمة من الاستمرار في نظر الدعوى، أو منعها من الأخذ بدليل معين، أو الوصول إلى نتيجة قانونية تؤدي إلى البراءة أو إلى تعديل الوصف القانوني أو إلى انقضاء الدعوى أو عدم قبولها أو بطلان أحد إجراءاتها.

غير أن هذا التعريف، على أهميته، لا يكفي لبيان خصوصية الدفوع في جرائم المخدرات؛ إذ إن هذه الدفوع لا تنصرف إلى مناقشة الوقائع وحدها، وإنما تمتد إلى مراقبة مشروعية جميع مراحل الدعوى الجزائية، بدءاً من أول إجراء استدلالي قامت به إدارة مكافحة المخدرات، وانتهاءً بالحكم الصادر عن محكمة الموضوع، بل وحتى أثناء نظر الطعن أمام محكمة التمييز.

ومن خلال استقراء أحكام محكمة التمييز الأردنية التي جرى جمعها لهذه الدراسة، يتبين أن القضاء الأردني يتعامل مع الدفع في قضايا المخدرات بوصفه وسيلة قانونية لإخضاع جميع إجراءات الدعوى لرقابة القضاء، دون أن يقتصر دوره على مجرد مناقشة الوقائع.

ولذلك نجد أن كثيراً من الأحكام لم تكتفِ بفحص الأدلة الموضوعية، وإنما بحثت ابتداءً في صحة القبض، وسلامة التفتيش، ومشروعية التحريات، وصحة الاعتراف، وسلامة التحريز، واتصال المضبوطات بالمتهم، ومدى توافر القصد الجرمي، ثم بنت قناعتها النهائية على نتيجة هذه الرقابة الشاملة. وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في الأحكام التي ناقشت حدود سلطة المحكمة في تعديل الوصف القانوني، ومفهوم التخزين والنقل، وتوافر قصد الاتجار، وحجية الاعتراف القضائي، وتطبيق المادة (27) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية المتعلقة بالإعفاء من العقوبة.

 

ومن ثم، فإن الدفع في قضايا المخدرات يمكن تعريفه بأنه:

“وسيلة قانونية يتمسك بها المتهم أو وكيله للطعن في مشروعية الإجراءات أو في سلامة الأدلة أو في توافر أركان الجريمة أو في صحة التكييف القانوني أو في استحقاق العقوبة، بقصد الوصول إلى البراءة أو استبعاد الدليل أو تعديل الوصف القانوني أو انقضاء الدعوى أو تخفيف المسؤولية الجزائية.”

ويُلاحظ على هذا التعريف أنه يجمع بين الجانب الإجرائي والجانب الموضوعي، ولا يقصر الدفع على نوع معين من الدفوع، لأن الواقع العملي أمام محكمة أمن الدولة ومحكمة التمييز الأردنية يثبت أن الدفاع في جرائم المخدرات غالباً ما يقوم على مجموعة مترابطة من الدفوع؛ فقد يبدأ بالدفع ببطلان القبض، ثم ينتقل إلى بطلان التفتيش، ثم ينازع في التحريز، ثم في التقرير المخبري، ثم في القصد الخاص، ثم في الوصف القانوني، وصولاً إلى الدفع بعدم كفاية الأدلة أو بانتفاء أركان الجريمة.

ويتميز الدفع في جرائم المخدرات عن غيره من الدفوع في الجرائم التقليدية بعدة خصائص.

فهو أولاً يتعامل مع أدلة يغلب عليها الطابع الفني والعلمي، كالتقارير المخبرية وتحليل العينات، وهو ما يفرض على الدفاع مناقشة هذه الأدلة من زاويتين:

زاوية المشروعية الإجرائية، وزاوية الحجية العلمية.

وهو ثانياً يرتبط في كثير من الأحيان بإجراءات سرية، كالتحريات والكمائن والمراقبة، الأمر الذي يفرض رقابة قضائية دقيقة على مدى احترام هذه الإجراءات للضمانات القانونية.

وهو ثالثاً يتصل بجرائم اشترط المشرع لقيام بعضها توافر قصد خاص، كما في الاتجار والترويج والتخزين بقصد الاتجار، مما يجعل من منازعة هذا القصد أحد أهم محاور الدفاع.

كما أن خصوصية هذه الدفوع لا ترجع فقط إلى طبيعة الجريمة، وإنما إلى السياسة التشريعية التي اتبعها المشرع الأردني في مكافحة المخدرات، إذ اتسمت هذه السياسة بالتشدد في التجريم والعقاب، مقابل الإبقاء على الضمانات الإجرائية التي لا يجوز المساس بها.

ولذلك فإن القضاء الأردني لم يعتبر خطورة الجريمة مبرراً لتجاوز قواعد الإجراءات أو إهدار حقوق الدفاع، بل ظل متمسكاً بمبدأ أن مكافحة المخدرات، مهما بلغت أهميتها، يجب أن تتم في إطار سيادة القانون واحترام الشرعية الإجرائية.

ومن هنا، فإن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات ليست مجرد وسائل دفاع شكلية أو محاولات للإفلات من العقاب، وإنما تمثل أحد أهم تطبيقات مبدأ الشرعية الجزائية، وتجسد عملياً الرقابة القضائية على أعمال الضابطة العدلية والنيابة العامة، وتضمن ألا تقوم الإدانة إلا على دليل مشروع وقناعة يقينية مستخلصة من إجراءات صحيحة وأدلة قانونية متماسكة.

وتأسيساً على ما تقدم، فإن دراسة الدفوع في هذا المجال لا ينبغي أن تقتصر على بيان النصوص القانونية، بل يجب أن تنصرف إلى تحليل فلسفة كل دفع، وشروطه، وأثره، واتجاه القضاء الأردني بشأنه، وهو النهج الذي ستسير عليه هذه الدراسة في جميع أبوابها وفصولها، بحيث يُخصص لكل دفع مبحث مستقل يجمع بين التأصيل التشريعي، والتحليل الفقهي، والتطبيق القضائي، والاستراتيجية العملية لإثارته أمام المحاكم.

 

 

المطلب الثاني: الأساس الدستوري والتشريعي للدفوع القانونية في قضايا المخدرات في الاردن

 

أولاً: الأساس الدستوري للدفوع القانونية

إن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات لا تستمد مشروعيتها من قانون أصول المحاكمات الجزائية أو من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية فحسب، وإنما ترتكز قبل ذلك على ضمانات دستورية راسخة تشكل الإطار الأعلى للشرعية الجنائية في الدولة.

فالدستور الأردني، بوصفه الوثيقة القانونية الأسمى، لم ينظم إجراءات التحقيق والمحاكمة تنظيماً تفصيلياً، إلا أنه قرر مجموعة من المبادئ التي أصبحت تشكل المرجعية الأساسية لكل إجراء جزائي، ولكل دفع يثار أمام القضاء.

ويأتي في مقدمة هذه المبادئ مبدأ سيادة القانون، الذي يفرض خضوع جميع سلطات الدولة، بما فيها الضابطة العدلية والنيابة العامة والمحاكم، لأحكام القانون، بحيث لا يجوز مباشرة أي إجراء يمس حرية الفرد أو حقوقه إلا في الحدود التي رسمها المشرع.

ويترتب على ذلك أن أي إجراء يتم خارج هذه الحدود يعد إجراءً غير مشروع، ويجوز للدفاع الطعن فيه بالدفوع المقررة قانوناً.

كما يستند نظام الدفوع إلى مبدأ الحرية الشخصية، الذي يعد من أهم الحقوق الدستورية.

فالقبض والتوقيف والتفتيش ليست امتيازات مطلقة للسلطات المختصة، وإنما هي استثناءات على الأصل العام المتمثل في حرية الإنسان، ولا يجوز التوسع في تفسيرها أو تطبيقها.

ولذلك فإن رقابة القضاء على مشروعية هذه الإجراءات تعد تطبيقاً مباشراً للضمانات الدستورية، وليست مجرد رقابة شكلية على أعمال الضابطة العدلية.

ومن المبادئ الدستورية التي يقوم عليها نظام الدفوع أيضاً حق الدفاع، الذي لا يقتصر على تمكين المتهم من توكيل محامي أو تقديم بيناته، وإنما يمتد إلى منحه الحق الكامل في مناقشة جميع الأدلة، والطعن في مشروعيتها، وإثارة كل دفع من شأنه التأثير في سلامة الدعوى.

ويترتب على ذلك أن المحكمة تلتزم بالرد على الدفوع الجوهرية التي يمكن أن تغير وجه الرأي في الدعوى، وإلا شاب حكمها القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.

وتتصل بذلك قرينة البراءة، التي تعد حجر الزاوية في النظام الجزائي بأكمله.

فالأصل في الإنسان البراءة، ولا تنتقل المحكمة إلى الإدانة إلا إذا قامت أدلة قانونية يقينية تثبت ارتكابه للجريمة.

ومن ثم فإن جميع الدفوع القانونية إنما تهدف، في حقيقتها، إلى اختبار مدى قدرة أدلة الإثبات على هدم هذه القرينة، فإذا بقي الشك قائماً أو ثبت بطلان أحد الأدلة الجوهرية، بقيت قرينة البراءة قائمة ومنتجة لآثارها.

 

ثانياً: الأساس التشريعي للدفوع

يقوم النظام القانوني للدفوع في قضايا المخدرات في الأردن على منظومة تشريعية متكاملة، لا يقتصر تطبيقها على قانون واحد، وإنما تتوزع أحكامها بين عدة تشريعات تتكامل فيما بينها.

ويأتي قانون المخدرات والمؤثرات العقلية في مقدمة هذه التشريعات، إذ يحدد الأفعال المجرمة، وأركانها، والعقوبات المقررة لها، والحالات التي يجوز فيها الإعفاء من العقوبة أو تخفيفها، كما يميز بين صور النشاط الإجرامي المختلفة، كالتعاطي، والحيازة، والإحراز، والنقل، والتخزين، والتصنيع، والاستيراد، والتصدير، والاتجار، والتوزيع، والترويج، والتعامل بالمستحضرات.

وهذا التمييز التشريعي ينعكس مباشرة على طبيعة الدفوع التي يمكن إثارتها في كل جريمة، إذ تختلف الدفوع المتعلقة بجريمة التعاطي عن تلك التي تثار في جرائم الاتجار أو ترويج المخدرات أو التخزين بقصد الاتجار.

أما قانون أصول المحاكمات الجزائية، فهو الإطار الإجرائي الذي تستند إليه معظم الدفوع في القضايا الجزائية، إذ ينظم قواعد الاختصاص، والتحقيق، والقبض، والتوقيف، والتفتيش، والضبط، والإثبات، والمحاكمة، والطعن، ويحدد حالات البطلان وآثارها.

ولذلك فإن غالبية الدفوع الإجرائية في قضايا المخدرات تجد أساسها المباشر في هذا القانون، سواء تعلق الأمر ببطلان القبض، أو بطلان التفتيش، أو عدم الاختصاص، أو بطلان الاعتراف، أو مخالفة قواعد الإثبات.

ويؤدي قانون العقوبات دوراً مكملاً، ولا سيما فيما يتعلق بالأسباب المخففة، والعقوبة الأشد، وتعدد الجرائم، والمساهمة الجنائية، والشروع، والإعفاءات العامة، وغيرها من الأحكام التي يكثر تطبيقها في قضايا المخدرات.

كما تكتسب قواعد قانون البينات أهمية خاصة، لأن منازعة الدليل تعد من أهم صور الدفاع في هذا النوع من القضايا.

فالقاضي لا يبني قناعته على مجرد وجود مادة مخدرة، وإنما على سلامة الدليل الذي يربط هذه المادة بالمتهم، وعلى مشروعية الوسيلة التي تم الحصول بها على هذا الدليل.

 

ثالثاً: العلاقة بين الشرعية الإجرائية والشرعية الموضوعية

من أبرز الخصائص التي تميز الدفوع القانونية في قضايا المخدرات أن نجاحها قد يكون راجعاً إلى خلل في الإجراءات، كما قد يكون راجعاً إلى انتفاء أحد أركان الجريمة.

ومن هنا ظهر في الفقه والقضاء التمييز بين الشرعية الإجرائية والشرعية الموضوعية.

فالشرعية الإجرائية تعني التزام سلطات الضبط والتحقيق والمحاكمة بالإجراءات الجزائية التي رسمها القانون، بحيث يكون كل إجراء صادراً عن جهة مختصة، وفي الوقت المحدد، وبالطريقة التي أوجبها القانون.

أما الشرعية الموضوعية فتنصرف إلى توافر أركان الجريمة ذاتها، من ركن مادي، وركن معنوي، وعلاقة سببية، ووصف قانوني صحيح.

وتظهر أهمية هذا التمييز في أن بطلان الإجراء قد يؤدي إلى استبعاد الدليل، حتى لو كان المتهم قد ارتكب الفعل فعلاً، في حين أن انتفاء أحد أركان الجريمة يؤدي إلى البراءة ولو كانت الإجراءات صحيحة.

ولذلك فإن المحامي الناجح في قضايا المخدرات لا يكتفي بالتركيز على أحد الجانبين، وإنما يبني دفاعه على محورين متوازيين:

الأول هو اختبار مشروعية جميع الإجراءات، والثاني هو مناقشة مدى توافر أركان الجريمة والقصد الجرمي والوصف القانوني.

ولهذا السبب، فإن الدفوع في جرائم المخدرات تشكل منظومة متكاملة، لا يجوز النظر إلى أي دفع منها بمعزل عن بقية الدفوع، لأن الإخلال بإجراء واحد قد ينعكس على سلامة جميع الأدلة اللاحقة، كما أن سقوط ركن واحد من أركان الجريمة قد يؤدي إلى انهيار البناء القانوني للدعوى بأكمله.

وبناءً على ذلك، فإن الدراسة ستتناول في الفصول اللاحقة الدفوع الإجرائية والموضوعية باعتبارها أجزاء مترابطة من نظرية قانونية واحدة، هدفها النهائي ضمان ألا يصدر حكم بالإدانة إلا إذا ثبتت الجريمة بدليل مشروع، وقامت جميع أركانها وفقاً للقانون، واقتنعت المحكمة بذلك اقتناعاً جازماً لا يداخله شك معقول.

 

 

المطلب الثالث: الطبيعة القانونية للدفوع في قضايا المخدرات وأثرها في الدعوى الجزائية

 

أولاً: الطبيعة القانونية للدفوع

يثير تحديد الطبيعة القانونية للدفوع في قضايا المخدرات إشكالية فقهية وقضائية ذات أهمية بالغة، إذ لا يمكن بناء نظام متكامل للدفوع دون تحديد موقعها من النظرية العامة للدعوى الجزائية.

فالدفع ليس مجرد وسيلة إجرائية يلجأ إليها الدفاع لتعطيل السير في الدعوى، كما أنه ليس مجرد إنكار لواقعة مادية أو منازعة في دليل من الأدلة، وإنما يمثل نظاماً قانونياً متكاملاً يباشر من خلاله المتهم حقه الدستوري في الدفاع، وتمارس المحكمة من خلاله رقابتها على مشروعية الإجراءات وصحة تطبيق القانون.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفوع القانونية في جرائم المخدرات تعد من أهم مظاهر مبدأ الشرعية الجزائية، لأنها تكفل خضوع جميع إجراءات الدعوى لرقابة القضاء، وتمنع السلطات القائمة على إنفاذ القانون من تجاوز الحدود التي رسمها المشرع عند جمع الأدلة أو مباشرة التحقيق أو إقامة الدعوى.

ويترتب على ذلك أن وظيفة الدفع لا تنحصر في تحقيق مصلحة خاصة للمتهم، وإنما تمتد إلى حماية المصلحة العامة ذاتها، لأن احترام قواعد الإجراءات الجزائية يحقق العدالة ويصون الثقة بالقضاء، ويحول دون إدانة الأشخاص بناءً على أدلة تم الحصول عليها بوسائل غير مشروعة أو بإجراءات باطلة.

ومن خلال استقراء التطبيقات القضائية في قضايا المخدرات، يتبين أن القضاء الأردني لا ينظر إلى الدفع باعتباره وسيلة شكلية، وإنما باعتباره أداة قانونية لاختبار سلامة الدليل وصحة الإجراءات ومدى توافر أركان الجريمة، وهو ما يظهر بوضوح في الأحكام التي تناولت بطلان القبض والتفتيش، وسلامة التحريز، وحجية الاعتراف، وسلطة المحكمة في تعديل الوصف القانوني، والإعفاء من العقوبة، والقصد الخاص في جرائم الاتجار والترويج.

وقد برز ذلك أيضاً في الأحكام التي فرقت بين الاتجار والتوزيع والترويج، أو عدلت الوصف القانوني من الاتجار إلى الترويج أو من الترويج إلى التعامل بالمستحضرات متى لم تتوافر عناصر الوصف الأصلي.

 

ثانياً: الوظيفة القانونية للدفوع

لا تؤدي جميع الدفوع وظيفة واحدة، بل تختلف آثارها باختلاف طبيعتها والمرحلة التي تثار فيها.

 

ويمكن تمييز أربع وظائف رئيسية للدفوع في قضايا المخدرات.

1- الوظيفة الوقائية: ويقصد بها حماية الحقوق والحريات قبل أن يترتب على الإجراء الباطل أثره القانوني. فالدفع ببطلان القبض أو ببطلان التفتيش، إذا قُبل، يمنع الاستناد إلى ما ترتب على ذلك الإجراء من أدلة، ويحول دون انتقال البطلان إلى بقية مراحل الدعوى.

2- الوظيفة الرقابية: تمارس المحكمة من خلال الدفوع رقابتها على أعمال الضابطة العدلية والنيابة العامة، فتتحقق من مدى التزامها بالقانون، ومن سلامة أوامر القبض والتفتيش، وصحة التحريات، واتصال الأحراز، وصحة التقارير الفنية، ومدى احترام الضمانات المقررة للمتهم.

3- الوظيفة التصحيحية: قد لا يؤدي الدفع إلى إنهاء الدعوى، وإنما يترتب عليه تصحيح مسارها. ومن أمثلة ذلك تعديل الوصف القانوني للجريمة، أو استبعاد دليل معين مع الإبقاء على الأدلة الأخرى، أو إعادة تكييف الواقعة وفق النص القانوني الصحيح، وهو ما يمثل أحد أبرز تطبيقات مبدأ خضوع المحكمة للقانون دون التقيد بالوصف الذي أسبغته النيابة العامة على الواقعة.

4- الوظيفة الضمانية: تعد هذه الوظيفة من أهم وظائف الدفوع، لأنها تكفل تحقيق المحاكمة العادلة، وتضمن مساواة الخصوم، وتمكين الدفاع من مناقشة الأدلة والطعن في مشروعيتها، وتمنع صدور حكم بالإدانة استناداً إلى دليل غير مشروع أو إجراء باطل.

 

ثالثاً: الخصائص المميزة للدفوع في قضايا المخدرات

تتميز الدفوع في هذا المجال بعدد من الخصائص التي تجعلها تختلف عن الدفوع في كثير من الجرائم الأخرى.

أولاً: أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإجراءات الفنية، إذ تعتمد الدعوى غالباً على نتائج الفحص المخبري، وسلامة أخذ العينات، والتحريز، وسلسلة الحيازة، وهو ما يفرض على الدفاع مناقشة هذه الجوانب بدقة علمية وقانونية.

ثانياً: أنها تقوم في كثير من الأحيان على أدلة مصدرها الضابطة العدلية، كالتحريات والكمائن والاعترافات والضبط، الأمر الذي يجعل رقابة القضاء على مشروعية هذه الأدلة أكثر أهمية من الجرائم التي تعتمد على أدلة مباشرة أو علنية.

ثالثاً: أن كثيراً من جرائم المخدرات تقوم على قصد خاص، كالاتجار أو الترويج أو التخزين بقصد الاتجار، مما يجعل الدفع بانتفاء هذا القصد من أكثر الدفوع تأثيراً في تغيير الوصف القانوني أو استبعاد المسؤولية عن الجريمة الأشد.

رابعاً: أن نتائج الدفع قد لا تقتصر على استبعاد دليل بعينه، بل قد تمتد إلى انهيار البناء الإثباتي للدعوى بأكمله، إذا كان ذلك الدليل يمثل الأساس الذي بنيت عليه بقية الأدلة، كما في حالة بطلان القبض الذي ترتب عليه التفتيش، أو بطلان التفتيش الذي كشف عن المضبوطات، أو بطلان التحريز الذي ألقى ظلالاً من الشك على سلامة العينات المفحوصة.

 

رابعاً: الدفوع كوسيلة لتحقيق العدالة لا كوسيلة للإفلات من العقاب

من الأخطاء الشائعة النظر إلى الدفوع القانونية على أنها وسائل شكلية يلجأ إليها الدفاع لتعطيل العدالة أو تمكين المذنب من الإفلات من العقاب.

وهذا التصور لا ينسجم مع فلسفة العدالة الجنائية الحديثة، التي تقوم على أن احترام الإجراءات ليس غاية مستقلة، وإنما هو الوسيلة التي تكفل الوصول إلى الحقيقة القضائية بطريقة مشروعة.

فالدولة، وهي تمارس حقها في العقاب، تلتزم في الوقت ذاته باحترام القيود التي فرضها الدستور والقانون على سلطاتها.

وإذا تجاوزت هذه القيود، فإن الجزاء لا يكون حمايةً للمتهم فحسب، وإنما حمايةً لهيبة القانون ذاته، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد معاقبة الجاني، وإنما تتحقق أيضاً بضمان أن تكون الإدانة ثمرة إجراءات قانونية سليمة وأدلة مشروعة وقناعة قضائية يقينية.

ومن ثم، فإن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات تمثل الضمانة الحقيقية لتحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع في مكافحة هذه الجرائم، وحق الفرد في محاكمة عادلة، وهو توازن يشكل أحد أهم الأسس التي يقوم عليها النظام الجزائي الأردني.

 

خاتمة المطلب

يتضح مما تقدم أن الدفوع القانونية في جرائم المخدرات ليست قواعد متفرقة أو وسائل دفاع مستقلة، وإنما تشكل نظرية قانونية متكاملة تستند إلى الشرعية الدستورية والتشريعية، وتؤدي وظائف متعددة تبدأ بحماية الحقوق والحريات، وتمر برقابة مشروعية الإجراءات، وتنتهي بضمان سلامة الحكم الجزائي.

ومن هنا، فإن فهم طبيعة هذه الدفوع يمثل المدخل الحقيقي لدراسة جميع الدفوع الإجرائية والموضوعية التي ستتناولها الفصول اللاحقة، والتي سيُخصص لكل منها تحليل مستقل في ضوء النصوص القانونية والاجتهادات القضائية الأردنية.

 

 

المبحث الثاني: التصنيف العلمي للدفوع القانونية في قضايا المخدرات

تمهيد

لم يضع المشرع الأردني في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية أو في قانون أصول المحاكمات الجزائية تصنيفاً تشريعياً للدفوع القانونية، كما لم يضع القضاء معياراً جامعاً لتقسيمها، وإنما جاءت النصوص القانونية موزعة بحسب مراحل الدعوى، بينما توزعت التطبيقات القضائية بين مئات الأحكام التي عالجت كل دفع في سياقه الخاص.

وقد أدى ذلك إلى ظهور اتجاهات متعددة في الفقه؛ فمنهم من قسم الدفوع إلى دفوع شكلية ودفوع موضوعية، ومنهم من اعتمد معيار النظام العام، ومنهم من جعل أساس التصنيف مرحلة الخصومة الجزائية، في حين اتجه فريق آخر إلى تصنيفها بحسب الأثر الذي يترتب على قبولها.

ويرى الباحث المحامي محمد زهير العبادي أن هذه التصنيفات، على أهميتها، لا تكفي لبناء نظرية متكاملة للدفوع في جرائم المخدرات، لأن خصوصية هذه الجرائم تفرض اعتماد تصنيف وظيفي يجمع بين طبيعة الإجراء، وموضوع الدفع، وأثره العملي، والمرحلة التي يثار فيها، وهو ما يحقق فهماً أدق للتطبيقات القضائية الأردنية.

وانطلاقاً من ذلك، تقترح هذه الدراسة تصنيف الدفوع في قضايا المخدرات إلى خمس مجموعات رئيسية، يتفرع عنها عدد كبير من الدفوع الفرعية، بحيث يغطي هذا التصنيف جميع مراحل الدعوى الجزائية منذ لحظة التحري وحتى صدور الحكم القطعي.

 

المطلب الأول: الدفوع المتعلقة بالنظام العام

تعد الدفوع المتعلقة بالنظام العام من أخطر الدفوع في الدعوى الجزائية، لأنها تمس الأساس الذي تقوم عليه الخصومة، ولا ترتبط بمصلحة الخصوم وحدهم، وإنما تتصل بحسن سير العدالة واحترام قواعد الاختصاص والإجراءات الجوهرية التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.

ويتميز هذا النوع من الدفوع بعدة خصائص؛ فهو يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى، كما يجوز للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك به المتهم أو النيابة العامة، ولا يسقط بعدم التمسك به متى تعلق بقاعدة آمرة.

 

ومن أبرز الدفوع التي تندرج تحت هذا التصنيف:

1- الدفع بعدم الاختصاص الولائي.

2- الدفع بعدم الاختصاص النوعي.

3- الدفع بعدم الاختصاص المكاني في الحالات التي يقررها القانون.

4- الدفع ببطلان تشكيل المحكمة.

5- الدفع بعدم جواز تحريك الدعوى.

6- الدفع بانقضاء الدعوى الجزائية.

7- الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها.

8- الدفع بعدم صحة الخصومة الجزائية.

9- الدفع بانعدام الصفة.

10- الدفع بعدم قبول الدعوى.

وتظهر أهمية هذه الدفوع في قضايا المخدرات بوجه خاص عندما تتعلق باختصاص محكمة أمن الدولة أو بسلامة تحريك الدعوى من قبل الجهة المختصة أو بتوافر الشروط القانونية للملاحقة الجزائية.

 

المطلب الثاني: الدفوع المتعلقة بمشروعية إجراءات الاستدلال والتحقيق

تمثل هذه المجموعة أكبر أبواب الدفوع في قضايا المخدرات، إذ إن غالبية الأحكام القضائية في هذا المجال تدور حول مدى مشروعية الإجراءات التي سبقت إقامة الدعوى.

ويبدأ نطاق هذه الدفوع منذ أول تحرٍ تجريه إدارة مكافحة المخدرات، ويمتد حتى انتهاء التحقيق الابتدائي، ويشمل جميع الإجراءات التي من شأنها إنتاج الأدلة التي ستبنى عليها الدعوى لاحقاً.

 

وتندرج تحت هذا التصنيف الدفوع الآتية:

– بطلان التحريات.

– عدم جدية التحريات.

– بطلان الإذن.

– انتهاء مدة الإذن.

– تجاوز حدود الإذن.

– القبض قبل صدور الإذن.

– القبض بعد انتهاء الإذن.

– بطلان القبض.

– انتفاء حالة التلبس.

– بطلان التفتيش.

– تجاوز حدود التفتيش.

– تفتيش غير الأشخاص المأذون بتفتيشهم.

– تفتيش أماكن غير واردة في الإذن.

– مخالفة إجراءات الضبط.

– بطلان التحريز.

– انقطاع سلسلة الحيازة.

– العبث بالأحراز.

– اختلاف الأوزان.

– اختلاف العينات.

– بطلان أخذ العينة.

– بطلان التقرير المخبري.

– بطلان الخبرة.

ويمثل هذا الباب العمود الفقري للدفاع في معظم قضايا المخدرات، لأن قبول أحد هذه الدفوع قد يؤدي إلى استبعاد الدليل الذي قامت عليه الدعوى بأكملها.

 

المطلب الثالث: الدفوع المتعلقة بالدليل الجزائي

بعد اجتياز مرحلة مشروعية الإجراءات، ينتقل الدفاع إلى مناقشة قوة الأدلة ذاتها، ومدى صلاحيتها للإثبات، حتى وإن كانت قد جمعت بإجراءات صحيحة.

 

وتشمل هذه الدفوع:

– بطلان الاعتراف.

– الإكراه المادي أو المعنوي.

– مخالفة الاعتراف للحقيقة.

– عدم اطمئنان المحكمة للاعتراف.

– تناقض أقوال الشهود.

– تناقض رجال الضابطة العدلية.

– شيوع الاتهام.

– تلفيق التهمة.

– الكيدية.

– عدم كفاية الأدلة.

– تضارب الأدلة.

– استحالة الواقعة.

– انقطاع رابطة السببية بين الدليل والمتهم.

– عدم اتصال المضبوطات بالمتهم.

– ضعف الدليل الفني.

ويتميز هذا النوع من الدفوع بأنه لا يطعن في مشروعية الإجراء، وإنما يطعن في القيمة الإثباتية للدليل، وهو ما قد يقود إلى البراءة إذا لم يبق في الدعوى دليل يقيني يكفي للإدانة.

 

المطلب الرابع: الدفوع المتعلقة بأركان الجريمة

تتجه هذه الدفوع إلى مناقشة البناء القانوني للجريمة ذاتها، وليس الإجراءات أو الأدلة.

 

ومن أهمها:

– انتفاء الركن المادي للجريمة.

– انتفاء الركن المعنوي.

– انتفاء القصد الجرمي في قضايا المخدرات.

– انتفاء قصد الاتجار.

– انتفاء قصد الترويج.

– انتفاء قصد التخزين.

– انتفاء قصد النقل.

– عدم العلم بالمادة المخدرة.

– الحيازة العرضية.

– عدم السيطرة الفعلية.

– انتفاء علاقة المتهم بالمضبوطات.

– الخطأ في التكييف القانوني.

– انتفاء رابطة السببية.

– انتفاء الاشتراك الجرمي.

وهذا النوع من الدفوع يمثل جوهر المناقشة الموضوعية أمام المحكمة، ويستهدف إثبات أن الواقعة، حتى لو صحت من الناحية المادية، لا تشكل الجريمة المسندة إلى المتهم أو لا تستوفي جميع أركانها القانونية.

 

المطلب الخامس: الدفوع المتعلقة بالعقوبة وآثار الحكم

لا تنتهي مهمة الدفاع بثبوت المسؤولية الجزائية، وإنما تمتد إلى مناقشة العقوبة ذاتها، ومدى صحة تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بها.

 

وتشمل هذه الدفوع:

– الإعفاء من العقوبة.

– الأسباب المخففة التقديرية.

– الأعذار القانونية.

– تطبيق العقوبة الأشد.

– الخطأ في احتساب العقوبة.

– الخطأ في تطبيق التكرار.

– الخطأ في المصادرة.

– احتساب مدة التوقيف.

– وقف التنفيذ حيث يجيزه القانون.

– تصحيح الوصف بما يؤدي إلى عقوبة أخف.

ويلاحظ أن عدداً كبيراً من الطعون أمام محكمة التمييز في قضايا المخدرات يتركز في هذه المرحلة، سواء من حيث سلامة تطبيق النص العقابي أو من حيث حدود سلطة المحكمة في استعمال الأسباب المخففة أو تعديل الوصف القانوني.

 

الخلاصة

يتبين من هذا التصنيف أن الدفوع القانونية في قضايا المخدرات لا تمثل مجموعة متفرقة من الوسائل الدفاعية، وإنما تشكل نظاماً قانونياً مترابطاً، يبدأ من الدفع المتعلق بالنظام العام، ويمر بالإجراءات والأدلة وأركان الجريمة، وينتهي بالعقوبة وآثار الحكم.

وهذا التصنيف سيكون هو الهيكل العلمي الذي ستسير عليه الدراسة في جميع أبوابها اللاحقة، بحيث يُخصص لكل مجموعة باب مستقل، ثم تُدرس كل وسيلة دفاع دراسة تحليلية مفصلة مدعومة بالنصوص والاجتهادات القضائية والتطبيقات العملية.

 

 

الفصل الأول: النظرية العامة للدفوع القانونية في قضايا المخدرات

 

المبحث الثالث: التمييز بين الدفوع القانونية والوسائل الدفاعية الأخرى في الدعوى الجزائية

 

تمهيد

يلاحظ من خلال التطبيق العملي أمام محكمة أمن الدولة ومحكمة التمييز الأردنية أن كثيراً من المرافعات الجزائية تخلط بين مفهوم الدفع القانوني، والدفوع الموضوعية، وأوجه الدفاع، والطلبات، والدفوع الشكلية، حتى أصبحت هذه المصطلحات تستعمل أحياناً على سبيل الترادف، رغم اختلاف آثارها القانونية واختلاف طبيعة كل منها.

ولا يقف أثر هذا الخلط عند الجانب النظري، بل يمتد إلى الجانب العملي؛ إذ قد يؤدي إلى ضياع حقوق الدفاع، أو إلى امتناع المحكمة عن بحث مسألة جوهرية، أو إلى سقوط حق المتهم في التمسك بدفع معين إذا أثير في غير أوانه أو صيغ بطريقة لا تتفق مع طبيعته القانونية.

ومن ثم، فإن بناء نظرية متكاملة للدفوع القانونية في جرائم المخدرات يقتضي ابتداءً التمييز بين الدفع وغيره من الوسائل التي يستعملها الدفاع أثناء الخصومة الجزائية.

 

المطلب الأول: التمييز بين الدفع القانوني وأوجه الدفاع الموضوعية

يقصد بالدفع القانوني الوسيلة التي يستند فيها الدفاع إلى قاعدة قانونية يترتب على تطبيقها أثر قانوني معين، كالحكم بعدم قبول الدعوى، أو ببطلان إجراء، أو باستبعاد دليل، أو بانتفاء ركن من أركان الجريمة، أو بتعديل الوصف القانوني.

أما أوجه الدفاع الموضوعية فهي المناقشات الواقعية التي يبديها الدفاع بقصد إقناع المحكمة بعدم صحة الوقائع أو بعدم كفاية الأدلة أو بترجيح رواية معينة على غيرها، دون أن يستند ذلك بالضرورة إلى قاعدة قانونية مستقلة.

فعندما يتمسك الدفاع بأن المتهم لم يكن موجوداً في مكان الضبط، أو أن أقوال الشهود غير دقيقة، أو أن زمن الواقعة يختلف عما ورد في لائحة الاتهام، فإن ذلك يعد من قبيل الدفاع الموضوعي الذي يدخل في سلطة محكمة الموضوع في تقدير الوقائع.

أما إذا تمسك الدفاع ببطلان القبض، أو بطلان التفتيش، أو بانعدام حالة التلبس، أو بعدم توافر القصد الخاص في جريمة الاتجار، فإن ذلك يعد دفعاً قانونياً، لأن الفصل فيه يخضع لقواعد قانونية محددة، ويترتب عليه أثر قانوني مستقل.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن المحكمة تلتزم بالرد على الدفوع الجوهرية متى كان من شأنها تغيير وجه الرأي في الدعوى، بينما لا تكون ملزمة بالرد استقلالاً على كل حجة أو مناقشة واقعية يثيرها الدفاع متى كان الرد عليها مستفاداً ضمناً من أسباب الحكم.

 

المطلب الثاني: التمييز بين الدفع والطلب

كثيراً ما يختلط الدفع بالطلب، مع أن كلا منهما يؤدي وظيفة قانونية مختلفة.

فالطلب هو الإجراء الذي يلتمس من خلاله الخصم من المحكمة اتخاذ عمل معين، كإجراء خبرة جديدة، أو استدعاء شاهد، أو إعادة تحليل المادة المضبوطة، أو ضم قضية أخرى، أو الكشف على مكان الضبط، أو استدعاء منظم الضبط، أو إمهال الدفاع لتقديم بيناته.

أما الدفع فلا يهدف إلى اتخاذ إجراء جديد، وإنما يرمي إلى ترتيب أثر قانوني على واقعة أو إجراء قائم بالفعل.

فالقول ببطلان التحريات هو دفع، أما طلب استدعاء منظم التحريات لسؤاله عن مصادر معلوماته فهو طلب.

والقول ببطلان التقرير المخبري هو دفع، أما طلب إعادة فحص العينة فهو طلب.

وقد يجتمع الدفع والطلب في آن واحد، إذ قد يتمسك الدفاع ببطلان التقرير المخبري، ويطلب احتياطياً إعادة التحليل بواسطة لجنة خبراء مختصة.

ومن هنا فإن حسن إدارة الدفاع يقتضي التمييز بين الطلب والدفع، لأن لكل منهما أحكامه وآثاره القانونية.

 

المطلب الثالث: التمييز بين الدفع والبطلان

من أكثر المسائل التي يثور حولها الجدل في الفقه الجزائي العلاقة بين الدفع والبطلان.

والصحيح أن البطلان ليس دفعاً، وإنما هو جزاء قانوني.

أما الدفع فهو الوسيلة التي يطلب بها الخصم من المحكمة تقرير هذا الجزاء.

فبطلان القبض ليس هو الدفع.

وإنما الدفع هو التمسك أمام المحكمة بأن القبض وقع مخالفاً للقانون، ومن ثم يجب القضاء ببطلانه.

وبعبارة أخرى، فإن البطلان يمثل النتيجة القانونية، بينما يمثل الدفع الوسيلة الإجرائية للوصول إلى تلك النتيجة.

ويترتب على هذا التمييز آثار مهمة، من أهمها أن المحكمة لا تقضي بالبطلان في كثير من الحالات من تلقاء نفسها، وإنما يجب أن يتمسك به من له مصلحة، ما لم يكن البطلان متعلقاً بالنظام العام.

 

المطلب الرابع: التمييز بين الدفع والدفع بعدم المسؤولية

تثور في قضايا المخدرات مجموعة من الدفوع التي لا تستهدف إنكار وقوع الفعل، وإنما تستهدف نفي المسؤولية الجزائية.

 

ومن أمثلة ذلك:

– انعدام الإدراك.

– المرض العقلي.

– الإكراه.

– حالة الضرورة.

– انتفاء الإرادة.

وهذه الدفوع تختلف عن الدفوع التي تنكر وقوع الجريمة أصلاً.

فالقول بعدم وجود المادة المخدرة، أو بعدم اتصالها بالمتهم، أو ببطلان التفتيش، يختلف عن القول بأن المتهم ارتكب الفعل لكنه لا يسأل عنه جزائياً لقيام مانع من موانع المسؤولية.

ويترتب على هذا التمييز اختلاف عبء الإثبات، واختلاف طبيعة الأدلة المطلوبة، واختلاف الأثر القانوني للحكم.

 

المطلب الخامس: التمييز بين الدفع والسبب القانوني للطعن

ينبغي عدم الخلط بين الدفوع التي تثار أمام محكمة الموضوع، والأسباب التي يبنى عليها الطعن أمام محكمة التمييز.

فالدفع قد يكون ببطلان القبض أو بطلان التفتيش أو انتفاء القصد الجرمي.

 

أما سبب الطعن أمام محكمة التمييز فقد يكون:

– مخالفة القانون.

– الخطأ في تطبيق القانون.

– القصور في التسبيب.

– فساد الاستدلال.

– الإخلال بحق الدفاع.

– بطلان الإجراءات.

– مخالفة قواعد الاختصاص.

ومن ثم، فإن عدم استجابة محكمة الموضوع لدفع جوهري لا يشكل بذاته سبباً للطعن، وإنما يتحول إلى سبب للطعن إذا شاب الحكم أحد العيوب القانونية المقررة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، كالإخلال بحق الدفاع أو القصور في التعليل أو مخالفة القانون.

 

النتائج العلمية للمبحث

يمكن استخلاص عدد من النتائج التي تمثل أساساً لما سيأتي من فصول:

1- الدفع القانوني يختلف عن الدفاع الموضوعي من حيث الطبيعة والأثر.

2- الطلب الإجرائي لا يغني عن الدفع، كما أن الدفع لا يقوم مقام الطلب.

3- البطلان ليس دفعاً، وإنما هو الجزاء الذي يترتب على قبول الدفع.

4- لا يجوز الخلط بين نفي الجريمة ونفي المسؤولية الجزائية.

5- لا تتحول الدفوع إلى أسباب للطعن أمام محكمة التمييز إلا إذا انعكس أثرها على سلامة الحكم أو على تطبيق القانون.

وهذه النتائج ستكون ذات أهمية كبيرة عند دراسة كل دفع على حدة في الأبواب التالية، إذ سيتبين أن كثيراً من الأحكام القضائية إنما بنت قضاءها على هذا التمييز الدقيق بين الوسائل القانونية المختلفة، وهو ما ينعكس مباشرة على نجاح أو فشل استراتيجية الدفاع في قضايا المخدرات.

ممتاز، الآن سنبدأ بالانتقال من النظرية العامة إلى الأساس الفلسفي والقضائي للدفوع.

 

وأرى أن هذا المبحث سيكون من أهم مباحث الكتاب، لأنه سيجيب عن سؤال لا تتناوله أغلب المؤلفات:

– لماذا شرع القانون الدفوع أصلاً في قضايا المخدرات؟

وهذا ما يميز المؤلفات المرجعية عن الكتب الشارحة.

 

المبحث الرابع: الأساس الفلسفي والقضائي للدفوع القانونية في قضايا المخدرات

تمهيد

إذا كانت السياسة الجنائية الحديثة قد اتجهت إلى تشديد العقوبات المقررة لجرائم المخدرات، فإن هذا التشدد لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما جاء استجابةً لخطورة هذه الجرائم وآثارها على الأمن الوطني والصحة العامة والاقتصاد والأسرة والمجتمع. إلا أن تشديد العقاب لا يعني إطلاق يد سلطات الضبط والتحقيق دون قيد، كما لا يعني التضحية بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة بحجة مكافحة الجريمة.

ومن هنا ظهرت أهمية الدفوع القانونية باعتبارها الضمانة التي تحقق التوازن بين مقتضيات السياسة الجنائية في مكافحة المخدرات وبين احترام الحقوق والحريات العامة.

فالعدالة الجنائية لا تقاس بعدد الأحكام الصادرة بالإدانة، وإنما تقاس بمدى سلامة الوسائل التي أوصلت المحكمة إلى تلك الإدانة.

ولهذا فإن نجاح أجهزة إنفاذ القانون في ضبط المواد المخدرة لا يغني عن ضرورة إثبات أن جميع الإجراءات التي اتخذت للوصول إلى هذا الضبط قد تمت وفقاً للقانون، وأن الأدلة التي استندت إليها النيابة العامة والمحكمة قد جمعت بوسائل مشروعة.

ومن ثم فإن الدفوع القانونية تمثل إحدى أهم وسائل الرقابة القضائية على السلطة العامة، لأنها تمنع تحول مكافحة الجريمة إلى مبرر للمساس بالضمانات الدستورية.

 

المطلب الأول: فلسفة الشرعية الإجرائية في جرائم المخدرات

يقوم النظام الجزائي الأردني على مبدأ أصيل مؤداه أن الشرعية لا تقتصر على النصوص الموضوعية التي تحدد الجرائم والعقوبات، وإنما تمتد لتشمل جميع الإجراءات التي تسبق صدور الحكم.

فالغاية من الإجراءات ليست مجرد تنظيم عمل الضابطة العدلية أو النيابة العامة، وإنما حماية الإنسان من التعسف، وضمان أن يكون كل دليل يقدم إلى المحكمة قد جُمع بطريقة مشروعة.

ولذلك فإن الشرعية الإجرائية تمثل الوجه الآخر لمبدأ الشرعية الجزائية.

فإذا كان المشرع لا يجيز معاقبة شخص إلا بناءً على نص، فإنه كذلك لا يجيز إثبات الجريمة إلا بواسطة إجراءات قانونية صحيحة.

ومن هنا فإن مخالفة الإجراءات لا تعد مخالفة شكلية فحسب، وإنما تمثل اعتداءً على مبدأ الشرعية ذاته.

ولهذا السبب قرر القضاء الأردني في العديد من أحكامه أن بطلان الإجراءات الجوهرية يؤدي إلى استبعاد ما ترتب عليها من أدلة متى كان بينهما ارتباط سببي مباشر، وهو ما يظهر بصورة خاصة في المنازعات المتعلقة بصحة القبض، والتفتيش، والتحريز، وسلامة الدليل الفني، ومشروعية الاعترافات.

وقد تجلى هذا الاتجاه في عدد من الأحكام التي تناولناها خلال مرحلة التجميع، حيث ناقشت المحاكم أثر بطلان الإجراءات على الأدلة اللاحقة وحدود سلطة المحكمة في إعادة تكييف الوقائع أو استبعاد بعض الأدلة مع الإبقاء على غيرها.

 

المطلب الثاني: العلاقة بين مكافحة المخدرات وحماية الحقوق الدستورية

تتبنى معظم التشريعات الحديثة سياسة تقوم على الجمع بين أمرين قد يبدوان متعارضين للوهلة الأولى.

 

الأول: تشديد مكافحة المخدرات.

والثاني: تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.

ولا يوجد تعارض حقيقي بين هذين الأمرين.

فالسياسة الجنائية الرشيدة لا تقوم على إهدار الحريات من أجل الوصول إلى الإدانة.

كما أنها لا تقوم على تعطيل الملاحقة بحجة حماية الحقوق.

وإنما تقوم على معادلة دقيقة مؤداها أن مكافحة المخدرات يجب أن تتم من خلال الوسائل التي أجازها القانون.

وهذا ما يفسر أن القضاء الأردني كثيراً ما يرفض دفوعاً تتعلق بالإجراءات إذا ثبت سلامتها قانوناً، وفي المقابل لا يتردد في استبعاد الأدلة التي يثبت أنها نتجت عن إجراء باطل أو مخالف للقانون، لأن قيمة الدليل لا تنفصل عن مشروعية الوسيلة التي تم الحصول بها عليه.

ومن هنا فإن احترام الحقوق الدستورية لا يعد عائقاً أمام مكافحة المخدرات، وإنما يمثل ضمانة لسلامة الأحكام الجزائية واستقرارها أمام محكمة التمييز.

 

المطلب الثالث: فلسفة عبء الإثبات في قضايا المخدرات

من المبادئ المستقرة في القانون الجزائي أن الأصل في الإنسان البراءة.

ولا تنتقل المحكمة إلى الإدانة إلا إذا تمكنت النيابة العامة من إقامة الدليل القانوني الكافي على جميع أركان الجريمة.

ولا يختلف الأمر في جرائم المخدرات، مهما بلغت خطورتها.

فلا يكلف المتهم بإثبات براءته.

ولا يلتزم بتقديم دليل على عدم ارتكابه للجريمة.

وإنما يقع عبء الإثبات كاملاً على عاتق سلطة الاتهام.

ومن هنا تظهر الأهمية العملية للدفوع القانونية.

فهي لا تنقل عبء الإثبات إلى المتهم.

وإنما تكشف للمحكمة أوجه القصور في الأدلة التي قدمتها النيابة العامة.

فالدفع ببطلان القبض لا يعني أن المتهم ملزم بإثبات براءته.

والدفع بانتفاء القصد الجرمي لا يعني أن المتهم مكلف بإثبات حسن نيته.

بل يقتصر دور الدفاع على بيان أن عناصر الإثبات التي قدمتها النيابة العامة لا تكفي وحدها للوصول إلى اليقين القضائي اللازم للإدانة.

وهذه القاعدة ستكون محوراً أساسياً عند دراسة جميع الدفوع الموضوعية في هذا الكتاب.

 

المطلب الرابع: سلطة المحكمة في مواجهة الدفوع

لا يكفي أن يثير الدفاع دفعاً قانونياً حتى يترتب أثره.

كما لا يجوز للمحكمة أن ترفضه بمجرد القول بعدم القناعة.

بل يجب عليها أن تتعامل مع كل دفع بحسب طبيعته القانونية.

فالدفوع المتعلقة بالنظام العام تلتزم المحكمة بإثارتها ولو من تلقاء نفسها.

والدفوع الجوهرية التي يمكن أن تغير وجه الرأي في الدعوى يجب أن تناقشها المحكمة مناقشة صريحة وجدية، وتبين أسباب قبولها أو رفضها.

أما الدفوع غير المنتجة أو التي ثبت للمحكمة عدم تأثيرها في النتيجة النهائية، فلا يلزمها الرد عليها استقلالاً متى كان الرد مستفاداً من الأسباب العامة للحكم.

ومن خلال استقراء أحكام محكمة التمييز الأردنية، يتبين أن معيار التفرقة بين الدفع الجوهري والدفع غير المنتج ليس شكله أو التسمية التي يطلقها الدفاع عليه، وإنما مدى تأثيره المحتمل في سلامة الحكم.

فإذا كان من شأن قبول الدفع أن يؤدي إلى البراءة، أو إلى استبعاد دليل جوهري، أو إلى تعديل الوصف القانوني، أو إلى تغيير العقوبة، تعين على المحكمة معالجته معالجة واضحة ومسببة، وإلا عُدّ حكمها معيباً بالقصور في التسبيب أو بالإخلال بحق الدفاع بحسب الأحوال.

 

النتائج العامة للمبحث

يمكن استخلاص عدد من المبادئ التي ستشكل الإطار النظري لبقية الكتاب:

1- الدفوع القانونية تمثل تطبيقاً عملياً لمبدأ الشرعية الجزائية.

2- احترام الإجراءات ليس شكلاً، بل ضمانة للوصول إلى الحقيقة القضائية.

3- تشديد العقوبات في جرائم المخدرات لا يبرر تجاوز الضمانات الدستورية.

4- عبء الإثبات يبقى على عاتق النيابة العامة طوال مراحل الدعوى.

5- قيمة الدليل ترتبط بمشروعية الوسيلة التي تم الحصول بها عليه.

6- المحكمة ملزمة بمعالجة كل دفع جوهري معالجة قانونية واضحة ومسببة.

7- نجاح الدفاع في قضايا المخدرات يقوم على الجمع بين منازعة الإجراءات ومناقشة أركان الجريمة، لا على الاكتفاء بأحدهما دون الآخر.

وبذلك يكتمل الإطار الفلسفي والقانوني للدفوع، تمهيداً للانتقال في الفصل التالي إلى دراسة الدفوع المتعلقة بالنظام العام في قضايا المخدرات، حيث تبدأ الدراسة التطبيقية التفصيلية لكل دفع على حدة، في ضوء التشريع الأردني واجتهادات محكمة التمييز التي جمعناها خلال هذا المشروع.

 

الباب الثاني: الدفوع المتعلقة بالنظام العام في قضايا المخدرات

تمهيد

تمثل الدفوع المتعلقة بالنظام العام قمة الهرم في نظرية الدفوع الجزائية، لأنها لا تتعلق بمصلحة المتهم وحده، ولا بحقوق النيابة العامة، وإنما تتصل بكيان العدالة الجزائية ذاتها.

فهي تعالج المسائل التي رأى المشرع أنها تمس النظام القضائي، أو قواعد الاختصاص، أو شروط صحة الدعوى الجزائية، أو سلامة تشكيل المحكمة، أو شرعية الملاحقة، ولذلك منحها أحكاماً تختلف عن بقية الدفوع.

وتكتسب هذه الدفوع أهمية مضاعفة في قضايا المخدرات؛ لأن هذه القضايا تخضع لإجراءات خاصة، وتباشرها جهات تحقيق وضبط متخصصة، وتنظرها محكمة مختصة، الأمر الذي يجعل أي خلل في قواعد الاختصاص أو في شروط تحريك الدعوى أو في تشكيل المحكمة مؤثراً في مشروعية جميع الإجراءات اللاحقة.

ولا يقتصر أثر هذه الدفوع على مرحلة المحاكمة، بل قد يثار بعضها لأول مرة أمام محكمة التمييز، بل إن بعضها يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها، ولو لم يتمسك به المتهم أو النيابة العامة، متى تعلق بقاعدة آمرة تمس النظام العام.

ومن خلال مراجعة اجتهادات محكمة التمييز الأردنية في قضايا المخدرات، يتبين أن المحكمة تعاملت مع هذا النوع من الدفوع بوصفه ضمانة لسلامة الخصومة الجزائية، لا بوصفه وسيلة إجرائية لصالح أحد الخصوم، ولذلك حرصت على التفرقة بين الدفوع المتعلقة بالنظام العام وبين الدفوع التي يقتصر أثرها على مصلحة المتهم، ورتبت على هذا التمييز آثاراً مهمة تتعلق بميعاد إبداء الدفع، وإمكان التنازل عنه، وسلطة المحكمة في إثارته من تلقاء نفسها.

وانطلاقاً من ذلك، فإن هذا الباب يتناول جميع الدفوع التي تمس النظام العام، ويحللها في ضوء التشريع الأردني واجتهادات محكمة التمييز، مع بيان أثر كل دفع في الدعوى الجزائية، واستراتيجية الدفاع في إثارته.

 

الفصل الأول: الدفع بعدم جواز تحريك الدعوى الجزائية

 

أولاً: ماهية الدفع

يقصد بالدفع بعدم جواز تحريك الدعوى الجزائية التمسك بعدم توافر أحد الشروط القانونية اللازمة لمباشرة النيابة العامة أو الجهة المختصة لإجراءات الملاحقة، بحيث تكون الدعوى قد أقيمت على خلاف القيود التي فرضها القانون، فيغدو تحريكها باطلاً أو غير جائز قانوناً.

ويتميز هذا الدفع بأنه لا يناقش أركان الجريمة ولا أدلة الإثبات، وإنما يوجه إلى أصل الحق في تحريك الدعوى.

فإذا ثبت أن الدعوى قد أقيمت من جهة غير مختصة، أو بالمخالفة لشرط قانوني سابق على الملاحقة، فإن المحكمة تكون ملزمة بالتصدي لهذا الدفع قبل الخوض في موضوع الاتهام.

وفي قضايا المخدرات، قد يثار هذا الدفع في حالات محددة، منها ما يتعلق بولاية النيابة المختصة، أو بقيود قانونية خاصة على تحريك الدعوى، أو بسبق الفصل في الواقعة، أو بانقضاء الدعوى، أو بانعدام الصفة في الملاحقة.

 

ثانياً: الأساس القانوني

يقوم هذا الدفع على مبدأ أصيل مؤداه أن الدعوى الجزائية لا تنشأ بمجرد وقوع الجريمة، وإنما يلزم لتحريكها توافر جميع الشروط التي حددها القانون.

فإذا تخلف أحد هذه الشروط، انتفى الأساس القانوني للملاحقة، وأصبح الاستمرار فيها مخالفاً لمبدأ الشرعية الإجرائية.

ولا يقتصر هذا المبدأ على قانون أصول المحاكمات الجزائية، بل يجد سنده في المبادئ الدستورية المتعلقة بسيادة القانون، وحق التقاضي، وضمانات المحاكمة العادلة، إذ لا يجوز أن يخضع شخص لإجراءات جزائية لم تستوفِ شروطها القانونية.

 

ثالثاً: الطبيعة القانونية للدفع

يعد هذا الدفع من الدفوع المتعلقة بالنظام العام، لأنه يمس وجود الدعوى الجزائية ذاتها، ولا يتعلق بمجرد إجراء من إجراءاتها.

 

ويترتب على ذلك عدة نتائج:

1- يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

2- يجوز لمحكمة الموضوع أن تثيره من تلقاء نفسها.

3- يجوز التمسك به لأول مرة أمام محكمة التمييز إذا كانت عناصره ثابتة في الأوراق.

4- لا يسقط بعدم التمسك به إذا تعلق بقاعدة آمرة.

غير أن هذه النتائج لا تنطبق على جميع صور الدفع بعدم جواز تحريك الدعوى، وإنما تختلف بحسب السبب الذي يستند إليه، وهو ما يقتضي التمييز بين الحالات التي تمس النظام العام حقيقة، وتلك التي تتعلق بمصلحة خاصة يجوز النزول عنها.

 

رابعاً: نطاق تطبيق الدفع في قضايا المخدرات

يتميز قانون المخدرات والمؤثرات العقلية بأنه لم يضع نظاماً مستقلاً لتحريك الدعوى، وإنما أخضعها – من حيث الأصل – للقواعد العامة الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، مع ما يرد عليه من خصوصية تتعلق باختصاص الجهات الأمنية والنيابية والمحاكم المختصة.

ومن ثم، فإن هذا الدفع يظل محدود التطبيق في قضايا المخدرات مقارنة ببعض الجرائم الأخرى، إلا أنه يكتسب أهمية خاصة في الحالات التي يثار فيها النزاع حول الجهة صاحبة الولاية في الملاحقة، أو عند الدفع بأن الواقعة سبق أن حوكم عنها المتهم، أو عند الادعاء بانقضاء الدعوى، أو بانتفاء الصفة القانونية في تحريكها.

 

خامساً: عبء الإثبات

الأصل أن من يتمسك بهذا الدفع يقع عليه عبء بيان الواقعة أو القاعدة القانونية التي تمنع تحريك الدعوى، إلا أن المحكمة، متى تبين لها من أوراق الدعوى وجود سبب يتعلق بالنظام العام يمنع السير في الخصومة، فإنها تلتزم بإثارته ولو لم يتمسك به الخصوم.

ويختلف هذا عن الدفوع الموضوعية التي يبقى عبء إثباتها على من يدعيها، لأن الدفع المتعلق بالنظام العام يتصل بسلامة عمل القضاء ذاته، ولا يجوز للمحكمة أن تتجاهله إذا ظهر لها من الأوراق.

 

سادساً: أثر قبول الدفع

إذا قبلت المحكمة هذا الدفع، فإنها لا تتعرض لموضوع الدعوى ولا لأدلة الإثبات، لأن قبول الدفع يعني أن الخصومة لم تنشأ صحيحة أو أنها فقدت أحد شروط استمرارها.

أما إذا رفضته، فإنها تنتقل إلى بحث موضوع الاتهام، دون أن يكون لهذا الرفض أثر في بقية الدفوع التي قد يثيرها الدفاع لاحقاً.

 

سابعاً: التطبيقات القضائية

يتضح من الاتجاه العام لمحكمة التمييز الأردنية أن هذا الدفع يخضع لرقابة دقيقة، وأن المحكمة تميز بين الدفوع التي تمس أصل الحق في تحريك الدعوى، وبين الدفوع التي تنصرف إلى إجراءات التحقيق أو المحاكمة، فلا تضفي وصف النظام العام إلا على الحالات التي نص عليها القانون أو اقتضتها طبيعة النظام القضائي.

وسيتضح هذا الاتجاه بصورة أوضح عند دراسة الدفوع التالية، ولا سيما الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها، والدفع بانقضاء الدعوى الجزائية، والدفع بعدم الاختصاص، حيث أرست محكمة التمييز عدداً من المبادئ التي تشكل الإطار العملي لتطبيق هذه الدفوع في قضايا المخدرات.

 

الفصل الثاني: الدفع بعدم جواز نظر الدعوى الجزائية لسبق الفصل فيها (قوة القضية المقضية)

تمهيد

يُعد الدفع بعدم جواز نظر الدعوى الجزائية لسبق الفصل فيها من أقدم الدفوع المرتبطة بالنظام العام، وأكثرها التصاقاً بفكرة العدالة الجنائية واستقرار المراكز القانونية، إذ يقوم على مبدأ راسخ مؤداه أن الخصومة الجزائية لا يجوز أن تتكرر عن الواقعة ذاتها متى صدر فيها حكم نهائي اكتسب الدرجة القطعية.

ولا يستند هذا الدفع إلى مصلحة المتهم وحده، وإنما يستند إلى اعتبارات أعمق تتعلق باستقرار الأحكام القضائية، وهيبة القضاء، ومنع تعارض الأحكام، وصيانة مبدأ الأمن القانوني، بحيث لا يبقى الشخص معرضاً للملاحقة الجزائية إلى ما لا نهاية عن ذات الفعل.

ومن ثم، فإن هذا الدفع لا يمثل امتيازاً إجرائياً للمتهم، وإنما يمثل أحد أهم تطبيقات مبدأ حجية الأحكام الجزائية، الذي يعد من النظام العام، ويقوم على فكرة أن الحقيقة القضائية التي استقرت بحكم قطعي يجب أن تبقى مصونة من أي منازعة لاحقة تتعلق بالواقعة نفسها.

وتزداد أهمية هذا الدفع في قضايا المخدرات على وجه الخصوص؛ نظراً لتعدد صور النشاط الإجرامي التي قد تنشأ عن واقعة واحدة، كالحيازة، والإحراز، والنقل، والتخزين، والترويج، والاتجار، والتعاطي، والاستعمال، والتعامل بالمستحضرات. وقد يؤدي هذا التعدد، إذا لم يراعَ فيه معيار وحدة الواقعة ووحدة الفعل، إلى خطر محاكمة الشخص أكثر من مرة عن ذات السلوك الإجرامي تحت أوصاف قانونية مختلفة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الدستورية والجزائية المستقرة.

 

أولاً: الأساس الفلسفي للدفع

يقوم هذا الدفع على فكرة جوهرية مفادها أن وظيفة القضاء ليست مجرد إصدار الأحكام، وإنما إنهاء المنازعات بصورة نهائية.

فلو أجيز إعادة محاكمة الشخص كلما أعيد توصيف الواقعة أو ظهرت قراءة جديدة للأدلة، لفقد الحكم القضائي قيمته، ولأصبحت الخصومة الجزائية مفتوحة إلى غير نهاية.

ولهذا ارتبط هذا الدفع منذ نشأة القانون الجنائي الحديث بمبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الفعل ذاته، وهو مبدأ لم يعد مجرد قاعدة إجرائية، وإنما أصبح من المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة.

ولا يقتصر نطاق هذا المبدأ على حماية المتهم، بل يمتد إلى حماية القضاء نفسه من التناقض، وحماية المجتمع من اضطراب الأحكام، وحماية النيابة العامة من إعادة مباشرة الدعوى بعد استنفاد ولايتها فيها.

 

ثانياً: الطبيعة القانونية للدفع

يثور خلاف فقهي حول التكييف القانوني لهذا الدفع.

فذهب اتجاه إلى اعتباره دفعاً بعدم القبول.

بينما اعتبره اتجاه آخر سبباً لانقضاء الدعوى الجزائية.

ويرى الباحث أن هذا الدفع يتمتع بطبيعة قانونية مستقلة، لأنه لا ينصرف إلى صحة الإجراءات، ولا إلى وجود الجريمة، ولا إلى مسؤولية المتهم، وإنما يتعلق بانقضاء سلطة الدولة في إعادة نظر الخصومة الجزائية التي حسمت بحكم قطعي.

ومن ثم، فإن هذا الدفع يجمع خصائص الدفوع المتعلقة بالنظام العام، ويتميز بعدة آثار:

يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

لا يسقط بعدم التمسك به.

يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة التمييز متى كانت عناصره ثابتة في أوراق الدعوى.

 

ثالثاً: شروط قيام حجية الحكم الجزائي

لا يكفي صدور حكم سابق حتى تقوم حجية القضية المقضية، وإنما يشترط اجتماع ثلاثة عناصر متلازمة.

 

الشرط الأول: وحدة الخصوم

ويقصد بها أن يكون الشخص الذي تجري محاكمته هو ذاته الشخص الذي صدر الحكم السابق بشأنه.

غير أن هذا الشرط لا يقتصر على التطابق الشكلي في الاسم، وإنما يمتد إلى وحدة المركز القانوني، بحيث لا يجوز إعادة محاكمة الشخص نفسه عن الواقعة ذاتها ولو تغيرت صفته الإجرائية.

 

الشرط الثاني: وحدة الواقعة

وهذا هو أهم الشروط وأدقها.

فالواقعة هي مجموعة الأفعال التاريخية التي وقعت في زمان ومكان معينين.

أما الوصف القانوني فهو التكييف الذي يسبغه القانون على هذه الأفعال.

ومن هنا قد تتغير أوصاف الجريمة، بينما تبقى الواقعة واحدة.

وفي قضايا المخدرات تظهر أهمية هذا التمييز بصورة خاصة، لأن الواقعة الواحدة قد تسند إليها أوصاف متعددة، كأن تبدأ بوصف الاتجار، ثم تعدل إلى الترويج، أو من الترويج إلى التعامل بالمستحضرات، أو من الحيازة بقصد الاتجار إلى مجرد الحيازة أو التعاطي.

 

وهنا يثور التساؤل:

هل يؤدي اختلاف الوصف القانوني إلى جواز إعادة المحاكمة؟

والإجابة بالنفي.

لأن العبرة ليست بالوصف، وإنما بالواقعة التاريخية ذاتها.

وقد انعكس هذا المفهوم في عدد من الأحكام التي تناولت تعديل الوصف القانوني داخل الدعوى الواحدة، حيث أكدت المحاكم أن المحكمة تملك تعديل الوصف متى بقيت الواقعة ذاتها، دون أن يعد ذلك إنشاءً لواقعة جديدة أو محاكمة مستقلة، وهو ما يظهر في القرارات التي جمعناها خلال هذا المشروع والمتعلقة بتعديل الوصف من الاتجار إلى الترويج أو من الترويج إلى التعامل بالمستحضرات.

 

الشرط الثالث: وحدة السبب

ويقصد به أن تكون الدعويان قد أقيمتا بسبب الواقعة الإجرامية نفسها.

أما إذا استندت كل دعوى إلى فعل مستقل، أو إلى نشاط إجرامي جديد، فلا تقوم حجية الحكم السابق.

وفي جرائم المخدرات تبرز أهمية هذا الشرط عند تعدد الوقائع زمنياً، كأن يضبط المتهم وهو يتاجر بالمواد المخدرة في تاريخ معين، ثم يضبط بعد أشهر في واقعة أخرى مستقلة، فهنا لا تحول البراءة أو الإدانة في الواقعة الأولى دون ملاحقته عن الثانية، لأن السبب القانوني والواقعة التاريخية مختلفان.

 

رابعاً: خصوصية الدفع في جرائم المخدرات

تتميز جرائم المخدرات بتعدد الأوصاف القانونية التي قد تنشأ عن نشاط إجرامي واحد، ولذلك يجب التفرقة بدقة بين:

تعدد الجرائم.

وتعدد الأوصاف.

وتعدد الأفعال.

فالواقعة الواحدة لا يجوز أن تؤدي إلى محاكمات متعددة لمجرد أن النيابة أو المحكمة غيرت التكييف القانوني، أما إذا تعددت الوقائع أو تجدد النشاط الإجرامي، فإن لكل واقعة كيانها القانوني المستقل.

ومن هنا، فإن نجاح هذا الدفع يتوقف على قدرة الدفاع على إثبات أن الدعوى الجديدة لا تتعلق إلا بالفعل ذاته الذي سبق الفصل فيه، لا بمجرد تشابه في نوع الجريمة أو في المادة المخدرة أو في الأشخاص.

 

خاتمة المبحث

يتبين أن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها ليس مجرد قاعدة إجرائية، وإنما يمثل أحد أهم الضمانات الدستورية لاستقرار الأحكام الجزائية، ويحول دون ازدواج المحاكمة أو العقاب عن الفعل الواحد.

وتزداد أهميته في قضايا المخدرات بسبب تشعب الأوصاف القانونية وتعدد صور السلوك الإجرامي، الأمر الذي يقتضي من المحكمة التمييز بين تعدد الوقائع وتعدد الأوصاف، وعدم السماح بأن يتحول اختلاف التكييف القانوني إلى ذريعة لإعادة محاكمة المتهم عن الواقعة نفسها.

 

مكتب العبادي للمحاماة

إعداد المحامي محمد زهير العبادي

هاتف رقم: 0798333357 / 079999960

الدفوع القانونية في قضايا المخدرات

Foreign Company Registration in Jordan: 4 Legal Structures for Foreign Investors (2026 Complete Guide)

Foreign Company Registration in Jordan

Foreign Company Registration in Jordan: 4 Legal Structures for Foreign Investors (2026 Complete Guide)

Looking to register a foreign company in Jordan? Al-Abbadi Law Firm provides comprehensive legal services for foreign investors, including branch registration, company formation, investment structuring, regulatory compliance, and corporate governance under Jordanian law.

Foreign Company Registration in Jordan

Jordan has become one of the most attractive investment destinations in the Middle East, offering a stable legal environment, strategic geographic location, investment incentives, and access to regional markets.

Foreign investors seeking to establish a presence in Jordan may choose among several legal structures depending on the nature of their business activities, ownership requirements, and long-term investment objectives.

This comprehensive legal guide explains the four principal methods of foreign company registration in Jordan, including legal requirements, documentation, registration procedures, estimated governmental fees, and investment advantages under Jordanian law.

 


Method 1: Registration of a Foreign Company Branch Operating in Jordan

A foreign company that has secured a contract, tender, or project within Jordan may register an operating branch.

An operating foreign branch is legally permitted to conduct commercial activities in Jordan within the scope of the contract or project for which it was registered.

 

Documents Required

The following documents are generally required:

– Certificate of Incorporation of the parent company.

– Commercial Registration Certificate.

– Memorandum and Articles of Association.

– Audited Financial Statements.

– Power of Attorney authorizing registration procedures.

– Official Arabic translations of all foreign documents.

– Legalization through the Jordanian Embassy and Ministry of Foreign Affairs.

– Tender award letter or project contract.

– Identification documents of the branch manager.

 

Certificates Obtained After Registration

Following successful registration, the investor typically receives:

– Foreign Company Registration Certificate.

– Chamber of Commerce Membership Certificate.

– Professional License.

Tax Registration Certificate.

– Social Security Registration Number.

 

Estimated Government Fees

The official registration fee for an operating foreign branch is generally around:

JOD 5,000

Additional administrative fees may apply for:

– Document filing.

– Publication requirements.

– Chamber of Commerce registration.

– Municipal licensing.

 


Method 2: Establishing a Jordanian Company Fully Owned by Foreign Investors

Jordanian law permits foreign investors to establish and own companies with up to 100% foreign ownership in many economic sectors.

This option is particularly attractive for international businesses seeking long-term investment opportunities in Jordan.

 

Common Legal Forms

Foreign investors typically choose:

Limited Liability Company (LLC)

or

Private Shareholding Company (PSC)

 

Advantages

– Full foreign ownership in eligible sectors.

– Limited liability protection.

– Ability to conduct business throughout Jordan.

– Access to investment incentives.

– Eligibility for residence and investor privileges.

 

Restricted Sectors

Certain sectors remain subject to foreign ownership restrictions, including selected retail, wholesale, and service activities.

Investors should obtain legal advice before selecting a business activity.

 

Investment Incentives

Qualifying projects may benefit from:

– Customs exemptions.

– Tax incentives.

– Investment facilitation services.

– Special economic zone benefits.

– Renewable energy and technology incentives.

 


Method 3: Establishing a Joint Venture Company with a Jordanian Partner

Many foreign investors prefer partnering with Jordanian nationals or local companies.

A joint venture structure combines international expertise with local market knowledge.

 

Legal Structures

Joint ventures are commonly established as:

– Limited Liability Companies (LLCs).

– Private Shareholding Companies (PSCs).

 

Benefits

– Easier market entry.

– Enhanced access to local networks.

– Assistance with governmental procedures.

– Improved understanding of regulatory requirements.

 

When a Local Partner May Be Required

Some regulated sectors require minimum Jordanian ownership percentages.

The applicable ownership ratios depend on the specific economic activity and current investment regulations.

 


Method 4: Registration of a Non-Operating Foreign Company (Regional Office)

A foreign company may establish a non-operating branch, commonly referred to as a Regional Office.

This structure allows the company to manage and coordinate regional operations from Jordan without generating income from Jordanian sources.

 

Key Features

– No direct commercial activities inside Jordan.

– Regional management and coordination functions.

– Administrative and support operations.

– Strategic regional headquarters.

 

 Documents Required

The registration process generally requires:

– Parent company registration documents.

– Constitutional documents.

– Financial statements.

– Power of Attorney.

– Certified Arabic translations.

– Beneficial Ownership Disclosure Forms.

– Lease agreement.

– Identification documents of the appointed representative.

 

Advantages

– Regional business management.

– Access to Jordan’s skilled workforce.

– Strategic location for Middle East operations.

– Favorable business environment.

 


Why Foreign Investors Choose Jordan

Jordan offers numerous advantages for international businesses:

– Strategic location connecting Asia, Europe, and Africa.

– Stable legal and regulatory framework.

– Strong banking sector.

– Bilateral investment treaties.

– Free trade agreements.

– Skilled multilingual workforce.

– Advanced telecommunications infrastructure.

 


Frequently Asked Questions

 

Can a foreigner own 100% of a company in Jordan?

Yes. Foreign investors may own 100% of companies in many sectors, subject to applicable investment regulations.

 

What is the difference between an operating and a non-operating foreign branch?

An operating branch may conduct commercial activities in Jordan, while a non-operating branch serves as a regional office and generally does not generate local income.

 

How long does foreign company registration take in Jordan?

The timeline varies depending on the legal structure, approvals required, and completeness of documentation. Most registrations are completed within several weeks.

 

Is a Jordanian partner required?

Not always. Many sectors permit full foreign ownership. However, certain regulated sectors may require local participation.

 

Can foreign companies obtain tax incentives in Jordan?

Yes. Eligible investment projects may benefit from customs, tax, and investment incentives under Jordanian legislation.

 


Foreign Company Lawyers in Jordan

Foreign company registration requires careful compliance with Jordanian corporate, investment, tax, licensing, and regulatory requirements.

Professional legal assistance can significantly reduce registration delays, regulatory risks, and compliance issues.

Al-Abbadi Law Firm provides comprehensive legal services for foreign investors, including:

Foreign company registration.

– Branch office registration.

– Regional office establishment.

Corporate governance.

– Commercial contracts.

Investment structuring.

– Regulatory compliance.

International arbitration.

Trademark and intellectual property protection.

For legal assistance regarding foreign company registration in Jordan, foreign investment regulations, or corporate structuring, contact Al-Abbadi Law Firm in Amman, Jordan.


Al- Abbadi Law Firm

Internationally Oriented Local Law Firm

Head Office:
Aqarco Commercial Complex, King Hussein Street, Abdali, Amman, Jordan

 

Mobile & WhatsApp:

+962 79 833 3357

+962 799999604

Foreign Company Registration in Jordan